صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ضوابط المصلحة الدعويّة

    د.مسفر بن علي القحطاني
    رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية
    بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن


    (1/2)

    شاع استخدام مصطلح "المصلحة الدعوية" في كثير من الأوساط الدعوية كدليل احتجاج وتأصيل, واستخدم أيضاً كدليل إدانة ضدها من بعض التيارات المضادة للصحوة كاتهام بتسييس الدين وأدلجته. ونظراً لأهمية هذا الموضوع والحاجة لإزالة اللبس والخلط حول هذا المفهوم ومستلزماته الشرعية؛ أحببت أن أسلط الضوء على بعض تلك المسائل الأصولية وأجلي الموقف حول صحة الإستدلال بها في قضايا الدعوة والإصلاح.
    فالمصلحة عند الأصوليين لها تعريفات مختلفة اللفظ متقاربة المعنى والمدلول، فقد قال الإمام الغزالي -رحمه الله- في تعريفها: »هي جلب المنفعة ودفع المضرة« (1) ، وقال الإمام الفتوحي -رحمه الله-هي: »إثبات العلّة بالمناسبة« (2)أما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقد قال في بيانها: »هو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة« (3)
    فالمصلحة الشرعية هي ما تضمنته أحكام الشريعة من جلبٍ للمنافع ودفعٍ للمضار في العاجل والآجل، وهذا النوع من المصالح قد جاء النص مقرراً لها بعينها أو نوعها؛ كالأمر بجميع أنواع المعروف والنهي عن جميع أنواع المنكر وككتابة القرآن الكريم صيانة له من الضياع وكتعليم القراءة والكتابة وغيرها مما تضمّنته النصوص الشرعية من مصالح ومنافع، فالمصلحة هنا أصل ثابت ودليل قائم تُبنى عليه الأحكام، وذلك لاعتبار النص لها وشهوده عليها.
    أما إذا كانت المصلحة مرسلة، وهي كل مصلحة داخلة في مقاصد الشرع ولم يردْ في الشرع نصٌ على اعتبارها بعينها أو بنوعها، ولا على استبعادها(4)
    فهذا النوع من المصالح المرسلة معتبر في حقيقته ضمن مقاصد الشريعة، وجمهور العلماء قد اعتبروا حجية المصلحة المرسلة، وإن أنكرها بعضهم، كما هو منسوب للشافعية والحنفية إلا أن كتبهم واجتهاداتهم قائمة في كثير منها على اعتبار المصلحة المرسلة(5).
    فإنها وإن لم ينص دليل خاص على اعتبارها، لكن الاستقراء التام لنصوص الشرع يدل على قيام الشريعة كلها على جلب المصالح واعتبارها، ودرء المفاسد وإلغائها أوتخفيفها.
    يقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ: »والشريعة ما وُضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم« (6) .
    ويقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ : » الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها« (7) .
    والصحابة -رضي الله عنهم- جروا في اجتهادهم على رعاية المصالح وبناء الأحكام عليها، فمن ذلك: جمْع صحف القرآن في مصحف واحد، وجمْع المسلمين على مصحف واحد، وتضمين الصُنّاع، وقتل الجماعة بالواحد، وتعريف الإبل الضالة، ومنع صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم وغير ذلك.
    يقول الآمدي -رحمه الله- : » فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضاً إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها « (8)
    وبذلك تبقى الشريعة مرنة صالحة للناس لا تقف بهم وسط الطريق بل تحكم أفعالهم وترفع الحرج عنهم والله -عز وجل- قد جعلها رحمة للعالمين.
    والدعوة إلى الله -عز وجل- نوع من أحكام الإسلام؛ أمر الله -عز وجل- بها وحث عليها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فأحكامها ووسائلها راجعة إلى قواعد الشرع وأدلته وأحكامه.
    وبناء على ما تقدم نعرف أن المصلحة الدعوية إذا لم يشهد لها الشارع باعتبار أو بإلغاء فهي من قبيل المصلحة المرسلة شرعاً.واعتبارها حجة؛ أمر مقرر عند العلماء، وذلك لقيام الشريعة كلها على جلب المصالح ودفع المضار.
    فما يراه الدعاة من أمور الدعوة وقضاياها فيه مصلحة كان حكمه الاعتبار وما رأوا فيه مفسدة كان حكمه الإلغاء والرد. ولكن العلماء خشيةً منهم في دخول الهوى وحظوظ النفس في اعتبار المصلحة أو إلغائها بالنسبة للعلماء أو الدعاة وخصوصاً ما يحدث ويستجد من أمور قد يختلط على الناظر تقدير المصلحة على وجهها الصحيح قرّروا في ذلك ضوابط لا بد منها في الأخذ بالمصلحة، واعتبارها دليلاً يُحتج به في النوازل والحوادث والمستجدات، وعند تغير الظروف والأحوال والأزمنة.

    وهذه بعض الضوابط الشرعية في المصلحة الدعوية :-
    أولاً: اندراجها ضمن مقاصد الشريعة.
    فالمصلحة التي لم ينصّ عليها لا بد أن تكون قائمة على حفظ مقاصد التشريع الخمسة: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وكل ما يفوت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة، ثم إن درجة حفظ هذه المقاصد يتدرج إلى ثلاث مراحل بحسب الأهمية، وهي ما أطلق عليه علماء الأصول اسم: الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات (9) .
    فكل حكم تشريعي في الإسلام لا يخرج عن هذه المقاصد نُص عيه أو لم ينص عليه؛ بمعنى دلت عليه الأدلة الأخرى ومنها المصلحة المرسلة وذلك لاندراجها تحت نوع من تلك المقاصد الشرعية المعتبرة .

    ثانياً : أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة .
    ويدل على ذلك عقلاً : أن المصلحة ليست بذاتها دليل مستقل بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس، فيستحيل عقلاً أن تخالف المصلحة مدلولها، أو تعارضه، وقد أثبتنا حجّيتها عن طريقه، وذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه وهو باطل.
    وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: { وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } وقوله تعالىفَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ( ) وقوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ }
    فاعتبار المصلحة ورد الكتاب والسنة من تحكيم الهوى وهو منازعة لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
    فلا تعتبر المصالح الموهومة غير المستندة إلى نص، وفيها معارضة للكتاب والسنة مثل مصلحة إيجاب الصيام في كفارة الجماع بدل عتق الرقبة في حق الغني، كما أفتى بذلك القاضي يحيى بن يحيى الليثي ـ رحمه الله ـ لوالي الأندلس في عصره.
    ومثال ذلك: تحليل الربا باعتباره مصلحة اقتصادية مهمة، وإباحة الزنا وبيع الخمور تشجيعاً للسياحة واستقطاب الأموال.
    ومثاله أيضاً: من ذهب إلى القول بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في البلاد الكافرة.
    ومثاله أيضاً إلقاء الرخص الشرعية لعدم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر كالقصر والفطر في السفر، أو التسوية بين البنت والابن في الميراث بدعوى المصلحة، وغيرها من الأمثلة الكثيرة(12)
    وقد خالف في ذلك الإمام الطوفي ـ رحمه الله ـ كما اشتهر عنه, حيث نادى بجواز تقديم المصلحة مطلقاً على النص والإجماع عند معارضتها لهما(13)
    وهذا القول لا شك أنه يؤدي إلى تعطيل الشريعة بنظرٍ اجتهاديٍ عقليٍ محض يجعل المجتهد أو الناظر في النصوص يقبل ما شاء منها، ويرد ما شاء بزعم أنها تخالف المصلحة التي يراها من خلال ظنه وهواه، فالمصلحة إذا عارضت النص والإجماع تعتبر ملغاة ولا يعتد بها، ولذلك قال الشيخ الشـنقيطي -رحمه الله- ضمن حديثه عن المصلحة المرسلة: »ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد« (14) .
    فالمصلحة إذا خالفت ما هو منصوص عليه أو مجمع عليه فهي فاسدة غير معتبرة .

    ثالثاً: أن تكون المصلحة يقينية:
    بمعنى أن يعلم المجتهد أو الناظر في اعتبارها قطعيّة وجودها لا أن يظن أو يتوهم أويشك وجود المصلحة المبحوثة في المسألة، ثم يحكم باعتبارها من خلال هذا الظن غير المعتبر في الشرع.
    وقد ذكر الإمام الغزالي -رحمه الله- هذا الشرط وذكره من خلال أمثلة من ذلك؛ ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم فقد قال رحمه الله : »لا يحل رمي الترس – أي هذا المسلم الذي تترسوا به – إذ لا ضرورة فبنا غُنية فنعدل عنها، إذ لم نقطع بظفرنا بها ، لأنها ليست قطعية بل ظنية« (15)، وقال في صدد منع قطع المضطر قطعة من فخذه ليأكلها إلى أن يجد الطعام: »لكن ربما يكون القطع سبباً ظاهراً في الهلاك يمنع منه؛ لأنه ليس فيه تعيين الخلاص فلا تكون المصلحة قطعيّة« (16)
    أما إذا كان الظن بوجود المصلحة ظناً راجحاً ناشئاً عن الاجتهاد فإنه يُنزّل منزلة اليقين؛ لأن غلبة الظن معتبرة شرعاً إذا عدم القطع(17)
    ويكفي للتدليل على اعتبار الظن الغالب في المصلحة ما اعترض به الغزالي -رحمه الله- على نفسه حيث قال: » بأن استئصال الكفار للمسلمين أمر مظنون فكيف نجيز قتل الترس بهذا المظنون؟ وأجاب:» إنما يجـوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كلياً، وعظم الخطر منه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه« (18)
    يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله- : "كَذِب الظنون نادر وصدقها غالب – أي في المصالح والمفاسد – وكذلك يُبنى جلب مصالح الدارين ودفع مفاسده على ظنون غالبة متفاوتة في القوة و الضعف والتوسط بينهما، على قدر حرمة المصلحة والمفسدة ومسيس الحاجة« (19) .

    رابعاً: أن تكون المصلحة كلية.
    بمعنى ألاّ تقتصر على فئة وتضر أخرى، وهذا الشرط ذكره الغزالي -رحمه الله- كذلك وضرب له أمثلة منها: »إذا كان جماعة في مخمصة، ولو أكلوا واحداً منهم بالقرعة لنجوا« وقال: » لا رخصة فيه؛ لأن المصلحة ليست كلية، ومثلها لو كان جماعة في سفينة لو طرحوا واحداً منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم، وقال: إنها ليست مصلحة كلية؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور« (20) .
    ومما يجدر التنبيه له هنا أن المقصود بكلية المصلحة ليس بأن تعمَّ الأمة جمعاء، بل المراد أن المصلحة المتوخاة لفئة معينة لا ينبغي أن يُنظر فيها إلى قوم منهم دون اعتبار بعضهم ممن هم شهود على هذه المصلحة، وهذا ما أكّده الإمام الزركشي -رحمه الله- في بيانه لمعنى مثال الغزالي -رحمه الله- حيث قال: » وصورة الغزالي إنما هي في أهل محلة بخصوصهم استولى عليها الكفار، لا جميع العالم . وهذا واضح « (21)
    فالمصلحة الكلية هنا لا تنفي اعتبار المصلحة الجزئية؛ ولكن إذا حصل التعارض بينهما فلا يُنظر حينئذٍ إلى المصلحة الجزئية في مقابل الكلية.(22)

    خامساً: عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها.
    وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح في أيهما يُقدّم، ولا شك أن الذي يُقدّم هو الأهم والأولى في الاعتبار، وميزان الأهمية يرجع إلى ثلاثة أمور؛ كما ذكرها د.البوطي:
    أولاً: النظر إلى قيمتها من حيث ذاتها ودرجتها في سلم المقاصد. فالضروريات لا تُقدم عليها الحاجيات أو التحسينيات، كما لا تُقدم التحسينيات على الحاجيات، وهكذا فإن كانت المصالح في درجة الأهمية في سلم المقاصد واحدة؛ ينظر حينئذٍ في:
    الثاني: وهو من حيث مقدار شمولها، فالمصلحة العامة تُقدم على المصلحة الخاصة فإن كانوا في الدرجة والشمول سواء اعتبر:
    ثالثاً: مدى التأكد من وقوع نتائجها من عدمه. فتُقدم الأكيدة على الظنية كما بينا سابقاً(23)

    وهناك بعض المعايير المعتبرة أيضاً في تقديم بعض المصالح على بعض عند التعارض منها:
    ا- أن المصلحة الدائمة أولى من المنقطعة، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" متفق عليه (24)
    ب- أن المصلحة المتعدية أولى من المصلحة القاصرة، مثل مصلحة العلم أولى من مصلحة العبادة.
    ج- أن المصلحة الأطول نفعاً تُقدّم على المصلحة المحدودة، مثل تقديم الصدقة الجارية على غيرها(25)
    يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله- : »والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزَّة لا يهتدى إليها إلا من وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب« (26) .
    ويزيد ابن القيم -رحمه الله- هذه القاعدة توضيحاً بقوله: »فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خاصة أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها، فهذه أقسام خمسة: منها أربعة تأتي بها الشرائع؛ فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له، وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه، فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة وتكميلها بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلها بحسب الإمكان. فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة« (27) .

    وهذا التقديم والتأخير للمصالح أو المفاسد قد يختلف أحياناً باختلاف أحوال الناس والعوائد وظروف الأزمنة والأمكنة، ولذلك كان من الأمور الدقيقة المهمة، والتي ينبغي فيها على المجتهد أو الناظر أن يكون في غاية التحفظ والحذر.
    يقول الشنقيطي -رحمه الله- : »والتحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ غاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة، وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال« (28) .
     


    (2/2)

    ذُكر في الجزء الأول من المقال أهم الضوابط الشرعية للعمل بالمصلحة المرسلة سواء كان العمل بها في مجال الدعوة والإصلاح أو غيره ذلك , وأحب أن أقرر بعد التمهيد السابق بذكر بعض التنبيهات والإشارات في التطبيقات الدعوية للمصلحة في واقعنا المعاصر، أوجزها فيما يلي:
    أولاً : إن اعتبار الأخذ بالمصلحة وبناء الأحكام عليها وجعلها ذريعة لمواقف ومنطلقات تقوم عليها الدعوة ينبغي أن يحتاط له ولا يكون مدخلاً لنوازع النفس والهوى أو باباً مفتوحاً للأدعياء وأنصاف العلماء، أو نوعاً من الإقرار بالمصالح الضعيفة أو الموهومة نتيجة لضغط الواقع ، أو بحجة فقة التيسير ، أو توسعاً في الانفتاح على المجتمعات والرقي في سلم الحضارات .
    ومن وسائل الاحتياط والاهتمام في الأخذ بالمصلحة في قضايا الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أن تكون منطلقة من أهل الاجتهاد من العلماء والباحثين من أهل الفقه والعلم لسعة اطلاعهم وشمول معرفتهم لأحكام الشريعة، وكلما كان النظر والاستدلال من خلال اجتهاد جماعي لا فردي كان أكثر دقة وأقرب إلى الصواب وأقل احتمالاً في الخطأ.
    يقول د. عبد المجيد الشرفي في أهمية الاجتهاد الجماعي : »أنه ضمانة لعدم استغلال هذه القاعدة في تعطيل شرع الله بذريعة تغير المصلحة… ولكونه أكثر ضمانة في التحري عن المصلحة وتغيرها ، وأكثر دقة في الابتعاد عن الهوى وأكثر إصابة للحق « (29) .
    وكان هذا النهج في النظر هو فعل الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا نزل بـهم أمر وأرادوا الحكم فيه؛ فكان أبو بكر -رضي الله عنه- يجمع رؤوس الناس وخيارهم ويسـتشـيرهم فإذا اجتمع أمرهم على أمر قضى به، وكان عمر -رضي الله عنه- يفعل ذلك إذا أعياه أن يجد حكم مسألة ما في الكتاب والسنة سأل : هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به . (30)

    ثانياً: إن النظر في المصلحة ينبغي أن يمتد إلى ما تؤول إليه من نتائج مصلحية أو ما سوى ذلك من مفاسد، فقصر الأخذ للمصلحة على وقتها من دون اعتبار الأوقات الأخرى، أو على مكان من دون اعتبار الأماكن الأخرى، أو على شخص من دون اعتبار بقية الناس وخصوصاً في الفتاوى والأنظمة العامة مما قد يكون وسيلة أو ذريعة إلى مفسدة أو الوقوع في محظور ، مع اعتبار الأولى من المصالح فالأولى بتقديم المصالح الدائمة أو المتعدية أو الأكثر نفعاً والأطول بقاءً على غيرها من المصالح المرجوحة الأخرى.
    يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- عن المجتهد : »لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجاب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه… فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية … وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغبّ جارٍ على مقاصد الشرع«(31).
    ومن أمثلة اعتبارات المآلات والذرائع في الشرع : قوله تعالى ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ …) (32) وقوله تعالى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الألْبَابِ ) (33) .
    ومنها: النهي عن بيع العينة لأنها ذريعة للربا، وعدم قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- للمنافقين كي لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، وعدم هدم وبناء الكعبة على قواعد إبرهيم لأن الناس كانوا حديثي عهد بالكفر، ونهيه للصحابة عن إخراج الأعرابي الذي بال في المسجد لما يتريب على ذلك من ضرر عليه وأذى في المسجد، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التشدد في العبادة والغلو فيها حتى لا يحدث للإنسان ملل أو إفراط في الغلو المحظور. (34)

    وللإمام ابن القيم تقسيم لطيف في أنواع الذرائع ما يسد منها وما يفتح يقول فيه -رحمه الله- : » والذرائع تنقسم إلى أربعة أقسام:
    1- أن تكون وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة، كشرب الخمر مفضٍ إلى مفسدة السكر ، والزنا مفضٍ إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، وهذا النوع جاءت الشريعة بمنعه.
    2- أن تكون وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة ، كعقد النكاح بقصد التحليل أو عقد البيع بقصد الربا، وهذا ممنوع .
    3- أن تكون وسيلة موضوعة للمباح ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالباً ، ومفسدتها أرجح من مصلحتها ، مثل الصلاة في أوقات النهي ، وسب آلهة المشركين ، وتزيين المتوفى عنها زوجها في زمن العدة. وهذا ممنوع .
    4- أن تكون وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها، كالنظر إلى المخطوبة أو المشهود عليها، والصلاة ذات الأسباب في أوقات النهي ، وكلمة الحق عند سلطان جائر ، وهذا مشروع في الجملة . « (35)

    ثالثاً : إن قاعدة النظر في المآلات قاعدة معتبرة شرعاً كما بينا ذلك وأكده الإمام الشاطبي -حمه الله- بقوله : »النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة « (36) .
    واعتبار المآلات في النظر والاجتهاد أمر مهم للمجتهد يجعل نظره ممتداً إلى ما يؤول إليه حكمه أو ما يتوقع أن يحدث من المكلف أو ما ينتج عنه في المستقبل ليراعي ذلك كله في اجتهاده (37)
    ولاشك أن هذه النظرة الاسستشرافية للمستقبل كما يحتاجها المجتهد والمفتي وأهل القضاء؛ فإن الداعية أحوج ما يكون إليها وهو يقرر أحكام الله -عز وجل- في الأرض ويضع الخطط الإصلاحيه والأهداف والوسائل الدعوية لتنزيلها على مختلف أنواع المكلفين وأصناف المجتمعات وأحوال البيئات والأزمنة.
    وكل ذلك يتطلب أن يتجاوز الدعاة واقعهم القريب إلى استشراف المستقبل البعيد، وأن تكون لهم دراسات مستقبلية يتوقعون فيها ما يمكن حدوثه أو يحصل تغيّره، ثم وضع برامجهم الإصلاحية مراعين ما يلزم لذلك من احتياطات واستعدادات تكون سياجاً آمناً من مفاجآت المستقبل ومتغيرات الزمان.
    وليس في ذلك ادعاءٌ للغيب أو تجاوز للشرع؛ وحاش للدعاة أن يدّعوه؛ بل إن ذلك معتبر ضمن ما ذكرناه من قاعدة اعتبار المآلات، والنواميس التي وضعها الله -عز وجل- في الأنفس والمجتمعات والكون ثابتة لا تتغير ومحكمة لا تتبدل إلا إذا شاء الله -عز وجل- ذلك، فإذا اكتشف الدعاة نظام هذه النواميس والسنن وساروا ضمن قانونها العام فإنهم لن يعدموا خيراً ، إذ قد بذلوا ما في جهدهم من أسبابٍ تحقق لهم العزة والنصر بإذن الله .
    وإذا كان واقع الدعوة المعاصرة مع ثقل ما تحمله على كاهلها من واجبات وأعباء لا تعطي لاستشراف المستقبل كبير اهتمام مع ضرورته في وقتنا المعاصر . فإننا نجد كثيراً من دول العالم الغربي ومنذ زمن بعيد قد اهتمت بذلك الأمر اهتماماً بالغاً جعل من دولة السويد أن تضع حقيبة وزارية في حكومتها للاهتمام بالمستقبل منذ عام 1973م ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ستمائة مؤسسة لدراسة المستقبل (38) ؛إلى غيرها من مؤسسات الاستشراف الكثيرة في الغرب والشرق الأسيوي في حين يفتقد عالمنا العربي والإسلامي إلى مثلها وهو يحمل الكثير من الهموم والمشكلات المتجذرة التي تستلزم حلولاً بعيدة وعلاجات طويلة الأمد .

    رابعاً : إن اعتبار حجيّة المصلحة المرسلة جعل جمهور الفقهاء يستخرجوا بناءً عليها أحكاماً شرعية لكثير من المسائل التي صدرت بشأنها القوانين والأنظمة ، كقوانين العمل والعمال وأنظمة التجارة والصناعة والزراعة، وفرض عقوبات رادعة لبعض الجرائم كتعاطي المخدرات والاتجار فيها ، إلى غيرها من الأنظمة والقوانين واللوائح التي تنظم المجتمع ولم يرد بشأنها نص من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
    فإذا قررنا اعتبار المصلحة المرسلة في تنظيم شؤون المجتمع وإلزام الناس بها فما الذي يمنع من اعتبار المصلحة في تنظيم شؤون الدعوة وتنظيم أمور الدعاة وفق أنظمة وقوانين ولوائح لها قوة التطبيق والإلزام .

    خامساً : يمارس بعض الدعاة إلى الله نوعاً من التلفيق الاجتهادي المذموم بغية الوصول إلى الهدف المطلوب والسيطرة المنشودة ومدّ النفوذ والعلو على كل موجه؛ تحقيقاً لمصلحتهم الخاصة وإن كانت وسائلها ممنوعة؛ فالغاية عندهم تبرر الوسيلة مهما كانت، والعبرة بإيجاد مصلحتهم المتوهمة ولو خالفت نصوص الشرع وقواعده الكلية .
    إن هذا المبدأ الميكافيلي الذي سيطر على مناهج بعض الدعوات المغرضة حقق لهم انتصارات هامشية وامتداداً سرابياً بين الناس، ولكن على حساب المبادئ الشرعية والثوابت الخلقية في الإسلام .
    يظهر هذا الانتهاك في عدة صور عملية واقعية كالطعن والثلب في العقائد والأعراض وتصيد الأخطاء والزلات لكل داعية يخالف منهجهم وتشويه المناهج الأخرى من أجل التصدر والاعتلاء على الساحة الدعوية.
    وقد ترى تقلب المبادئ والمناهج بين الأخذ بالعزائم والتشدد في العقائد والعبادات وامتحان الناس بها وأخذ خواصهم بالرخص الملفقة وإسرارهم بها، يقول عمر بن عبد العزيز منبهاً على خطورة هذا المنهج البدعي الذي ظهر في زمانه : (( من جعل دينه للخصومات أكثر التنقل )) (39) كما نجد السعي الدؤوب في تبرير كل اجتهاد نَحَوْه مهما كان انحرافه وليّ أعناق الفتاوى فضلاً عن نصوص الشرع لتوافق أهواءهم وطموحاتهم الحزبية.
    إن دعوة قامت على هذا الجرف الهار لا تلبث أن تنهار وتذهب ريحها ويتفرق جـمعها (( إن الله لا يصلح عمل المفسدين )) (40) وسنن الحق سبحانه في أمثالهم جارية والزمن كفيل بإثبات الحق وإظهاره .
    فالمصالح الدعوية إن لم تقم على ربانية صادقة مخلصة وتمييز للثوابت عن المتغيرات والمتغيرات عن الثوابت بفقه دقيق وتأصيل عميق، وإلا كانت بداية انحراف وزيغ وفتنة للدعاة تذكيها مع الأيام حركات فاتنة في صفقات غابنة لا مربح لأحد إلا أعداء الدعوة ودعاة السوء والفتنة.

    -------------------------------------------------------
    (1) المستصفى 2/139
    (2) شرح الكوكب المنير 4/432
    (3) مجموع الفتاوى 11/ 342
    (4) انظر : الاستصلاح والمصلحة المرسلة د. الزرقا ص 39 ، السياسة الشرعية د. القرضاوي ص82 .
    (5) انظر : إرشاد الفحول 3/808و809 ، الوجيز د. زيدان ص240، رفع الحرج د. الباحسين ص270، وفي ذلك يقول الإمام القرافي رحمه الله :‘‘ وهي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار ؛ ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك " تنقيح الفصول ص446
    (6) انظر : الموافقات 2/9 .
    (7) إعلام الموقعين 3/13 .
    (8) الأحكام للآمدي 4/32 .
    (9) انظر المستصفى 1/141، شرح تنقيح الفصول ص446، البحر المحيط6/78-79،تقريب الوصول ص412، شرح الكوكب المنير4/432، ضوابط المصلحة للبوطي ص110 ومابعدها.
    (10) المائدة 49 .
    (11) النساء 59 .
    (12) المائدة 44 .
    (13) انظر : الاجتهاد المعاصر د. القرضاوي ص 68-72، ضوابط المصلحة للبوطي ص120 .
    المسلم المعاصر العدد 13 بعنوان :( النص والمصلحة بين التطابق والتعارض ) .
    (14) المصلحة المرسلة ص10 .
    (15) المستصفى 1/ 296 .
    (16) المرجع السابق 1/ 297 .
    (17) انظر : درر الحكام شرح مجلة الأحكام مادة ( 1004 ) .
    (18) المستصفى 1/300 .
    (19) مختصر الفوائد في أحكام المقاصد ص 133و 134 .
    (20) المرجع السابق 1/296، وانظر أيضاً : إرشاد الفحول ص243 ، رفع الحرج للباحسين ص 265 .
    (21) البحر المحيط 6/ 80 . ومثال الغزالي الذي أشار إليه الزركشي مسألة تترس الكفار بأسرى من المسلمين وهذا المثال يجري في هذا الضابط أيضاً لأن المصلحة ليست كلية بل تضرر بها أولئك الأسرى من المسلمين . انظر : ضوابط المصلحة للبوطي ص 341 ، نظرية المصلحة لحسين حامد حسان ص 454 ، رفع الحرج للباحسين ص 264 .
    (22) انظر : مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص 141و142 .
    (23) انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص217 وما بعدها .
    (24) رواه البخاري في كتاب التهجد باب من نام عن السحر رقم(1132) ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ، باب في صلاة الليل رقم (741 )
    (25) انظر: مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص141و142، قواعد الأحكام 1/66 طبعة دار الكتب العلمية .
    (26) قواعد الأحكام ص47 تحقيق الخنّ .
    (27) مفتاح دار السعادة 2/14 مكتبة محمد علي صبيح .
    (28) المصالح المرسلة للشنقيطي ص 21 نقلاً عن معالم أصول الفقه للجيزاني ص245 .
    (29) الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي د. عبد المجيد الشرفي ص118 .
    (30) انظر : الفكر السامي للحجوي 1/286 .
    (31) الموافقات 5/177 .
    (32) الأنعام : 108
    (33) البقرة :179
    (34) انظر: الموافقات 5/180و181 .
    (35) إعلام الموقعين 3/109 بتصرف .
    (36) الموافقات 5/177 .
    (37) انظر : الموافقات 5/177و233 ، الأشباه والنظائرللسيوطي ص322-325 ، نظرية المصلحة في الفه الإسلامي د. حسين حامد حسان ص193-199 .
    (38) انظر : مدخل إلى التنمية المتكاملة د. عبد الكريم بكار ص 155 .
    (39) الشرح والإبانة ص 143 نقلاً عن مناهج أهل الأهواء للعقل ص 90 .
    (40) يونس: 81 .
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    مسفر القحطاني
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية