بسم الله الرحمن الرحيم

هل العهد القديم كلمة الله ؟
معتقد المسلمين في توراة موسى عليه السلام


كثيراً ما نرى النصارى يخلطون بين ما جاء في القرآن من ثناء على كتاب موسى عليه السلام والأسفار التي بين يديهم.
ونراهم وهم يقتطعون النصوص فيوردون بعضها ويتغافلون عن الكثير مما لا يخدم فكرتهم {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} (البقرة:85)، {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (آل عمران:7).
وعند جمع هذه النصوص في محل واحد يستبين الحق ويستبصر الباحث عن الحق إلى صراط الله المستقيم.
تذكر الآيات القرآنية موقف المسلمين من التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } (المائدة:44)، {وأنزل التوراة والإنجيل  من قبل هدى للناس } (آل عمران:3-4).
{قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } (البقرة:136), قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} (البقرة:285).
كما تذكر الآيات القرآنية معتقد المسلمين في الأسفار الموجودة اليوم، والتي يطلق عليها اسم العهد القديم، وتجوزاً تسمى بالتوراة، فقد ذكر القرآن الكريم أن الله وكل إلى أهل الكتاب حفظ كتابهم {بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } (المائدة:44).
وأخبر عن اليهود وتلاعبهم في التوراة فذكر بأنهم {يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به} (النساء:46).
كما أخبر تعالى أنهم كتموا بعضاً مما أنزل الله عليهم إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً، وأن الله بعث نبيه ومعه بيان كثير مما أخفوه سوى ما تجاوزه فلم يظهره {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير } (المائدة:15).
ثم كانت إحدى أكبر سوءاتهم أنهم كانوا يكتبون كتباً من عندهم ثم ينسبونها لله عز وجل {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة:79)، وقال: { وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران:78).
ووضح هذا المعتقد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ((إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً، فاتبعوه، وتركوا التوراة )). (رواه الدارمي ح480، والطبراني في الأوسط ح5548، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح2832 ).
واستقر هذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرءونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً). (رواه البخاري ح7363).
ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء، ففي التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله، ومن النصوص التي أشارت إلى وجود شيء من الحق في كتبهم ألبسوه بالباطل والزور قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل وتكتمون الحقّ وأنتم تعلمون } (آل عمران: 71)، وكذا قوله: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} (المائدة:43)، وذلك في مسألة رجم الزاني، وهو مذكور في سفر التثنية، حيث يقول: " إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك" (التثنية 22/22-23).
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم )). وعلل سبب عدم التكذيب بوجود حق في كتبهم، حيث قال كما في رواية أبي داود : (( ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه)).
وعليه فنحن نؤمن بتوراة موسى كل الإيمان، ونؤمن بأنها حرفت ولم تحفظ، وأن القوم أخفوا شيئاً، وكتبوا أشياء، وضاع منهم الكثير، وما بين يديهم لا يخلو من بعض الحق.
ومما يثبت أن هذه الأسفار ليست توراة موسى أن القرآن نسب لأسفار موسى الكثير من المعاني التي نفتقدها في النصوص الحالية، ومن ذلك قوله: { إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّاً في التّوراة والإنجيل والقرآن} (التوبة: 111)، ولا وجود لهذا المعنى في العهد القديم ولا الجديد.
ومثله قوله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدّنيا  والآخرة خير وأبقى  إنّ هذا لفي الصّحف الأولى  صحف إبراهيم وموسى } (الأعلى: 16-19)، فهذا المعنى لا وجود له في صحف الأسفار المنسوبة لموسى والتي تخلو من الحديث عن الآخرة والقيامة، فضلاً عن المقارنة بينها وبين الدنيا.
ومثله نفتقد في الأسفار الحالية ما نسبه الله إلى توراته وإنجيله في سورة الأعراف عن النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث { الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم } (الأعراف: 157).
وأمثال هذه الآيات كثيرة في القرآن ، ونفتقدها في الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى اليوم، وذلك مؤذن ببطلان استدلالهم بالقرآن على توثيق ما في أيديهم من الكتب، إذ توثيق القرآن ومدحته، إنما هما لكتاب الله ووحيه، لا المحرف من كتبهم، المنسوب زوراً لله عز وجل.

كتبه
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة – شعبان – 1423هـ
[email protected]

تابــع ..  سلسلة الهدى والنور .. هل العهد القديم كلمة الله ؟

الصفحة الرئيسة