صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







خصخصة ... ولكن في خدمة الاقتصاد الوطني

محمد حسن يوسف

 
بعد عدة سنوات من الانقطاع، عادت السفارة الأمريكية بالقاهرة لإصدار تقرير الاتجاهات الاقتصادية، الذي يرصد اتجاهات الاقتصاد المصري خلال عام. وسوف نناقش هذا التقرير في عدة حلقات، ونحاول الرد على بعض مما جاء به. ونبدأ اليوم بمناقشة قضية الخصخصة التي أفرد لها التقرير الصفحات ( 13 – 16 ).
يقول التقرير إن برنامج الخصخصة – الذي بدأت تقوده وزارة الاستثمار، التي حلت محل وزارة قطاع الأعمال العام - قد شهد انتعاشة كبيرة في عام 2004، وذلك بعد عدة سنوات من التباطؤ. فقد قفزت حصيلة الخصخصة في العام المالي 2004/2005 إلى 5.64 مليار جنيه من 0.554 مليار جنيه في عام 2003/2004، وهو ما يعتبر أكبر رقم سنوي يتحقق في تاريخ برنامج الخصخصة، بل وأعلى من جميع العوائد التي تحققت في الأعوام الأربعة السابقة مجتمعة.
كما بلغت العائدات ثلاثة أضعاف ما كانت عليه تقريبا خلال العامين 2004/2005 و2005/2006، لتصل إلى 15.1 مليار جنيه. كما بلغ إجمالي العائدات 12.6 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2006/2007.

ولكن منذ الشهور الأولى لعام 2006، اضطرت حكومة نظيف للتقليل من سرعة عملية الخصخصة، ولتغيير تكتيكاتها من أجل استمرارية البرنامج، وذلك تحت ضغط المعارضة السياسية المتصاعدة وحساسية القطاعات التي يتم خصخصتها. حتى أن الحكومة قد أعلنت عن طرح 7% من مصر للألومنيوم ولم تنفذ، وأيضا أعلنت عن طرح ميدور، ولكن إلى الآن لم تتخذ إجراءات في ذلك.
ولعل السبب الرئيسي لهذا التباطؤ الذي أصاب عملية الخصخصة، هو ما قامت به الصحافة المحلية من اتهامها لوزير الاستثمار " ببيع مصر ". وتركزت الانتقادات في تسارع وتيرة برنامج الخصخصة. كما تزايدت الانتقادات كذلك بسبب انعدام الشفافية عن عمليات البيع المخطط لها، وعن تقييم الأصول، وعن موقف المفاوضات. وجاء النصيب الأكبر من هذه الانتقادات من ممثلي الإخوان المسلمين في مجلس الشعب منذ دورة الانعقاد التي بدأت في عام 2005.
وجاء رد الحكومة على هذه الانتقادات، بأن الخصخصة كانت هي السياسة التي اتبعتها الحكومة منذ أوائل التسعينات، وليست سياسة جديدة ابتكرتها وزارة الاستثمار الوليدة.

كما أثيرت أيضا قضايا العمالة في عدد كبير من الحالات، مع حدوث إضرابات عمالية في عدد من الشركات. وكان رد الحكومة على ذلك هو تخفيض سن التقاعد المبكر – فيما يخص المشروعات العامة وحسب - من 50 إلى 45 عاما بالنسبة للنساء، ومن 55 إلى 50 بالنسبة للرجال. كما استجابت وزارة الاستثمار لهذه الشكاوى بوضع ممثلين للعمال خلال مفاوضات البيع.

كما قامت الحكومة أيضا ببيع أسهمها في قطاعات اقتصادية رئيسية، مثل قطاع البنوك والتأمين. وعلى سبيل المثال، باعت الحكومة نصيبها في عشرة بنوك مشتركة، من ضمنها بنك مصر الدولي، والبنك الأهلي سوستيه جنرال، والبنك المصري الأمريكي، والبنك التجاري الدولي. كما تم بيع بنك الإسكندرية – وهو أول بنك قطاع عام في مصر – في مزاد تميز بمنافسة شديدة، وأُجري في 17 أكتوبر 2006، إلى البنك الايطالي " سان باولو آي إم آي ".

وقد سمحت العوائد المتزايدة من مبيعات الأصول العامة بتسوية الديون المستحقة على المشروعات العامة، بالإضافة إلى هيكلتها ماليا وإداريا. ففي يناير 2006، أعلنت الحكومة أنها ستنفق 6.9 مليار جنيه نقدا لتسوية مديونية بنك الإسكندرية. كما دفعت أيضا 1.6 مليار جنيه لعدة شركات مملوكة للدولة من أجل تسوية بعض ديونها لبنوك القطاع العام. وفي منتصف ديسمبر 2006، كشفت الحكومة عن خطة لإنفاق 9.2 مليار جنيه من حصيلة بيع بنك الإسكندرية لتسوية الأوضاع المالية لعدد 54 شركة أخرى من الشركات المملوكة للدولة. وسوف تؤدي هذه الأموال إلى تسوية الديون المعدومة - المستحقة غالبا لبنوك القطاع العام - المتراكمة على الشركات العاملة في قطاعات الدواء والمنسوجات والأغذية والتعدين والتشييد.

وسوف يؤدي خروج الحكومة من الملكية في قطاعات الاقتصاد الهامة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لتعبئة الطاقات الإنتاجية، والسماح للقطاع الخاص بمواصلة دور أكثر حيوية في النشاط الاقتصادي، وضمان تخصيص أكثر كفاءة للموارد الاقتصادية، وزيادة التنافسية على المستويين المحلي والخارجي.
هذه كانت هي أهم ملامح ما جاء بتقرير السفارة الأمريكية عن برنامج الخصخصة المصري. ومن المعلوم أن المراحل الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي Economic Reform & Structural Adjustment Programs (ERSAP) تضمنت مشروطية خاصة لكل من صندوق النقد والبنك الدوليين. وفيما يخص البنك الدولي، كان من بين الشروط نصا يضمن تطبيق برنامج للخصخصة يحظى بقبول البنك. وطلب صندوق النقد الدولي في ذلك الوقت، ما يفيد اقتناع البنك باستيفاء شروطه في مجال الخصخصة، وذلك كشرط مسبق للموافقة على البرنامج.

إذن فالخصخصة – وفقا لذلك – هي برنامج بدأت الحكومة المصرية بتنفيذه فعلا منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي، ولا تملك الحكومة الآن وقف العمل في ظل برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي المبرم بينها وبين صندوق النقد والبنك الدوليين.

ونجد أن توجه الحكومة هو بيع معظم وحدات القطاع المصرفي، بما يسمح من وجود منافسة أجنبية مع الوحدات المحلية العاملة في هذا القطاع. وما نخشاه هو ترك كيانات ضعيفة أو هشة لا تقوى على المنافسة القوية في مجال الخدمات المتقدمة تقنيا وفنيا التي توفرها البنوك الأجنبية. كما أنه من المعلوم أن وجود قطاع مصرفي وطني هو الذي يمكن أن يسمح بخلق صناعة وطنية ويحافظ على وجودها، ذلك أن المصارف الأجنبية لا يمكن التعويل عليها في هذا المجال.

كما نجد أن التقرير يخلص في النهاية إلى أن الهدف من برنامج الخصخصة هو تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية للداخل. وفي الواقع، فإنه من الضروري تجنب الاعتماد المفرط على الاستثمارات الأجنبية، وذلك نظرا لما يترتب عليها من احتمال تعرض الاقتصاد القومي لخطر الصدمات الخارجية، على نحو ما حدث في تجربة دول أمريكا اللاتينية ( المكسيك على وجه الخصوص ).

كما يجب التأكيد على أن تطبيق برامج الخصخصة – على نحو ما تقترحه برامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي – لا يعني انسحاب الدولة بالكامل من مجال الاستثمار! بل لابد من استخدام جزء من حصيلة بيع مشروعات القطاع العام في إنشاء صناعات جديدة، إذا ما أردنا لجهود التصنيع أن تتواصل وتستمر.

الأربعاء 20 من جمادى الأولى 1428 هـ ( الموافق 6 يونيه 2007 م )

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية