صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







المسلمون المهجرون

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
@LMKHOJAH


بسم الله الرحمن الرحيم


العذابات تصب على أهل الإسلام صبا، وقد تمزقوا وصاروا شيعا، وأعداؤهم قد جمعوا لهم، فلم تفد فيهم عبرة، ولم تحدث لهم يقظة أو آوبة، بل لا يزالون في غفلة وحسرة، وقد عبر عن شيء من هذا – قريبا - الشاعر المصري محمود غنيم بقوله:

إني تـذكـرت والذكـرى مؤرقـــة *** مجــداً تليداً بأيديــنا أضعــناه
أنّى اتـجـهت إلى الإسلام في بـلـد *** تجده كالطير مقصـــوصاً جناحاه
كم صرّفـتنا يـدٌ كنا نـُصـرّفـهـا *** وبات يحكــمنا شعب ملكنـــاه
يا مـن رأى عـمر تـكسوه بردتـه *** والزيت أدم له والكـــوخ مـأواه
يهتـز كـسرى علـى كرسيه فرقــاً *** من بأسه ومـــلوك الروم تخـشاه
لا هـم قـد أصبحت أهواؤنا شيعـاً *** فـامـنـن عـلـينـا براع أنت ترضاه
راع يعـيد إلى الإسـلام سيـرتـه *** يرعى بـنـيه وعـيــن الله تـرعـاه

منذ أن نشأت الأجيال المتأخرة، وهي ترى وتحس بما حل بفلسطين من احتلال وتهجير، وما منا من أحد إلا وجلس يوما أمام الرائي يسمع ويرى تشريدهم من بلداتهم إلى المخيمات في البلدان المجاورة، ثم توالي المجازر بحقهم منذ مجزرة دير ياسين سنة 1948هـ حتى مجازر غزة الأخيرة، وكنا نظن أنه تاريخ يقف ههنا، فلا يتجاوز بظلماته وعذاباته الأرض المباركة، ابتلاء لهذه الأمة، فإذا بنا نعايش بلاءات من مثلها في العراق وسوريا، كذلك في بورما، فالمشترك بين كل هؤلاء المسلمين: أنهم وجدوا في المكان الخطأ، بحسب ما خطط لهم صهاينة الغرب وأعداء الملة. فخطتهم قاضية بتفريغ هذه المناطق من المسلمين السنة خصوصا- الممثلون حقيقة الإسلام دون غيرهم من الفرق - ففي فلسطين عزموا على توطين اليهود، فكان بد من إخراج أهلها، وقد فعلوا، واليوم في بورما، عزم أتباع بوذا توطين ملتهم في مناطق أراكان الإسلامية، فبد إذن إخراج المسلمين بقتلهم وحرقهم وبيوتهم، وقد فعلوها!

وإذا كنا قد ألقينا قضية مسلمي بورما خلف ظهورنا، فإنه ابتلانا بما يؤرق المضاجع، فنحن نرى التهجير والتشريد على قدم وساق اليوم في العراق في محافظات السنة؛ فقد هجر أهل السنة من بغداد ثم البصرة أولا على يد أحزاب الشيعة، ثم في تكريت وجرف الصخر والفلوجة، واليوم يراد هذا في الموصل، كل ذلك بغرض توطين أتباع إيران من الشيعة في هذه المناطق؛ لتكون مناطق شيعية خالصة، فالمسلمون يلقون التشريد والقتل علي يد هؤلاء؛ ليهجروا بلدانهم فتخلو لهم، فما أشبه الشيعة باليهود، بل ما أشبه اليهود بالشيعة، تشابهت قلوبهم وأفعالهم في عداوة أهل الإسلام.
ثم ما يحدث اليوم في حلب على يد أقطاب الإجرام من: علويين زنادقة، وشيعة حزب اللات، والروس الكفرة الفجرة. هو مثال مكرر لعملية تخلية مناطق السنة من سكانها السنة، وهكذا يمر كل قوم من هؤلاء الخصماء - للملة، والخلق، والإنسان - بأطماعهم وأحقادهم على أهل الإسلام السنة خاصة، سواء كانوا: صهاينة، أو صليبيين، أو صفويين، أو علويين، أو بوذيين، أو شيعة رافضة، ليفعلوا ما يشاءون آمنين من العقاب؛ إذ لا يرون بين أيديهم إلا أمة كسيحة عاجزة عن صون نفسها، نعم هي كبيرة وفيرة، لكنها غثاء كغثاء السيل، لا حول ولا قوة، ولا إرهاب للعدو، ولو بقي حالهم على هذا، فمناطق التهجير ستكبر وتتسع باتساع أطماع الكفرة الفجرة، فمن كان يرقب المهجرين يسمع ويرى مآسيهم، يوشك أن يجد نفسه من المهجرين المشردين المقتولين؛ ليضرب به المثل في البلاء، كما هو يضرب بغيره المثل، وليس هذا ببعيد، فلم يبد منا إلى اليوم ردة فعل تناسب هذه الأحداث الجسام، لا من جهة الدول والحكومات، ولا من جهة الشعوب!
فمن قال: إن الأمر بيد الدول. لم يبعد، فلو عزمت وصدقت لفعلت شيئا يكبح به جرائم قوم لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، لكنها بعيدة عن هم الإسلام والمسلمين، حريصة على مصالح ضيقة خاصة شخصية إلا من رحم الله، وهي نفسها ليست بمأمن من مكر دول الغرب بها، الذي لا يحترم المعاهدات ولا الأحلاف، ولا القانون، غير صادق في أي شيء، إلا في شيء واحد، هو: تحقيق مصالحه بأية طريقة كانت، ولو دمر من – وما – في الأرض جميعا. فقد افتعل حربا عالمية، قتل فيه وجرح مائة مليون إنسان، وهدمت دول ودمرت، فهو عار من كل فضيلة، متشبع بكل خسة ورذيلة، فكيف يركن إليهم عاقل، إلا أن يكون مثلهم أو عبدا لهم؟

ولو قيل: إن الشعوب ليسوا بخالين من المسؤولية. فقول لم يعد الحقيقة، فالشعوب بعددها وثقلها يمكن أن تفعل وتحرك ما قد تعجز الحكومات عن فعله، لو صدقت وبرت واتقت وصبرت، وإذا كان دور الدول في مقاومة العدوان أوضح شأنا؛ إذ بيدها قرار الحرب والسلم، وبيدها القوة والمدافعة، وهو المطلوب لمنع حوزة الإسلام والمسلمين: فإن دور الشعوب في شيء غير هذا، دورها فيما كلفت واختصت به من الشرائع والأوامر الإلهية، وكل عليه اختصاص يجب أن يقوم به، فإذا فرط فقد أنقص من حاله، والنقص يجلب الخلل، والخلل يوجب الأذى والعنت.
ولنا في القرآن هداية: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، وبخصوص الاستضعاف الذي نعيشه، فإنه قد أنبأنا عن: السبب، والعلاج. وعلينا أن نتدبره؛ لنقف على دائنا ودوائنا: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}.

عن السبب الذي به يصيب أمتنا من البلاء العظيم يقول سبحانه:
- {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.
- {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعف عن كثير}.
فهذه تنبئ عن أن سبب بلائنا: هو فعل منا، استوجبناه به، فنزل بنا من المصائب ما نزل، فإما علينا أو على إخوتنا، فكلنا في عنت وشقوة، فالأخ يشقى ببلاء أخيه، والولد بأمه وأبيه، والزوج بصاحبته وبنيه. وصورة السبب، هو: تركنا لامتثال أوامره سبحانه، واقتحامنا لنواهيه، وجزعنا من أقداره. وكل من تفقد حاله، وجد فيه من هذا السبب شيئا قل أو كثر، والأمة لو درست حالها، لوجدت في أبنائها من يخرق السفينة ويعرضها للغرق؛ في الحين الذي يهجر فيه إخوة الإيمان والسنة من بلدانهم، ترى أقواما يعبثون، ويفسقون، ويفجرون، وكأن النار لم تبلغ أبوابهم، وشررها بلغت مخادعهم؟! كما قال تعالى: {فلما جاءهم بآياتنا إذا منها يضحكون * وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون}.

نيران الحرب تحيط بالبلاد من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأصحاب الغفلة من الجنسين الذكر والأنثى، لا يقيمون من المعروف إلا قليلا، ولا يتركون من المنكرات إلا فتيلا، يسارعون في آثامهم، وترك ما فرض عليهم من واجباتهم، كأنهم حمرة مستنفرة فرت من قسورة، لا يلومون أنفسهم قبل أن يلاموا، ولا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ثم إذا وقعت سنة الله عليهم، كما وقعت على من قبلهم، فشردوا وهجروا قالوا: يا ويلنا إن كنا ظالمين: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين* فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون* لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون* قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين* فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين}.

فسبب المصائب معروف لمن هدي، والعلاج كذلك لمن قرأ القرآن وتدبر، فقد جاء موسى عليه السلام لبني إسرائيل يعظهم ويدلهم على طريق الخلاص من كيد فرعون بهم؛ كان يقتل أبناءهم ويستحيي نسائهم: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}. فالاستعانة بالله في كل الأمور، وهو أن يتبرأ المرء من حوله وقوته سواء في قيامه بما أمر ونهى سبحانه، ويركن إلى قوته سبحانه، فيعرف أن القوة لله جميعا، وأنه بغير عونه سبحانه، لن يقدر علي شيء ألبتة؛ من إقامة الدين، وترك معاندة الرسل، ثم يتبع ذلك بالصبر على أمر الله وقدره. فهذا مفتاح الخلاص من العذاب، ويضيف إليه: خشية الله وخوف مقامه ووعيده. فتلك وصية الله تعالى ووعده لرسله ليمكن لهم في الأرض: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}.

سبيل الله تعالى في الخلاص من الظلمة والمجرمين، ليس من اختصاص الحكام وحدهم، فالقرآن يخاطب جميع الناس من حكام وشعوب: أن يتقوا، ويستعينوا، ويصبروا، ويخشوا ربهم، ويؤمنوا به، ويعملوا صالحا، ويعبدوه فلا يشركوا به، حتى يقيم لهم الدنيا، كما أقام لهم الدين، فيبين: أن جميع الناس يحتملون المسؤولية، كل بحسبه وقدره، في تردي الأمة أو نهوضها، ولم يعلق البلاء بالحكام وحدهم، بل خاطب الأمة كلها، فكل عليه مسؤولية.


 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية