صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



الرأسمالية تموت ... فلتحيا الرأسمالية

محمد حسن يوسف
مدير عام بنك الاستثمار القومي


في إحدى افتتاحيات جريدة الفاينانشيال تايمز، اعتبرت أن اقتصاد السوق هو أكثر الآليات نجاحا في تاريخ الإنسانية لجلب الرخاء. وبتحالفه مع العلم الحديث، فلقد قام بأكثر من تغيير شكل الاقتصاد العالمي، حيث قام بتغيير شكل العالم. ولأول مرة في التاريخ، تعتمد الدول الرئيسية في العالم على اقتصاد السوق لتطوير اقتصاداتها. وبنفس القدر تقريبا من الأهمية، فإنها تعتمد على اقتصاد السوق العالمي. وتتجه الدول المعاصرة للتعاون مع بعضها البعض إذا ما أرادت تحقيق الازدهار المنشود.

ومع ذلك، فلا يعتبر اقتصاد السوق شيئا جامدا غير قابل للتغيير. فهو يعتبر ناجحا ليس لأنه يظل على حاله بدون تغيير، ولكن لأنه يتسم بالقدرة على التغيير. وتعد القوة الدافعة له هي رغبة جميع البشر في العمل من أجل تحسين معيشتهم ومعيشة أسرهم. والآلية لتحقيق ذلك هي البحث الطبيعي على حد سواء للوصول إلى صفقات أفضل. ولكن تظل الأوضاع والعلاقات المؤسسية مع المؤسسات السياسية مفتوحة دائما للتغيير. وقد ضمنت هذه القدرة الفائقة على التكيف بقاء اقتصادات السوق على الحياة حتى الآن.

ومنذ نحو قرنين من الزمان لم يكن هناك أية مسؤولية محدودة، أو إفلاس للأشخاص، كما كان يوجد عدد قليل من المصارف المركزية، كما لم يكن يوجد أي تنظيمات بيئية، أو تأمين ضد البطالة. ولقد حدثت كل هذه التغييرات استجابة لضغوط اقتصادية أو سياسية. وقد جلبت معها جميع الحلول الجديدة والتحديات الجديدة. ففي أوقات الصدمات المالية الجارية، لا تنتهي هذه الحاجة إلى التكيف. وعلى العكس من ذلك، فإنها لا تقل أهمية عن أي وقت مضى.

إذن، ما هي التحديات التي تواجهنا اليوم؟ تعتبر الإجابة التي تقدمها الحركة التحررية في الولايات المتحدة، والتي يحمل رايتها رون بول Ron Paul، تعتبر واضحة في هذا الخصوص: إلغاء جميع هذه الابتكارات السياسية تقريبا، والعودة للماضي، بقدر الإمكان، إلى الرأسمالية التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر. ولكن لا يسود هذا التيار الفكري خارج الولايات المتحدة إلا قليلا. وحتى في داخل الولايات المتحدة، فإنه لا يعدو أن يكون نوعا ما من التحالف الجمهوري. وهو أكثر من مجرد فضول - ولكنه لن يذهب إلى صياغة المستقبل.

والأكثر أهمية هو التساؤل عن كيفية جنوح الرأسمالية بعيدا خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضي، تحت قيادة رونالد ريجان في الولايات المتحدة ومارجريت تاتشر في المملكة المتحدة، وما إذا كانت تحتاج الآن إلى إصلاح. والجواب هو أنها بحاجة ماسة لذلك، لأنها لم تثبت فقط عدم استقرارها، ولكنها أثبتت أيضا، في نواح عديدة، أنها غير عادلة. ولم تكن النتيجة مجرد أزمة مدمرة وحسب، ولكن أيضا أن تحقيق الثروات غير العادية قد لا يعكس جدارة استثنائية. وفي المجتمعات التي كانت تعتمد على الإذعان والاستبداد، كان هذا بمثابة تآكل سياسي للنظم السياسية القائمة فيها.

وتوجد الآن ثلاث قضايا أساسية في قلب المجادلات حامية الوطيس الدائرة حاليا، وهي: التمويل، وحوكمة الشركات، والضرائب. فهذه هي الأسئلة التي طرحتها الحركات الاحتجاجية الآن، والتي قامت بتغيير شروط الجدال السياسي، نظرا لما تحمله من عدم اتساق فكري.

لقد نما القطاع المالي بشكل مفرط، ويرجع ذلك جزئيا للمخاطر التي لم يُفهم طبيعتها، وجزئيا لتشجيع صانعي السياسات على التوسع فيه. وهذا القطاع في حاجة إلى أن يكون مقيدا على نحو أفضل في المستقبل، ويمكن أن يتم ذلك جزئيا من خلال ضمان تحجيم نطاق المخاطر التي تنشأ عن التوسع فيه. ومرة أخرى، فقد استطاعت حوكمة الشركات التلاعب في حجم المكافآت لصالح الإدارة التنفيذية في كثير من الأحيان، بدلا من أن يتم ذلك من أجل المساهمين. وأخيرا، فقد سمحت وفرة الحوافز الممنوحة لعدد كبير من الأشخاص الأكثر نجاحا في مجال الأعمال التجارية، سمحت لهم بالتهرب من الضرائب. وفي جميع هذه النواحي، يحتاج الاقتصاد الحديث إلى الإصلاح، ليصبح أكثر عدلا وأكثر كفاءة على حد سواء.

ويقف وراء مثل هذه الإصلاحات، تجدد النقاش حول استقرار الاقتصاد الكلي، وهو النقاش الذي يعود إلى الثلاثينات من القرن الماضي. ففي السنوات السابقة على الأزمة، كان الإجماع على أن السياسة النقدية التي تستهدف التضخم تعتبر أمرا كافيا. ولكن تغيرت وجهة النظر هذه بعد حدوث الأزمة. وبعد فترة طويلة من الارتجال البائس الدائر الآن، سوف تظهر الحاجة إلى توليفة جديدة، توليفة تأخذ في الاعتبار وجود سجل سليم لأسعار الأصول، وللروافع المالية للشركات، ولدور البنوك المركزية كمقرض أخير للنظام الائتماني.

وسوف تستمر الرأسمالية من خلال تغيير وظيفتها ودورها وشكلها. هذا هو الدرس المستفاد من الماضي. وهو درس وثيق الصلة بأحوال اليوم.

23 من جمادى الأولى عام 1435 من الهجرة ( الموافق 24 من مارس عام 2014 ).

 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية