صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







من صور الرأسمالية المعاصرة

محمد حسن يوسف

 
استعرضنا في مقال سابق تحليل لكتاب " الرأسمالية تجدد نفسها "، ووجدنا أن الرأسمالية استطاعت التكيف مع الواقع بفضل قبولها بآراء لم تكن لتأخذ بها من قبل، على أن الدعم الأساسي للرأسمالية جاء من خارج دولها، بسبب اندلاع الحروب ورواج تجارة السلاح. أي أن الرأسمالية استمدت أسباب بقائها من عوامل تعلقت بفناء الإنسانية وتدمير أوجه الحياة، وليس العكس.
ونحاول الآن البحث في شكل الرأسمالية المعاصرة ... ما هو الشكل الجديد للرأسمالية في عالم اليوم؟!! نحاول تحليل ذلك من منظور النظرية والواقع، بمعنى استعراض نصوص النظرية الاقتصادية، ونقارن بينها وبين ما يحدث في الواقع المعاش بالفعل.
فمن فروض علم الاقتصاد الرشادة rationality في سلوك المستهلك، فالمستهلك عاقل رشيد، ولذلك تبني النظرية الاقتصادية فروضها على هذا المبدأ الهام. ولكن هل أصبح الإنسان بالفعل عاقل رشيد؟ بمعنى أنه لا يستهلك إلا ما يلزم وحسب؟ هذا الفرض يستلزم أن الإنسان يتخذ قراره بناء على عدة أسباب نابعة من داخله هي التي تدفعه لذلك. وهذا يعني توافر بيانات كثيرة لكي يقوم المستهلك باتخاذ قراره على أساسها. فهل هذا هو ما يحدث بيننا الآن؟
كما تفترض النظرية الاقتصادية مبدأ آخر هام، هو مبدأ سيادة المستهلك consumer sovereignty في ظل النظام الرأسمالي. فبالإضافة إلى كون المستهلك يتخذ قراراته باستهلاك السلع من حيث كمياتها أو أنواعها في حرية تامة وبعيدا عن أي ضغوط تملى عليه، نجد أن المستهلك يتمتع في ظل هذا النظام بالسيادة كذلك، بمعنى أن هذه الحرية المكفولة له هي التي تحدد الأنواع والكميات التي ينتجها المجتمع من السلع والخدمات المختلفة في النهاية.

تعالوا بنا الآن نكشف عن مدى مصداقية هذين المبدأين في واقعنا اليوم، ونستعرض ما الذي يحدث بالضبط من حولنا. ولكي يكون تحليلنا مضبوطا، فلنجعل هذا التحليل ينطلق من صورة شائعة أفرزتها الرأسمالية المعاصرة، وهي صورة السوبر ماركت. فمن المعلوم الآن انتشار المحلات الكبيرة التي يطلق عليها المحلات الكبيرة، أو السوبر ماركت، والتي حلت محل المحلات الصغيرة التقليدية أو ما كان يطلق عليها " محلات البقالة ". في محلات السوبر ماركت يقع المشتري تحت أنواع متعددة من الخداع أو الشراك التي ينصبها له أصحاب السوبر ماركت أو يفرضونها عليه. ومن ذلك:
أولا: الخديعة الأولى هي وجود عربة كبيرة في مدخل السوبر ماركت، لابد أن يأخذها المستهلك معه عند الدخول. ومعنى ذلك أن المستهلك بدلا من يشتري الأصناف القليلة والبسيطة التي كان مقررا شرائها قبل دخوله، إلا أنه – وتحت تأثير وجود عربة كبيرة بين يديه كلما وضع فيها شيئا بسيطا بدا تافها فيها وكأنه لم يكن – يبدأ في شراء أشياء عديدة لم يكن مقررا شرائها من قبل. وهذا هو الفخ الأول. لقد علم أصحاب رؤوس الأموال أنه كلما اتسع حجم العربة، كلما زاد المستهلك من مشترياته، بغض النظر عن حاجته الفعلية لها. ووقع المستهلك في هذا الفخ.

ثانيا: الخديعة الثانية، هي تجول المستهلك فيما بين الأرفف الكثيرة المنتشرة هنا وهناك في السوبر ماركت. وعلى الرف الواحد فإنك تجد أنواع كثيرة ومتعددة من السلعة الواحدة التي تحتار في شراء أي منها! وعلى سبيل المثال، إذا ذهبت إلى رف الجبن، تجد ما يزيد عن عشرين أو ثلاثين نوع للجبن، مما يوقعك في حيرة اختيار أي منها. وإذا كانت النظرية الاقتصادية تفترض تجانس homogeneity السلع في المنافسة الكاملة، بمعنى أن تكون وحدات السلعة بديلا تاما لبعضها البعض، إلا أنك – على العكس تماما – تجد فروقا طفيفة للغاية هي التي تفرّق بين نوع ونوع من الجبن على سبيل المثال، ويفترض أنك تعلمها، وأنت - على العكس تماما - تجهل هذه الفروق، مما يشعرك بالحيرة تجاهها، فيكون قرارك بالشراء متسرعا متعجلا على غير أسس اقتصادية سليمة. كما أن تعدد أنواع السلعة الواحدة يدفعك دفعا للتجربة، بمعنى أن تشتري ما تريده بالفعل، ثم إضافة صنف أو آخر لتجربته!!

ثالثا: فخ السعر، فتجد أصحاب السوبر ماركت يضعون على السلعة مثلا (9.99) أو (19.99) أو (29.99)، أي أن السعر يخرج دائما عن نطاق شريحة عليا، ويظل دائما في نطاق الشريحة الدنيا! رغم أنك سوف تدفع المبلغ بأكمله، فلو كان السعر (29.99) فلن يرجع لك البائع قرشا مثلا، وسوف يكون سعر السلعة هو ثلاثين، ولكن البائع لم يقل لك أنه ثلاثين، بل ظل يقول أنه في نطاق العشرين!!

رابعا: طريقة عرض السلعة ووضعها على أرفف بألوان مبهرة بالإضافة إلى أسلوب تغليف السلعة نفسها، بما يشكل من عوامل جذب المشتري للسلعة حتى ولو لم يكن في حاجة ماسة إليها. ويتصل بذلك طريقة وضع السلع في السوبر ماركت، بحيث توضع السلع باهظة الثمن وغير الضرورية في أول السوبر ماركت، أما الأشياء الضرورية المطلوبة للاستهلاك اليومي فتوضع في نهاية السوبر ماركت، بحيث تجبر وأنت في طريقك إليها على مشاهدة السلع غير الضرورية. ومن الطبيعي أنك في أول دخولك للسوبر ماركت، حينما تشاهد شيئا غير ضروري باهظ الثمن، فسوف تقول لنفسك: لا بأس بذلك، سوف اشتريه ولن يؤثر ذلك على الميزانية، فتكون قد وقعت في الفخ المنصوب لك بدون أن تنتبه لذلك.

خامسا: الموسيقى الهادئة والرومانسية التي يقوم السوبر ماركت بتشغيلها هي أيضا من العوامل التي تدفعك للوقوع تحت تأثير الشراء بدون تفكير. فهذه الموسيقى تعمل على استرخاء الأعصاب، مما يؤدي لتسهيل عملية الشراء. وتخيل لو أنك دخلت السوبر ماركت، فوجدت موسيقى صاخبة أو هادرة، فإن ذلك سيؤدي لتوتر أعصابك، مما يجعل اتخاذك لقرار الشراء صعبا!!

سادسا: الفخ التالي هو ذلك المتعلق بالصحة. فنجد جميع الإعلانات التي تريد الترويج لسلعة معينة تضرب على وتر حساس لدى الناس، خاصة في هذه الأيام، ألا وهو وتر الصحة. فأصبحت السلع جميعها صحية، وخالية من الكولسترول، وبها القليل من الدهن، ولا تسبب السمنة، ومنخفضة السعرات الحرارية ... الخ. ومن المفارقات الفجة في هذا الشأن أن إضافة الكثير من المواد الحافظة يؤدي تلقائيا للإضرار بالصحة، بل والخصم منها.

سابعا: فخ العروض الكثيرة. فيقدم القائمون على السوبر ماركت من حين لآخر عدة عروض، بحيث يقدم عدد معين من وحدات السلعة لابد لك من شرائه حتى تحصل على خصم معين، أو يقدم عدة سلع معا بخصم كبير. وفي معظم الأحيان يكون المشتري غير راغب في شراء كمية كبيرة من السلعة، أو في شراء السلع الأخرى المقدمة مع السلعة التي يريدها، ولكن تحت إغراء الخصم الكبير المقدم، فإنه يخضع لذلك ويقوم بالشراء بالفعل، حتى وإن لم تكن الكميات أو السلع الأخرى تناسبه!!

ثامنا: والفخ الأخير في السوبر ماركت، هو وضعهم لبعض الأشياء البسيطة ولكن مرتفعة الثمن بجوار المحاسب. وعادة ما تكون هذه الأشياء متعلقة بالصغار، فهي عبارة عن لبان وبسكويت وغيرها من السلع المستوردة، والتي عادة ما يتمسك بها الصغار الذين يكونون بصحبة آبائهم داخل محلات السوبر ماركت. وبالرغم من ارتفاع سعر هذه المنتجات، إلا أن المشترين يقعون عادة تحت ضغط إلحاح صغارهم على شرائها وتمسكهم بها. وعادة ما يفكر الآباء أن صغارهم قد أمضوا معهم وقتا طويلا داخل السوبر ماركت، وأنه لابد من مكافأتهم على ذلك، فيرضخون لمطالبهم، ويشترون هذه الأشياء.
وبالمقارنة بين هذه المحلات الكبيرة، وبين محلات البقالة الصغيرة، نجد أن هذه المحلات كانت تتمتع بمزيتين رائعتين: ففي محل البقالة الصغيرة كنت تعرف ما تريد شرائه، وتشتريه بالفعل، وهو ما لا يحدث داخل محلات السوبر ماركت الآن. والأمر الثاني أنك في محل البقالة الصغيرة كنت تجد الشخص الحريص على مصلحتك، والذي يدلك على ما ينفعك بالفعل، أما في السوبر ماركت فعلى العكس من ذلك، الكل يريد التغرير والإيقاع بك.
إن ثقافة السوبر ماركت، والتي تعد تعبيرا لثقافة الرأسمالية المعاصرة، تكشف وبصورة واضحة الوضع الذي آلت إليه الرأسمالية الآن، وهو الوضع الذي يقع المستهلك ضحية لشراك هذا النظام، ويستفيد منه أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة أقصى استفادة ممكنة.

12 من صفر عام 1429 من الهجرة ( الموافق 19 من فبراير عام 2008 )
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية