صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



من يملك حقَّ الإجابة؟

مشاري بن سعد الشثري
@m_alshathri

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:
فهذه الورقة تسليطٌ للضوء على إحدى الدراسات التي أصدرها مركز نماء للبحوث والدراسات لهذا العام، وهو الكتاب الثاني في سلسلة "تساؤلات" بعنوان: (أسئلة دولة الربيع العربي "نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة") لـ سلمان بونعمان .. والذي حفزني لهذه الكتابة هو تلك الصورة الفاقعة للتنويرِ المتشبعِ بالمفاهيم العلمانية التي جسَّدها هذا الكتاب في جملة من القضايا الفاصلة، ولن أزيد في غالب الأمر على إبراز النصوص التي تجلِّي ذلك، وسأقوم بكَتْب بعض الأسئلة وأجعل من نصوص الكتاب جوابات لها، لأن ذلك هو ما يظهر بجلاء حقيقة هذه السؤالات، والله من وراء القصد.

وهذا الحقل المعرفي الذي يعالجه المؤلف من الحقول الشائكة الفارقة بين التصور الإسلامي والعلماني، وقد كان من المتوقَّع - إذ كان هذا الكتاب من الإصدارات النمائية - أن يجلي المؤلف التصور الإسلامي لدولة الربيع العربي، غير أن كفة المفاهيم التنويرية المتلبرلة كانت راجحة، وذلك في جوانب عدة تكشفها الأسطر القادمة.


*****


• ما مصدر الشرعية التي تقوم عليها الدولة؟

يجيب المؤلف تحت عنوان "الأمة مصدر الشرعية": (... من خلال الشرعية التي تؤسسها الأمة تتحدد القواعد العامة التي يبنى عليها الدستور والقانون والنظام العام) ص59 ويزيد الأمر وضوحا بقوله: (الذي يجعل أساسًا ما ممثلا للشرعية هو درجة قبوله من الناس، واتفاقهم على أسسه، وتعاقدهم وفق نظامهم العام) [ص60]
وليس للدين مدخلٌ في الشرعية حسب رؤية المؤلف، بل الشرعية في نظره قائمة (على جانبين؛ الأول: جانب شكلي، يتمثل بدستورية السلطة، أي: إقامتها وممارستها وفق قواعد الدستور. والثاني: جانب موضوعي، يتمثل بقناعة ورضا أفراد المجتمع بهذه السلطة) [ص224]
ومع قوله في ص [229] بأن المحافظة على هوية المجتمع الأساسية جزء لا يتجزأ من شرعية النظام السياسي، وذكره لضرورة التزام الدولة بالمرجعية العليا للمجتمع، إلا أن هذه المرجعية العليا لا يعني بها الإسلام بالضرورة، فليس الشأن عنده في المرجعية الإسلامية من حيث هي، بل إنما تنال شرعيتها باختيار الناس لها، ولذا يقول بعد ذلك مباشرة: (فليس من حق النظام السياسي فرض عقيدة دينية أو اختيار مذهبي على الأمة التي منحته الشرعية، بل من واجبه حماية اختيارات الأمة ومرجعيتها بكل تعدديتها وتنوعها وتحقيق أفضل السبل لحماية الحريات الدينية والمدنية بها، دون أن يؤثر ذلك على الهوية الدينية للأمة التي فوضته لحكمها وارتضته لقيادتها لسياسية) [ص230]
ويزيد في بيان تحييد عامل الدين من تقرير الشرعية فيقول: (... وهكذا ترتبط الشرعية بفكرة المواطنة ومراعاة المواطن بكل تشكيلاته وبكل تنوعاته بغض النظر عن الجنس والدين والنوع، حيث تشكل قاعدة المواطنة أساسا من الأسس الشرعية في المساواة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية) [ص231]

• ما مصدر الثوابت التي تتبناها الدولة؟

يجيب الؤلف: (إن الثوابت المرجعية هي شروط الأمة، وليست شروط أي تيار في حد ذاته، لأن الأمة هي مصدر الثوابت والقيم والهوية، ولذلك يصبح الالتزام الوطني هو التزام بما حددته الأمة لنفسها من قيم وثوابت ومبادئ) [ص254]

• ما الرابطة التي تحكم مقررات الدولة وعلى وَفقها يتمايز أفراد المجتمع؟

يجيب المؤلف: (لقد أعاد القرآن بناء مفهوم الجماعة الإسلامية، حي تم إضعاف الروابط الدموية، وإحياء روابط جديدة دينية ومعاشية وسياسية. وهذه العملية تقوض مفهوم القوم المطابق للقبيلة، لينتقل الخطاب القرآني إلى مفهوم أكثر تطورا وعابرا للرابطة الدموية والقرابية، وهو تعديل عميق في بنية هيكل الأمر، فمن جهة يصبح مفهوم القوم مفهوما وضعيا وقابلا للتوسع والتمدد والانفتاح على مجتمعات بشرية جديدة، فالجميع متساوون أمام الخالق، وإنما يستمد الحكم أساسه من القاعدة الشعبية، الأمر الذي يعني أن سلطة الأمر سلطة محكومة بشروط القاعدة التي ولَّدها القوم.

لقد أسس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة بعد هجرته الأمة، ومنها المجتمع المدني التوافقي، ذلك يعني أن الدولة ستكون مؤسسة من مؤسسات الأمة، للأمة أن تجتهد في تأسيسها بأفضل شكل وأحسن إطار، دون تقيد بشكل معين تاريخي، كما عرفت الصحيفة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرارا بفكرة المواطنة في اعتبارها الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية) [ص50-51]

وفي سياق حديثه عن جدل الدولة الدينية/المدنية يقرر أن (مصير البلد لا يقرره فرد، لأن كل الناس فيه سواء، يتمتعون بحق المواطنة الذي يقرر لهم المساواة في الحقوق والواجبات) [ص126]

ويرى المؤلف أن المعارك الدائرة بين التيار الإسلامي والعلماني لن يكون في صالح الدولة الديمقراطية، ويستشهد في هذا السياق بما يقرر رفيق حبيب من أن تعميق النزاع الطائفي الاجتماعي، والنزاع حول الهوية الحضارية يعيق أي محاولة لبناء الديمقراطية، (وإذا لم يتم تجاوز ثنائية الإسلامي العلماني وحالة الانقسام الداخلي، وإذا لم يتم الكف عن الل جوء إلى منطق الطائفية كمعيار للحسم في الخيارات السياسية فإن الوضع سيزداد تعقيدا وتأزما، مما سيجعل منه خصومُ الوحدة وقوى الاستبداد الناعمة مبرا لترجيح نموذج النظاما لقائم على تسييس الأبعاد المذهبية والطائفية وتوظيفها لتفويت فرصة بناء الدولة القائمة على الوحدة الوطنية والنهج الديمقراطي) [ص127]

وعن ما ينبغي على المسلمين فعله يقول المؤلف: (إن الدولة التي ينبغي للمسلمين أن يسعوا لبنائها ليست نموذجا جاهزا، وإنما هي ما ينتج عن الإرادة الحرة للأمة، وبالتراضي بين أفرادها وجماعاتها، فليس هناك نموذج واحد وجاهز ونمطي للدولة الإسلامية المدنية أو للدولة الحداثية المدنية ... فالمطلوب من كل تجربة أن تبدع نموذجها الخاص المتفاعل مع واقعها المحلي وخصوصياته التاريخية والسوسيوحضارية، ومرجعيتها وهويتها، والإفادة من تجارب الحداثة المتنوعة والمتعددة والغنية الممثلة في بناء تجارب الديمقراطية والحرية والمواطنة) [ص142-143]

ومن ضمن السؤالات التي يطرحها بهذا الصدد: (كيف نبدع نموذجا عربيا نهضويا أصيلا قادرا على نقل العرب من حالة التخلف المركبة إلى حالة النهضة الشاملة ؟ والتوجه إلى الاجتهاد لإبداع أجوبة بخصوص إصلاح علاقة الدولة بالمجتمع، وتوطين الديمقراطية والتعددية، وبناء المواطنة وحل مشاكل التنمية) [ص144]

ويزيد في تحديد النموذج الذي يتغيَّا الوصول إليه في كتابه فيقول: (يتصل نموذجنا من جديد بالشرعية والهوية والمواطنة والسيادة للأمة) [ص144] ومقصوده بالشرعية: (الشرعية الديمقراطية) كما عبر بذلك بعد عدة أسطر، وزاد الأمر وضوحا في [ص224]، وقد تقدم نصه في ذلك.

ولما تحدث عن فاعلية الدولة ونهوضها الحضاري المعاصر بين أن الاعتبار الديني لا ينبغي الالتفات له إذا أردنا تجسيد هذا المشروع النهضوي، وذلك حين ذكر أن مشروع النهوض يتطلب (أن يتم إنهاءُ حقبة الامتيازات لنخبة أو لطائفة أو لمنطقة، والتوجه الفاعل للانفتاح على كل الطاقات والخبرات، سواء في ولوج المناصب أو في بناء حركية التنمية، بغض النظر عن أصولها المذهبية أو القبلية أو العرقية أو حتى الدينية، فالمعيار في ذلك الكفاءة الوطنية المبنية على شرعية الإنجازات) [ص174]

وتحت عنوان "نحو تعاقد اجتماعي وسياسي جديد" يقول: (... ويتأسس هذا التركيب الجديد بين نموذج الدولة ونموذج المجتمع على الخيار الديمقراطي، بوصفه تنافسا سلميا، وعلى تدبير للاختلاف والتعددية والتنافسية السياسية بين تصورات وآراء وبرامج وسياسات لمصلحة المجتمع ككل، مؤسس على المواطنة) [ص177-178]

• ما جوهر الإصلاح السياسي؟

يجيب المؤلف: (إن جوهر الإصلاح السياسي الجذري هو تأسيس عقد اجتماعي بين الدولة ومواطنيها، يجعل من المواطنة بمعناها السياسي والقانوني محورَ الرابطة المعنوية بين الحاكم والمحكوم، ويستند إلى مبادئ وأسس احترام حقوق الإنسان وإقرار التعددية السياسية والفكرية) [ص180]

ويقول: (إن علاقة الفرد بالدولة هي علاقة مواطنة، وحقوقه هي حقوق المواطن، وواجباته هي واجبات المواطن، والمساواة بين المواطنين تنسجم مع جوهر الشريعة، ومع تطور فكرة الديمقراطية ضمن دائرتي الحرية والعدالة ... فعملية إصلاح الدولة تمر عبر إعادة بنائها بوصفها دولة ديمقراطية تكرس مفهوم المواطنة) [ص181]

ومع قوله بأن (الدولة في المجال التداولي العربي الإسلامي ينبغي أن تقوم على أساس التفاعل مع الدين كمرجعية نهائية) [ص140] إلا أنه يأتي بعد 8 صفحات ليفسر ذلك حين يطرح نموذج الدولة الذي يسعى لبنائه، وهو نموذج (الدولة العادلة والفاعلة والقادرة)، وفي هذا السياق يقول: (إنه نموذجٌ لدولة عادلة في النظام الذي يتعلق بها والعلاقات السياسية القائمة فيها، ودولةٌ فاعلةٌ في بناء شرعيتها الديمقراطية المتسقة مع شرعية الإنجاز، ودولةٌ قادرة على اتخاذ القرار المستقل وبناء استراتيجيات تنوية ونهضوية وحضارية شاملة ومندمجة وثورية. هذا هو الأمر الأساسي الذي يتعلق بمعنى قوة الدولة في عدلها، ففي ذلك تجاوزٌ لتصنيفات الدولة بكونها دولة دينية أو مدنية أو إسلامية أو علمانية، فوصف الدولة بأنها عادلة أو ظالمة هو مناط شرعيتها ومركز قوتها وفاعليتها) [ص148]

ويسعى المؤلف في بيان أن القيمة الحاكمة هي العدالة، بضميمة الحرية، ويختزل الدين في عدالة الدولة، وفي ذلك يقول: (إن شكل الدولة وطريقة تشكيلها ليسا شأنا دينيا، لا في الإسلام ولا في غيره، وحيث لا وصفة دينية ملزمة للدولة فإن شأن الدين بما هو معرفة وسلوك وثقافة وقيم وعلائق وتقوى = هو أداء الدولة، أي: عدالتها) [ص158]

ويكرس هذا المفهوم الفاصل بين الدين والدولة بقوله في [ص165]: (... إنه جهد يدشن مرحلة للتفكير في ملامح نموذج تفاعلي جديد يسعى لحماية الدين من هيمنة دولة تسيطر عليه، فأول خطوة لتحريره، واستعادة دوره هو فصل هيمنة وسلطة الدولة عنه، وجعل حركته حرة تتمتع بالمصداقية المجتمعية والسلطة المعرفية في المجال العام، مشتبكا مع الهموم اليومية، فتكون حراسة الدين منوطة بالمجتمع) فليس للدين مدخل في الدولة، بل هو شأن مجتمعي، وهذا هو عين الرؤية العلمانية القاضية بفصل الدين عن الدولة.

ويقول: (... فالهدف الأساسي من إقامة نظام سياسي ديمقراطي هو توفير الشروط العامة التي تسمح بتحقيق مهمة الإنسان الاستخلافية، لا فرض تعاليم الإسلام من خلال القهر والإرغام) [ص167]

ويقول في سياقٍ أشبه ما يكون بشرحٍ لفكرة فصل الدين عن الدولة: (تهدف الأمة إلى تربية الشخصية العربية الإسلامية، وتوفير مناخ مناسب للنمو الروحي والأخلاقي للفرد، وإطلاق قدراته وملكاته، وتفجير طاقاته تحقيقا لدوره وأهدافه في الحياة ضمن الإطار العام للشريعة، في حين تسعى الدولة إلى تنسيق نشاطات وجهود الأمة بغية توظيف الطاقات والإمكانيات البشرية والطبيعية للتغلب على المصاعب والعوائق والعقبات السياسية والاقتصادية التي تعيق نمو الأمة ورقيها) [ص168]

وقبل أن أسدل الستار على هذه النصوص لا يفوتني أن أوقف القارئ على نص طريف جدا، وذلك حين قام المؤلف بتعداد أسماء الرموز الذي حاولوا بلورة مفهومٍ معاصرٍ ومركب لمفهوم (الأمة)، ولما ذكر طائفة منهم قال: (وغيرهما من رموز الفكر الإسلامي المعاصر، كعزمي بشارة ومحمد عابد الجابري) ص45 "حاشية" .. فاعجب حين يكون من رموز الفكر الإسلامي المعاصر كافرٌ ومختلَفٌ في كفره !
فعزمي بشارة نصرانيٌّ جلد، لا يقيم لآصرة الإسلام وزنا، ولم تَسلَم حتى البسملة التي يرطِّب بها المسلم شفتيه من سخريته، أما الجابري فعلمانيٌّ يسعى لتفريغ الإسلام من مضمونه، ولم يسلم القرآن من تشكيكه في تمامه. فأيَّ إسلام يكون هذان الرجلان من رموز فكره !


*****


هذه إطلالة على مضامين هذا الكتاب، وقد كان من حاله ما سلف، وقبله بعام كان الكتاب الأول في هذه السلسلة لـ د. سلمان العودة بعنوان (أسئلة الثورة)، وهو على إشكالياته في بيان التصور الإسلامي لا سيما في قضية التعددية وعلاقة الدين بالدولة إلا أنه لا يرقى لحجم اللبرلة التي حواها هذا الكتاب، وبين هذين الإصدارين حوارٌ شبكي أجراه موقع المركز مع د. رضوان السيد عن (أسئلة النهضة) والذي قرر فيه أن من العناوين الكبرى الذي ينبغي أن تشتغل عليها النخب السياسية الحالية (ألا يتدخل الدين في بطن الدولة) .. ومن خلال هذه النماذج الثلاثة هل يمكننا أن نتلمس الإجابة النمائية حول سؤال: من يملك حقَّ الإجابة عن أسئلة "الثورة" و"النهضة" و"دولة الربيع العربي"؟
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
مشاري الشثري
  • سلسلة طالب العلم
  • مقالات في التربية
  • مقالات متفرقة
  • مقالات منهجية
  • مقالات نقدية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية