صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ارتباط الحضارة بالتدين والرقي بالمحافظة

    خالد بن عبدالله الغليقة

     
    كلما كان الشخص متدينًا أكثر كان متحضرًا أكثر، وكلما كان أكثر محافظة كان أكثر رقيًّا، ومن يدعو إلى التدين فهو يدعو إلى التحضر وإلى التزام السلوك الحضاري.
    حتى تتبين لنا صحة هذه المعادلة، ويتضح لنا صواب هذه النظرية في واقع مجتمعنا - لمن كانت نظرته وفكره وثقافته قائمة على المعادلات الحتمية والنظريات القطعية، وآراؤه قائمة على الواقع المشاهد الذي يصعب إنكاره أو تجاهله - يجب أن نطرح الصور النمطية التي علقت بأذهاننا، والتي رُسمت بريشة أجنبية، ونكسر القوالب المستوردة من الخارج، التي لم تقم على العقل الصحيح ولا القلب السليم، ولا على دراسة الواقع كما هو، والمشاهد كما تراه العين،ونتجرد في طلب الصواب بدليله، والبحث عن الصحيح والحق ببرهانه، وللعلم بل من المعلوم قطعًا أن من يروج هذه الصور ويستورد هذه القوالب تجاه التدين والمحافظة يعلم قطعًا في قرارة نفسه الحق والصواب والصحيح، كما قال سبحانه وتعالى واصفًا هذه الشخصية أو هذه الفئة بقوله: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } [النمل: 14].
    أي جحدوا الحجة القوية، والبرهان الظاهر، والدليل الصحيح، وعلى هذا القول فإننا إذا طرحنا هذه الصور وكسرنا تلك القوالب وتجردنا لطلب الصواب بدليله والحق ببرهانه، مستخدمين الواقع، ومتخذين التجربة؛ تَبيَّن لنا صحة هذه المعادلة، وصواب تلك النظرية.
     فمن الأدلة على ذلك قوله تعالى: { طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } [طه: 1- 2].
    وقبل أن نبين الشاهد في هذه الآية نقول: إنه لا يمكن أن يعرف شخص بأن السلوك الحضاري أو الأسلوب الراقي معناه الشقاء أو التعاسة، أو أنه يجلبهما، فهذا التعريف مخالف ومغاير للمعنى المراد بهما، فإذا عرفنا هذه الملاحظة تبين لنا أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن على الإنسان ليكون سعيدًا في حياته وفي حياة طيبة، كما قال سبحانه وتعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [النحل: 97].
    ولا يمكن أن يسعد وتطيب له الحياة إلا إذا سلك الأسلوب الأفضل، والمسلك الأحسن هو الأكثر تحضرًا ورقيًّا، وهذه المعلومة توجب علينا عقلاً أن نقول إن من كان أكثر تمسكًا بأحكام القرآن ومبادئ الشرع كان أكثر تحضرًا ورقيًّا وبعدًا عن الشقاء والنكد والتعاسة، كما قال سبحانه وتعالى:
    { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طـه: 124].

    والذكر المقصود به اتباع الأوامر وترك النواهي الشرعية وتطبيق أحكام القرآن.
    فمن الصور في مجتمعنا التي تبين الارتباط بين التدين والتحضر، وتوضح الاتصال القوي بين الرقي والمحافظة تطبيق النظام والالتزام بقواعد القانون، فلنأخذ مثلاً نظام المرور وقواعد السير والسلامة؛ فمن الذي لا يتجاوز الضوء الأحمر بسبب أن لديه فتوى تحرم ذلك من علماء المجتمع، ويرى تحريم تجاوز السرعة المحددة، ويرى أن الالتزام بحزام الأمان مطلب شرعي له جزاؤه الأخروي إما ثوابًا وإما عقابًا، ويستحضر فتاوى علماء المجتمع بأنه يجب الالتزام بأوامر ولي الأمر في عدم قيادة السيارة من دون الرخصة النظامية لحديث: «...... عليكم بالسمع والطاعة»(1)، وعدم الوقوف في موقف خطأ يتضرر به الآخرون خشية الوقوع في النهي الوارد في الحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»(2) وحديث: «لا ضرر ولا ضرار»(3)، وغير ذلك من أنظمة السلامة وقواعد المرور وقوانين حقوق الآخرين، ونتيجة ذلك أن كان المتدين أقل من غيره وقوعًا في قبضة مسؤولي المرور، وأقل من غيره دخولاً للسجن أو تسجيلاً لمخالفة عليه.

    وهل سُمع أو شوهد شخص متدين أو محسوب على المحافظين في المجتمع يستخدم السيارة بما يسمى تجديفًا أو تفحيطًا وسبب عدم سماع ذلك أو رؤية ذلك الشخص هو الوازع الديني المبني على قوله تعالى: { وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ?} [الأعراف: 31].
    وقوله: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27].
    وقوله:{ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [البقرة: 195].
    ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن «القيل والقال وإضاعة المال»(4).

    وتجد المحافظ والمتدين أقل من غيره مشاركة في الحوادث المرورية، والشذوذ يؤكد القاعدة، وهذا شيء شاهدته عن قرب ومعرفة. والأمر لا يحتاج إلى ذكاء زائد، بل الفطرة السليمة والقلب السليم مع عقل صحيح ووقفة متجردة عند تقاطع في أحد طرق مدينة الرياض بصحبة قلم وورقة لتسجيل مَنْ أكثر مخالفة ومعاكسةً وتنكبًا لأنظمة المرور وقواعد السلامة واعتداء على حقوق الآخرين.
    وهذه الوقفة كافية لتتضح صحة المعادلة وصواب النظرية.

    ولكن بعد هذه الوقفة في ذاك التقاطع هل يقول عاقل يعرف يقرأ الأرقام الرياضية، ويجيد فهم النسب المئوية بأن كون الشخص المتدين أقل من غيره مشاركة في الحوادث - بسبب التزامه بالسرعة المحددة، أو أن يقول بأن الشخص المحافظ أقل من غيره دخولاً للسجن، أو أقل من غيره وقوعًا في المخالفات المرورية والاعتداء واعتداء على حقوق الآخرين - لا يدل على أن عند هؤلاء الأشخاص حضارة أو أن هذه النسب وتلك الأرقام لا تدل على سلوك حضاري أو سلوك راقٍ!؟

     فهل يقول هذا شخص يعرف معنى الحضارة ويفهم مقصد عبارة " سلوك حضاري"؟! أجزم بأن أي عاقل يتحلى بشيء من العقلانية سيتفق معي على الجواب بـ"لا"، ولكن سنكون أكثر حلمًا كما كان محمد صلى الله عليه وسلم حليمًا مع من وصف ما جاء به من الوحي بالأساطير والرجعية والجنون والتخلف، فقد أوحى الله إليه بقوله: { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ } [الرعد: 17].
    ونطرح مثالاً آخر يبين صحة المعادلة وصواب النظرية، وهذا المثال يتمثل بعادة التدخين وخاصة في الأماكن العامة، تجد بعض طلاب الجامعات في مجتمعنا متخذين أدراج طاولة الدكتور (طفاية سجاير) !وقد رأيت ذلك بأم عيني فضلاً عن بقية الأماكن، وهؤلاء الطلاب أنفسهم تجدهم في المطاعم والمقاهي والفنادق والمطارات والأسواق وجميع الأماكن العامة يمارسون التدخين غير مبالين بحقوق الآخرين، وليس لصحة البيئة حساب عندهم مع تشديد الجهات المعنية على المنع، ومع إلقاء المحاضرات والندوات في الإرشاد والترشيد من هذه العادة، ومع ذلك كانت الإجابة والاستجابة في اتخاذ أدراج طاولة الدكتور (طفاية سجاير)!
    فإذا نظرنا في الاتجاه الآخر وجدنا أن الشباب المحافظ والأكثر تدينًا لا يحتاجون إلى إعلانات منع التدخين، ولا محاضرات ولا ندوات في الإرشاد والترشيد، وليسوا بحاجة لملصقات تدعو إلى نبذه، ومع ذلك لا ترى ثاني أكسيد الكربون يتصاعد في أماكن وجودهم، ولا تشم رائحة الدخان في ساحتهم، ومثال ذلك الكليات التي يغلب على إدارتها وطلابها المحافظون والأكثر تدينًا.

    هذه المقارنة تجعلنا نطرح سؤالاً على العقلاء فقط، ومن لهم أنوف يشمون رائحة ثاني أكسيد الكربون، وأنعم الله عليهم بعيون يبصرون بها الدخان المتصاعد، وللعلم فإن السؤال غير موجه للمدخنين ؛لأن الإجابة معروفة، وبالطبع غير موجه لمن لا يرون أن من وظائف العقل التمييز بين الصواب والخطأ، ومن هم غير مقتنعين أن من وظائف البصر التمييز بين ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، وغير موجه لفاقد حاسة الشم، السؤال موجه لمن هو أكثر حضارة، ومن هو صاحب السلوك الحضاري، ولنقل - تنازلا - الأسلوب الأمريكي أو المسلك الأوروبي لمن جعل الغرب معيار الحضارة والتحضر، هل من يمارس عادة التدخين في الأماكن العامة غير مبالٍ بالنظام ولا بالمحاضرات ولا بالملصقات ولا بقواعد صحة البيئة، وغير مبالٍ بحقوق الآخرين، هل هو الأكثر تحضرًا ورقيًّا أم من لا يرى جواز ممارسة عادة التدخين أصلاً؟ فضلاً عن ممارستها في الأماكن العامة؟

    فهل يدعي شخص لديه عقل صحيح وقلب سليم تجاه التدين والمحافظة ومفعولهما الحضاري وأثرهما في الوعي الاجتماعي والحقوقي هل يقول بأن امتناع الأمريكيين والأوروبيين عن ممارسة التدخين في الأماكن العامة سلوك حضاري ورقي اجتماعي ووعي تجاه الآخرين، أما هؤلاء الذين باعثهم في الامتناع عن عادة التدخين دينهم، وعلة امتناعهم شرعهم الإسلامي فليسوا حضاريين وغير راقين، وليس امتناعهم عن ممارسة تلك العادة سلوكًا حضاريًّا ووعيًا اجتماعيًّا ؟!
    فهل يقول: هذا شخص يرفض أن يوصف بأنه مصاب بداء تقليد الخواجة أو عقدة الغربي، ويمتنع أن يُعيَّر بأنه مقولب بقوالب أوروبية؟!
    هذه المرة أترك الإجابة للقارئ الفطن.
    وللمرة الثانية سنكون حليمين اقتداءً برسل الله وأنبيائه فقد قُتلوا فضلاً عن أن يكونوا ضُربوا وطُردوا وشُرّدوا مع أنهم هم المصيبون وغيرهم مخطئون، وبقيت مبادئهم نبراسًا ونورًا وهداية وضياء للبشرية وللإنسانية جمعاء.
    ونطرح مثالاً ثالثًا فقد كتب أحد الكتاب البارزين في مجتمعنا في إحدى الصحف أو المجلات ثم طبعه مع عدة مقالات في كتاب سماه «رؤية خليجية لقضايا عربية» تحت عنوان (تجارة الانتخابات في غرفة الرياض) بعد قراءة المقال - وتمنيت أن لا يكون هذا المقال مثالاً ثالثًا لكن الأمر لله من قبل ومن بعد - بعد القراءة تبين لي أن الكاتب من الفئة التي لا تجيد تعريف الحضارة التعريف الصحيح، ومن الطائفة التي عندها إشكاليات في فهم معنى السلوك الحضاري، ليس هذا تحليلاً مني أو عمقًا في القراءة، فالدكتور المؤلف اعترف بذلك وأقر في النهاية بخطأ نظرته فقد نقل عن "توماس بين" قوله: "إن التجارة نظام هادئ، ويعمل على تهذيب العنصر البشري، وذلك بجعل الشعوب وكذلك الأفراد كلُّ مفيد لصاحبه، إن ظهور التجارة وابتكارها هو أعظم طريق للحضارة الإنسانية حتى الآن غير تلك التي تكون قائمة أساسًا على قوانين أخلاقية" ونقل عن "كوندروس" قوله: "لقد أصبحت الأخلاق أكثر تهذيبًا وتطورًا بسبب الروح التجارية والصناعية"، ثم قال الدكتور: "وقد أضاف آدم سميث ودافيد هيوم إلى هذا الفكر الذي يقول بأن التجارة والصناعة سوف تهذبان من سلوك الفرد والمجتمع خصائص مثل الجد والكدح والمواظبة والدقة والوضوح".

    غريب أن يكتب كاتب مثل هذا الكلام، ولديه عين يقرأ بها وأذن يسمع بها ما ينشر يوميًّا، بل كل ساعة عن جرائم الشركات الرأسمالية واستغلالها للشعوب! والتي ينقل الكاتب عن منظريها ومفكريها!
    فهل يوجد في هذا العصر الذي لم يعد فيه شيء مخفي والزمن الذي انقرضت فيه عبارة (سري للغاية)، ولم يعد هناك مؤامرة بل هناك مصارحة في العداء من الغرب، وخاصة من أمريكا، هل في هذا العصر عامي فضلاً عن كاتب لا يعرف سببًا من أسباب الحروب المعاصرة والكوارث وتدمير البشرية والفقر والجفاف؟‍!
    فكاتب ينقل عن آدم سميث، وآدم سميث صاحب نظرية اقتصادية رأسمالية استعمارية عنوانها (دعه يعمل .... دعه يمر)، يقول الأستاذ سيف السيف معلقًا على هذا المبدأ: "لكن ما يحدث في الواقع العملي هو نهب منظم لثروات الأمم الأخرى - العالم الثالث - وفق المنظور الغربي الرأسمالي الاحتكاري وبأدواته الجبارة وأذرعته الطويلة، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية - الأمريكية -، والشركات الكبرى التي لا تستطيع الأمم المتحدة أن تمر أو تعبر حدودهم أو أن تعمل لديهم، فوفق منظار العولمة الاقتصادية الغربية فهم وحدهم الذين يحق لهم التجول في كافة بقاع الأرض والسماء والماء، والضغط على الدول للتخلي عن سيادتها، وفتح أسواقها لهم وتخفيض أو إلغاء رسومها الجمركية، وبيع القطاع العام بمزادات علنية بأثمان أقل من قيمته الحقيقية، ورفع الدعم عن المنتجات الزراعية المحلية لكي ترتفع أسعارها ولا تنافس الأجنبية، كل ذلك لإعطاء الشركات العابرة للقارات لتمر كي تأخذ غنيمتها وتصطاد طريدتها، ثم ترحل إلى مكان آخر بلا قيود أو حاجز - عولمة - لتبحث فيه عن مكان (ترعى) فيه حاملة معها أسلحتها ومعداتها وأساطينها وعمالتها بكل الجنسيات والألوان التي تختارها هي.

    أما نحن الشعوب المستضعفة فلا نستطيع أن نمر أو أن نعبر حدودهم، أو أن ندخل أسواقهم ونعمل لديهم ونبيع سلعنا لهم؛ لأنهم وضعوا مقاييس ومتاريس وحواجز وقيودًا ضد حركة منتجاتنا، فحق المرور والتجول مقصور على الرجل الأبيض وهم القلة، أما نحن الأغلبين الملونين في العالم فواجبنا هو رفع وإزالة الحواجز وخلع الأبواب حتى يمر الجباة الجدد، ومن يعترض، فالأسلحة والأساطيل والعقوبات له بالمرصاد، فالمقاطعة والحصار وتجويع الشعوب وضربها بيد من حديد ونار هي أدوات التفاوض التي تستخدمها (حضارة الشركات الغربية) معنا.... وقد استطاعت هذه الشركات أن تنفرد وتتحكم في الحركة التجارية الدولية لمدة مئتي سنة، أي قرنين من الزمان، فهذه الشركات تعتبر البداية الحقيقية للاستعمار الاقتصادي المباشر للعالم، وكان ضمن نشاطات هذه الشركات ترويج الأفيون في الصين حتى قامت حرب الأفيون المعروفة والتي انهزمت فيها الصين، وكان من ضمن ما قامت به هذه الشركات استيراد الأفارقة من القارة الأفريقية وبيعهم رقيقًا وعمال سخرة في المزارع الأمريكية بدون أدنى اعتبار إنساني، ولإيضاح سطوة وعجرفة هذه الشركات - عابرة القارات - في معاملة الدول والشعوب أذكر بعض ممارساتها في دول أمريكا اللاتينية، ففي عام 1944م قام رئيس جواتيمالا "جوكو بو أرنيز " بمصادرة أملاك (شركة الفواكه المتحدة الأمريكية) لاحتكارها وسوء معاملتها للمزارعين الفقراء، ولكنه عوضها حسب البيانات الضريبية التي كانت تقر بها الشركة رسميًّا وتدفعها للدولة، لم يكن في حسبان الرئيس " أرنيز " أن المالك الرئيسي للشركة الأمريكية كانت عائلة "روكفيلر" التي كانت شركة محاماة يمتلك وزير الخارجية الأمريكية آنذاك "جون فوستر دالاس" حصة فيها، ومما زاد الأمر سوءًا أن رئيس الاستخبارات الأمريكية كان أخا لوزير الخارجية "دالاس" وتم بعد ذلك تدبير انقلاب بدولة (جواتيمالا) المضيفة الضعيفة، وأعيدت بعد ذلك الأمور إلى نصابها وأهمها استعادة (شركة الفواكه المتحدة الأمريكية ) لأعمالها.

    وأخيرًا أختم هذا النقل من كتاب «العولمة وثقافة المستهلك» بنقل مؤلف الكتاب مقولة الرئيس الأمريكي السابق "كلينتون" في مؤتمر الجات (الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية) رقم (43) والذي انعقد في الأورجواي ما نصه: "لقد اضطررنا في القرن الماضي أن نأتي بجيوشنا لكي نفتح لكم أسواقكم، فإما أن توقعوا على الاتفاقية وإما أنكم تضطروننا أن نأتي بجيوشنا مرة أخرى إلى مواقعها القديمة لكي تقوم بدورها التقليدي في فتح الأسواق وتسهيل الحصول على المواد الأولية الخام بالسعر العادل".
     هذه الأسطر القليلة من ملايين الأسطر من ملف جرائم الشركات الرأسمالية الغربية، وأكرر فأقول - والتي ينقل الكاتب (5) مكترثًا بمفكريها ومنظريها وواضعي فلسفتها وقوانينها وسياساتها - فإلى متى يبقى بعض الكتاب مقولبين وغير واقعيين؟
    وإلى متى لا يعالج بعض المفكرين، أنفسهم من التقديس المحرم لمقولات ونظريات وأفكار فلاسفة أوروبا ومفكري الغرب والتي تطفح بالعداء، ونهايتها السيطرة على أمتنا، وغايتها أكل ثرواتنا، ونتائجها إذلالنا، وعاقبتها إبقاؤنا فقراء مستهلكين.
    وحتى لا نبعد عن مقصدنا أقول:إن الكاتب في آخر مقاله اعترف من دون أن يشعر بأن التُجَّار غير المتدينين وأن التجارة غير المحافظة ليست طريقًا للحضارة وللسلوك الحضاري في مجتمعنا، فقد قال تحت عنوان: «تجارة الانتخابات»: "في غرفة الرياض التجارية الصناعية قامت انتخابات يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين 17 - 18 شعبان 1413هـ لانتخاب أعضاء مجلس إدارة الغرفة .... لقد تأثرت وتألمت كثيرًا كما تألم غيري - وهم كثيرون - لتلك الأخبار التي تناقلتها الصحف وتداولتها مجموعات كبيرة من المشاهدين والمراقبين والمتعاملين مع الانتخابات عند قيام المجموعات بتسديد رسوم الاشتراك لبعض المنتسبين إلى الغرفة مقابل التصويت لذلك الطرف الذي سدد رسوم الاشتراك نيابة عنهم ".
    ثم قال معلقًا على هذه القضية: "وهذا في نظري يتنافى مع أي نظام انتخابي حر، وهو في نظري اقتحام وتشويه للوحة المثالية والأخلاقية وانصياع لسلطان المال والمادة، وإنه في نظري إسقاط للمصلحة العامة على سبيل المصلحة الخاصة بطريقة غير مشروعة.
     قد يتبارى المفسرون والمحللون والمنطقيون والواقعيون وغيرهم في إيجاد مخرج أو تبرير لهذا الطرف أو ذاك، ولكنهم بهذا الفعل إنما يدسون رؤوسهم في الرمل وأجسادهم بادية في العراء". ا هـ.

    لكن يا دكتور! ألا تلاحظ أنك لحقت بهؤلاء الذين يدسون رؤوسهم في التراب وأجسادهم بادية في العراء؟
    وإلا كيف تجعل ممارسة التجارة والانضمام إلى التجار بحد ذاته حضارةً وتحضرًا، وأن المعاملات التجارية بذاتها تدعو إلى السلوك الحضاري؟! ألم تر وتشاهد وتلاحظ، وأحيانًا لا بد أنك تبصر، وحتمًا أنك سمعت عن بعض الإدارات في مجتمعنا المرتبطة بالشركات التجارية، والتجار المرتبطين بالمؤسسات الحكومية، وكيف كانت هذه العلاقات والترابط مرتعًا خصبًا للرشوة، وطريقًا للثراء الفاحش، ومكانًا يتداول فيه العمولات، والتي أحيانًا تكون أعلى من قيمة المناقصة، وهل يجهل شخص مثلك مُطَّلع على حركة التجارة ومسيرة الشركات والمناقصات مصطلح "مستر واحد في المائة"، وسبب شيوع هذا المصطلح وانتشار تلك العمولات هو ضعف الوازع الديني وقلة التدين، بخلاف إدارة أخرى معروفة ومشهورة المسؤول عنها له فتوى تحرم استخدام هاتف الإدارة والأوراق والآلات للأغراض الخاصة، وفتوى أخرى تحرم استعمال السيارة الحكومية فضلاً عن مال الإدارة أو المال العام؟

    مثال ذلك: سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء - رحمه الله - السؤال التالي: أعرف قريبًا لي يعمل بأحد أقسام السنترال ويحول لي بعض المكالمات الدولية ودون علم أصحابها بالمجَّان، فهل على هذا العمل شيء رغم أن أصحاب الهاتف ناس مقتدرون؟
    **  الـجــواب:
    "هذا العمل لا يجوز إلا بإذنهم وهو خيانة من قريبك نسأل الله هدايته".

    وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين السؤال التالي: هل يجوز للمسلم الموظف في دائرة حكومية أن يستخدم سيارة العمل علمًا أن لديه سيارة يملكها؟
    فأجاب بقوله: "الموظف عند الدولة يعتبر كالعامل بأجرة، فهو مؤتمن على ذلك العمل الذي نيط به وفوض إليه، ومؤتمن على ما أعطيه من الأدوات والآلات التي يتم بها العمل الذي فوض إليه، فلا يستعمل شيئًا منها إلا في العمل الحكومي أو ما يتعلق به، فلا يركب السيارة المذكورة في حاجاته الشخصية، ولا يستخدم الهاتف ونحوه في مصلحة خاصة، وكذا الدفاتر والأوراق والأقلام، فالتورع عنها وعدم استعمالها لنفسه من تمام الأمانة، وقد قال تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8].
    وهناك إدارات أخرى قد يكون المسؤول عنها ليس بمفتي، لكن تجد فتوى المفتي ملصقة على الجدران ومتداولة بين موظفي تلك الإدارة، وأثرها في قلوبهم، ومفعولها في عقولهم، وإيجابياتها في تعاملاتهم ومعاملاتهم، لو كلفت نفسك يا دكتور قليلاً من الوقت لقراءة سيرة ومسيرة علماء مجتمعنا لرأيت العجب العجاب في عصر الحاجة والمنفعة والمصلحة، ولرأيت السلك الوظيفي الذي يتولونه من أطهر الأسلاك وأنظف السلوك، ولجزمت جزمًا قاطعًا أنهم هم الوحيدون - كأسلاك لا كأفراد ينتمون إليهم - هم الوحيدون المنفردون بتطبيق مبدأ (من أين لك هذا)، وهذا المبدأ يعتبر بحد ذاته من أكبر عوامل قوة الإدارة في الغرب، فالعلماء دليلهم على هذا المبدأ حديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللتبيه استعمله على جباية الصدقة، فلما قدم إلى النبي قال: «هذا لكم وهذا أهدي لي»، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: [ما بال العامل نبعثه فيقول: هذا لكم وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تثغر]، ثم رفع يديه وقال: [ألا هل بلغت].؟ ثلاثًا.(6)

    فهذا الحديث استخدم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عامل الجزاء في الآخرة، وهو أقوى عامل يردع عن الفساد المالي والإداري، ويحارب النزعة المادية النفعية، ويقفل الباب أمام الحظوظ الشخصية.
    وللعلماء في أخذهم بهذا المبدأ دليل آخر يؤكد الأخذ به وتفعيله، وهو قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59].
    وهذا الأخذ يتمثل التزامهم بالمرسوم الملكي رقم 16 وتاريخ 7 - 3 - 1382هـ وفيه "على مجلس الوزراء بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة أن يحاسب الموظفين على مصادر ثرواتهم وثروات أولادهم القُصَّر أو البالغين الذين لم يعرف عنهم التكسب وثروات زوجاتهم .... فإذا عجز الموظف عن إثبات مصدر شرعي لما يملكه هو أو من ذكروا فيما يثير الشك في أن اكتساب هذه الأموال كان بطريق الرشوة أو الهدايا أو استغلال للنفوذ الوظيفي، فإن على مجلس الوزراء أن يصادر نصف تلك الأموال المشكوك في مصدرها، وأن يحكم عليه بالعزل من وظيفته"".

    ومن الأمثلة على تفعيل علماء مجتمعنا لهذا المبدأ أنهم أصدروا عدة فتاوى تكرس العمل به، وتعزز تطبيقه في الإدارة، وتدعو إلى تطهير السلك الوظيفي من الفساد الإداري والمالي،كالرشوة والعمولة والتلاعب بالمال العام، وأكل أموال الناس بالباطل، فقد سُئل الشيخ صالح الفوزان السؤال التالي:
    ما حكم إهداء الموظف هدية للمدير، وحكم الهدايا المتبادلة بين الموظفين؟
    ** الـجــواب:
    (لا تجوز الهدايا للموظفين لا من موظفين مثلهم ولا من غيرهم ؛لأنها رشوة، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي، والرشوة سُحْت وكسب خبيث، ودفعها وقبولها كبيرتان من كبائر الذنوب؛ لأنها تفسد المجتمع وتعطل الأعمال وتفتح باب التلاعب في الأداء الوظيفي) اهـ.
    فهذا مثال من عشرات الأمثلة في التأصيل النظري لمبادئ الإدارة المتحضرة والسلوك الوظيفي المتحضر.
    أما على صعيد الممارسة فقد نشرت مجلة العدل في ترجمة للشيخ ناصر بن حمد الراشد الرئيس العام لتعليم البنات - رحمه الله - وقد ذكر المترجم أن الشيخ ناصر كان إذا أرادت الرئاسة أن تشتري أرضًا لبناء مدرسة عليها طلب من أحد العاملين معه أن يشتريها باسمه، ثم تقوم الرئاسة بشرائها منه، وسبب ذلك حتى لا يرفع صاحب الأرض سعر الأرض إذا علم أنها للرئاسة ويستغل كونها للحكومة،وذكر المترجم كذلك أن الشيخ ناصرًا كان يقف على المباني بنفسه ليتأكد أنها على حسب المواصفات التي تم الاتفاق عليها مع المقاول.
    فهذه فتاوى من عشرات الفتاوى وممارسة من كثير من الممارسات التي يتضح منها للعاقل نبض الحضارة، ويتبين منها لصاحب القلب السليم والمتجرد لطلب الصواب وعين الحق السلوك الحضاري، ويظهر منها للقارئ الجيد الواقعي مكمن ونقطة انطلاق التحضر في المجتمع، فهل يقر الدكتور ويعترف بذلك - وأحسبه كذلك - أم يحتاج إلى إقرار واعتراف مفكر غربي - وأنزهه عن ذلك - حتى يتبعه ويقلده ويستشهد بقوله ويستدل بفكره؟
    فإن كان لا بد، فقد اعترف أحد كبار المفكرين الغربيين وهو "صامويل هنتجتون" - المفكر الأمريكي - صاحب النظريات العدائية تجاه دين وقيم وحرية ومبادئ وحضارة الدكتور حين قال في إحدى محاضراته: "لا آدم سميث - وقد سبق واستشهد به الدكتور - ولا توماس جيفرسون سَيَفِيَان بالاحتياجات النفسية والعاطفية والأخلاقية للمهاجرين الجدد إلى المدينة أو للجيل الأول من خريجي المدارس الثانوية، ولا المسيح سيفي بها على المدى الطويل، محمد سينتصر ".
    فهذا الاعتراف منه لا يخالف عداوته؛ بل كما قال الله سبحانه وتعالى فيه وفي أمثاله: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].
    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، بل ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بظ وافر] (7)، فكلما كان الشخص أكثر دينًا وأكثر محافظة كان أسعد بالوراثة، وعلى رأسهم العلماء،فهم أسعد الناس بوراثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الوراثة تشتمل على صدق المعاملة، فلا رشوة،ولا خيانة، ولا أكل أموال الناس بالباطل، ولا سرقة، ولا جريمة، وتشتمل أيضًا الوراثة على صدق العبارة، فلا نميمة، ولا تحريش، ولا غيبة، ولا تجسس، ولا تنصت، ولا كذب، ولا سباب، ولا لعان.
     فهذه القيم العالية والمبادئ السامية والأخلاق الحسنة والسلوكيات المحافظة من أهم معايير الحضارة وأبجديات التحضر ومفردات السلوك الحضاري.
     

    ----------------------------------------------
    (1) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (277) من حديث عبادة بن الصامت.
    (2) أخرجه البخاري (10) (6484) ومسلم (40).
    (3) أخرجه ابن ماجه (2340).
    (4) أخرجه البخاري (6473) (7292)،ومسلم (593)
    (5) مؤلف كتاب «رؤية خليجية لقضايا عربية».
    (6) أخرجه البخاري (6636)، ومسلم (1832).
    (7) سبق تخريجه.
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    خالد الغليقة
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية