اطبع هذه الصفحة


علماءُ مضيَّعون...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


ضيّعهم بنو عصرهم، وأهملهم أقوامهم، وتقالّوا علمهم، ولم يحفلوا بنَتاجهم، حتى طال العمر، وحضر اليقين، وأخذهم الله لميعاده(( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )) سورة الاعراف.
ومن المؤسف أنه من زمن وآخر، يطلع بعض طلاب العلم يحكي شيئا من ذاك، ويتلهف على زمان بهيج ضاع منهم، وسنوات خُدرت، ولحظات لا تكاد تعود، وقديما قال الأسلاف : ( أزهد الناس في عالمٍ أهله وجيرانه )، ونشعر أن ذلك زاد في العصور المتأخرة، وتفاقم في جهات مختلفة، وأن تقدير العلم قل وتناقص، فباتت تشبه (الظاهرة المتأمل) فيها، ويخشى اتساعها ..! وثمة أسباب خاصة متعلقة بذات العالم وتصرفاته وخلقه، وإن كان السلف يغلّبون خيوره على شروره، استبقاءً للعلم وحرصا عليه...!

وسبب الإضاعة ما يلي:


١/
عدم تعظيم العلم : والنظرة له باستصغار، وأنه ليس محتاجا إليه، أو لا يوجد له جمهور حرصاء عليه، وبالتالي يقل تعظيمه في النفوس، برغم الاحتياج اليومي في شؤون العبادات وتصحيحها وسلامتها.

٢/
تقال إنتاجهم وفضلهم: واعتقاد صعوبة كتبهم، وقوة طرحهم لما تحويه من سطور متينة وتقريرات عميقة، بحيث لا تصرف لها الناشئة ولا يربون على القراءة والاطلاع .

٣/
زهد العشيرة والمحلة: ونظرتهم المقللة لجهد ابن محلتهم، ورمز قبيلتهم، وأنه لا يعدو أن يكون ناقلا، أو باحثا متواضعا. وقد يعمد بعضهم للتحطيم حسدا من عند أنفسهم، وضيقا من إبداعه، ومحاولة لرده وقهره، ليعود أدراجه للجهل أو للدنيا وزهراتها ..!

٤/ قلة التلاميذ: الذين يحضرون له أو يبجلون ، أو يكتبون علمه وينشرونه في المشارق والمغارب. قال الإمام الشافعي رحمه الله( الليث أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به...) .
وانظر كيف صنع تلاميذ الأئمة الأربعة وفضلهم في انتشار المدارس الفقهية، حنفية ومالكية، أو شافعية وحنبلية...،!
وكذلك مافعله ابن القيم وابن مفلح رحمهما الله تجاه العلم الفذ ابن تيمية رحمه الله .

٥/ التوجهات الحزبية: والتي تحدد الولاءات والخصومات، وتدعم وتوآزر أو لا،،؟! قد تدعم المهرجين والجهلة على حساب مشايخ فقهاء، وحفاظ أجلة، لو صين قدرهم لارتقت بهم المجالس، وعلَت بهم المحافل...!
وتركز تلكم الحزبيات على تدين هش، وترفيه بالغ، وتجمعات تلقائية بسيطة، تستصغر العلم، وتهون من الفقه، وتصنع حواجززبينهم وبين حملته المتقنين...!
وما صوف جل الشباب عن حدايق العلماء إلا بسبب محاضن مهترئة حزبية، جل همها الولاء للحزب والوجهة والطريقة،...! فيكبر الشاب بقناعات باطلة تحرمه كل ذاك الخير من العزة والرفعة، (( يرفعِ الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) سورة آل عمران .

٦/
الحِدة التوجيهية : الصادرة من بعض العلماء وتَحمل الشباب والمنسقين على تجاهلهم وتركهم، ومن ثم ننصح مشايخنا هؤلاء بتجنب الحدة والفظاظة الخطابية، والنزول إلى مستوى الجيل ودعوتهم برفق، والتباعد كثيرا عن العنف والشدة، باسم الحزم والصرامة التربوية...!(( ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضوا من حولك )) سورة آل عمران.
والطريقة المشؤومة وما تحمل من تحريض أو مشاقة وفكرة تنازعية مسبقة،،،! بحيث يصاغ عقول الشباب على هواهم، ولو عز علمهم، وهانت ثقافتهم

٧/
ضعف الحفاوة بالشيخ : تشجيعا وتوقيرا، ومبادرات لاستخراج معلوماته المكتنزة. وعدم تنشيط دوره العلمي ومجاله التخصصي، الذي يملأ نفسه، ويستغرق وقته.

٨/
هيئة العالم وبساطته: كعدم اهتمامه بحسن المظهر أو ضعف جسمه وهزاله، الذي قد يصرف الآخرين عنه. لان الناس وللاسف الشديد غلبت عليهم المظاهر والتجمل الزائد، وفِي الحديث قال صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم )) رواه مسلم في صحيحه .

٩/ الميلان الوعظي: وتغليبه على الخطاب العلمي المركز والتأصيل الفقهي المتين، ونسيان حاجة المجتمع والأمة إلى مثل ذلك، وليست في باب من الاختيار والمباحات نحوه، بحيث تُهمل وتُبدد ....! ولكنها حتمية واجبة تضطلع بها فئات لحفظ الدين والفتوى والتصدي للمخالفين وأهل البدع، وغلبة الوعاظ في منطقة ما قد ينفع إيمانيا وأخلاقيا، ولكنه يغيب فكريا وبنائيا..!
فتعيّن الاتزان وتنويع الخطاب الدعوي.

١٠/ توقع صعوبة العلم: ومن ثم ما ينبغي له الإجهاد، ولا حمل النفس على المشاق، ومحاولة صنع عراقيل موهومة، تلغي الإقبال والشعف العلمي،،،! وسببه التعليم المشوش، والمحضن المختل، والتوجيهات النكِدة، والتي تأمل الظفر على حساب عقول بريئة وطاقات متينة، والله المستعان .

ومضة/
تضييع جهد العلماء مزلق تربوي يتحمله أدعياء التربية وجهات إعلامية مشبوهة..!

١٤٣٨/٨/١٦

 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • الكتب
  • القصائد
  • الصفحة الرئيسية