اطبع هذه الصفحة


تأملات في سيرة إمام !

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي

 
أعجب ما لفت نظري في سيرة النووي رحمه الله تعالى كثرة تصانيفه ، وبركة مؤلفاته مع قصر عمره ، فقد عاش رحمه الله تعالى ست وأربعين سنة وترك من المؤلفات مالو قُسّم على سنيّ حياته لكان نصيب كل يوم كراستين ، مع أنه لم يبدأ في طلب العلم إلا في سن الثامنة عشرة ، أضف إليها عشر سنوات لم يكتب فيها شيء من التصانيف ، ثم رحل وهو لم يتجاوز السادسة والأربعين من عمره . لقد أتم في حياته ستة وعشرين مؤلفاً على رأسها شرح صحيح مسلم ، والمنهاج ، ورياض الصالحين ، والأربعين النووية ، وهذه الكتب لجلالة قدرها ورفيع منزلتها ، وعظيم شأنها سارت بها الركبان مشرقة ومغربة ، ولا يعرف طالب علم فضلاً عن عالم أن لا يكون في تحصيله هذا التراث الذي تركه النووي رحمه لله تعالى ، ناهيك عن كتب كثيرة لا تسع هذه الصفحات لذكرها كاملة وهي عطر في رأس عروس .

ما أود أن أقوله في هذا المقام أن هذه البركة في حياة هذا الإمام لم تكن عبثاً ، ولا قدراً مجرداً ، كلا ! وإنما كانت نتيجة أسباب خاضها النووي بنفسه ، فلقي ثمارها عاجلاً .

إن قدر الله تعالى ورحمته أوسع لحاف للمتدثرين بستره ، لكن سنن الله تعالى التي لا تتغيّر ولا تتبدّل تبين : أن هذه المقامات لها أسباب ، وهذه الفتوحات لها ما لها من الأسرار ، وتلك البركة خلفها خبايا صالحات .

وإذا أردت أن تعرف ذلك حقيقة فإليك بعضاً من سيرة هذا العلم ، وعبادته رحمه الله تعالى : قال تلميذه ابن العطار : كان كثير التلاوة ، كثير الذكر لله تعالى ، وقال رحمه الله : ذكر لي صاحبنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي الفاضل نفع الله له في حياة الشيخ رحمه الله قال : كنت ليلة في آخر الليل بجامع دمشق ، والنووي واقف يصلي إلى سارية في ظلمه وهو يردد قوله تعالى : " وقفوهم إنهم مسؤولون " مراراً بحزن وخشوع حتى حصل عندي من ذلك شيء الله أعلم به . اهـ وقال ابن كثير : كان يصوم الدهر . اهـ وقال اليافعي : كان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصنيف . اهـ وقال الذهبي : وكان مع تبحره في العلم رأساً في الزهد وقدوة في الورع ... وقال رحمه الله : كان عديم الميرة والرفاهية والتنعّم مع التقوى والقناعة والورع الثخين ، والمراقبة لله في السر والعلانية ، وترك رعونات النفس من ثياب حسنة ، ومأكل طيب ، وتجمّل في هيئة . اهـ كان من شدة ورعه لا يأكل من فاكهة دمشق ، وسأله تلميذه ابن العطار عن ذلك فقال : إنها كثيرة الأوقاف والأملاك . اهـ قال الذهبي : ولَيَ دار الحديث وكان لا يتناول شيئاً من معلومها ، بل يقنع بالقليل مما يبعث به إليه أبوه ، وكان لا يأخذ من أحد شيئاً ، ولا يقبل إلا ممن تحقق دينه ومعرفته . اهـ قلت : أما سر عجبي عن كثرة هذه التصانيف وبركتها مع قصر عمره فقد انقضى بهذه الأسطر ، وأرجو أن تكون أنت أيها القارئ الكريم ممن قضت وطرك هذه الأسطر ، وأفصحت عن سر هذه البركة .

ومن عرف الطريق وصل ، ومن تجمّل لله تعالى في السر نال ما تمنى ، وما تخلّف إلا مغبون ! وما ضاع في جنبات الطريق إلا محروم ..
وليت شعري من يدرك هذه الطريق ؟! ومن يسعى في تتبع آثار القوم ؟ ! فليس بينك وبين الفالحين إلا هذه الخطوات . والله المستعان !


مشعل بن عبد العزيز الفلاحي
[email protected]

 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية