اطبع هذه الصفحة


مشروع النهضة .. كيف نبنيه؟ (2)

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي


تحدثت في الحلقة الأولى عن أهمية المشروع هناك وقلت: إن أمتنا الإسلامية اليوم أحوج من كل فترة مرت إلى الحديث عن هموم الإصلاح ومشاريع النهضة، وتنطلق هذه الحاجة من واقع الأمة الذي هو اليوم في أمس الحاجة إلى نفخ الروح في جسدها، وتقويم بنائها، وإعادة وهجها للحياة من جديد .. وذكرت هناك أن الطريق إلى إقامة هذا المشروع من خلال ركيزتين: ركيزة الإيمان بالله تعالى، وركيزة العلم، وأؤكّد هنا على أن هاتين الركيزتين هي أثمن خطوات المشروع على الإطلاق، وحين تأخذ مساحتها من التفكير والتخطيط، وتنزل واقعاً عملياً فإننا سندفع بمشروع النهضة لأمتنا إلى مستقبله المنشود بإذن الله تعالى .. وفي المقابل ينبغي أن نعنى بكل عامل يمكن أن يسهم في مد مشرع النهضة، ويدفعه إلى واقعه الذي نريد، ورغبة في زيادة مساحة العناية بهذا المشروع، فإنني أدلف ببعض الركائز والعوامل المؤثرة في بنائه إتماماً لما سبق:

من هذه العوامل: استثمار أفراد الأمة كل حسب طاقته على أن نأخذ في اعتبارنا ضرورة مشاركة كل فرد في البناء، رجلاً كان أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، ونحذر كل الحذر من تفريغ الأمة من طاقاتها، أو تحييد أفراد من الأمة عن مشروع البناء فيها مهما كان تقصير ذلك الفرد أو تخلفه.
إن استثمار طاقات الأمة كلها، والعمل على إشراكها في البناء، وتحمل جزء من مشروع الأمة يعد أحد العوامل المؤثرة في نهضة الأمة وقيام مشروعها الكبير بإذن الله تعالى .. وهذا العامل ليس من السهولة بمكان، ولن يتم استثمار هذه الطاقات كلها في يوم وليلة، أو من خلال كلمة في لحظة ما، وإنما يكون من خلال تغيير آليات التفكير لدى القائمين على مشروع النهضة، والكبار في الأمة والمعنيين بالإصلاح فيه، ومن خلال التجربة الحية الواقعية في ذلك، وجعل هذا العامل أحد العوامل المؤثرة في إثراء الخطة المرسومة لمشروع الأمة.

وينبغي أن يقال: إن إحياء ثقافة العمل والمساهمة في بناء هذا المشروع له حظ كبير من الصعوبة تكمن في غياب أفراد الأمة عن ذواتهم وأهلهم وبيوتهم، وضياع كثير من القضايا الخاصة بهم، واكتفائهم بالتفرجة على واقع حياتهم قبل التفرجة على مشروع الأمة، لكن حين ندرك ضرورة ذلك، ونضعه في أولوياتنا، ونبدأ في العمل فيه ستأتي بإذن الله تعالى اللحظة التي نجد هتاف الأمة كلها وحدبها على مشروعها الكبير، على أن هذه المشاركة التي نريدها ينبغي أن توظف توظيفاً مناسباً فيستثمر كل إنسان في مجاله، وتخصصه، وتوجهه، ونتجنب الفوضوية في استثمار هذه الطاقات.
إن المسألة من الضرورة بمكان، وينبغي أن تستحوذ على أوقاتنا وأولوياتنا في هذه الفترة الحرجة من واقع الأمة، وما لم تنهض الأمة كلها مشاركة في مشروعها وإلا ستبقى تراوح في مكانها ولن تصل إلى مشروعها الذي تريد.

ثانياً: من العوامل المؤثرة كذلك: تعميم ثقافة المشروع:

لعل هذا العامل من عوامل البناء جزء من استثمار طاقات الأمة، وإنما خصصته بالحديث لأثره في البناء وضرورته في دعم المشروع.
إن إحياء ثقافة المشروع في الأمة يوسّع أثرها، ويستثمر طاقات أفرادها، ويقرّب صور النجاح لأفراد الأمة المتخلفين عن البناء، والمتوهمين صعوبة العمل، وعدم وجود مساحات شاسعة في الأمة تحتاج إلى ملأ فراغها، ويشجع في ذات الوقت على المساهمة في المشروع لصالح الأمة.
لو أن كل فرد في الأمة اختار له مشروعاً يوافق قدراته، ويناسب ميوله، ويستنفر طاقاته، ويجهد في بنائه وتحقيقه، مهما كان حجم ذلك المشروع لتحقق للأمة شيء عظيم، ولخطى مشروعها خطوات متقدمة نحو النهاية المنتظرة.
إن الأمثلة التي تدل على أثر ثقافة المشروع في حياة الأمة وتقدم مشروعها أكبر من أن يأتي عليها قلمي في مساحة كهذه، لكنني أشير إلى بعضها حتى أقرّب صورة الأثر في بناء مشروع الأمة، لو أخذنا نموذجاً في المشروع الدعوي كعبد الرحمن السميط ـ حفظه الله تعالى وبارك في عمره ـ ووقفنا على ما تحقق لمشروع هذه الأمة من تقدم حين قدّم لها ما يزيد على ثمانية ملايين مسلم لأدركنا كم هي مساحة الفرد في مشروع أمته، وكم تحقق لمشروع الأمة من نجاح على يد فرد واحد من مجموع الأمة، ويمكنك أن تمد نظرك إلى أصحاب المشاريع العلمية أو الدعوية والتربوية والاجتماعية والصحية، وكيف أن بعضاً من أفراد الأمة حين استوعبت طاقاتها في مشاريع، واكتست بهذه الصبغة بالذات كست مشروع الأمة هذا النجاح الكبير العظيم.
إنني هنا أتحدث عن قضية خطيرة في بناء مشروع النهضة، وأرى أنه لزاماً على كل قارئ لأفكار مشروع النهضة في هذه الأسطر أن يدرك أنني أعنيه تماماً كما أعني نفسي، وأعني كل فرد في الأمة مهما كان سنه أو نوعه وحالته، وأتحدّث وأنا أرى النور يتخلل فجاج الأرض يبشّر بدين الله تعالى، وأرى أن هذه الأمة مهما بلغت في السبات إلا أن يقظتها أقرب من كل حلم، وأيسر من كل أمنية، وقد وعدنا الله تعالى بذلك في كتابه بقوله تعالى \"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً\" . والله المسؤول أن يعيننا على المشاركة في بناء هذا المشروع، وأن يمد في طاقاتنا بما يؤهلنا لدفعه إلى ما ينتظر منه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مشعل بن عبد العزيز الفلاحي
[email protected]

 

مشعل الفلاحي
  • الكتب والبحوث
  • رسائل موسمية
  • رسائل
  • تنمية الذات
  • للتواصل مع الشيخ
  • الصفحة الرئيسية