صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



الأغلبية الصامتة يجب أن تتخلى عن صمتها فورا

محمد حسن يوسف

 
وضع لنا ديننا الحنيف عدة مبادئ يلزمنا إتباعها، لعل من أهمها ضرورة التدخل في حالة وقوع ظلم معين سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام، لرفع هذا الظلم. فجاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرورة تغيير المنكر لمن رآه، وذلك على عدة مستويات تتناسب مع ظروف كل فرد واستطاعته: باليد أو باللسان أو مجرد الإنكار بالقلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ اْلإِيمَانِ ".[1]

وفي ظل ظروف معينة تعرضت لها الأمة، كان الظلم البيّن هو السمة المميزة للأنظمة الحاكمة للشعوب. وكان الخوف – في الجانب الآخر – هو السلوك الغالب الذي حكم  تصرفات الرجال. وتعرض الرجال لكثير من صنوف القهر والتعذيب بدون سبب واضح أو مفهوم. وأصبح الآباء يوصون أبنائهم بضرورة الصمت وعدم التدخل في أمور السياسة من حولهم. وانتشرت أمثال عديدة للدفاع عن هذا المبدأ من شاكلة: " الحيطان لها ودان "، و" لو جه الطوفان حط ابنك تحت رجليك ". وغيرها كثير!! فما الذي حدث؟!!
لم تُجدِ هذه السلبية في رفع الضرر عن أحد أو عدم إيقاعه به، فانتشرت – تبعا لذلك - الاعتقالات الجماعية والمحاكمات العشوائية. وزاد التعذيب والطغيان. وأصبح الجميع مهددا، حتى في عقر داره. ولم يسلم المواطنون من الأجهزة الأمنية داخل حدود دولهم، بل امتد الظلم ليشمل تعرضهم للذل والهوان والامتهان على أيدي الأجهزة الأمنية لدول أخرى. فها هي الولايات المتحدة تلاحق ما تراه مُدانا من وجهة نظرها في أية دولة، بل وتخطفه من أية دولة إذا أرادت ذلك. وها هي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل تعبث وتعربد في دول مثل العراق وأفغانستان.

إن الخوف الذي استشرى داخلنا هو الذي أدى بنا إلى هذه الهاوية التي تردينا فيها. وأصبح علينا الآن محاولة الخروج منها. وأضرب مثالا لتوضيح الأمر. فحينما أراد أحد الشباب إطلاق لحيته، اجتمع كبراء عائلته وعمدائها – وفقا لسلوك الخوف الذي سيطر عليهم - لإثنائه عن ذلك الأمر، وأقسموا عليه بأغلظ الأيمان ألا يفعل ذلك أو يضعه في حسبانه، حتى يتجنبوا المشاكل التي يمكن أن تنجم عن ذلك!!
وقد فعل كبراء العائلة ذلك، وهم يحسبون أن هذا سلوك فردي محض!! ويرون أنهم بذلك الأمر لا يؤثرون على أي شيء أو يعتدون على أحد!! وهذا فكر قاصر. فماذا كانت نتيجته؟!!
أدى هذا لكي يحذو عدد كبير من الأفراد حذو هذا الشاب، بإتباع منهج السلامة من وجهة نظرهم وتجنب المشاكل. فقل عدد من يقوم بإطلاق لحيته من الشباب بدرجة كبيرة، حتى أصبحوا لقمة سائغة في أيدي أجهزة الأمن وفي نظر الناس، يهاجمونهم كيفما يشاءون، ويطلقون عليهم من الألفاظ النابية ما يريدون. بل وأصبح أمر إطلاق اللحية بين الشباب مرادفا لمن ينعتونه بالإرهابي.

ومن الناحية الأخرى، فما هو الحال لو لم يحلق هؤلاء الشباب لحاهم ويستجيبون لخوفهم؟!! كان عدد الملتحين سيظل كبيرا، فلا يستطيع أحد قمعهم أو استهجانهم أو إطلاق قبيح الأوصاف عليهم!!
يجب أن نعمل على تغيير الفكر السائد لدينا والعقيدة المتأصلة فينا بإيثار السلامة وعدم التدخل فيما يجري من حولنا. إن ما يراد بالمسلمين هو أمر يفوق خيال أو تصور أي فرد!! فلماذا نصمت نحن، ونحن أصحاب القضية، ويتكلم غيرنا للتحدث باسمنا؟!! بينما نخجل نحن من أنفسنا فنواصل صمتنا!!!
إن أهل الباطل يصبرون على باطلهم، بينما ينزعج أصحاب الحق من الجهر بحقهم. قال تعالى: ﴿ وَانطَلَقَ الْمََلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ [ ص: 6 ]. لو تكلمت مع أحد المدخنين – مثلا - لإثنائه عن شرب السجائر، لرأيته يدافع عن التدخين ويعطيك الحجج والمبررات التي تحلل له عمله – من وجه نظره الخاطئة!! أما صاحب الحق فلن يصمد، وسيجد نفسه محرجا في الحديث معه في هذا الأمر مرة أخرى.
فلا يعقل أن يظل المسلمون – وهم أصحاب العقيدة الصحيحة والمنهج القويم – صامتون أمام كل ما يُحاك لهم من مؤامرات!! إن هذا الصمت لن يجدي في شيء، بل سيدفع بنا إلى هاوية سحيقة نتردى فيها، ولن نستطيع القيام منها مرة أخرى. على كلٍ منا أن يتحول إلى بوق لنصرة الدين بالوسيلة التي تتناسب مع إمكانياته. يجب على الأغلبية الصامتة أن تخرج عن صمتها، وتتكلم في كافة الميادين لتغير الواقع من حولها!

انظر ماذا كانت نصيحة رجل الدين لقاتل المائة نفس؟!! لقد نصحه بتغيير الأرض التي يقيم فيها، لأن الناس - بخوفهم منه - هم الذين أوصلوه إلى ما فعل. ففي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ اْلأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ. فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: َلا! فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ اْلأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟! فَقَالَ: نَعَمْ! وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ. وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ! وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ! فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ اْلأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى اْلأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ.[2]
وانظر – رحمك الله – إلى الوصف النبوي للأرض التي كان يحيا فيها قاتل المائة قبل توبته!! لقد قال العالم للقاتل: " وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ". فلماذا وصفها بالسوء؟ لأنه لم تظهر في هذه الأرض فئة من الناس تجاهر بقول الحق لهذا القاتل، وتنهاه عن فعل المنكر. بل على العكس، كانوا – إيثارا للسلامة – يزينون له أعماله ويحثونه على فعل المزيد منها.

يجب أن تُعاد تربية الأمة على اليقين بأنه ما كان ليصيبك لم يكن ليخطئك، وأن الأمة جميعها لو اجتمعت على شيء، لم تكن لتنفعك أو تضرك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك. فما كان مقدرا لك فلن يخطئك أبدا. ففي الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اْلأُمَّةَ، لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إَِّلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إَِّلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتْ اْلأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ.[3]
إن الفرق بين حالة الإيجابية التي كانت الأمة عليها، وحالة " الغثائية " التي تتردى فيها الأمة في الوضع الراهن تكمن في هذا السلوك. فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ اْلأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى اْلأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ! وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.[4]
قال في عون المعبود: أي يقرب أن تتداعى عليكم فرق الكفر وأمم الضلالة، أي يدعو بعضهم بعضا إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموه من الديار. كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع، فيأكلونها صفوا من غير تعب. فما سبب هذه المصيبة؟! هل هي قلة العدد أو العدة؟! ولكن جاء الجواب من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ "! فما العلة إذن؟ العلة في الكيفية وليست في العدد!! هذا العدد الضخم مثله مثل ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم. والأنكى أن الله سوف يرمين الله الضعف في قلوبنا!! وما موجب هذا الوهن وما سببه؟ فسره صلى الله عليه وسلم: بحب الدنيا وكراهة الموت. وهما متلازمان. فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين, ونسأل الله العافية من ذلك.[5]

ونختم هذا الموضوع بمثال من التاريخ يدلنا على أهمية التحرك المدروس، وأثره في مواجهة صمت الأغلبية النائمة!! ذلك أنه لما حالت بنو هاشم وبنو المطلب دون قريش والنبي صلى الله عليه وسلم، وأبوا أن يسلموه لهم، فلما رأت قريش ذلك، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ... وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب، ودخلوا معه شعبه.[6]
مر عامان أو ثلاثة أعوام والأمر على ذلك. وفي المحرم سنة عشر من النبوة نُقضت الصحيفة وفُك الحصار، وذلك أن قريشًا كانوا بين راضٍ بهذا الميثاق وكارهٍ له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها‏.‏

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤى. وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيًا بالليل بالطعام، فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومى ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال‏:‏ يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد‏؟‏ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال‏:‏ قد وجدت رجلاً‏.‏ قال‏:‏ فمن هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال له زهير‏:‏ ابغنا رجلاً ثالثًا‏.‏
فذهب إلى المطعم بن عدى، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم‏:‏ ويحك، ماذا أصنع‏؟‏ إنما أنا رجل واحد، قال‏:‏ قد وجدت ثانيًا، قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ ابغنا ثالثًا‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ زهير بن أبي أمية، قال‏:‏ ابغنا رابعًا‏.‏
فذهب إلى أبي البخترى بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم، فقال‏:‏ وهل من أحد يعين على هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك، قال‏:‏ ابغنا خامسًا‏.‏
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له‏:‏ وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم سمى له القوم. فاجتمعوا عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة. وقال زهير‏:‏ أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم‏.‏
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال‏:‏ يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم‏؟‏ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة‏.‏
قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد‏:‏ كذبت، والله لا تشق‏.‏ فقال زمعة بن الأسود‏:‏ أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كُتبت‏.‏ قال أبو البخترى‏:‏ صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقر به‏.‏ قال المطعم بن عدى‏:‏ صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها‏.‏ وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ هذا أمر قضى بليل، وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان‏.‏
وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا‏:‏ قد أنصفت‏.‏
وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ‏( ‏باسمك اللهم ‏)‏، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله‏.‏ ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأي المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم - كما أخبر الله عنهم: ﴿ ‏‏وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ [ القمر: 2 ] - أعرضوا عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم.‏[7]

لقد كان للصمود الإسلامي، ثم الصمود القبلي أثر على معسكر الجاهلية والشرك يفوق أثر معركة حامية الوطيس يخوضها المسلمون فينتصرون بها على أعدائهم. وكان هذا الصمود كافيا لتفجير الموقف في مكة. فقد حرك هذا الصمود كل مشاعر الخير الكامنة في صفوف أهلها. لقد تحركت مشاعر القرابة واستنفذت كلها من قبل أصدقاء وأقرباء بني هاشم وبني المطلب. ولم يكتف هؤلاء عند المواقف السلبية، ولم يكتف هؤلاء عند المشاركة الشعورية، بل استعد هؤلاء ليقوموا بتحرك ايجابي يُعرّض حياتهم للخطر، وأن يجابهوا الرأي العام كله بكل ما تحمل هذه المواجهة من مخاطر ومحاذير. واستطاعت هذه العصابة - بوحدة كلمتها واستعدادها للفداء - أن تغير موقف مكة كلها، وتكسر طوق الحصار الاقتصادي، وتحطم القيود الاجتماعية، وتعيد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وتلغي الظلم القائم على المسلمين.[8] أما الأغلبية النائمة أو الصامتة التي كانت ترى أو تتمنى استمرار الحصار، فلم يُسمع لها صوت، وظلت أمانيهم حبيسة صدورهم.
 
2 من المحرم عام 1427 ( الموافق في تقويم النصارى 1 من فبراير عام 2006 ).

------------------------------------
[1]   صحيح مسلم، 49(78). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[2]  صحيح مسلم، 2766(46).
[3]  صحيح. صحيح سنن الترمذي للألباني، 2516.
[4]  صحيح. صحيح سنن أبي داود للألباني، 4297.
[5]  عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي، المجلد السابع، ص: 366 – 367. بتصرف كبير.
[6]  دلائل النبوة، البيهقي، المجلد الثاني: ص: 314 - 315.
[7]  الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، ص: 100 – 102.
[8]  المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص: 87.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية