صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







التحذير من التوسع في مفهوم البدعة

د. بدر عبد الحميد هميسه


وقع في يدي بعض النشرات التي كتبها بعض من شبابنا المتحمس والغيور على دينه وعقيدته الصافية في الحكم على بعض الأشياء من العادات المستحدثة وغيرها بأنها ابتداع في الدين , وأنها مرزولة ومردودة .
وأعتقد أنني لا أشكك في نوايا هؤلاء الشباب ولا في حماستهم وغيرتهم على دينهم وعقيدتهم , ولكن الغيرة والحماس على الدين شيء والحكم على الأشياء شرعا , وقضية التحليل والتحريم شيء آخر .
فلقد حذرنا الله تعالى في كتابه الكريم تحذيرا شديدا من قضية التحليل والتحريم دون سند أو دليل شرعي قطعي الثبوت والدلالة , قال تعالى : \" قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) سورة يونس .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( الأصل في العابدات المنع إلا لنص وفي العادات الإباحة إلا لنص ) . التوسل أنواعه وأحكامه, محمد ناصر الدين الألباني 27.
فالتوسع في مفهوم البدعة والابتداع يؤدي إلى خلط الأمور خلطا كبيرا والى إيقاع الناس في الحرج والمشقة والدخول إلى المحظور من التنطع والتشدد في غير موضع التشدد , ولقد نهانا الإسلام عن ذلك فقال الله في كتابه الكريم : \" مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة , وقال : \" وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) سورة الحج .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:أَلاَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.أخرجه أحمد 1/386(3655) و\"مسلم\" 8/58(6878) و\"أبو داود\" 4608.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ. أخرجه البخاري (39) و\"النَّسائي\" 8/121.

1- التحذير من البدعة والابتداع :

ولقد نهى الله- تبارك وتعالى- عن الابتداع ونهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الابتداع في الدين قال الله- تبارك وتعالى-: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ? [الأنعام: 153] 1. قال الله تعالى :( وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ). سورة الأنعام الآية 153 .
وقال الله تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة النور الآية 63.
قال الراغب الأصفهاني :[ والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله ]. المفردات في غريب القرآن ص 156 .
وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال :[ سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول صلى الله عليه وسلم . فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل . قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر . قال : لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة . فقال : وأي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها . قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت الله يقول :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الاعتصام 1/132 .
وقال تعالى :( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة آل عمران الآية 31 .
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى . ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هـدى محـمـد وشر الأمـور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) صحيح مسلم بشرح النووي 2/464 .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :[ خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً ثم قال : هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ :( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) الآية ، رواه الدارمي وأحمد والنسائي صحيح سنن النسائي 1/346 .
وعن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا . فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) سنن النسائي 3/188-189 . أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 126، 127). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (5/ 13، 15) ح 4607، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (5/ 44) ح 2676 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين (1/ 16). وابن حبان في صحيحه (1/ 139) والحاكم في المستدرك (1/ 96) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (46، 47)، والدارمي في سننه، باب إتباع السنة (1/ 44، 45) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في إتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (1/ 58) ح 165.
وعن عائشة رضي الله عنهما قالت :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية لمسلم :( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) صحيح البخاري مع الفتح 6/230 ، صحيح مسلم مع شرح النووي 3/379 .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي :[ وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث \" الأعمال بالنيات \" ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء ] جامع العلوم والحكم ص 81 .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :[ الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة ] رواه الدارمي والبيهقي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي , صحيح الترغيب والترهيب ص 21 ، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان 2/288 .
وعنه أيضاً قال :[ اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ] رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي ورواه الدارمي مجمع الزوائد 1/181 ، سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان 2/258 .
وقال الأوزاعي :[ اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ] ذكره ابن الجوزي والسيوطي, تلبيس إبليس ص 9.
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال :[ اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ] ذكره الشاطبي في الاعتصام 1/83 .
فوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.

وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
1- الإتباع ، 2- ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته صلى الله عليه وسلم، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه صلى الله عليه وسلم وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها. محمد بن خليفة بن علي التميمي: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة 234.

2- أسباب الابتداع في الدين:

الابتداع في الدين أمره خطير وقدره جسيم وذنبه عظيم بل إن العلماء اعتبروا الابتداع في الدين ذنباً أعظم من الكبائر وقد يجر الابتداع في الدين أصحابه إلى الكفر والإلحاد وإلى مناصبة السنة العداء.
وإنَّ أعظمَ ما يهدِم الدّينَ الإسلاميّ ظهورُ البِدَع المضِلَّة التي يرَى صاحبُها أنّه مصيبٌ وهو على ضلالٍ.
وتكون البِدَع المضلَّة بسبَبِ الجهلِ قالَ عزّ وجلّ: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [الأنعام:116].
والابتداع المضلل في الدين له أسبابه الكثيرة والتي منها :
1- إتباع الهوى . قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50].
2- سوءُ القصدِ والإرَادةِ . قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146].
3- الإعرَاضُ عن تعلُّم الحقِّ والعَمَل به . كما قَال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123، 124].
4- إعجابُ المرءِ بنفسِه ورأيِه . قال اللهُ تعالى: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، وعن أبي ثعلبةَ الخشني أنه سأل النبيَّ عن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] فقال عليه الصلاة والسلام: ((ائتمِروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شُحًّا مطاعًا وهوًى متَّبعًا ودُنيا مؤثَرة وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليك بنفسِك ودَع عنك أمرَ العَوام، فإنَّ مِن ورائِكم أيامًا الصبرُ فيهنّ مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثلُ أجرِ خمسين رجلاً يعمَلون مثلَ عملكم))، قيل: يا رسولَ الله، أجر خمسين منّا أو منهم؟ قال: ((بل أجرُ خمسين منكم)) رواه أبو داود والترمذي . سنن أبي داود: كتاب الملاحم (4341)، سنن الترمذي: كتاب التفسير (3058).
5- البُعدُ عن أهلِ العِلم وَعَدَم سؤالِهم عن أمورِ الدّين وسؤالُ ذوي الجهل بالدين . قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول : ((إنَّ اللهَ لا يقبِض العِلمَ انتِزاعًا ينتزِعه منكم، ولكن يَقبِض العِلمَ بقبضِ العلماءِ، حتى إذا لم يبقَ عالم اتَّخَذ الناسُ رؤساءَ جهَّالاً، فسئِلوا فأفتَوا بغيرِ علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا)) رواه البخاري ومسلم.
6- إيثارُ الدنيا على الآخرة وتقديمُ محبّتها على النعيم المقيم الذي أعدَّه الله للمتقين . قال الله تعالى: كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ [القيامة:20، 21] وقال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16، 17]، وقال عز وجلّ: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة:9].
ولقَد حدَثت أوائلُ البِدَع في أواخِر عصرِ الصّحابة رضي الله تعالى فتصَدّوا لها، ودفَعوا في نحورِها بالبَيان وقوَّةِ السّلطان، حتى ولَّت مُدبِرةً وانكشَفَت ظلُماتها، وحذّروا أمّةَ الإسلام من كلّ بدعةٍ.
ففي أواخرِ عَصرِ الصحابة رضِي الله عنهم ظهرت بدعةُ الخوارِجِ وبدعةُ القدريّة، ثم تتابَعت البدَعُ المضلّة. وفي كلِّ عصرٍ يهيِّئ الله للأمّةِ الإسلاميَّة مِن ولاةِ الأمر والعلماءِ من يطفِئ نارَ الفتَنِ ويقمَع البدَعَ.
وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: (إنَّ وَراءَكم فِتنًا يكثُر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمِنُ والمنافِق والرّجلُ والمرأة والعَبد والحرّ والصّغِير والكَبير، فيوشِك قَائلٌ أن يقولَ: ما للنّاسِ لا يتَّبعوني وقد قرَأتُ القرآنَ؟! وما هم بمتَّبعِيَّ حتى أبتَدِعَ لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتَدَع، فإنما ابتدَعَ ضلالةٌ) سنن أبي داود: كتاب السنة (6411)، وهو في صحيح سنن أبي داود (3855).

3- تحديد مفهوم البدعة:

اختلفت أنظار العلماء في تعريف البدعة وتحديد مفهومها فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات فضيق مفهومها فقصرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحاً .
ومنهم من وسع مفهومها فأطلقها على كل محدث من الأمور وجعلها تنقسم إلى أقسام خمسة : فهي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة . انظر: قواعد الأحكام 2/172 ، الاعتصام 1/37 ، السنن والمبتدعات ص 15 الموسوعة الفقهية 8/21.
وقد سار على أحد هذين المنهجين علماء أجلاء وعلماء أعلام لكل وجهة هو موليها وكل منهم يقصد الوصول إلى ما اعتقد أنه الحق والصواب وكل منهم اجتهد فله أجران إن أصاب وأجر واحد إن خالف قوله الصواب وسأذكر المنهجين وأدلتهما وأبين ما أرى أنه الراجح مع الاستدلال .
الرأي الأول : فقد رأى جماعة من أهل العلم منهم الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وابن الجوزي وأبو شامة المقدسي والنووي والعيني وابن الأثير والقرافي والحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهم أن البدعة تطلق على كل محدثة لم توجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء أكانت في العبادات أم العادات وسواء أكانت محمودة أو مذمومة.
ويرى هؤلاء العلماء أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة فإن وافقت السنة فهي حسنة محمودة وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة .
وبناء على هذا الأساس قالوا إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة فهي إما أن تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة .
قال الإمام النووي : البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة .
قال الشيخ الإمام - المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته - أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله في آخر كتاب القواعد : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ، قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللبدع الواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة . الثالث تدوين أصول الدين وأصول الفقه . الرابع الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه . وللبدع المحرمة أمثلة منها : مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة . وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى . وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف . وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة هذا آخر كلامه ] قواعد الأحكام 2/172 فما بعدها ، فتاوى العز بن عبد السلام ص 328 ، تلبيس إبليس ص 16-17 ، تهذيب الأسماء واللغات 3/22-23 ، الباعث ص 28 ، الفروق 4/202-205 ، النهاية 1/106 ، عمدة القاري 8/245 ، فتح الباري 5/156-157 ، الأمر بالإتباع ص 89 ، الإبداع ص 31 .
ومن أشهر ما اعتمد هؤلاء العلماء عليه ما يلي :
قول عمر رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد بن عبد القاري أنه قال :[ خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهـم ، قال عمر : نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل ، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ] وقوله أوزاع أي جماعة متفرقون . صحيح البخاري مع الفتح 5/155-156 .
قال الحافظ ابن حجر :[ في بعض الروايات نعمت البدعة بزيادة تاء ] فتح الباري 5/156 .
وقال ابن أبي شيبة :[ حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال : سألت محمداً - كذا - عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بدعة ونعمت البدعة ] مصنف ابن أبي شيبة 2/405 .قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح فتح الباري 3/295 .
واحتجوا بالأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى حسنة وسيئة ومنها : حديث المنذر بن جرير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) صحيح مسلم مع شرح النووي 3/84-85 .
ودللوا على ذلك بما فعله عمر من جمع الناس على صلاة التراويح , وكذا زيادة عثمان رضي الله عنه أذانًا ثانيًا يوم الجمعة وسن خبيب بن عدي ركعتين عند القتل, ونقط يحيى بن يعمر المصاحف , وغيرها من الأمثلة المعتبرة عند العلماء.
الرأي الثاني : ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البدعة مخالفة للسنة ومذمومة شرعاً لأنها محدثة لا أصل لها في الشرع وعلى هذا الإمام مالك والبيهقي والطرطوشي وشيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي وابن رجب والشُّمَنِي الحنفي وغيرهم ، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين . الفروق 4/202 ، تهذيب الفروق 4/229 ، الحوادث والبدع ص 21 ، اقتضاء الصراط المستقيم ص 270-271 ، جامع العلوم والحكم ص 335 ، البدع والمصالح المرسلة ص 103-107 .

وأساس هذا المنهج هو تعريف البدعة بالمحدث المخالف للسنة الذي جعل ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً وعلى هذا مشى الشاطبي في أحد تعريفيه للبدعة حيث قال :[ فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه . وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات ] الاعتصام 1/37 .
وقد استدل العلماء القائلون بذم البدعة بما يلي :
أولاً : إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل هذا الدين قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) سورة المائدة الآية 3 .
فلا يقبل من أي إنسان أن يزيد على الدين أو يخترع فيه شيئاً لأن هذه الزيادة والاختراع تعتبر استدراكاً على الله تبارك وتعالى وتوحي بأن الشريعة ناقصة وبأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الرسالة تبليغاً كاملاً .
وحديث جابر قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول : أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم.
قالوا إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ) كلية عامة شاملة مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم \" كل \" والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ بشيء لا يقصد معناه .
وقال الحافظ ابن حجر بعد قوله صلى الله عليه وسلم :( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) قال :[ هذا قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها ، أما منطوقها فكأن يقال ، حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب ] فتح الباري 17/11 .
واحتجوا بما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه .
وقال الإمام الشوكاني : ( وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسنداً له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله صلى الله عليه وسلم :( كل بدعة ضلالة ) طالباً لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة فإن جاءك به قبلته وإن كنت قد ألقمته حجراً واسترحت من المجادلة . ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفك في اقتضاءه البطلان أو الفساد متمسكاً بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا مجرد الاصطلاح مسنداً لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلاً هذا أمر ليس من أمره وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد وكل رد باطل فهذا باطل فالصلاة مثلاً التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعاً باصطلاح أهل الأصول أو شرطاً أو غيرهما فليكن منك هذا على ذكر ] نيل الأوطار 2/89 .
ومثلوا لذلك بما يفعله بعض الجهال بالنذر لغير الله والتمسح بالقبور واستحداث بعض الصلوات والموالد والأعياد التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من سلفنا الصالح .

ولقد قسم العلماء البدعة إلى ثلاثة أقسام :-عملية - اعتقادية – قولية.
فالبدعة في العمل: تكون في العمل الظاهر ، كصلاة تخالف ما ورد عم النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ونحو ذلك من الأعمال التي سبق ذكرها- فكلها داخلة تحت قوله صلى الله عليه وسلم\" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".
والبدعة في الاعتقاد: إذا كان اعتقادا للشيء على خلاف ما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- ، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين ،بل بأهوائهم اعتقدوا كفر عدد من الصحابة. وكالمجسمة ، والمشبههة الذين شبهوا الله بخلقه تعالى الله علوا كبيرا.
والبدعة القولية: إذا كانت تغييرا لما جاء في كتاب الله عز وجل ، ولما ثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة ، مما هو ظاهر المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح ، كأقوال الرافضة ، الخوارج ، والجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة
عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:\" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\". [فتح الباري13/293ح7311].
وفي رواية من حديث معاوية قال صلى الله عليه وسلم:\" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله\".[البخاري ،الاعتصام ، فتح الباري13/293ح7312].
وأما الأصول الجامعة للابتداع في ثلاثة :
الأصل الأول : التقرب إلى الله بما لم يشرع .
الأصل الثاني : الخروج على نظام الدين .
الأصل الثالث : الذرائع المفضية إلى البدعة .
فجذور شجرة الإيمان هي أركانها الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى.
ولقد كانت الأمة على هذا الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه - جل وعلا - وبلغها لصحابته الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - فكانوا أكمل الناس إيماناً، ويقيناً، وفهماً، وتبليغاً لهذه العقيدة.
وقد اعتصموا بهذه العقيدة، وارتبط الإيمان عندهم بالعمل بديهيا، وكانوا يكرهون الابتداع في الدين، والجدال والخصومات والمراء، وكان هديهم التسليم التام لشرع الله تعالى.
قال أبو بكر بن أبي داود :

تمسك بحبلِ الله وأتبعِ الهُدى * * * ولا تكُ بدعيا لعلك تُفلحُ
ودنْ بكتابِ الله والسننِ التي *** أتت عنْ رسول الله تنجو وتربحُ
ولاَ تُكْفِرنْ أَهلَ الصلاةِ وإِنْ عَصَوْا ***فَكُلهُمُ يَعْصِي وذُو العَرشِ يَصفَحُ
ودعْ عَنْكَ آراءَ الرجالِ وقَوْلَهُمْ ***- فقولُ رسولِ اللهِ أزكَى وأَشْرحُ
ولا تَكُ مِن قوْمٍ تلهوْا بدينِهِمْ ***فَتَطْعَنَ في أهلِ الحَديثِ وتقدحُ
إِذَا مَا اعْتقدْت الدهْرَ يا صَاحِ هذهِ *** فأَنْت عَلَى خَيْرٍ تبيتُ وتُصْبِحُ

إذا فالأمر فيه سعة واختلاف العلماء في تحديد مفهوم البدعة دليل على السعة والمرونة في التشريع الإسلامي وانه تشريع يتسع لكل الآراء , ولا مشاحة حينئذ في الاصطلاح ولا يجوز التصنيف على أساس من الظن , وتفريق كلمة الأمة لخلاف سائغ .
ولقد ضرب علماء الجرح والتعديل أروع الأمثلة التي قد يندر وجودها في التاريخ في الحكم على أهل البدع بالتجريح أو التعديل ؛ ففرقوا بين من يدعوا إلى بدعته ومن لا يدعوا إليها ووضعوا القواعد الضابطة لذلك والتي أكدت على نزاهتهم وأمانتهم في الحكم على الناس .
وفى ذلك يقول محمد بن سيرين : \" ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ، ولم تذكر محاسنه \" الخطيب البغدادي : الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص 161 .
وروى ابن أبى حاتم قول حذيفة بن اليمان : \" كفى بالعلم خشية ، وكفى بالجهل أن يذكر الرجل محاسن أمور وينسى مساويها \" ابن أبى حاتم : علل الحديث ج2 ص 125 .
فها هو الإمام البخاري – رحمه الله – يتحمل الحديث عن أعلام الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج ويجعل حديثهم حجة ، ومرويهم سنة ، ويفخر بذكر أسمائهم في أسانيده ، ويخلد لهم أجمل الذكر في أشرف مصنف \". جمال الدين القاسمى : الجرح والتعديل ص 22 .
وهذا أبو داود السجستانى صاحب \" السنن \" يقول عن الخوارج \" ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج \" الخطيب البغدادي : الكفاية في علم الرواية ص 130 .
ونقل البيهقى بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : \" يكتب العلم عن أصحاب الأهواء وتجوز شهادتهم ، ما لم يدعون إليه ، فإذا دعوا إليه ، لم يكتب عنهم ، ولم تجز شهادتهم ، يريد بكتبة العلم والأخبار\" البيهقى : السنن الكبرى ج10 ص 208
وقد احتج الشيخان : البخاري ومسلم ، بروايات بعض هؤلاء ومنهم : عمران بن حطان الخارجي وعمرو بن دينار القدري ، وعكرمة ، وكان إباضيا ، وابن أبى نجيح ، المعتزلى ، وسعد ، وشبل بن عياد ، والدستوائى ، وابن أبى عروبة ،ومسعر بن كدام ، وغيرهم .
وهذا النهج قد سار عليه ابن أبى حاتم الرازي ، فلم تكن لديه عصبية ضد هؤلاء ، بل كان الحق مبتغاه ، والحكمة ضالته .
قال في ترجمة : \" مقاتل السمرقندى \" : سئل أبى عنه فقال : كان صدوقا ، وكان من رؤساء الشيعة . ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج1 ص 77 .
وفى ترجمة : \" محمد بن على السلمى \" قال : سألت أبى عنه فقال : هو من الشيعة ، قلت ما حاله ؟ قال صدوق ، لا بأس به ، صالح الحديث . ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج6 ص 161 .
وقال في ترجمة : \" سالم بن عجلان الجزري الأفطس \" سألت أبى عنه فقال : صدوق ، وكان مرجئا ، نقى الحديث. ابن أبى حاتم : الجرح والتعديل ج4 ص 186 .وراجع كتابنا \" قضايا الجرح والتعديل عند ابن أبي حاتم الرازي ص 399 وما بعدها , نشر المكتب الجامعي الحديث 2009م .
فالتوسع في مفهوم البدعة وجعلها تشمل العبادات والمعاملات والعادات يمزق وحدة الأمة وينشر الفرقة والاختلاف بين الناس وهو ما نهانا الله عنه فقال : \" وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) سورة آل عمران , وقال : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) سورة الأنعام .
فنحن مأمورون بالاعتصام والتآلف , قال تعالى : \" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) سورة آل عمران.
والحكم على الناس بالابتداع لأدنى شبه ولظن غير راجح , ليس من الإسلام في شيء .

وقبل الحكم على الأشياء بأنها مبتدعة وأنها ليست من الدين لا بد من التوقف والدراسة وفهم المقاصد الكلية للتشريع الإسلامي , ومعرفة مواطن السعة والمرونة في التشريع الإسلامي , وسنة التدرج , ومعرفة فقه الواقع , ومعرفة مناط الأدلة , فقد قسم العلماء الدلالات على الأخبار إلى أربعة أنواع :
1-قطعي الثبوت قطعي الدلالة كقوله تعالى \" وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (43)سورة البقرة .
2-قطعي الثبوت ظني الدلالة أي وان كان ثبت قطعياً فيمكن أن يختلف في فهمه كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة .فما مقدار المسح الواجب وما هو اللمس الناقض.
3-ظني الثبوت قطعي الدلالة كقول ابن عمر: \"فرض رسول الله زكاة الفطر على كل حر وعبد..\" في إثبات فرضية صدقة الفطر لكنه ظني الثبوت فلو قدرنا أن إنسانا أنكره بلا دليل لا يكفر ولا يخرج من الملة, لكن لو أن أحدا أنكر فرضية زكاة المال كفر لأنها ثبتت بنص قطعي ودلالة قطعية.
ثم هذا النص الذي هو قطعي الدلالة على فرضية صدقة الفطر اختلف في ثبوت بعض فقراته, فأضاف بعضهم في آخر من المسلمين فهو ظني الثبوت من جهتين من حيث هو ومن حيث بعض فقراته ومن ثم اختلفت دلالته من حيث التفصيل.
4-ظني الثبوت ظني الدلالة.
كالأحاديث التي تتكلم عن بعض البيوع المحرمة وهكذا إذا تحسن تتبعنا السنة النبوية, فمعظمها ظني الثبوت وكثير منها ظني الدلالة, تقف مثلاً مع أحاديث \"لا نكاح إلا بولي\" و\"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" فهذه ظنية الثبوت فقد صححها بعض العلماء وضعفها آخرون واعتبرها أبو حنيفة مخالفة لظاهر القرآن.
وعندما نقف مع قوله (صلى الله عليه وسلم) \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\", أو من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج\". هنا نحن أمام أحاديث ظنية الثبوت بمعنى انه وان صحت عند أهل العلم لكنها لم تبلغ التواتر ويخالف ظاهر القرآن, فلذا رأى أبو حنيفة انه لا بد أن يوفق بينهما وبين القرآن فهي ظنية الثبوت ظنية الدلالة, إذ يمكن أن تفهم بمعنى \"لا صلاة كاملة\" وليس بمعنى بطلان الصلاة لماذا؟. لأن الله يقول :\" فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ\" .
قال الشيخ محمود شلتوت : \" ومِن هنا يُعلم أن الابتداع في الدِّين إنما يكون فيما تعبَّدَنا الله به من عقيدة أو عبادة أو حِلٍّ وحُرْمة , أما ما لم يتعبَّدْنا الله بشيء منه ـ وإنما فوَّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحتنا ومُحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات ـ فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يُؤثر على تديُّن الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مُقتضيات التطوُّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدِّ المَوروث مِن وسائل الحياة عن الآباء والأجداد. وإذا كان لحياة الأبناء والأحفاد وسائل غير وسائل الحياة لأسلافهم كان مِن ضرورة بقائهم وطيِّب حياتهم ومُسايرتهم للتقدُّم الزمني أن يخلعوا وسائل الأسلاف التي لا تتفق وزمنهم، ويعملوا جاهدينَ في تلبية عُصورهم بما تطلبه وتقضي به، وإلا تخلَّفوا عن الركب المُجِدِّ في السيْر، وانقطع حبل اتصالهم به، وصاروا في عُزلة لا يُسمع لهم فيها صوت، ولا يُعرف لهم فيها وجود. فتاوي محمود شلتوت 259.
فإذا كان الاختلاف حقيقة كونية، وضرورة شرعية؛ فلماذا يؤدي إلى التناحر والتشرذم والتفرق والضعف؟؟.
إن السبب الرئيس في هذه المسألة هو غياب آداب وأخلاق الاختلاف، فكل يقول رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب.
فلا بد أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضا بعضا فيما اختلفنا فيه.
يقول الدكتور طه جابر العلواني في كتابه القيم (آداب الاختلاف): \"إن من أهم الواجبات أن يدرك الجميع أن أخوَّة الإسلام، ووحدة صفوف المسلمين المخلصين والحفاظ عليها، ونبذ كل ما يسيء إليها أو يُضعف من عراها، فريضة من أهم الفرائض، وعبادة من أهم العبادات، وقربة من أفضل القربات.
إن الأخوة في الله ووحدة القلوب بين المسلمين تحتل المراتب الأولى للواجبات، بل هي في مقدمتها؛ لأنها شقيقة التوحيد وقرينته، كما أن هناك مراتب للمنهيَّات يقع النيل من الأخوة في مقدمتها كذلك؛ ولذلك فإن علماء السلف كثيرًا ما يفعلون المفضول ويتركون الأفضل منه مراعاة للائتلاف وخروجًا من الخلاف، وقد يتركون المندوب، في نظرهم، ويفعلون الجائز تحقيقًا لذلك.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: \"المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سرًّا ولا جهرًا.
وصلَّى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء فصلَّى خلفه أبو يوسف ولم يُعِد.. وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك؟\". أدب الاختلاف في الإسلام , طه جابر العلواني 42.
قال الحريري المتوفي سنة 516

سامح أخاك إذا خَلَطْ * * * منه الإصابةَ بالغَلَطْ
وتجافَ عن تعنيفه * * * إن زاغ يوماً أو قَسَط
وأعلم بأنك إن طلبـ * * * ـت مهذباً رُمت الشطط
من ذا الذي ما ساء قـ * * * ـط ومَن له الحسنى فقط

كما أن علينا الإخلاص والتجرد وطلب الحق لله وحده وليس إنصافا للنفس ولا إتباعا للهوى . وقد كان الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول كنت أناظر الرجل وأدع الله أن يظهر الحق على لسانه، فغاية الإمام رضي الله عنه ظهور الحق سواء كان على لسانه أو لسان غيره، فليس لديه رأي مسبق، ولكنه يتحاور ويناقش للوصول للحق، وليس التمادي في الباطل، حتى لو ظهر له بطلان رأيه وصواب رأي المخالف.
وكذا عدم التشكيك في النوايا ومعاملة الناس بالظاهر، وترك القلوب لعلام الغيوب: لأنه إذا عاملنا الناس بالنوايا فلن نصل إلى شيء، فلن نتحاور مع غير المسلمين لأنهم يضمرون لنا العداوة والبغضاء، حتى لو أظهروا المودة والمحبة، وحتى لو اتضح فيهم الحياد والموضوعية، ولن نتحاور مع الشيعة لأنهم يأخذون بمبدأ التقية، وقس على ذلك كل اختلاف يحدث لو أدخلنا في التفتيش في النوايا، والبحث عنها ما استطعنا أن نقدم شيئا.
والنبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع المنافقين الذين نزل فيهم قرآن يتلى إلى يومنا هذا، وفضحهم الله عنده وسماهم بأسمائهم وكشفهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريقة لا تقبل الشك، وعلى الرغم من هذا كله عاملهم النبي بالظاهر، وترك بواطنهم لعلام السرائر.
ولقد علّمنا القرآن أن عدم الإنصاف قرين \"إتباع الهوى\" حيث قال : \" يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) سورة ص.
وقال {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة 8) أي لا تحملكم عداوة قوم أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم بالحق.وقال :{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام 152).
وقد نص العلماء رحمهم الله تعالى على أن من جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فقد كفر. والمعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يجهله جاهل ولا عالم. قال الإمام النووي \"من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة: حُكِمَ بِرِدّته وكفره، وكذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة\" النووي على مسلم 1/100 .
ولنتعلم الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة , يذكر أنه في زمن أبي جعفر المنصور ، دخل عليه رجل مجوسي يدعي الإيمان . فقال : إن رائحة الطائفيين حول الكعبة تزعج البعض فلو وضعت على ظهر الكعبة بخوراً وناراً لان هبت الريح شم الناس ريحاً طيباً . فأمر الخليفة بفعل ذلك . وهذه قضية المجوس: الطواف وعبادة النار . فبلغ ذلك العالم يزيد بن النقاش ، فقال : انشروا بين الناس أني ذاهب للحج. فقال أبو جعفر : نذهب معه لنتعلم منه، فتواعد كلاهما أن يلتقيا في التنعيم ليلقي أبو اليزيد درساً في مناسك الحج. فاجتمع الناس وفيهم أبو جعفر. فقال أبو اليزيد : \"إذا قلت أما بعد ، استوقفني. وأحمد الخليفة ، أنه فعل كذا وكذا، حتى إنه وضع البخور على ظهر الكعبة. فبدأ أبو اليزيد حديثه ، فحمد الله ثم قال : أما بعد. فاستوقفه المريد وقال ما أمره به أبو اليزيد فقال أبو اليزيد : اخسأ يا هذا أأنت أفقه من أمير المؤمنين ؟ أمير المؤمنين أفقه مني ومنك وأعلم بكتاب الله مني ومنك. كيف تتدعي على أمير المؤمنين كذباً أنه يفعل كما تفعل المجوس نطوف حول النار. وانفعل أبو اليزيد حتى قال أمير المؤمنين لأحدهم : اذهب بسرعة وانزل البخور وأطفئوا النيران. فانتهى الأمر بأدب، دون تجريح لأحد .
فلنضع نصب أعيننا قول الله تعالى : \" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل.
وقول النبي اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ. أخرجه أحمد 4/362(19420) \"البُخَارِي\" ، في (الأدب المفرد) 463 و\"مسلم\" 8/22(6690) .
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مظلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهدين.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د. بدر هميسه
  • مقالات ورسائل
  • الكتب
  • وصية الأسبوع
  • سلسلة أحاديث وفوائد
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية