صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







النور في القرآن الكريم (خطبة جمعة)

حسين بن سعيد الحسنية
@hos3030


بسم الله الرحمن الرحيم


(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ) الأنعام1 , (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) الحديد9 , نحمده على نور الإيمان , ونشكره على نور القرآن , حمداً يليق بنور وجهه العظيم ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) الأحزاب43 , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله , وصفيه وخليله , بعثه الله ( رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ) الطلاق11فاللهم صلِّ وسلِّم على الهادي البشير ما اتصلت عين بنظر وأذن بخبر وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً . وبعد

فاتقوا الله عباد الله , واعلموا أن تقوى الله نور على الدرب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )الحديد28
عباد الله ..
فإن من المفردات التي جاءت متكررة في القرآن الكريم مفردة النور , وسبب تكرارها أن لها في كل موضع معنى يختلف عن الموضع الآخر , وهذا فيه مزيد فضل من الرب جل وعلا , ولعلنا نسوق هنا بعضاً من تلك المعاني علها تكون لنا نور على طريق الاستقامة .

أولاً / جاء النور في القرآن الكريم بمعنى (الإيمان) , وهو الذي يبعثه الله في قلوب الناس فيكون لهم هادياً لسبيل الحق ودالاً لطريق الجنة , عكس الظلمات وهي (الكفر) التي تبعث في قلوب أصحابها التيه والحيرة والضياع . أو (النفاق) الذي يبطن فيه الشخص كفره بالإسلام وكراهيته للدين ويظهر الإيمان إما خوفاً أو تزلفاً أو مكابرة وهذا الأمر حريٌ بأن يسكن في قلبه التردد والخوف والتناقض وعدم الثقة في النفس . قال تعالى : ( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة 257 وقال تعالى : (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد16
والنور والظلمة من آثار ما يسكن القلب من الإيمان , فكلما جدد المؤمن الإيمان في قلبه كلما شع من ذلك القلب نوراً يسري بعد ذلك على المنطق والجوارح والتعاملات , وكلما امتلأ قلب المؤمن بنور الإيمان كلما زاد تأثيره وقويت حجته وصدق حدسه , وتزيد حاجة الناس لحكمته وعلمه ودعوته , وارتقى معالي الأمور وارتفع عن دسائسها , وكل ذلك بسبب نور القلب والذي يسبب أيضاً نور الحكمة ونور العلم ونور الدعوة إلى الله ونور يهتدي به الناس متى ما أظلمت طرقهم وتاهت عقولهم . وكلما تناقص الإيمان وتلاشى من القلب كلما زادت ظلمته والتي تسري أيضاً على المنطق والجوارح وكذلك الطريق قال تعالى : (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )الأنعام122

ثانياً / وجاء في القرآن الكريم أن القرآن نفسه نور أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين , فهو منطلق الإيمان وأس الثبات ومبتدأ كل خير , وهو نور لأن فيه بيان طريق المؤمنين الذين أتبعوا ذلك النور وكيفية ذلك الطريق ونهايته , وفيه بيان طرق الكفر والنفاق المليئة بالظلمات , وهو نور لأنه يهدي إلى النور وهو الإيمان الحقيقي في القلوب وفيه الحجة والدليل والبرهان وهي نور لمن يشكو من التيه والحيرة والظلمات , وهو نور لأن من تمسك بتعاليمه وعمل بأوامره ونواهيه هدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة , وهو نور لأن في تلاوة آياته وتدبرها والعمل بها نور يجده المؤمن في قلبه ينتج عنه اللذة الإيمانية والراحة النفسية . قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ) النساء 174 وقال : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ التي الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف157 , وقال عز من قائل : )فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) التغابن 8

ثالثاً / بيّن الله تعلى في القرآن الكريم أنه خلق النور واحداً والظلمات متعددة : قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (طريق الهجرتين وباب السعادتين) "والطريق إلى الله فى الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذى نصبه موصلاً لمن سلكه إليه، قال الله تعالى: {وأَنَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل} [الأنعام: 153]، فوحد سبيله لأنه فى نفسه واحد لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة،قال تعالى: {اللهُ وَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257]، فوحَّد النور الذى هو سبيله، وجمع الظلمات التى هى سبل الشيطان.ومن فهم هذا فهم السر فى إفراد النور وجمع الظلمات فى قوله تعالى: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] مع أن فيه سراً أَلطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور، ومن أَين فاض، وعن ماذا حصل، وأن أَصله كله واحد، وأَما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهى كثيرة جداً، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادى جل جلاله أصلاً لا وصفاً ولا ذاتاً ولا اسماً ولا فعلاً، وإِنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته جل جلاله، تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض"

رابعاً / تحدث الله جل وعلا عن نور المؤمنين في سورة الحديد بأن بيّن الله تعالى تفضله على عباده بأن أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام آيات بيّنات ليخرج العباد من الظلمات إلى النور ومن ثم ذكر أن من نتائج إتباعهم لذلك النور أن يسعى نورهم يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم وأن يبشروا بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم , عندها تتجدد حسرة المنافقين وتتجلى للمؤمنين خيبة نفاق أولئك وسفول هممهم وخططهم ومآل مصيرهم يوم أن يتوسلوا لهم بأن يعطوهم من نورهم ولو القليل لينفكوا ولو لبرهة من تلك الظلمات التي تحاصرهم في ذلك المشهد العصيب فكان الجزاء والرد أن ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة (من جهة أهل الإيمان) وظاهره من قبله العذاب (أي من جهة المنافقين) ثم أثنى الله على أهل الإيمان بالله ورسوله عليه الصلاة والسلام من الصديقين والشهداء بأن لهم أجرهم ونورهم خلاف أهل الكفر بالله والمكذبين لآياته أنهم أصحب الجحيم والعياذ بالله , ثم بيّن الله جل وعلا في ختام السورة أن من نتائج التقوى أن يجعل الله للمتقين نوراً يمشون به في الدنيا والآخرة . قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) الحديد9 ثم قال تعالى : (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد 13,12

خامساً / كل عمل يقوم به أهل النفاق والكفر والزندقة والفسق الهدف منه حرب الإسلام وإيذاء أهله وهدم مقدساته وزلزلة قيمه ومبادئه التي بناها في القلوب هي من باب إطفاء نور هذا الدين , وهم وإن نجحوا في تنفيذ بعض مخططاتهم إلا أنهم لم ولن يستطيعوا حجب نور الإسلام وإطفاءه لأن الله يأبى ذلك وإن كرهوا أو غضبوا , قال تعالى : (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة32
وقال تعالى في سورة الصف : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) الصف 8 ,

إمكانات الكفار هائلة جداً وهم بهذه الإمكانات يريدون أن يطفئوا نور الشمس (الإسلام) ولن يستطيعوا , وهنا على الدعاة أن يبثّوا التفاؤل في قلوب الناس . ويجب على المؤمن أن يقوم بواجب المدافعة تجاه تحركات أعداء الدين في كل مكان وأن يعمل بأن لا يؤتى الإسلام من قبله وأن يقدر تلك الإمكانات والقدرات التي وهبها الله إياه من خلال استثمارها في الدفاع عن الإسلام وأهله .

اللهم اجعل القرآن الكريم نور قلوبنا , ونور صدورنا , وجلاء همومنا , وذهاب أحزاننا .
اللهم آت نفوسنا تقواها , وزكّها أنت خير من زكّاها , أنت وليّها ومولاها .
والحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن والاه .

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
حسين الحسنية
  • مقالات
  • كتب
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية