صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



أربعون الحفظ والتحصيل
من كلم السيد النبيل
صلى الله عليه وسلم
1441هـ 2019م

جمع وتعليق
د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


المُفتَتح

الحمد لله جعل العلماء حفاظا، وصنع منهم أيقاظا، وخصهم بفضله، وزادهم من عطائه وبذله، فيا لله كم علموا وحفظوا، وكم درسوا وضبطوا، حتى دوّت بهم الآفاق، وزانت بهم الأخلاق، وباتوا شامةً في الغروب والإشراق، وصلى الله وسلم على إمام المتقين، وسيد الحافظين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد:
فإن من أسس العلم وجمالياته، حفظه من الضياع، وضبطه عن النسيان، إذ به ترسخ العلوم، وتُصان الفهوم، ويُعرف الجاد، ويكتشف الجواد ، ولا يمكن لعالم أن يدّعي العلم بلا ذاكرة واعية، أو حافظة حاوية، تضبط بها الأصول، وتمهر المتون، وتستلهم الأخبار، حتى يصير قائدهم ومقدمهم، وسيدهم ومفيدهم، قال تعالى: (والربانيون والأحبارُ بما استُحفظوا من كتاب الله) (المائدة :٤٤ ) .
وصحّت دعوته صلى الله عليه وسلم للعلم والتعلم، والحفظ والتحفظ، بل نص في آثار معلومة على الحفظ والوعي والحرص، ونبه صحابته، فصرحوا بحفظهم وعنايتهم بذلك، وما بزّوا هم ومن بعدهم إلا بالحفظ المتقن، والضبط المعلن، وجعله العلماء رتبة من رتب العلم وأصوله وآدابه، قال عبدالله بن المبارك رحمه الله: (181هـ): ( أول العلم النية ، ثم الاستماع ، ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر ) .
ولا يصح نعت المحدث والشيخ والداعية والمفتي والعالم، بلا مخزون علمي يحمله، وذخائر يبثها، ومكانز ينشرها، لأن العلم عزيز، ومِن عِزته، حفظُه والتعب فيه، والسهر لأجله، قال بعض العلماء :

سَهَري لِتَنقيحِ العُلومِ أَلَذُّ لي... مِن وَصلِ غانِيَةٍ وَطيبِ عِناقِ
أأَبيتُ سَهرانَ الدُجى وَتَبِيتُهُ... نَوماً وَتَبغي بَعدَ ذاكَ لِحاقي..؟!
وتجلى ذلك في حياة الصحابة الكرام، وجمعهم العلم من فم رسول الله، وهيج ذلك لجمعها (أربعين نبوية)، تُضم لأخواتها السابقات، فتشعل همماً بردت، وعزائم فترت، وطاقات خمَلت....!

لا سيما والزهاد قد كثروا، والمثبطون حضروا، مستغلين تقنية باذخة، ومعلومات ثائرة، وأجهزة صاعقة متطورة...! كي يقللوا من شأن الحفظ والتكرار، أو الضبط والترداد. ولعل في هذه الأربعين ما يُحي هذا المعنى، ويزيد في صناعة المغنى، فيطيب مَن للعلم حفيظ، وهو به زعيم عليم، فيرددها من حين لآخر، ويعتادها نظرا واستذكاراً ، فَقَد رَوَى الخَطِيبُ البَغْدِاديِّ عَنْ عَلقَمةَ قَالَ : ( أطِيلُوا ذِكرَ الحَديثِ لا يَدْرُس ) .
وقال المحدّث يحيى بنَ مَعِينٍ رحمه الله : ( لَو لم نَكتُب الحَديثَ خمسينَ مَرَّةً مَا عَرَفنَاه ) .
وكونها في ظلال السنن، وأفانين المنن، فهو من تعظيم السنة ورد الناس إليها..
والمعتبر هنا أربعون الجمع والتبليغ المطلق ، لا أربعين الحديث الضعيف الأمحق، فقد اتفقوا على تضعيفه، واحتشدوا على توهينه وتقليله، نذكرها بعناوين واضحات، وتعاليق كاشفات، تقرّب معانيها، وتحلّي قارئيها ، وتورثهم الهَم والهمة، والجد والعزمة، حتى يكونوا حفاظَ المستقبل، ووعاة الشرع المنزّل، وحذاق الذكر والأثر المكلّل .

والله الموفق ..
١2/٨/١440هـ



١/ الحديث الأول: حفظ العلم ووعيه:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ) . الترمذي (٢٦٥٧).
في الحديث؛ فضل حملة الحديث ومبلغيه، وأن الله يكسبهم نورا وبهجة في الوجه ، واستحباب البلاغ النبوي والنشر السني لآثاره صلى الله عليه وسلم، وأن بعض المبلّغين أوعى وأفهم ممن حضر واستمع .

٢/ الحديث الثاني : فضل من حفِظ وعلّم:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ، أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ- أي الأرض التي لا تنبت- أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ،- أي ملساء- لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) . البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) .
فيه بيان علو من حفظ العلم وعلمه الناس، وعمل به، وأنه أفضل الأصناف الثلاثة، ويليه من علّم غيره وإن لم يعمل في نفسه، والثالث من لم يرفع بذلك رأسا، كالسباخ لا تعلمت ولا علمت غيرها ، قال الناظم:
والنَاس كالأراضي المزروعةْ/ رياضُ أو أجدبُ أو ممنوعة
قال النووي رحمه الله: ومعناه : أن الأرض ثلاثة أنواع ، وكذلك الناس ، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتا ، وينبت الكلأ ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها ، وكذا النوع الأول من الناس..
والنوع الثاني من الأرض : ما لا تقبل الانتفاع في نفسها ، لكن فيها فائدة ، وهي إمساك الماء لغيرها ، فينتفع بها الناس والدواب ..
والنوع الثالث من الأرض : السباخ التي لا تنبت ونحوها ، فهي لا تنتفع بالماء ، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها ، وكذا النوع الثالث من الناس ؛ ليست لهم قلوب حافظة ، ولا أفهام واعية ، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ، ولا يحفظونه لنفع غيرهم ، والله أعلم . (شرح النووي مختصرا ).

٣/ الحديث الثالث : الحفظ والبث:

عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : ( حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ ) . البخاري( ١٢٠ )

فيه عناية السلف بحفظ العلم، وأن الحفظ مقتضاه النشر والبث، إلا ما استثني من بعض العلوم الضارة أو غير المجدية أو كانت الحكمة تأخيرها .

٤/ الحديث الرابع : الحفظ الدقيق:

عَنِ ابن عمر رضي الله عنهم قَالَ : ( حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ : رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، كَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا) .البخاري( ١١٨٠ ) ومسلم ( ٧٢٩ ).
فيه منقبة لابن عمر وحسن تتبعه لصلاة رسول الله، وأن الرواتب عشر، خلافا لمن يزيد عليها، وقد عُرف هو بقوة التتبع، وشدة السؤال والمثابرة .

٥/ الحديث الخامس:المرأة الحافظة :

عَن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قَالَتْ : مَا حَفِظْتُ { ق } إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ : وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا. مسلم( ٨٧٣ ).
فيه سنية الخطبة بسورة ق، وحضور النساء الخطبة أو استماعهن بالجوار، وأن في النساء حافظات مجدات.
قال النووي رحمه الله:" قال العلماء سبب اختيار ( ق ) أنها مشتملة على البعث والموت ، والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة ، وفيه دليل للقراءة في الخطبة كما سبق ، وفيه استحباب قراءة ( ق ) أو بعضها في كل خطبة ".

٦/ الحديث السادس : التشكيك في بعض الحفظ:

عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى، فَحَصَبَهُ بِهِ، فَقَالَ : وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا ؟ قَالَ عُمَرُ : لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } . مسلم ( ١٤٨٠ ).
في الحديث: الرد على بعض الحفاظ والتشكيك في كلامهم، لا سيما إذا ورد ما يناقض دعواهم، وأن الحافظ قد يعتريه النسيان .

٧/ الحديث السابع : الحفظ المؤكد :

عَنْ عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا..) مسلم( ٢٩٤١ ).
فيه بيان الحفظ الراسخ بلا نسيان، وأن من القضايا ما يثبت ويطول مع صاحبه كأخبار الفتن والأشراط .

٨/ الحديث الثامن : جرأة الحافظ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ ). فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ : أَمَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ ؟ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ : لَا. قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ : فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : هَلْ تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا. قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ : فَمَا ذَنْبِي إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسُوا ..) رواه الترمذي ( ١٢٦١ ).
فيه فضل أبي هريرة وذاكرته القوية، وأن كثرة محفوظاته جعلته كثير التحديث والبلاغ، وأن كتمانه لا يجوز، وهو معرض للجام الناري كما صح بذلك الحديث .

٩/ الحديث التاسع : حفظ دقيق العلم وجليله :

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ). أبو داود ( ٢٨٧٣ ).
فيه بيان حفظ السلف وعنايتهم ولو المسائل الصغيرة، وأن اليتم ينقطع بالبلوغ كالاحتلام، وكراهة الصمت إلى الليل، وأنه من أفعال الجاهلية .

١٠/ الحديث العاشر : سؤال الحفَظة:

عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ). الترمذي( ٢٥١٨ ).
فيه استلهام ما عند الحفظة من العلم، وقد التقوا بالقدوات والأعلام، ومذاكرة السنن، والتباعد عن الأمور الظنية والمشتبهة والمتوهمة، لأن الحقائق لا يشك فيها القلب، بخلاف الأكاذيب والأباطيل . قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:( وهذا الحديث من جوامع الكلم ، وما أجوده وأنفعه للعبد إذا سار عليه ، فالعبد يرد عليه شكوك في أشياء كثيرة ، فنقول : دع الشك إلى ما لاشكّ فيه ، حتى تستريح وتسلم ، فكل شيء يلحقك به شكّ وقلق وريب : اتركه إلى أمر لا يلحقك به ريب ، وهذا ما لم يصل إلى حد الوسواس ، فإن وصل إلى حد الوسواس فلا تلتفت له ).

١١/ الحديث الحادي عشر : الحفظ المعدود:

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَتَيْنِ : قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ثُمَّ لْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) . مسلم( ١٩٥٥ ).
في الحديث : تعيين الحفظ بالعدد، وحرص السلف على البلاغ والتأدية، وفضل الإحسان والرحمة، وإتقان العمل، واحتساب الأجر في ذلك لأنه مكتوب من الله، وحرمة التعذيب للبشر والحيوان ، ويعد الحديث قاعدة ومن جوامع الإسلام العظيمة.

١٢/ الحديث الثاني عشر : نعمة الحفظ:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدْ حَفِظْتُ السُّنَّةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي، أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا ؟ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عُتِيًّا ، أَوْ ( عُسِيًّا ). أحمد ( ٢٢٤٦ ). وسنده صحيح .
فيه استحباب حفظ السنن، وجمع النفس على ذاك، والتحدث بنعمة الله، وتردد الحافظ وعدم جزمه عند التشكك، وورع الحافظ من النقل بلا تأكيد .

١٣/ الحديث الثالث عشر : تعلم وحفظ:

عن أبي قتادة وأبي الدهماء، قَالَ عَفَّانُ : وَكَانَا يُكْثِرَانِ الْحَجَّ، قَالَا : أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ الْبَدَوِيُّ : أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، فَكَانَ فِيمَا حَفِظْتُ عَنْهُ أَنْ قَالَ : ( إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ لِلَّهِ إِلَّا آتَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ ). المسند ( ٢٠٧٣٩ ). وسنده صحيح.
فيه تواضع رسول الله، وحنوّه بالمتعلم والحرص على تعليمه وتفهيمه، حتى يبلغ الحفظ والإتقان .

١٤/ الحديث الرابع عشر : الأمر بالحفظ:

في حديث وفد عبد القيس وفيه( أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : " شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ، وفيه وقَالَ : ( احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ).البخاري ( ٥٣ ) ومسلم( ١٧ ).
فيه العناية بالعلم وضبطه، وتبليغه من وراءك، وفِي ذلك من التعاون والترسيخ ما لا يخفى، وأن أركان الإسلام من الإيمان ومن أوائل ما يتعلم .

١٥/ الحديث الخامس عشر : كراهة الكتابة :

عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَلَا تُكْتِبُنَا ؟ فَإِنَّا لَا نَحْفَظُ. فَقَالَ : لَا، إِنَّا لَنْ نُكْتِبَكُمْ، وَلَنْ نَجْعَلَهُ قُرْآنًا، وَلَكِنِ احْفَظُوا عَنَّا كَمَا حَفِظْنَا نَحْنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. : الدارمي ( ٤٨٧ ) وإسناده صحيح .
فيه: فضل السلف وقوة عنايتهم بالحفظ، وتقديمهم الوعي على الكتابة، وفِي الأول من الحزم والمتابعة ما لا يدرك بالقلم والقرطاس ، وحمل العالم تلاميذه على الجد والاهتمام ، قال الإمام الشعبي رحمه الله : ( ما كتبت سوداء في بيضاء قط ، وما سمعت من رجل حديثاً قط، فأردت أن يعيده عليّ ).
ولبعضهم :
أأشهدُ بالجهل في مجلسٍ/ وعلميَ في البيت مستودعُ؟!
إذا لم تكن حافظاً واعياً/ فجمعُك للكتْب لا ينفعُ..!

١٦/ الحديث السادس عشر : حفظ الأسماء :

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سَمَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ أَسْمَاءً، مِنْهَا مَا حَفِظْنَا، فَقَالَ : ( أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ ). قَالَ يَزِيدُ : " وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ ".
المسند (١٩٥٢٥) وأصله في مسلم (٢٣٥٥) بدون قوله ( ما حفظنا ) .
فيه حفظ العلم والعناية بأسماء رسول الله، وتعدد أسمائه وهو دليل فضله . ومعنى المقفي المتبع للأنبياء قبله.
قال النووي رحمه الله: وأما ( نبي التوبة ، ونبي الرحمة ، ونبي المرحمة ) فمعناها متقارب ، ومقصودها أنه صلى الله عليه وسلم جاء بالتوبة وبالتراحم ، قال الله تعالى : { رحماء بينهم } ، { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } ، والله أعلم .

١٧/ الحديث السابع عشر : الحفظ من الفم :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، سَمِعَهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ) . النسائي (٦٤٥).
فيه بيان أهمية الحفظ ، والتأكيد على السماع والحضور، لا سيما لمن شكك في الفائدة ، او نفى المعلومة .

١٨/ الحديث الثامن عشر: الحفظ الشديد:

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ-أي جُمعت وحفظت- ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ..) الحديث . البخاري(٢).
فيه بيان حفظ الوحي وتسهيل ذلك على رسول الله، وإن ظهر شديدا أحيانا ليعظم شأن الوحي عنده، وأن الفضل لله أولاً وآخراً في تذليل سبل العلم وطرق حفظه .

١٩/ الحديث التاسع عشر : إنما العلم الحفظ:

عن عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ - قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. مسلم(٢٨٩٢).
فيه أن العلماء هم الحفاظ، وإنما شرفوا بأشياء من أجلها الحفظ والضبط، وفضل الحفظ من المرة الأولى، وأنه لا يتم إلا عبر الانتباه والإصغاء .

٢٠/ الحديث العشرون : تقريب الحفاظ :

عنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ فِي الصَّلَاةِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ؛ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ. المسند(١٣١٣٥) وإسناده صحيح .
فيه تقريب أهل الفضل والجادين للظن بهم خيرا في الحفظ والتحصيل، كفضلاء المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وهم أولوا الأحلام والنهى كما في الحديث الآخر .

٢١/ الحديث الواحد والعشرون : اختبار الحافظ :

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ ) . قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ : اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ : وَرَسُولِكَ، قَالَ : " لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ). البخاري( ٢٤٧) مسلم( ٢٧١٠).
فيه اختبار حفظ الطلاب، وحرص المعلم على طلابه، وتصويبهم إذا أخطأوا .
قال النووي رحمه الله: ‏اختلف العلماء في سبب إنكاره صلى الله عليه وسلم ورده اللفظ ، فقيل : إنما رده لأن ‏قوله : " آمنت برسولك " ‏يحتمل غير النبي صلى الله عليه وسلم من حيث اللفظ ، واختار المازري وغيره أن سبب الإنكار أن هذا ذكر ودعاء ، فينبغي فيه الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه ، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ، ولعله أوحي إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات ، فيتعين أداؤها بحروفها ، وهذا القول حسن ، وقيل : لأن قوله : " ونبيك الذي أرسلت " فيه جزالة من حيث صنعة الكلام ، وفيه جمع النبوة والرسالة...!

٢٢/ الحديث الثاني والعشرون : فضل حفظ القرآن:

عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ،- أي الملائكة الرسل- وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ ). البخاري (٤٩٣٧) مسلم (٧٩٨).
فيه فضل حفظ القرآن، وأن أهله يوم القيامة مع الملائكة الكرام، يعليهم الله دنيا وأخرى .
قال النووي رحمه الله : قال القاضي : يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة ، لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى . قال : ويحتمل أن يُراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم ، وأما الذي يتتعتع فيه فهو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران : أجر بالقراءة ، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته .

٢٣/ الحديث الثالث والعشرون : حفظ العلم وتعليمه:

عن مَالِكٌ : أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ-أي في السن-، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ : ( ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ " وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا " وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ) .البخاري(٧٢٤٦) مسلم( ٦٧٤).
فيه بيان حفظ العلم، وتبليغ المحفوظ للناس، وان من العلم ما ينسى فاحتيج للمراجعة والمذاكرة .

٢٤/ الحديث الرابع والعشرون : كراهة النسيان:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ : " ابْسُطْ رِدَاءَكَ ". فَبَسَطْتُهُ، قَالَ : فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ،-أي أسار كالمعجزة- ثُمَّ قَالَ : " ضُمَّهُ ". فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ . البخاري( ١١٩) مسلم(٢٤٩٢).
فيه: منقبة لأبي هريرة، وفضل حفظ العلم، وذم النسيان، لاسيما ما وقع عن تكاسل، أو تزاحم، أو غفلات...!
قال في الفتح : فيه فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، ومعجزة واضحة من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر منه، ثم تخلف عنه ببركة النبي صلى الله عليه وسلم . وفي المستدرك للحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: " كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادعوا. فدعوت أنا وصاحبي وأمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا يُنسى. فأمن النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: سبقكما الغلام الدوسي ". وفيه الحث على حفظ العلم، وفيه أن التقلل من الدنيا أمكن لحفظه ..!اهـ

٢٥/ الحديث الخامس والعشرون: حفظ المغيّبات:

عن عمر ضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : ( قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ) .البخاري(٣١٩٢) .
فيه بيان فضل العلم وحفظه، وتنوع الناس في الحفظ والاستيعاب ، وكمال علم رسول الله، وفضل الله عليه بالتعليم، وأن الغيب كله لله، كما قال( وعلمك كان لم تكن تعلم ) سورة النساء . وفيه إثبات الجنة والنار، وأنها دار المحسنين والمسيئين .

٢٦/ الحديث السادس والعشرون: الاستعانة بالكتابة:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ : ( اكْتُبْ ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ ) . أبو داود(٣٦٤٦).
فيه أن الكتابة عون على حفظ العلم، وترسيخ الفائدة، وصدق كلامه عليه الصلاة والسلام، وأنه موحى إليه فلا يفيض من فمه، إلا الحق والعلم والنور .

٢٧/ الحديث السابع والعشرون : آفة الحفظ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ : نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ . بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ ). البخاري(٥٠٣٢) مسلم(٧٩٠).
في الحديث: ذم النسيان، وأن التعاهد والمراجعة مما يثبت القرآن وغيره، فلا ثبات لمن لا يراجع ويذاكر، لا سيما كتاب وقوله مشعر بالتهاون.
قال في الفتح رحمه الله :( سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت الآية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد؛ لأنه الذي يورث النسيان) .

٢٨/ الحديث الثامن والعشرون : حفاظ الصحابة:

عن مسروق رحمه الله قال: ذكر عبدُ الله بن عمرو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ ؛ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ).البخاري(٣٨٠٨) مسلم (٢٤٦٤).
فيه فضل الأربعة، وضرورة الأخذ من الحفاظ ، وأنهم يُقصَدون لتمكنهم وضبطهم، وإبراز المربي لتلاميذه ونبوغهم.
قال النووي رحمه الله: قال العلماء : سببه أن هؤلاء أكثر ضبطا لألفاظه ، وأتقن لأدائه ، وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم ، أو لأن هؤلاء الأربعة تفرغوا لأخذه منه صلى الله عليه وسلم مشافهة ، وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض ، أو لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم ، أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من تقدم هؤلاء الأربعة وتمكنهم ، وأنهم أقعد من غيرهم في ذلك ، فليؤخذ عنهم .

٢٩/ الحديث التاسع والعشرون : الغدو للعلم والحفظ :

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ : ( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ،-أي موضع- أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَومَاوَينِ- أي عظيمة السنام-فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ ؟ " فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ : " أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ ).مسلم(٨٠٣).
فيه فضل التعلم وقصد الحفظ، واستحباب تقليل المحفوظ ليحصل الترسيخ ، وأن بضعة آيات خير من نياقٍ محبوبات، وأموال مجموعات، قال تعالى( فما آتاني الله خير مما آتاكم ) سورة النمل.
قال في عون المعبود : والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات فذكره هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو بثوابها من الدرجات العلى.

٣٠/ الحديث الثلاثون : حفظ الأدعية :

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( ما أصابَ أحدًا قط همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدُك وابنُ عبدك وابنُ أمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو علمتَه أحدًا من خَلْقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القرآن ربيعَ قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا )، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعَّلمها؟ فقال: ( بلى، ينبغي لمن سمِعها أن يتعلمَها) .
المسند (٣٧١٢) وهو صحيح .
فيه استحباب تحفظ الأدعية، وأن منها ما هو دواء للهم والحزن، لا سيما كتاب الله، فهو ربيع القلوب ونور الصدور، وجلاء الأحزان، وذهاب الهموم، قال تعالى:( قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور...) سورة يونس . وفيه أنه يستعان على القرآن بالدعاء والصدق فيه .

٣١/ الحديث الواحد والثلاثون : تفاوت الحفاظ :

عن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: ( مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ ) .
فيه بيان تفاوت الناس في الحفظ، واعتراف الأقران بعضهم ببعض، والإنصاف العلمي المحمود ، وإنما قلت رواية ابن عمرو قيل لانشغاله بالعبادة.
قال في الفتح: قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير.اهـ.

٣٢/ الحديث الثاني والثلاثون: الحفظ المُدان :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ : جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ : هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ : كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ : هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ) مسلم(١٩٠٥) .
فيه سوء عاقبة الحفظ بلا تطبيق واتعاظ، وقبح النية المبدلة، وأنه حجة وعذاب على صاحبه يوم القيامة، وإثبات الحساب والجزاء .
قال النووي رحمه الله : دليل على تغليط تحريم الرياء وشدة عقوبته ، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال ، كما قال الله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } وفيه : أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا ، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات ، كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصا. اهـ

٣٣/الحديث الثالث والثلاثون: تزويج الحافظ:

عن سهل بن سعد في حديث الراعبة نفسها وطلب الرجل المعدم لها قَالَ له صلى الله عليه وسلم : ( مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ؟ ". قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا - فَقَالَ : " تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : " اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ). البخاري(٥٠٣٠) مسلم( ١٤٢٥).

فيه فضل الحفظ عن ظهر قلب، وبلا كتاب أو قرطاس، وأنه سبب للارتفاع، ونيل المرأة الحسناء ، إذ يعلمها ويؤنسها .
قال العلامة عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله: ( العلم الذي لا يدخل معك الحمام ليس بعلم ).
قال الشاعر:
ليس العلم ما حوى القمطرُ/ ما العلم إلا ما حواه الصدرُ..!

٣٤/ الحديث الرابع والثلاثون : الحافظ الصادع بالحق :

عن أبي شُريح رضي الله عنه قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - : ائْذَنْ لِي - أَيُّهَا الْأَمِيرُ - أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً..). البخاري(١٠٤) مسلم(١٣٥٤).
فيه حفظ العلم والصدع به في وجوه الظلمة ، وأن بيان الحق خير من السكوت والتعمية، واستحضار الحافظ له وقت الحاجة والملمة .

٣٥/ الحديث الخامس والثلاثون الحفظ المتقن :

عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، قَالَ :: سَمِعَ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ ". قِيلَ : مَا جَائِزَتُهُ ؟ قَالَ : " يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ). البخاري(٦٤٧٦) مسلم( ٤٨).
فيه العناية بالعلم وحفظه، وتنصيص الحافظ على ذلك، مما ينفي الشك والريبة ، وفضل الضيافة وإكرام الضيف، وأن ذلك من محاسن الإسلام .

٣٦/ الحديث السادس والثلاثون: توافق الحفظة:

عَنْ سَعْدٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ كِلَاهُمَا يَقُولُ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ). البخاري(٤٣٢٧) مسلم (٦٣).
فيه اتفاق الحفَظة في العلم، ودقتهم في البيان والتوصيف، وحرمة تبديل النسب والأصل .

٣٧/ الحديث السابع والثلاثون : فقه الحفاظ :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صفقة قلبه وثمرة يده، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ ). قُلْتُ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي. قُلْتُ : هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ وَنَفْعَلَ. قَالَ : أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) . مسلم (١٨٤٤) أبو داود( ٤٢٤٨) .
فيه العناية بالحفظ تدقيقا وتحقيقاً، مع الفقه به والعناية لفظا ومعنى .

٣٨/ الحديث الثامن والثلاثون : تثبت الحافظ :

بَلَغَ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ حَدِيثًا،- أي يروي- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّرْفِ- أي بيع الدراهم بالذهب والعكس-، فَأَخَذَ يَدِي فَذَهَبْتُ أَنَا وَهُوَ وَالرَّجُلُ، فَقَالَ : مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ تَأْثُرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّرْفِ ؟ فَقَالَ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ : ( لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُفْضِلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) . المسند (١١٤٩٤)
وأصله في الصحيحين .
فيه تثبت الحفاظ من بعض وسؤالهم، وتأكيد بعضهم العلم، وما حفظه وتلقاه .


٣٩/ الحديث التاسع والثلاثون : تجديد الحفاظ :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا ؛
وفيه قال عمر : ( إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ ..). البخاري( ٦٨٣٠) مسلم(١٦٩١).
فيه التذكير بالعلوم المحفوظة، وتجديد ذكرها، وأن هجرانها سبب في إنكارها ، وفقه عمر وحكمته رضي الله عنه .

٤٠/ الحديث الأربعون : حجة العلماء:

عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أنه حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ، وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ ،- من حراسه- فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ ). البخاري(٣٤٦٨) مسلم( ٢١٢٧).
فيه استحثاث العلماء على القيام بدورهم، لانهم الحفاظ للأدلة، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، قال تعالى :( ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) سورة آل عمران .

٤١/ الحديث الواحد والأربعون: دور العلماء الحفاظ:

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا، فَقَالَ : أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ ) .
البخاري(٧١) مسلم (١٠٣٧) ابن ماجه (٩) وهذا لفظه .
فيه بيان دور العلماء في حفظ العلم وإحيائه في الناس، وأنهم مسؤولون عن تبليغه، وما يندرس منه، قال تعالى:( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت..) سورة المائدة .
يُروى عن ابن عباس والضحاك بن مزاحم رضي الله عنهم :( ما في القرآن آية، أشد توبيخا من هذه الآية ..).

٤٢/ الحديث الثاني والأربعون : العالم الحافظ:

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا-أي تسويد الوجه بالفحم- مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : " هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ : " أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ ؟ " قَالَ : لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا ؛ فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا : تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ-أي أظهره-؛ إِذْ أَمَاتُوهُ ". فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ }..الخ . مسلم(١٧٠٠).
فيه فضل حفظ العلم، وسؤال أهله عنه وتحذيرهم الكتمان، وبروز شرف الحفاظ، وأن على العلماء مغبة البلاغ .

٤٣/ الحديث الثالث والأربعون : حفظ الفتنة الكبرى:

عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : أَنَا. قَالَ : إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وَكَيْفَ ؟ قَالَ : قَالَ : قُلْتُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ". فَقَالَ عُمَرُ : لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ...). البخاري(٥٢٥) مسلم( ١٤٤).
فيه سؤال الحفظة، والسؤال عن القضايا الكبار ، وأن الأصل في العلم والسنن وحفظها، لنفع الناس بها، أو تأتي مناسبتها .
قال في الفتح: قوله: ( تموج كموج البحر ) أي: تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه، وكنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.

٤٤/ الحديث الرابع والأربعون : تقديم الحفَظة :

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ : ( أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ " فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ : " أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. البخاري ( ١٣٤٣ ) .
فيه فضل حفظ القرآن وتقديم حملته، وأن الحفاظ مقدّمون في الدنيا والآخرة، وفضل شهداء أُحد .

٤٥/ الحديث الخامس والأربعون : الحافظ المُرتقي:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُقَالُ - يَعْنِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ - : اقْرَأْ وَارْتَقِ- أي اصعد- وَرَتِّلْ- أي مجوّدا- كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا ) . الترمذي (٢٩١٤) وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

فيه فضل حفظ القرآن، وأن المنافسة يوم القيامة بالحفظ وليس مجرد القراءة، وأنه يترقى في الدرجات بقدر الآيات .
نقل في تحفة الأحوذي عن المنذري : قال الخطابي رحمه الله الجميع : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة ، فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن ، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة ، ومن قرأ جزءا منه كان رُقيّه في الدرج على قدر ذلك ، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة .

تمت أربعون الحفظ والتحصيل
والحمد لله على توفيقه...

 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية