صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



دارسو الفكر .. وجمع الطوابع!

مشاري بن سعد الشثري
@m_alshathri

 
بسم الله الرحمن الرحيم


من الظواهر المعرفية الجديرة بالمعالجة في المجتمع المعرفي الإسلامي: حالة تشظِّي المشاريع والأهداف التي يعانيها دارسو الفكر، حتى صار واحدُهُم يسير في تحصيله الفكري إلى حيثُ لا يدري، ولو باحثتَه عن هدفه المعرفي الذي يريد بلوغَه لم تجد أزيدَ من عباراتٍ واسعةِ الألفاظ ضيِّقَةِ المعاني، بل لو ساءلته عن حقيقة ما يظنه متخصِّصًا فيه من دراساتٍ وحقولٍ فكريةٍ لوجدته من جنس الكلام الذي يَسَعُ كل متخصص في كل علم أن يتلفظ به، لكنَّ فرقَ ما بينه وبينهم امتلاكُهم لبراهينَ معنويَّةٍ تشهد لصحة كلامهم، أما هو فبراهينُه ألفاظُه!
وهذا التشظِّي وإن كان يمكن تبريره موضوعيًّا بسيولةِ المادة الفكرية نفسِها وتَنَازُعِها شريحةً عريضةً من التخصصات، إلا أنَّ من الضرورة الملِحَّة السعيَ في الحدِّ من هذه الظاهرة لئلَّا يكون الفكرُ في آخر المطاف مجردَ متعة ثقافية، ولئلا تكون الإحالةُ إلى الفكر وكتبه إحالةً تائهة.
وتزداد هذه الظاهرة تفشيًّا مع حالة الإقبال الشبابي على الفكر ومقرراته قبل استلام رخصة (التخصُّص) والتي من شأنها تمكينُ دارس الفكر من تحديدِ نوع المادة الفكرية التي يعالجها وبناءِ مشروعه الفكري على حدودها.

*****


لستُ هنا بطبيعة الحال أنقد الفكرَ والاشتغالَ بكتبه، فهذا أمرٌ ينبغي تجاوزه، لكنَّ الذي أؤكد عليه أن مخرجات الفكر في مجتمعنا المعرفي أضحت لا تتجاوز قراءةَ ما كُتِبَ من دراساتٍ ونُقُودٍ للمشاريع الفكرية الناجزة -غربيةً كانت أو عربيةً- دون أن تشتغل بإنتاجٍ فكريٍّ واضحِ المعالم بيّنِ الاتجاهات، ودون أن تكون تلك القراءة الفكرية مرتهنةً لمنهجٍ واضحٍ في معالمه مدرَّجٍ في ترقيه على نحو ما نراه في كل العلوم والتخصصات.
والمطالع لكثير من الخطابات الفكرية من ذوي الخلفيات الإسلامية، المحليَّة منها والعربيَّة، لا يجدها سوى تعاليق على أحداث متفرقة وأفكار متنوعة، وهي في كثيرٍ من تجلياتها انطباعاتٌ وأذواقٌ حُلِّيَت بعبارات ومصطلحات فكرية لتروج بجاهها، وهذا هو المآل الطبيعي للخطاب الفكري التائه الذي لا يرتهن لشروط التخصصات الصارمة.
بل زاد من طغيان هذا التيه أنِ استطال كثيرٌ من دارسي الفكر على أصحاب التخصصات، فالمتخصصون في نظرهم لايرون المعلومةَ في بنائها ولا الحادثةَ في سياقها، بخلافهم هم ممن يرى المعلومة والحادثة في إطار نظرية معرفية ناظمة، وواقع الأمر عند كثيرٍ منهم لا يعدو أن يكون لعبةً لفظية.
صار من السهل لذلك أن ترى دارسًا للفكر، أو بعبارةٍ أدقَّ: قارئًا للفكر، يستطيل ببعض مصطلحات الفكر ليتندَّر بفتيا فقيه في إحدى نوازل المعاملات المالية بحجة أنه في غفلة عن فهم حقيقة الاقتصاديات الحاكمة للنظام الدولي، وآخر يزهِّد من طرح متخصص في السياسة الشرعية بحجة أنه لم يطالعْ ما كتبه نُقَّاد الحداثة ولم يفقه طبيعة المتغيرات التي تعجّ بها الدولة الحديثة، وهلم جرًّا.
ولست بذلك أبرِّئُ المتخصصين مما يعتري كثيرًا منهم من الأغاليط الناتجة عن جهل حقيقي بطبيعة المتغيرات المعرفية والواقعية المحيطة بهم، ولكن النقد لمثل ذلك لا يكون إلا باقتدار معرفي منهجي يتجاوز ما يمكن تسميته بالشتائم الفكرية!

*****


وكم يحلو للبعض أن يخلق بانتشاءٍ تباينًا موهومًا بين الفكر وسائر العلوم ليحقق بذلك شرعيَّةً لمعارفه -وشرعيَّةُ المعرفة بامتيازها- وذلك من خلال زعمه بأن الفكر قراءة تجريديَّةٌ نظرية، بخلاف غيره من العلوم التي ترتهن القراءات فيها إلى أوعيةٍ معرفيةٍ معَبَّأَةٍ بأحكام عملية محددة، أو أنَّ العلمَ المعيَّنَ قراءةٌ من الداخل لجنسٍ من المعارف، وأما الفكر فقراءة له من خارجه، فالفكر بذلك يكون بمثابة المقوِّم للعلوم، الحاكمِ عليها .. ولكن واقع الأمر أن هذا التمييز لا يعدو أن يكون رسمًا لحدودٍ موهومةٍ تفضحُها الأمثلة.
فليس للفكر حدودٌ تجعل منه مباينًا للعلوم، ولا يمكنُ -ولو بتكلُّفٍ- أن يُجعَلَ تخصُّصًا معزولًا، فإنَّما تُستنبَتُ بذوره في أراضي العلوم، وإماتةُ الفكر وإحالتُه إلى تخصُّصٍ فارغٍ إنما تتحقق بعزله عن مواقع المعارف المختلفة.
ومن هنا فالذي أراه حتميًّا للخلاص من حالة التشظِّي والتَّيهان التي تطوِّق كثيرًا من دارسي الفكر: أن يكون الدَّرْسُ الفكريُّ مبنيًّا على تخصُّصٍ سابقٍ لدارس الفكر، أيًّا كان ذلك التخصص، وذلك لتَحُلَّ أرواحُ المفاهيم والنظريات السابحة في فضاء التجريد بجسد التخصُّص الذي جعله الدارسُ أصلًا لبنائه المعرفي.
وحرفُ ما أريد التأكيد عليه في هذه الخاطرة هو ما قدمته في صدرها، وغايتُه التنبيهُ على أن دارس الفكر إن لم يقيِّدْ دراسته هذه بصرامة المعايير العلمية فسيجد نفسه في آخر المطاف مجردَ عارفٍ بالمنجَز الفكري دون أن ينجِز، مجردَ هاوٍ جعل همَّه ومشروعَه الأكبرَ متمثِّلًا في جمع طوابع المدارس الفكرية!
 

مشاري بن سعد الشثري
9/ 6/ 1438هـ

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
مشاري الشثري
  • سلسلة طالب العلم
  • مقالات في التربية
  • مقالات متفرقة
  • مقالات منهجية
  • مقالات نقدية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية