صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    أنا أفكر … إذا … أنا المسلم

    رضا أحمد صمدي

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحق أن كثيرا منا يحاول أن يتغاضى عن مشكل فكري معقد ، له تأثير عميق على السجالات الفكرية التي تطفح على ساحات الرأي ، إنه الإحساس الخاص الذي يتولد عند كل عقل مفكر ، سواء كان ذلك العقل المفكر مُنتجا أو غير منتج ، فالمشاعر الخاصة لها دور كبير في تحديد ما هو ضار ونافع ، لأن فطرة الإنسان أول ما تستدعي من الأفكار تلك التي تفسر عالم المادة ؛ كفكرة النافع والضار بكل ما تحمل كلمتي النافع والضار من معان ، ثم يترقى الإنسان بعد ذلك بتصنيف النافع إلا ما يجلب اللذة الذاتية بمراتبها أو اللذة المتعدية بجوانبها ثم يرقى به الحال إلى اختيار اللذة الوقتية الآنية أو الطويلة الدائمة ثم يرقى به الحال حتما إلى التفكير في اللذة المطلقة والمقيدة،فالإنسان لأول وهلة يتبنى إحساسا أوليا أن المال نافع ، ولكنه يحتاج إلى فترة من الزمان ليتعرف على اللذات التي يجلبها المال له، ثم إنه يحتاج إلى خبرة وتجربة في تصنيف تلك اللذات إلى ما ذكرنا، ولربما وصلت معه الفكرة العميقة إلا الإحساس أن المال نفعه قليل ولذته وقتية فيتبنى شعورا خاصا بعدم أهمية المال، ثم ينعكس هذا الشعور الخاص إلى سلوك خاص يقلل السعي الحثيث في طلب المال والمزاحمة عليه، ولولا هذه المشاعر الخاصة التي لا يمكن أن يشترك فيها كل الناس لما وصل الحال بذلك الإنسان إلى الزهد في المال والجمال والحسب وانصرف إلى الدين ليكمّله في نفسه ودنياه، وبمصاحبة أهل الدين يعتدل مزاجه وتنضبط مشاعره ويستقيم تفكيره،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. رواه البخاري ومسلم. قال النووي رحمه الله : وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى مُصَاحَبَة أَهْل الدِّين فِي كُلّ شَيْء لِأَنَّ صَاحِبهمْ يَسْتَفِيد مِنْ أَخِلَاقهمْ وَبَرَكَتهمْ وَحُسْن طَرَائِقهمْ وَيَأْمَن الْمَفْسَدَة مِنْ جِهَتهمْ أهـ.

    أحق
    قضية بالتأثير في مشاعر الإنسان الخاصة هي التي أَوْلاهَا حظَّها من النظر والتفكير، بيد أن النظر والتفكير إذا كان بآلة العقل المحض كانت عمليات التجميع والتركيب والقياس والاستنتاج الفكري رهينة التجريد الإنساني الذي يصعب عليه تصور المثال الأكمل، لأن العقل مقلد للحواس، ضرورةَ أنه لا يملك القدرة على تحسس المادة ولكنه يملك التفكير فيها، والتفكير في المادة يعقب إحساسها ضرورةً، فكان احتياج العقل إلى رِفد يوسع قدراته في النظر والتفكير أمرا لا مفر منه، وتبعية العقل لهذا الرفد سيكون له بمثابة النظر إلى المادة بأبعادها لا ببُعد واحد، إن هذا الرفد المهم في حياة الإنسان الفكرية هو الوحي السماوي المطهر ، فهو الكفيل بكبح جماع الأهواء وأطرها على الحق والعدل الذي جاء به الشرع وكلها ماهيات مطلقة توسع مستوى الأبعاد التي يمكن النظر من خلالها للفكرة، قال الله تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . قال السيد القطب رحمه الله : "هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم ، فيشمل الهدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق ، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان ….ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض : أفراداً وأزواجاً ، وحكومات وشعوباً ، ودولاً وأجناساً ، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى؛ ولا تميل مع المودة والشنآن؛ ولا تصرفها المصالح والأغراض . الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه ، وهو أعلم بمن خلق ، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل ، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان . ويهدي للتي هي أقوم في تبني الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها ، وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام ".أهـ
    أنْ يُتَّبَعَ الفكر الرشيد والنظر السديد في قضايا الخلاف الفكري؛ فلا غَرْوَ ولا حَرج فالشرع قد دعا استخدام العقل والنظر والفكر ، لكن أن يُجعل الوحي السماوي سائرا في ركاب الفكر الإنساني والنظر المادي فهو العجب كل العجب، لأن الإنسان مع ضعف إمكانياته الفكرية ومجالاته العقلية يود ألّو كانت الخليقة كلها تتبعه وتسير وفق ظنونه وأفكاره ورؤاه، فكيف مع هذا يريد أن يجعل علم الله تعالى موافقا لعلمه سائرا في فلكه ؟! قال الله تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، قال قتادة: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإنّ قول الناس يختلف.
    والحق هو ما وافق الأمارات والمنارات والسبل التي وضعها الله عز وجل دليلا عليه، والحقيلوح لكل إنسان بأمارات يعرفها بالحس والوجدان ، فما كان من الأمارات الحسية فهي مشتركة بين كل بني البشر، يبصرها كل إنسان استكمل الحواس التي يُناط بها التكليف سواء كان مريدا للحق أو معرضا عنه، ساعيا إليه أو متعاليا عليه ، فمن قَصُر علمه بالحق لقصور حواسه فهو معذور بحسبه ، ومن كانت حواسه تامة ثم تنكب الحق أو ضل عنه فلن يُعذر إلا بقدر تقصيره في استفراغ الوسع لبلوغ الحق بقدر ما عنده من حواس تامة، أما الأمارات الوجدانية فهي توفيق خاص لمن أخلص النية في السعي للحق ، واستفرغ الوسع في الوصول إليه، فهؤلاء لا يُحرمون من الحق جزما، بل يجعل الله تعالى لهم من العلامات الوجدانية الباطنية الخاصة ما يعرفهم بالحق ويدلهم عليه ،فمتيسر لكل إنسان أن يعرف الحق ويصل إليه وينصرف عن الباطل ويبتعد عنه، وقد جعل الله له الخاصة والقدرة على تمييز الحق والباطل، قال تعالى : بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ. قال قتادة: شاهد على نفسه ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال الله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ، قال عبد الله بن مسعود : الخير والشر..
    الوحي المطهر هو قائد الوجدان إلى تلك الأمارات والعلامات، فضمائر الناس جبلتْ على الطهر والشفافية، ولكنها تتأثر بالذنوب والمعاصي فتفسد الفطرة، وكلما كان الضمير والوجدان قريبا من الوحي المطهر والجوارح موافقة لأوامره ونواهيه استطاع الإنسان أن يحافظ على كماله وطهره ونقائه، فيكون كالمرآة الصافية التي لا تكذب الناظر إليها. قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. قال السيد القطب رحمه الله :"ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها؛ لنالوا خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة؛ ولأعانهم الله بالهدى ، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة ، في حدود الطاقة".

    والذي يوافق وُجدانه سبل الهدى في الوحي المبين يكون أصفى بقدر ما عنده من الموافقة، ويتعكر الوجدان ويتكدر الضمير بقدر مخالفته للوحي المطهر، فالموافقة والمخالفة هي معيار صفاء الوجدان، فلو سأل سائل : كيف تكون الموافقة والمخالفة معيارا صادقا وفهم الوحي يختلف فيه الناس لتفاوت أقدارهم في العلم والتجربة والملكات ؟ يقال :
    الوحي المطهر هو ما حقق مقاصد الشريعة لأن الوحي إنما أنزل لتحقيق أهداف معينة ومقاصد محددة، فحصول تلك المقاصد والأهداف دليل على الموافقة للشريعة، وتخلّف تلك المقاصد دليل على المخالفة. فلو قيل : وكيف يمكن الجزم بأن هذا المقصد أو ذاك هو من مقاصد الشريعة فعلا؟؟ والجواب أن مقاصد الشريعة منها ما منصوص عليه ومنها ما ظاهر معناه لا يُكاد يختلف فيه العلماء ، ومنها ما لا يُعرف إلا باجتهاد واستقراء ومقاصد الشريعة كلها لا تعرف إلا عن طريق العلماء في الجملة.

    ومقاصد الشريعة
    تعرف باستقراء العلماء المتخصصين الذين تضعلوا من الكتاب والسنة ومارسوا اللغة وأحاطوا بالفروع والأدلة الجزئية وكانت لهم عناية خاصة بالتصرفات الاجتهادية لأئمة الدين الذين عرفوا بالاستقامة والإصابة في أغلب اجتهاداتهم . بيد أن هؤلاء العلماء لا بد أن يكونوا أكثر اهتماما بنصوص الشريعة من نصوص الأئمة والمجتهدين، فهم يعولون على ما صح من الوحي المطهر ثم يعتبرون هذه النصوص تجليا للحق في معنى واحد من المعاني التي تحتملها تلك النصوص، فيبذلون الوسع والطاقة في تحري الحق فقد يصيب بعضهم وقد يخطئ بعضهم، لكن العجيب في هذا أن اختلافهم في إصابة الحق لا ينحرف عن المقاصد العامة للشريعة، حتى في القولين المتضادين، لأن كليهما لا بد أن يوافق مقصدا من المقاصد حتما، وهذا يعرفه من استقرأ فروع العلماء واختلافاتهم، ومن أكثر الكتب إبداعا في تجلية هذا المقام الدقيق : حجة الله البالغة ، لولي الله الدهلوي ، فقد أحسن أيما إحسان في بيان موافقة الأحكام الشرعية التي استنبطها الجمهور لمقاصد المشرع وسيرورتها على وفق النصوص الشرعية.

    نصوص الشريعة
    إذاً هي المعيار الأقوم والمسبار الأحزم في أطر اجتهادات المجتهدين على ماقصده الشارع ورام إليه، فلا عاصم عن المزلة إلا بها، ولا حمىً يُبعد عن الشذوذ إلا فيها، لا جرم جعلها العلماء مهربهم عند انغلاق الفِكَر، ومفزعهم عند اعتلال العبر، فنصوص الشرع دواء العِيّ، ومن تضلع من تلك النصوص كان عن داء الجهل أبعد، وكلما استغنى عنها الناس كانوا إلى عدوة الهلاك أدنى .
    والذي يحسن استقراء تلك النصوص لاستخراج مقاصد الشريعة هم العلماء لأنهم مارسوها كابرا عن كابر، وتضلعا منها منذ نعومة أظفارهم، فاعتادت ألسنتهم على قراءتها، وأبصارهم على رؤية ألفاظها، وأصابعهم على كتابة متونها، وأفكارهم على مطالعة معانيها ومذاكرة أسرارها واستجلاء غوامضها وشرح غريبها، حتى غدت تلك النصوص لهم كالظل الذي لا يفارق صاحبه ، أينما ارتحلت ارتحلوا معها، وهؤلاء العلماء لتخصصهم في نصوص الشرع استحقوا أن يكونوا كالموقعين عن الله رب العالمين، ومن هنا اكتسبوا الحرمة التامة وجعلهم الله شهداء له على ألوهيته وربوبيته، فكان مقامهم هو الأشرف والأرفع بين العالمين بعد الأنبياء والمرسلين .

    نصوص الشريعة : هي التي جعلت لهؤلاء العلماء حرمة، وهي التي تُجبر محترميها أن يحترموا القائمين بها الداعين إلى حاكميتها، فحرمة أهل العلم من حرمة النصوص الشرعية ذاتها، وما دام للنصوص بين العالمين ذكر وبقاء وتبجيل وتقديس كان للعلماء من ذلك بحسبهم، فمن رام احترام العلماء دون النصوص ( كالمقلدة ) فقد أتى شيئا إدّا، ومن أراد احترام النصوص دون العلماء فقد جاء بالإفك المبين.
    العلماء هم من ورث نصوص الشريعة عن صاحبها، وهم القائمون فيها بين العالمين : حفظا وتعلما وتعليما وعملا ودعوة وأمرا ونهيا، والعلماء هم العافية التامة لكل الناس، لأن إليهم المهرب في كل المعضلات والملجأ في كل المستغلقات . وهؤلاء العلماء أئمة الدين لا نعتقد فيهم العصمة بل نجوّز عليهم الخأ والمعصية ولكننا نحفظ لهم مقامهم وبذلهم في سبيل الدين، يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:" وَالثَّانِي : مَعْرِفَةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَقَادِيرِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ ، وَأَنَّ فَضْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَنُصْحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ مَا قَالُوهُ ، وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوِيهِمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهَا لَا يُوجِبُ إطْرَاحَ أَقْوَالِهِمْ جُمْلَةً وَتَنَقُّصَهُمْ وَالْوَقِيعَةَ فِيهِمْ ؛ فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنْ الْقَصْدِ ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا ، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِمُ ، وَلَا نَسْلُكُ بِهِمْ مَسْلَكَ الرَّافِضَةِ فِي عَلِيٍّ وَلَا مَسْلَكَهُمْ فِي الشَّيْخَيْنِ ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ أَنْفُسَهُمْ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَثِّمُونَهُمْ وَلَا يَعْصِمُونَهُمْ ، وَلَا يَقْبَلُونَ كُلَّ أَقْوَالِهِمْ وَلَا يُهْدِرُونَهَا .أهـ
    ومن باب رد العجز إلى الصدر نقول: إن فكرة إسقاط العلماء الذين دخلوا على سلاطين اليوم ممن قد يعتقد البعض فيهم أنهم من الطواغيت التي يجب أن ينابَذوا العداء ويُجهَر بينهم بالبراء؛ يجب أن تخضع لتقدير الشرع وتُراعَى فيه مقاصدُه، وعند التمحيص رأينا أن من أهم الضروريات التي قصدت الشريعة حفظها وإتمامها وتكميلها : حفظ الدين ، ومن صور حفظ الدين الحض على احترام العلماء وتوقيرهم والأخذ عنهم والنصح لهم ونشر علومهم ومعاونتهم في مهمتهم في حفظ أصول الشريعة، وأن ذلك كله يحصل به حفظ الدين وبه يتم ، ولما كان حفظ الدين من أوجب الواجبات كان احترام العلماء وتوقيرهم ومعاونتهم في دورهم مما لا يتم الواجب إلا به، وقد ظن أقوام أن هذا يتعكّر بكون هؤلاء العلماء ممن أسقطتهم الشريعة لأنهم خالفوا أحكامها ومقاصدها، والجواب عن هذا أن مطلق المخالفة لا يقدح في عدالة أولئك العلماء ولا في مكانتهم، بل الذي يقدح فيهم هو المخالفة المطلقة، فالهنات والزلات وإن تكررت من العلماء ليس مسوغا لإسقاطهم بالكلية، وقد اعتبرنا ذلك من ثلاثة أصول جاءت بها الشريعة :

    الأصل الأول :
    أن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، فدل يقينا على أن غيرهم معرضون للخطأ والزلل لامحالة، فإن طالبنا أن يتوافر علماء لا يخطئون فقد طالبنا بمستحيل، وهذا لا تأتي به الشريعة.

    الأصل الثاني :
    أن الأنبياء والصالحين قد وقعوا في بعض الأخطاء ( وهذا على قول من قال بعصمتهم من كبائر الذنوب والإصرار على الصغائر وجوز وقوعهم في الصغيرة ) ولم يقدح ذلك في نبوتهم ومكانتهم، فكان من دونهم أولى بحفظ المقام والمكانة .

    الأصل الثالث :
    أن الشريعة جاءت بالعدل والقسط في الحكم على المسائل والمناهج والناس، ويكون ذلك باعتبار مجمل الحال لا النظر في بعض آحاد المسائل أو الأحوال أو الأفعال والأقوال، فإن اعتبار الشيء الواحد معيارا للحكم ظلم بيّن، ومن هنا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشيخ يجتمع فيه نفاق وإيمان ومعصية وطاعة ومطلق كفر مع توحيد وإسلام، وعلى هذا الأساس حكم أهل السنة على الخلاف الذي اشتجر بين الصحابة، فمنهم من وقع في أخطاء اجتهد هو أن يتحرى الصواب فيها، ولكن كان الصواب مع مخالفه، ولم يقدح ذلك في عدالتهم وكونهم أهل الرواية الذين يجب الأخذ عنهم واعتبار فتواهم في الدين ، وعلى هذه الجادّة سار السلف الصالح ، فقد أخذوا عمن دخل على السلاطين مثل عامر بن شراحيل الشعبي والزهري وغيرهم بل صح عن بعض الصحابة مشاركة السلاطين الظلمة في بعض شئون العبادة مثل حج عبد الله بن عمر مع الحجاج بن يوسف الثقفي ، وقد كفره بعض السلف مثل سعيد بن جبير وغيره من كبار القراء والمحدثين، ومع ذلك خالفه الكثير وجاهدوا مع الحجاج وحجوا معه وسمعوا له وأطاعوا ، فما اعتبر الأوائل هذا قادحا أو مسقطا لأولئك، ورأينا مثل هذا يتكرر في كل التواريخ، نعني دخول العلماء على السلاطين وأخذ العطايا منهم وكان منهم ظلمة بل كفرة مثل سلاطين الدولة الفاطمية ، فقد استوزر لهم صلاح الدين ولم يقدح في فعله أحد من المسلمين، وتولى القضاءَ لهم كثير من علماء المذاهب من باب ارتكاب أخف الضررين وأورد الذهبي تراجمهم في سير أعلام النبلاء وأثنى على معظمهم والاستطراد في هذا يطول به المقام ، وصفوة القول أن من اعتبر مقاصد الشريعة لزمه أن ينظر في حال العالم ويعتبر بكل أقواله وأفعاله ، فإن كان معظم حاله مذموما على نقيض ما جاءت به الشريعة استحق الاطراح والمنابذة، وإن كان بعض أحوال يخالف مقتضى ما جاءت به الشريعة نظرنا في قصده ونيته فإن رأينا عدم تعمده اصطلام أحكام الشريعة جعلناه من باب الخطأ الذي لم تتعمده القلوب والتمسنا له العذر وأحسنا به الظن وأوفيناه حقه من الاحترام والتبجيل وما زلنا نأخذ عنه ونوصي بالاستفادة من علومه.
    وأما الإنكار على أحاد المسلمين وخواصهم فحق كفلته الشريعة لا يجوز نقضه بحال، بل هو من شروط الخيرية لهذه الأمة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات التي يجب أن تقام على الآحاد والعموم كما النصيحة، فتجب لله ولكتابه ولرسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولأئمة المسلمين وعامتهم، بيد أن الكثير يتجاوز في إنكاره ونصحه إلا الطعن والتضليل واللعن والتكفير والهزء والسخرية، وكل هذا بعيد عن مقصد الشريعة في إيجاب إنكار المنكر، مناف لهدفها في تشريع النصح، فالنصح والإنكار أصل، والمقصود منه تحصيل الفائدة من النصح والإنكار، فلو ارتكب بالنصح والإنكار ما يعود على الأصل بالإبطال كان غير مشروع بل منهيا عنه بحسبه، فمن مارس النصح بغير شرطه أو مارس الإنكار على خلاف رسمه صار على غير الأمر الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. والنصيحة والإنكار وظيفة شرعية يجب أن يقوم بها صاحبها على الوجه الشرعي، فمن اعتدى فيها وتجاوز أو تمادى وظلم كان فعله مردودا عليه.
    فلو اعتلّ البعض بأن ما وقع فيه أولئك الأعلام قد بلغ الغاية في النكاية على أهل الإسلام، قيل له: ما ضابط تقدير هذه النكاية والضرر والمفسدة ؟ فإن قال الضابط فيه إلى نفسه هو فقد نادى على نفسه بالجهالة، ورضي لنفسه بالمهانة، فلو كان كل واحد منه له الحق في ضبط المفاسد والمصالح لكانت شئون الشريعة للعامة يقدرون قدرها ويضبطون أمرها ويفتون في قضاياها فتصير الشريعة لعبة في أيدي أهل الأهواء ممن لا يُعرفون للعلم بنسب، ولا يختصون معه بسبب .
    والصواب في ذلك أن نرجع إلى تصرفات الأئمة السادة والعلماء القادة كيف وقفوا وتصرفوا وتكلموا ، فما رأينا من شيء قاموا به في تلك المدلهمة أقررناه وأمضيناه ، فلو رأينا جل العلماء يمسكون عن عالم ولا يسقطونه كان هذا كالإشارة إلى أنهم رأو أن الأصلح تركه وعدم الاستعلان بمناصحته، أما لو اجتمع العلماء على عدم الإنكار على عالم لخطأ زل فيه لمصلحة يرونها أو مفسدة يدرؤونها فلا يحل لآحاد الناس أن يتسوروا هذا الحق ويتسنموا هذا الجبل الوعر فيسفهون العلماء ويجرحون العالمين للدين دون قدوة أو أسوة معتبرة.
    وما الفتن التي حصلتْ بين الجماعات إلا بسبب تسور السفهاء وصغار الأعمار والأحلام والأغمار والأغرار لمناصب الكبار واعتلائهم سدة القادة الأطهار، فانقلب الحال على الناس، وصار الجهال هم رعاة قضايا الأمة والمتكلمون فيها والمناقشون لخصومهم والحكام فيها الباتون لأي نزاع حولها، حتى صرتَ تراهم يجمعون على أمر فيعتبرونه محل إجماع الأمة، ويختلفون على أمر فيصير الخلاف فيه سائغا، وهذه البلايا لاتنشأ إلا عند فشو الجهل وانتشار الظلم وعلى هذا فسدت السموات والأرضين، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا.
    وها أنت أيها القارئ ترى سلاسة الفكرة التي ندعو إليها ومطابقتها لمقاصد الشريعة، فلو قيل بعد ذلك : أي حكمة إذا في رمي العلماء ( حتى لو ساء حالهم ) في مزبلة التاريخ ، وأي حكمة في تضليل أغلب أو كل علماء الأمة وتضليلهم أو تفسيقهم وربما تكفيرهم وجعلهم أحذية للطواغيت أو لاعقين لنعالهم ؟ إن بعض هؤلاء يُسقطون كل العلماء ضربة لازب؛ حتى إذا سألته عمن تبقى من أهل العلم الذين يُرجع إليه حار واضطرب ، وبعضهم يجيب بصلافة : لا يوجد إلا بعدد أصابع اليد؛ ولو تكرم لجعلها يدين ! فشابه حالهم هذا حال الخوارج القدماء، فإنهم كلما اختلفوا في أمر صغير تفرقوا، ولا زالوا في تشرذم وانكسار ولم ينصلح لهم حال ولا استطاعوا إلى الوحدة بين الصادقين فيهم سبيلا .
    إن كل الملل والنحل تعظم علماءها إلا بعض السفهاء في أمتنا، فقد جعلوا العلماء مأوى لكل رذيلة ومهوى لكل ساقطة؛ ونتج عن ذلك خلو الساحة من المرجعيات التي يفزع إليها العامة والخاصة في أمور الديانة، حتى عدمنا المتخصصين المتصدرين لهذه المهام العظيمة ، وكثر المتربصون والمتسورون لهذا المقام الرفيع وهو مقام التوقيع عن الله رب العالمين .
    ولا يشفع لأحد في إسقاط العلماء أن يقول إنه قصد حفظ جناب الشريعة وأنه أراد الخير وأن الغيرة على دين والحمية لحياضه دفعته للتشدد والإغلاظ على العلماء، فهذا يقال مع آحاد الناس وعوامهم، أما الخاصة فلهم في طرق الإنكار والنصح طرائق خاصة تليق بمقاماتهم، لأنهم يمثلون الشريعة في مناصبهم العلمية، ويتحدثون عن الديانة بمناقبهم الأخلاقية، ولو تُرك لكل أحد الحق في تسفيههم حتى المجاهيل الذي لا يُعرف لهم ولا لكلامهم خطام ولا زمام صارت مرتبة العلم مهينة لا يُلتفت إليها ولا يُحترم جنابها، فيهون العلم نفسه ويندثر ولو بعد حين.

    وإذا كان من معتقد أهل السنة الصلاة والجهاد خلف كل بر وفاجر من الأمراء، فالعلماء في الحقيقة هم الأمراء، فوجب أن نكون معهم في المنشط والمكره وفي الأثرة والإيثار، وأن نبذل لهم النصح كما الأمراء، بما يناسب الوضع في السر والعلن مع حفظ المقام وتوفير المهابة.
    إن التفكير الصحيح المؤطر بالشرع هو الذي يقود إلى النتائج الصحيحة، وهذا من سمات المسلم الصادق الساعي في طلب الحق والدعوة إليه والتواصي به ؛ فآية الحق وجود المسلم ، وإذا كانت الفكرة الصحيحة هي نتاج التعلم الصحيح والتفكير الصحيح للمسلم فإن المسلم الكامل في إسلامه وإيمانه هو المسلم المفكر المتأمل المتدبر؛ وهو المسلم العالم العامل المجاهد؛ وهو المسلم الذي يحب التعاون مع المسلمين على البر والتقوى؛ لقد أمسى التفكير آصرة المسلم مع إيمانه وديانته فمتى تفكر وتدبر وتأمل فإنه يمارس محض انتمائه لهذا الدين ؛ فالذي يفكر بعلم لا بد أن يمارس بعلم، فالفكرة الصحيحة يعقبها التخطيط الصحيح وهذا يعقبه العمل الميداني وحياة المسلم تصدق ذلك كله أو تكذبه. وهذه دعوة لنا جميعا أن نفكر ونتأمل ونتدبر على وفق مقاصد الشرع، وألا نترك لأهوائنا العنان في تقرير القضايا الكبرى أو نسلم قيادها للمجاهيل ممن لا يعرفون بعلم أو يعُتمد عليه في حرب أوسِلم.
    إن حركة الفكر إذا تحررت من المشاعر الشخصية وتزامنت نشأتها وتطورها مع كل الأطر والمراحل الاجتهادية التي حددتها الشريعة كانت تلك الحركة ممهدة لنشوء الفعالية الصحيحة تجاه القضايا، ومهما اقتربنا من العواطف والمشاعر المجردة التي تنفجر عند الوهلة الأولى من الأحداث فإننا سنكون مجرد رد فعل لكل حركة، ولن يكون للفكر الصحيح دور في دراسة الحادث والتخطيط لرد الفعل وتقويم الفعاليات الناتجة عن الأحداث.
    إن منتدانا أنشأ ليكون منتدى حوار إسلامي ، ولن يكون الحوار إسلاميا إلا أن يكون وليد فكرة إسلامية صحيحة ، ولن يكون كذلك إلا إذا استعمل كل منا فكره وعقله في توليد الفكرة الصحيحة على النحو المذكور أعلاه ، فإن حصل ذلك حُق لكل من يدخل في أي حوار إسلامي أن يقول :


    أنا أفكر … إذا … أنا المسلم


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    رضا صمدي
  • رسائل ومقالات
  • كتب وبحوث
  • صــوتـيـات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية