اطبع هذه الصفحة


صفحات من التاريخ

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي


التاريخ صفحة بيضاء يمكن لكل إنسان أن يكتب فيها معالم شخصيته ، ويدوّن فيها تاريخه الذي تقرأه الأجيال فيما بعد ، ولا أدل على ذلك من أنك تقرأ اليوم فصول قصص رجال طواهم الزمن من مئات السنين ولا زالوا بيننا كأنهم أحياء .. ! وحين تقرأ سيرة ذلك الإنسان لن تجد أنه مخلوقاً مختلفاً عن غيره .. كلا ! وإنما هو بشر من الناس لكنه استثمر تلك اللحظات من حياته فكان لزاماً على التاريخ أن يعيد سيرته حية جذلة من جديد ..!
إنني سأفتح هذه المساحة بعض صفحات ذلك التاريخ العريض ونقرأ فيها سير قوم مروا في ذاكرة الزمان ، ولم يتركوا الدنيا حتى كتبوا في لحظاتها قصصهم كأروع ما تكون ، ودونوا في صفحات التاريخ مواقفهم ، فإليك تلك الصفحات كما خطها كاتبوها :

الصفحة الأولى :

صفحة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فرد من الناس ذاق مرارة الجاهلية في جزء كبير من حياته ، وتذوّق الإسلام بكل ما فيه من معنى في لحظات أخرى من تلك الحياة ، لم يكن جسيماً حتى يقال كان لذلك أثر في تحقيق ما كتب ، وإنما كان نحيلاً لدرجة أن ثوبه يتراخى من على بطنه لا يكاد يستقر ..! ولم يكن عزباً حتى يقال لم يشغل بأعباء البيوت بل كان زوجاً لأربع نساء ، ومع ذلك عانق السماء بإنجازاته ، وكتب في صفحات التاريخ أن الرجال يمكن أن يصنعوا تاريخهم كيفما شاؤوا ومهما كانت الظروف التي تقف في طريقهم ، حدث النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة أن في الجنة ثمانية أبواب ، وأن كل مؤمن يدخل من الباب الذي أكثر فيه من العمل فأهل الصلاة يدخلون الجنة من باب الصلاة ، وأهل الصيام من باب الريان ، وأهل الجهاد من باب الجهاد ، وكان أبو بكر حاضراً تلك اللحظة ويسمع ما يقول نبيه صله الله عليه وسلم فنفرت همته إلى أبعد مما يتصوّر سامع للحديث تلك اللحظة قائلاً : يارسول الله وهل على أحد من حرج أن يدخل من أبواب الجنة الثمانية كلها يوم القيامة ؟ إن الهمة التي تصلي قلب أبي بكر تلك اللحظة لم ترض بطريق واحد تسلك منه إلى الج نة يوم القيامة ، وإنما تألقت للدرجة التي ترنو فيها لأبواب الجنة الثمانية كلها ، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على أن قال : \"لا ، وأرجو يا أبا بكر أن تكون ممن يدخل الجنة من أبوابها الثمانية كلها يوم القيامة \" فيا لله ما أروع الهمم في قلوب الكبار ..!
وإذا أردت أن تعرف عظمة هذه الهمة في قلب أبي بكر رضي الله عنه فاسمع إلى تاريخ يوم واحد في حياة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حتى تعلم أن الأماني لا تهتف بالإنسان مجردة من مواقف العمل وتضحيات الكبار .. وقف النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام يسأل أصحابه : من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكر : أنا يارسول الله ، قال من تصدق اليوم ؟ قال أبو بكر أنا يارسول الله . قال من تبع جنازة مسلم ؟ قال أنا يارسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" والله ما اجتمعت في مسلم إلا دخل الجنة يوم القيامة\"
إنها لحظات شرف ولحظات عز يكتبها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لنفسه وهو يعيش بين الناس وفي وسطهم لا يفترق عنهم إلا بهمته .. وإنها والله الهمم تبني المجد على صروح من ذهب ..!
والمواقف التي صنعها أبو بكر الصديق في لحظات حياته أوسع مما ذكرت بكثير ، وفي ثنايا سيرته العطرة يمكن أن ترى ما لا تسعه هذه الأسطر لأن حسبي الإشارة إلى بعض الصفحات لا كلها ..!

الصفحة الثانية :

رجل من كبار التاريخ ، ومن صُنّاع المجد ، لم يرحل من الأرض حتى كتب في صفحاته أن الهمم والعزائم تصنع من الرجال كباراً ، وتكتب منهم عمالقة ، وتترك ذكرهم في العالمين إلى قيام الساعة ..!
تحدث ابن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه قائلاً : \"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر \"
ولم تكن الشجاعة هي المعلم الكبير والمصباح الوضيء الذي رافق عمر بن الخطاب فترة حياته فحسب ..! بل التقوى سارت بخبره ، ورحلت بذكره ، ودوّنت سيرته بمداد من ذهب في صفحات التاريخ ، ولم تزل به حتى شهد النبي صلى الله عليه وسلم لريحها الزكية في قلبه ، وهتافها في روحه ، وزكاءها في تاريخه قائلاً : \"إيها يا بن الخطاب ، فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك \" وإن نفساً تلبس لباس التقوى فتنفر بروحها للدرجة التي يفر منها الشيطان ، ويبحث عن مسالك غير التي تسلكها في الأرض لكبيرة في حق إنسان من لحم ودم ..!
وإني ـ والله ـ كلما قرأت هذا الخبر عدت إلى قراءة سيرة ذلك العلم أستروح فيها عبق الذكريات ، وأجدد في نفسي معالم التحديات الكبيرة التي تخوضها على الأرض .. فوالهفاه على ذكريات الكبار .. وإلى تاريخ هذه اللحظة لا زال الموقف يذهب بكل لحظات الإنجاز في حياتي فيصيرها هباءً أمام نور التقوى الذي امتد شعاعه فأصبح يطرد الشيطان من الطرقات ..!
وليست المسألة مسألة فرار شيطان أمام قوة الإيمان ، وإن كانت كبيرة بحق ، إنما المسألة تبدو ضخمة حين يتنزّل الوحي كلام الله تعالى ككلام عمر لا فرق موافقاً له في الرأي ، ومؤيداً له في القرار في أكثر من موضع وصلت عند بعض كتاب السير والتاريخ إلى سبعين موضع أو تزيد .. فيالهف قلبي على هذه الذكريات !
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً لذلك الخبر ، ومؤيداً لذلك التوفيق \" قد كان في الأمة محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب \" رضي الله عنه وأرضاه .
لقد كانت روحه ضياء في الأرض ، فتوهج العلم في قلبه وعقله للدرجة التي قال فيها ابنه عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \"بينما أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر ، قالوا : فما أولت ذلك يارسول الله ؟ قال : العلم \"
وجرى الدين في معالم حياته حتى كاد عمر رضي الله عنه أن يكون كل شيء ، وتلك المعالم التي مرت كان قوامها كلها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم \" بينما أنا نائم رأيت الناس يُعرضون علىّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثُّدَيّ ، ومنها ما يبلغ دون ذلك ، ومر علىّ عمر عليه قميص يجره \" قالوا : فما أولت ذلك يارسول الله ؟ قال : \" الدين \" وفيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العبرة الكافية لختم معالم هذه السيرة الرائعة ، وإنها صفحة تأبى الانطواء لأنها لم تأخذ إلا بعض معالم تلك الشخصية الكبرى في الأرض لولا أن المساحة لا تكفي لسرد تلك المعالم بأكثر من ذلك.

الصفحة الثالثة :

سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه ، صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بين إسلامه وبين موته إلا سبع سنوات ، هذه كل حياته في الإسلام سبع سنوات فقط ، لكن هذه السبع السنوات كانت في تاريخها وأثرها تعدل مئات السنين في تاريخ آخرين ، تنبئك عن هذه المقارنة تلك اللحظة التي رحل فيها سعد بن معاذ رضي الله من الأرض فلم يبكه صحابته ، أو أهل بيته أو مجتمع المدينة فحسب ، وإنما ثار لموته ، وارتعد لرحيله ، وفجع بنقلته عرش الرحمن ، جماد من الجمادات ، فزع لموت سعد بن معاذ .. لحظة موته فاجعة اهتز لها عرش الرحمن .. ولا يعرف إلى تاريخ هذه اللحظة أن جماداً فُجع برحيل إنسان كما يعرف من خبر سعد .. !
بل حكي أحد الصحابة عن اللحظة التي نقل فيها سعد بن معاذ رضي الله عنه من عند المرأة التي تطببه قائلاً : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه وأسرع حتى تقطّعت شسوع نعالنا ، وسقطت أرديتنا ، فشكا ذلك إليه أصحابه فقال صلى الله عليه وسلم : \" إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسّلت حنظلة \" فانتهى إلى البيت وهو يغسّل وأمه تبكيه وتقول :
ويل أُم سعدٍ سعداً حزامةً وجدّا
فقال صلى الله عليه وسلم \" كل باكية تكذب إلا أم سعد \" ثم خرج به فقال أحد الصحابة ما حملنا يارسول الله ميتاً أخف منه ، قال صلى الله عليه وسلم \" ما يمنعه أن يخفّ وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم \"
إن هذه السيرة أروع ما جرى به القلم في مساحة كهذه ، وإن المتأمل فيها ليرى خطوات الكبار كيف يشيعها التاريخ اليوم كأنها بنت تراب هذا الزمن ، والحقيقية أن بينها وبينه سنين متطاولة لا يحصى قدر المارين فيها كثرة .

الصفحة الرابعة :

عبد الله بن حرام الصحابي الجليل ، عاش في الإسلام وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحل من الأرض وذكره أعبق من كل رائحة جميلة ، قُتل رضي الله عنه يوم أحد ، ويحكي ابنه جابر رضي الله عنه بعض معالم سيرته فيقول : \" لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف عن وجهه وأبكي ، وجعلت عمتي تبكيه فقال صلى الله عليه وسلم \" تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه \"
ويمد ابنه في مساحة هذه الذكريات قائلاً : رأيت أبي في قبره كأنه نائم ، وما تغيّر من حاله شيء ، وبين تلك اللحظة التي رآها فيها ست وأربعون سنة ، وكان ذلك بسبب سيل داهم مقابرهم فرآه بعد هذا الزمن كذلك .

ويخطو في سرد ذكرياته ما قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حين قال : \" ألا أخبرك أن الله تعالى كلّم أباك كفاحاً ، فقال ياعبدي ! سلني أُعطك ، قال أسالك أن تردني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانياً ، فقال تعالى \" إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ، فقال : يارب ! فأبلغ من ورائي \" فأنزل الله : \" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون \"
إن هذه الصفحات لم تفتح اليوم أمام قُرّائها ، وإنما ظلت مفتوحة من مئات السنين لم تطوى فيها لحظة ، وكان دوري هذه اللحظة أن أعيد قراءة أسطرها من جديد ، وأبين عن معالمها من جديد ..!
إنها صفحات تستحوذ على ذاكرة الإنسان ، وتفتح ميداناً للسباق على المعالي من جديد ، وتهيّج في النفس تاريخها الحقيقي من جديد .. وايم الله ما غير التقوى رفع مقامهم ، ولا غير التقوى سطّر أسماءهم ، وجاءت الهمة والإرادة على التقوى المنتشرة في القلب فاوقدت فيها جذوة من نار ، فثارت تلك النار في كل ذرة من ذلك الجسد فكتب رسالته القائلة : إن الكبار لا يحول بينهم وبين صناعة التاريخ عقبة مهما كانت كؤود .

وإنني وأنا أفتح هذه الصفحات من جديد أرى النور القادم يتخلل من وجهك أيها القارئ الكريم أياً كنت رجلاً و امرأة ، وأرى الأرض التي اتسعت لتلك الإنجازات بالأمس لم تزل كذلك واسعة لم ينقص منها شيء .. وإن رجلاً أراد أن يعيد سير الكبار جذلة من جديد ليس بينه وبين ذلك إلا أن يرتّب فيها معالم شخصيته من جديد ، ويمد للتقوى في حياته ميادين أخرى مثل أو أكبر من الصور التي عاشها أولئك القوم ، ثم يصلي تلك التقوى بالهمة والإرادة حتى تذهب تعانق السماء كأنها لحظات الفوز تتدلى من جديد ..! وإن رجلاً يقرأ أسطري هذه اللحظة هو مدعو أن يفتح صفحة أخرى لا تقل قدراً عن تلك الصفحات الماضية حتى يأتي كتاب التاريخ في لحظة من الزمن القادم فيعرضونها معها جنباً إلى جنب .. والملتقى الفردوس الأعلى إن شاء الله تعالى .

مشعل عبد العزيز الفلاحي
[email protected]

 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية