صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حواجز النساء في المساجد

    سمير بن خليل المالكي

     
    بسم الله الرحمن الرحيم

    حواجز النساء في المساجد
     

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
    أما بعد , فقد اطلعت على مقال للكاتب الصحفي نجيب اليماني , نشرته صحيفة عكاظ يوم الثلاثاء 2/6/1430 هـ بعنوان : حواجز النساء لا أصل لها في الشرع .
    وقد ذكر الكاتب كلاماً كثيراً , ونقل من بعض كتب الفقه ما يفيد عدم صحة صلاة النساء في تلك الحواجز .
    فقال " أكد الدكتور عائض القرني لصحيفة الاقتصادية أنه ينبغي اختيار مكان مناسب عند بناء المساجد ليكون مصلى للنساء خاص بهن وهذا من الأمور المستحدثة في الدين لأنه لا يجوز لهن الاقتداء بالإمام وهن في معزل عنه . ورد في كشاف القناع للبهوتي حديث عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها بأن لا يصلين لصلاة الإمام لأنهن دونه في حجاب . فالصلاة بحاجز صلاة غير صحيحة , فعزل النساء يمنع رؤيتهن للإمام , فالإمام إذا لم ينو إمامة النساء فلا تصح صلاتهن كما ذكره ابن الهمام في فتح القدير [ 1/314 ] والسرخسي في المبسوط [1/184 ] .
    فهل تصح إمامة النساء وليس ثمة دليل على وجودهن خلف هذه الجدران الصماء .
    ومعلوم أن النية لا تنعقد ولا يصح ما انعقدت عليه من العبادة على الشك بأي حال من الأحوال .
    فكافة بيوت الله , الأصل في حقها ألا يجري فيها من الأحكام إلا ما أنزله الله وبينه رسول الله . فلا تفرض أحكام في حق بيوت الله بناء على اجتهادات فردية .
    إن المقصد الظاهر والمتبادر إلى الذهن من وضع هذه الحواجز هو شدة الغيرة على النساء ومنع اختلاطهن بالرجال . فهل خفي مثل هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام ...... " .
    ثم ذكر الكاتب حكم منع النساء من المساجد , وأن هذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم , وذكر في آخر كلامه حكم صلاة النساء في الأدوار العليا , ثم قال " نسي هؤلاء أو تناسوا عامدين أن هذه الأدوار علاوة على أنها محظور شرعي فهي خطر كبير على النساء والصفوف الأرضية للرجال إذا تقدمت عليها الصفوف العليا للنساء بطلت صلاة الرجال القائمين في الصفوف المتأخرة " .
    وختم كلامه بقوله " ولا أدري من أين يأتي هؤلاء بهذا التشريع والذي لا أصل له في الشرع .. " إلى أن قال " وكأن المرأة ما خلقت إلا للفتنة و إغواء الرجل " اهـ .
    قلت : وإنما أطلت في نقل كلامه لأبين للقارئ كيف تناول هذا الكاتب مثل هذه المسألة الشرعية بأسلوب ركيك غير مترابط , وعباراته تشرق وتغرب , فتارة ينفي صحة صلاة النساء لأنهن في معزل . ثم يعلل ذلك بأن الإمام إذا لم ينو إمامة النساء فلا تصح صلاتهن . ثم يذكر ضمن الكلام علة أخرى وهي أن نية العبادة لا تنعقد مع الشك .
    و أخيراً يعرج على مسألة الغيرة على النساء , وأن هذه الغيرة كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم , ومع ذلك لم يضع تلك الحواجز , ثم يحكم ببطلان صلاة الرجال الذين يصلون في الصفوف المتأخرة في المسجد , إذا كانت صفوف النساء في الدور العلوي متقدمة عليها .
    و أقول : إن هذا الكاتب – هداه الله – قد خلط خلطاً شديداً في مقاله , وخبط خبط عشواء , وهو لا يحسن فهم المسائل و لا فهم كلام العلماء , وهذا ديدنه في أكثر مقالاته العرجاء , وتراه يكثر من ذكر المراجع دون حاجة , سوى إيهام القراء بأنه فقيه مجتهد , وأنه يحسن البحث والترجيح في مسائل الخلاف .
    والذي لمسته من أسلوب الكاتب وطريقته , أنه يعمل رأيه وهواه أولاً , ثم يبحث عما يعضده من كلام الفقهاء , ويجعل كلامهم بمنزلة النص الشرعي , ويلزم مخالفيه به , بل ويعدهم معاندين أو مبتدعة , لأنهم خالفوا النصوص الشرعية !
    وطريقته عجيبة في نقل كلام الفقهاء , فإنه ينقل نصاً من كتب الأحناف مثلاً , ثم ينتقل إلى فرع آخر وينقل نصاً من كتب الشافعية والمالكية , ثم ينتقل إلى مسألة أخرى , لا علاقة لها بأصل المسألة , ولا بما سبقها من فروع وتعليلات , ثم يفرض في ذهنه فرضاً ، ويبحث له عن دليل من السنة أو أثر من الصحابة ، ولا يهمه هل الدليل صحيح أم ضعيف .
    وأما التخريج ، فإنه لا يحسن عزو الأحاديث والآثار إلى مصنفاتها المعتمدة .
    وسأبين لك ما فعله في هذه المسألة ، وهي وضع حواجز للنساء في المساجد ، لتقف على أسلوبه وطريقته ، التي اتبعها في هذه المسألة وفي سائر المسائل التي ينشرها في مقالاته .
    انتقد الكاتب نجيب اليماني الشيخ عائض القرني ، حين ذكر أنه ينبغي أن تخصص مصليات للنساء في المساجد ، وجعل الكاتب هذا من البدع المحدثة في دين الله .
    فنقول له : ما هو تعريف البدعة عندك يا أستاذ ؟ وهل كل مالم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، يحكم عليه بالبدعة الشرعية المذمومة إذا فعل بعده ؟ .
    وأكثر المساجد اليوم ، ومنها الحرمان الشريفان ، فيها من المحدثات في البناء وأجهزة الصوت وكاميرات المراقبة وثلاجات المياه والأماكن المخصصة للمصاحف وللأحذية ، والمكتبات العلمية ، وربما يكون فيها ملاحق وغرف خاصة للتحفيظ ، ومساكن للأئمة والمؤذنين ، ودورات مياه ، إلى غير ذلك من المحدثات التي لم تكن موجودة في عصر النبوة والخلافة الراشدة .
    فهل يعدها الأستاذ نجيب من البدع الشرعية المذمومة ؟

    وجواباً على ذلك ، نقول : إن البدعة تنقسم قسمين :
    1 – بدعة لغوية .
    2 – بدعة شرعية .
    فالبدعة اللغوية ، هي " ما أحدث على غير مثال سابق " ، وهذا يشمل كل ما اخترعه الناس في أمور حياتهم ومعاشهم ، ويشمل كذلك ما تعلق ببعض العبادات مما لا يدخل في أصلها ، وإنما في وسائلها .
    وقد قسم العلماء هذا النوع إلى أقسام ، ومنها البدع المستحبة ، كالمدارس والقناطر والأربطة . انظر فتح الباري [ 13/254 ] .
    وعلى هذا تلحق المحدثات في المساجد بهذا القسم ، كأجهزة الصوت والكاميرات والأماكن المخصصة لصلاة النساء وتحفيظ القرآن ، وغيرها مما ذكرناه آنفاً .
    وأما البدعة الشرعية المذمومة ، فهي ما يدخل في أصل العبادة وصلبها ، وهي المعنية في حديث " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " .
    وقد عرّفها بعض أهل العلم بقوله " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه " .
    انظر الاعتصام للشاطبي [ 1/36 – 37 ] .
    قلت : ومعلوم ، قطعاً ، أن تخصيص النساء بمصليات منعزلة عن الرجال ، ليست طريقة في الدين ، فهي لم تزد في صلاة النساء وهيئتها شيئاً خارجاً عن السنة .
    ولا يقصد بها المبالغة في التعبد لله ، وإنما الاحتياط في أمر النساء ، لئلا تحصل الخلطة بهن ، وفيه مصلحة راجحة لا تخفى على منصف .
    والكلام على البدعة ، وتقسيمها ، والفرق بينها وبين المصلحة المرسلة يطول ، والخوض فيه يخرجنا عن المقصود .
    وللنظر فيما أورده الأستاذ نجيب من مسائل وفروع ، ونفصِّـلها مسألة مسألة ، حتى لا تختلط على القارئ ، كما اختلطت على الكاتب .
     

    المسألة الأولى
    حكم اقتداء المأموم بالإمام إذا كان بعيداً عنه


    قال ابن قدامة رحمه الله " يجوز أن يكون المأموم مساوياً للإمام أو أعلى منه ، كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية ، أو رفٍّ فيه .
    روي عن أبي هريرة أنه صلى بصلاة الإمام على سطح المسجد ، وفعله سالم .
    وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ... "
    إلى أن قال " وسواء كان المأموم في رحبة الجامع ، أو دار، أو على سطح ، والإمام على سطح آخر ، أو كانا في صحراء ، أو في سفينتين . وهذا مذهب الشافعي ، إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين .
    ولنا ، أن هذا لا تأثير له في المنع من الاقتداء بالإمام ، ولم يرد فيه نهيٌ ، ولا هو في معنى ذلك ، فلم يمنع صحة الائتمام به ، كالفصل اليسير .. " .
    ثم قال " فصل : فإن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام ، أو من وراءه ، فقال ابن حامد : فيه روايتان ، إحداهما : لا يصح الائتمام به . اختاره القاضي .
    لأن عائشة قالت لنساء يصلين في حجرتها : لا تصلين بصلاة الإمام ، فإنكن دونه في حجاب .
    ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب .
    والثانية : يصح . قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة ، وأبواب المسجد مغلقة : أرجو أن لا يكون به بأس ..
    ولأنه أمكنه الاقتداء بالإمام ، فصح اقتداؤه به من غير مشاهدة ، كالأعمى .
    ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام ، والعلم يحصل بسماع التكبير ، فجرى مجرى الرؤية .
    ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره .
    واختار القاضي أنه يصح إذا كان في المسجد ، ولا يصح في غيره ، لأن المسجد محل الجماعة ، وفي مظنة القرب ، ولا يصح في غيره لعدم المعنى ، ولخبر عائشة "
    قال ابن قدامة " ولنا ، أن المعنى المجوِّز أو المانع قد استويا فيه ، فوجب استواؤهما في الحكم ، ولابد لمن لا يشاهد أن يسمع التكبير ، ليمكنه الاقتداء ، فإن لم يسمع ، لم يصح ائتمامه به بحال ، لأنه لا يمكنه الاقتداء به " .
    ثم قال ابن قدامة " فصل : وكل موضع اعتبرنا المشاهدة ، فإنه يكفيه مشاهدة مَن وراء الإمام ، سواء شاهده من باب أمامه ، أو عن يمينه ، أو عن يساره ، أو شاهد طرف الصف الذي وراءه ، فإن ذلك يمكنه الاقتداء به .
    وإذا كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة ، فالظاهر صحة الصلاة ، لما روي عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، وجدار الحجرة قصير ، فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام أناس يصلون بصلاته ، وأصبحوا يتحدثون بذلك ، فقام الليلة الثانية ، فقام معه أناس يصلون بصلاته . رواه البخاري .
    والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه " .
    ثم قال ابن قدامة " فصل : وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن , أو كانا في سفينتين مفترقتين , ففيه وجهان : أحدهما , لا يصح أن يأتم به , وهو اختيار أصحابنا ومذهب أبي حنــيفــة , لأن الطريق ليست محلا للصلاة , فأشبه ما يمنع الاتصال .
    والثاني : يصح , وهو الصحيح عندي , ومذهب مالك والشافعي , لأنه لا نص في منع ذلك , ولا إجماع , ولا هو في معنى ذلك , لأنه لا يمنع الاقتداء , فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت , وليس هذا بواحد منهما .. " اهـ باختصار . من المغني [ 3 / 44 – 46 ] .
    قلت : بوّب البخاري في صحيحه بقوله " باب : إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة .
    وقال الحسن : لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر .
    وقال أبو مجلز : يأتم بالإمام ، وإن كان بينهما طريق أو جدار ، إذا سمع تكبير الإمام ".
    ثم روى البخاري حديث عائشة قالت " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قصير ، فرأى الناس شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام أناس يصلون بصلاته ، فأصبحوا فتحدثوا بذلك .. " الحديث
    ذكر الحافظ في الفتح [ 2 / 214 ] أن أثر الحسن وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح , وفيه أن الحسن سئل عن الرجل يصلي خلف الإمام فوق سطح يأتم به فقال : لا بأس بذلك.
    وأطال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – في شرحه لهذا الباب من صحيح البخاري ، في بيان حكم هذه المسألة ، ومما قاله " مراد البخاري بهذا الباب : أنه يجوز اقتداء المأموم بالإمام ، وإن كان بينهما طريق أو نهر ، أو كان بينهما جدار يمنع المأموم من رؤية إمامه إذا سمع تكبيره .
    فهاهنا مسألتان : إحداهما : إذا كان بين الإمام والمأموم طريق أو نهر .
    وقد حكي جوازه في صورة النهر عن الحسن ، وفي صورة الطريق عن أبي مجلز " إلى أن قال " وروى الأثرم بإسناده عن هشام بن عروة قال : رأيت أبي وحميد بن عبدالرحمن يصليان الجمعة بصلاة الإمام في دار حميد ، وبينهما وبين المسجد جدار " .
    ثم ذكر ابن رجب القول الآخر ، في كراهة الصلاة خلف الإمام إذا حال بين المأموم والإمام نهر أو جدار أو طريق .
    ثم ذكر الرخصة عن مالك وغيره في الصلاة في الرحبة المتصلة بالمسجد ، وقال " ذكر في الموطأ عن الثقة عنده " أن الناس كانوا يدخلون حُجَر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، يصلون فيها الجمعة " قال : وكان المسجد يضيق على أهله ، وحجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليست من المسجد ، ولكن أبوابها شارعة في المسجد " .
    قال ابن رجب " قال مالك : فمن صلى في شيء من المسجد ، أو في رحابه التي تليه ، فإن ذلك مجزئ عنه ، ولم يزل ذلك من أمر الناس ، لم يَعبْـه أحد من أهل الفقه " .
    ثم قال ابن رجب " وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : صليت مع ابن عباس في حجرة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الإمام يوم الجمعة .
    وبإسناده عن عطاء بن أبي ميمونة قال : كنت مع أنس بن مالك يوم جمعة ، فلم يستطع أن يزاحم على أبواب المسجد ، فقال : اذهب إلى عبد ربه بن مخارق ، فقل له : إن أبا حمزة يقول لك : أتأذن لنا أن نصلي في دارك ؟ فقال : نعم . فدخــل فصلى بصــلاة الإمام ، والــدار عن يمين الإمام ".
    قال ابن رجب " فهذا أنس قد صلى في دار لا تدخل بغير إذن ، وحُجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدمها وإدخالها في المسجد لم تكن تُدخل بغير إذن أيضاً . وقد استدل أحمد بالمروي عن أنس في هذا ورخص في الصلاة في الدار خارج المسجد ، وإن كان بينها وبين المسجد طريق ، ولم يشترط الإمام أحمد لذلك رؤية الإمام ولا من خلفه ، والظاهر أنه اكتفى بسماع التكبير .
    واشترط طائفة من أصحابه الرؤية ، واشترط كثير من متقدميهم اتصال الصفوف في الطريق ، وشرطه الشافعي أيضاً .
    واستدل بقول عائشة من غير إسناد ، وتوقف في صحته عنها .
    وذكره بإسناده في رواية الزعفراني فقال : حدثنا إبراهيم بن محمد عن ليث عن عطاء عن عائشة أن نسوة صلين في حجرتها ، فقالت : لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن في حجاب .
    وهذا إسناد ضعيف ، ولذلك توقف الشافعي في صحته " .
    ثم قال ابن رجب " إذا كان بين المأموم والإمام حائل يمنع الرؤية ، فقد حكى البخاري عن أبي مجلز أنه يجوز الاقتداء به إذا سمع تكبير الإمام .
    وأجازه أبو حنيفة وإسحاق . قال إسحاق : إذا سمع قراءته واقتدى به .
    وقد تقدم كلام الشافعي في منعه ، واستدلاله بحديث عائشة . قال الشافعي : هذا مخالف للمقصورة ، المقصورة شيء من المسجد ، فهو وإن كان حائلاً بينه وبين ما وراءها ، فإنما هو كحول الإصطوان أو أقل ، وكحول صندوق المصاحف وما أشبهه " .
    قال ابن رجب " وحاصله : إن صلى في المسجد وراء الإمام لم يشترط أن يرى فيه الإمام ، بخلاف من صلى خارج المسجد . وحكى أصحابنا روايتين عن أحمد فيمن صلى في المسجد بسماع التكبير ولم ير الإمام ولا من خلفه ، هل يصح اقتداؤه به أولا ؟
    وحكوا رواية ثالثة : أنه يصح اقتداؤه به ، سواء صلى معه في المسجد أو صلى خارجاً من المسجد .
    قال أحمد في رواية حنبل : إذا صلى الرجل وهو يسمع قراءة الإمام في دار أو في سطح بيته كان ذلك مجزئاً عنه .." إلى آخر ما ذكره ابن رجب . انظر فتح الــباري [ 6/297 – 302 ] .

    تنبيه : ابن رجب له شرح لبعض أبواب صحيح البخاري سماه فتح الباري ، وقد طبع قبل عدة سنوات ، وهو غير فتح الباري للحافظ ابن حجر .
    قلت : وفيما نقلته من كلام الإمامين ابن قدامة وابن رجب رد على الأستاذ نجيب , حيث جاء فيه الآتي :
    1 - لا يشترط رؤية الإمام في كل أحواله في الصلاة , بل يكفي رؤيته في بعض أحواله ليصح الاقتداء به . واستدل عليه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته ليلا , واقتداء بعض الصحابة به وهم في المسجد . وهذا يرد كذلك على أثر عائشة رضي الله عنها في منعها النساء أن يقتدين بالإمام وهن في حجرتها , وقد علمت أنه أثر ضعيف الإسناد ، كما قال ابن رجب .
    2 - وقد روي عن أبي هريرة أنه صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام , والذي يظهر أنه لم يكن يشاهد الإمام من سطح المسجد , وإلا لذكر في الأثر . وقد وجدت هذا الأثر معلقا في صحيح البخاري بصيغة الجزم . قال البخاري " باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب " . ثم قــــال " وصلى أبو هريرة على سقف المسجد بصلاة الإمام " . قال الحافظ في الفتـــــــح [ 1 / 486 ] " وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التوأمة قال " صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام " . وصالح فيه ضعف , لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فاعتضد " اهـ .
    قلت : وقد رواه مالك من طريق صالح مولى التوأمة , كما سيأتي نقله من المدونة .
    3- وجود حائل بين الإمام وبين المأموم لا يمنع صحة الاقتداء به , لأن الاقتداء به يحصل بسماع التكبير , كالأعمى .
    4 - أجاز الأئمة الاقتداء بالإمام ولو كان في مكان والمأموم في مكان آخر خارج المسـجــد , ولو كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن . وعلل ابن قدامة ذلك بقوله " لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع , ولا هو في معنى ذلك " اهـ .
    وعلله أيضاً بقوله " لأنه لا يمنع الاقتداء ، فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت ، وليس هذا بواحد منهما " . اهـ .
    وجاء في المدونة لسحنون [ 1/ 175 – 176 ] ما نصه " قال مالك : لو أن دوراً محجوراً عليها ، صلى قوم فيها بصلاة الإمام ، في غير الجمعة ، فصلاتهم تامة ، إذا كان لتلك الدور كوى أو مقاصير يرون منها ما يصنع الناس والإمام ، فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ، فذلك جائز .
    وإن لم يكن لها كوى ولا مقاصير يرون منها ما تصنع الناس والإمام ، إلا أنهم يسمعون الإمام فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ، فذلك جائز ..." .
    إلى أن قال سحنون " وأخبرني ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب عن محمد بن عبدالرحمن : أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كنّ يصلين في بيوتهن بصلاة أهل المسجد .
    قال سحنون : وأخبرني ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وعمر بن عبدالعزيز وزيد بن أسلم وربيعة مثله . إلا أن عمر بن الخطاب قال : ما لم تكن جمعة .
    قال سحنون : وأخبرني ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة قال : صليت مع أبي هريرة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل . وقاله إبراهيم النخعي " اهـ من المدونة .
    وقال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب [ 4/302 – 309 ] " للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال : أحدها : أن يكونا في مسجد ، فيصح الاقتداء ، سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت ، لكبر المسجد ، وسواء اتحد البناء أم اختلف ، كصحن المسجد ، وصُفـّـته ، وسرداب فيه ، وبئر مع سطحه وساحته والمنارة التي هي من المسجد ، تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها ، إذا علم صلاة الإمام ولم يتقدم عليه ، سواء كان أعلا منه أو أسفل .
    ولا خلاف في هذا ، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين ..."
    إلى أن قال " يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام ، سواء صليا في المسجد أو في غيره ، أو أحدهما فيه والآخر في غيره . وهذا مجمع عليه .
    قال أصحابنا : ويحصــل له العلم بذلك بسماع الإمام أو من خلفه ، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه " اهـ .
    قلت : هذا ما يتعلق باقتداء المأموم بالإمام وهو بعيد عنه , حتى إذا لم يره , وقد ظهر لك أنه لا بأس به , و أن الصحيح أنه لا يمنع صحة الاقتداء بالإمام .
    وعليه فصلاة النساء خلف الحواجز ، أو في مصليات مستقلة ، جائزة ، خاصة وأن تلك المصليات تابعة للمسجد .
     

    المسألة الثانية
    هل يلزم الإمام أن ينوي الإمامة


    نقل الأستاذ نجيب من فتح القدير [ 1/314 ] , أن الإمام إذا لم ينو إمامة النساء فلا تصح صلاتهن .
    قلت : كلام ابن الهمام لا يخص مسألتنا ، لأن أئمة المساجد قد نووا إمامة المصلين ، رجالاً ونساءً ، إذا كان في المسجد مصليات للنساء . هذا أمر . والأمر الآخر أن أكثر أهل العلم يشترطون على المأموم أن ينوي الاقتداء بإمامه ، ولا يشترطون العكس .
    بمعنى أن الرجل لو صلى وحده ، ثم جاء آخر وائتم به فإن هذا جائز ، بل قد فعله الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم من صلاتهم معه حين صلى في بيته وهم في المسجد .
    وفعله بعض الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في صــلاته بالليل ، أكثر من مــرة ، منهم ابن مسعود وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم .
    قال النووي في المجموع [ 4/202 ] " ينبغي للإمام أن ينوي الإمامة ، فإن لم ينوها صحت صلاته وصلاة المأمومين .. " إلى أن قال " والصواب أن نية الإمامة لا تجب ولا تشترط لصحة الاقتداء ، وبه قطع جماهير الأصحاب ، وسواء اقتدى به رجال أم نساء " اهـ .
    وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله : إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم .
    وذكر حديث ابن عباس وصلاته مع النبي في الليل .
    وذكر ابن حجرفي الشرح [ 2/192 ] أن الأصح عند الشافعية أنه لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة .
    واستدل على جواز ذلك في الفرض أيضاً بحديث أبي سعيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده فقال : ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه " أخرجه أبو داود [ 574 ] وحسنه الترمذي [ 1/427 ] وصححه الحاكم [ 1/209 ] .
    ثم نقول للأستاذ نجيب : هب أن ما نقلته من كلام ابن الهمام يخص مسألتنا فكان ماذا ؟
    ومن قال إن كلام أحد فقهاء المذاهب حجة على عباد الله ؟ ثم إن كان حجة عندك ، فقد لا يكون حجة عند غيرك ، لاختلاف مذهبه ، أم أنك تلزم الناس كلهم برأيك ومذهبك ؟ .


    المسألة الثالثة
    حكم تقدم المرأة على الرجل في الصف في الصلاة


    قال الأستاذ نجيب : " والصفوف الأرضية للرجال إذا تقدمت عليها الصفوف العليا للنساء بطلت صلاة الرجال القائمين في الصفوف المتأخرة " .
    قلت : وهذا من غرائب ما ذكره الكاتب ، إذ كيف يتجرأ على إطلاق مثل هذا الحكم ، وهو لم يستند إلى دليل ولا شبهة دليل ، بل هو لم ينقل نصاً من كلام أحد العلماء ، وإنما أطلق القول جزافاً ، ثم ينعي على غيره بالتعصب والتشدد ، مع أنه أولى بهذين الوصفين ، كما سيتضح لك بعد قليل .
    وأصل المسألة أن ننظر أولاً في حكم تقدم المرأة على الرجل في الصف في الجماعة ، إذا كانا في طابق واحد ، ثم ننظر بعد ذلك في مسألتنا .
    قال ابن قدامة – رحمه الله – " وإن وقفت المرأة في صف الرجال كره ، ولم تبطل صلاتها ، ولا صلاة من يليها . وهذا مذهب الشافعي .
    وقال أبو بكر : تبطل صلاة من يليها ومن خلفها ، دونها . وهذا قول أبي حنيفة ، لأنه منهي عن الوقوف إلى جانبها ، أشبه ما لو وقف بين يدي الإمام . ولنا ، أنها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته ، فكذلك في الصلاة . وقد ثبت أن عائشة كانت تعترض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نائمة وهو يصلي .
    وقولهم : إنه منهي . قلنا : هي المنهية عن الوقوف مع الرجال ، ولم تفسد صلاتها ، فصلاة من يليها أولى " اهـ . المغني [ 3/41 – 42 ] .
    وقال النووي في المجموع [ 4/ 297 ] " إذا تقدمت المرأة على صفوف الرجال بحيث لم تتقدم على الإمام ، أو وقفت بجنب الإمام ، أو بجنب مأموم ، صحت صلاتها وصلاة الرجال بلا خلاف عندنا " اهـ .
    وقال سحنون في المدونة [ 1/195 ] " قلت لابن القاسم : إذا صلت المرأة وسط الصف بين الرجال أتفسد على أحد من الرجال صلاته في قول مالك ؟
    قال : لا أرى أن تفسد على أحد من الرجال وعلى نفسها " اهـ .
    وقال الإمام الشوكاني رحمه الله " إذا لم تقف المرأة في موقفها الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، وهو وقوفها في صف النساء ، أو وقوفها وحدها بعد الرجال ، فقد صارت بذلك عاصية .
    وأما فساد صلاتها بذلك فلا دليل يدل عليه ، وهكذا لا دليل يدل على فساد صلاة الرجال ..."
    ثم تعقب الشوكاني على من حكم بفساد صلاتها أو صلاة الرجال بقوله " والحاصل أن هذا التسرع إلى إثبات مثل هذه الأحكام الشرعية بمجرد الرأي الخالي عن الدليل ، ليس من دأب أهل الإنصاف ، ولا من صنيع المتورعين " اهـ .
    انظر كتاب السيل الجرار للشوكاني [ 1/263 ] .
    قلت : فإذا كان هذا قول الأئمة ، في حكم من صلت بمحاذاة الرجال أو متقدمة عليهم في نفس المكان ، فكيف إذا كانت في طابق أعلى من صفوف الرجال ؟
    هذا وليعلم بأن صفوف المأمومين في الطابق العلوي ، مهما تقدمت فإنها لا تعد متقدمة ولا سابقة على الصفوف التي في الطابق السفلي ، وإلا لكان الصف الأول في الطابق العلوي المحاذي للصف الأول في الطابق السفلي ، مقدماً على الصف الثاني في الطابق السفلي ، وهذا لا يعقل .
    والذي يقتضيه الحال ، أن الصفوف التي خلف الإمام في نفس الطابق تحسب أولاً ، ثم ينتقل بعد انتهائها إلى الطابق الآخر ، إما العلوي أو السفلي ، فيحسب أول صف منه بعد آخر صف من الصفوف التي خلف الإمام .
    وعلى هذا ، فإن صفوف النساء اللاتي يصلين منعزلات في الطابق الأعلى ، مرتبتها في الحقيقة خلف آخر صف من صفوف الرجال في الطابق الذي فيه الإمام .
    تنبــيه : مع أن مذهب الأحناف مشدد في تقدم المرأة على الرجل في الصف ، إلا أنهم فرقوا بين أن يكون الرجال والنساء في طابق واحد ، وبين أن تختلف الطوابق .
    قال في فتح القدير [ 1/317 ] إن النساء إذا " اقتدين على رفِّ المسجد ، وتحته صفوف الرجال لا تفسد صلاتهم " .
    وذكر أيضا أنه إذا كان خلف النساء حائط ، وكان وراءه صفوف الرجال فإن صلاتهم صحيحة .
    ومن هنا تعلم أن الأستاذ نجيب – أصلحه الله – لم يستند على أي دليل ولا مذهب ، فيما زعمه من إبطال صلاة الرجال ، إذا تقدمت صفوف النساء العليا عليهم .
    تنبيه : لو أخذنا برأي الأستاذ نجيب ، فإن صلاة كثير من الرجال في المسجد الحرام باطلة ، لتقدم صفوف النساء عليهم في الطابق العلوي و السفلي ، وفي خارج المسجد الحرام . وقل مثل ذلك في المسجد النبوي أيضاً . فمن تراه المتشدد والمتنــطع ، الذي وضع الحواجز ، أم الذي أبــطل صــلاة ألوف المصلين ؟! أفتونا مأجورين !
     

    المسألة الرابعة
    حكم منع النساء من الخروج إلى المساجد

     

    أشار الأستاذ نجيب في مقاله إلى الأحاديث التي تنهى عن منع النساء من شهود الجماعة في المسجد .
    لكنه لم يذكر أي علاقة بين هذا الحكم ، وبين أصل المسألة التي كتب فيها مقاله ، وهي وضع الحواجز في المسجد .
    ولا شك أنهما مسألتان مختلفتان ، ولكن الأستاذ لما لم يجد نصاً صريحاً يقوي مذهبه وينصر رأيه ، عمد إلى المغالطة وتكثير الكلام ، بذكر هذه المسألة الأخرى ، ليشتت ذهن القارئ ، ويوهمه بأنه محق فيما ذهب إليه في المسألة الأولى ، وهي وجود الحواجز في المساجد .
    لكنه وقع في جملة من الأخطاء – كعادته – وأنا أعذر الأستاذ في كثرة أخطائه ، فإنه حديث عهد بالعلم والبحث ، أو ربما يعتمد على بحث غيره من المبتدئين .
    قال الأستاذ " ولقد دافع البعض عن إيجاد هذه الحواجز ، بما نسب إلى عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لو رأى الرسول عليه الصلاة والسلام ما فعله النساء بعده لمنعهن المساجد .
    وهذا المعنى مردود ، كما قال ابن حزم في المحلى .." اهـ .
    قلت : وهذه مغالطة أخرى من الأستاذ نجيب – هداه الله – أراد بها أن يشغل القارئ عن أصل المسألة .
    فليس في قول عائشة رضي الله عنها ما يتعلق بوضع الحواجز في المساجد ، وإنما فيه إشارة إلى تغير حال النساء في عصرها عما كنّ عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، بغض النظر عن موافقتنا لما قالته في منع النساء من المساجد أو مخالفتنا له .
    وتعجب من قول الأستاذ " بما نسب إلى عائشة " !
    وكأنه يشكك في صحة هذه النسبة ، مع أنه ثابت عنها بدون شك .
    فقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود ومالك في المــوطأ من طريق عمرة بنت عبدالرحمن قالت : قالت عائشة رضي الله عنها " لو رأى رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المسجد ، كما منعه نساء بني إسرائيل " . قيل لعمرة : أًومنعنَ ؟ قالت نعم .
    انظر جامع الأصول [ 11/201 ] .
    ومما جاء في مقال الأستاذ أيضاً " ولو لم يكن اجتماع النساء والرجال في حيز واحد داخل المسجد دون حواجز ولا عوازل تمنع الرؤية بينهما لما كان لعزم الصحابة منع نسائهم المسجد معنى .
    ولما كان لنهيه عليه الصلاة والسلام معنى " ا هـ .
    قلت : الأستاذ يفترض المسألة في ذهنه ، ثم يعلل لها بالنصوص ، مع أنه لا يوجد أي علاقة بين النصوص وبين ما افترضه الأستاذ في ذهنه .
    يريد الأستاذ أن يقول : إن الصحابة لما رأوا أن النساء يصلين مع الرجال دون عوازل ، عزموا على منعهن ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .
    ولا أدري من أين أتى الأستاذ بهذه العلة العليلة ؟ ولماذا لا يكون النهي من النبي صلى الله عليه وسلم سابقاً لعزم بعض الصحابة على منع نسائهم من المساجد .
    ثم لو فرض أنهم عزموا على منعهن ، فلماذا لا يكون السبب في ذلك الخوف عليهن من المشي في الطرقات ، خاصة في الظلمة ، لأنهن كن يشهدن صلوات الليل ، وهي المغرب والعشاء والفجر ؟ ولن أطيل في هذه المسألة ، فإنها مجرد ظن ، أو وهم من الأستاذ .
    ومما يلاحظ على الكاتب أيضاً تقصيره في تخريج الأحاديث ، فإنه لا يعزوها إلى مصادرها ، مع شهرتها .
    ومن ذلك ، مثلاً ، قصة عمر بن الخطاب مع امرأته ، حيث كان يكره خروجــها غيرةً عليها ، فاقتصر الكاتب على عزوها للمنتقى للباجي .
    ومعلوم أن المنتقى ليس من مصادر الحديث التي يعزى إليها في التخريج . والقصة رواها البخاري [ 2/382 ] ومسلم [ ح 442 ] وغيرهما .
    انظر جامع الأصول [ 11/198 ] .
    وكذلك قصة بلال بن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ، عندما غضب عليه أبوه عبدالله لما قــال " والله لنمنعهن " .
    فإن الأستاذ قال " ذكره ابن حزم في المحلى [ 3 /112 ] وأحمد في مسنده " .
    قلت : وهذا تقصير أيضاً ، فالرواية في صحيح مسلم [ ح 442 ] .
    وانظر جامع الأصول [ 11/199] .
    ومما جاء في آخر مقال الكاتب قوله " إن المشرع حدد لنا كيفية الصفوف في المساجد ، فأول الصفوف الرجال وآخرها النساء ، ولم يقل لنا بوضع حواجز وصبات إسمنتية ، كما هو حاصل اليوم ، وحجز النساء خلفها في تصرف لا مبرر له بحجج واهية وإسطوانة مشروخة سئمنا سماعها ، وكأن المرأة ما خلقت إلا للفتنة وإغــواء الرجل " ا هـ .
    قلت : يخلط الأستاذ – كعادته – بين المسائل ، ويكرر الكلام ويعيده بما لا طائل وراءه حتى يوهم القراء بأن حجته أقوى من حجج من يخالفه .
    ولا أدري لم كل هذا العناء والقيل والقال ، وإطالة المقال ؟ ألأن النساء حجبن في المساجد عن أعين الرجال ؟
    ألا يكفيه بروزهن في الأسواق وفي الأماكن الأخرى العامة ، واختلاطهن بهم ؟
    وما الذي يضير الأستاذ ، ومن على شاكلته ، في أن تحتجب المرأة في بيوت الله ، فتريح وتستريح ؟
    هل يشكك عاقل في أن صلاتها وراء حاجز ، بعيداً عن أعين الرجال ، أرفق بها وأدعى لخشوعها وخشوعهم ؟
    ربما تضيق صدور بعض النساء إذا منعن من بعض الأمور المباحة في الأصل ، خشية الفتنة بهن وعليهن ، لكني أجزم بأن أكثرهن ، أو كلهن ، لا يجدن أي حرج ولا ضيق في صلاتهن منعزلات عن الرجال في المساجد ، وراء تلك " الحواجز والصبات الإسمنتية " !
    وأظن أن الأستاذ نفسه يفضل أن يصلي نساؤه خلف تلك الحواجز ، على أن يبرزن أمام الرجال في المساجد ، لكنه يريد أن يظهر الخلاف من باب " خالف تعرف " !
    لقد سمعنا وقرأنا ، ولا زلنا نسمع ونقرأ تلك الأصوات النشاز التي تنادي ليل نهار بخروج المرأة واختلاطها في كل الأماكن وفي سائر المحافل ، بدعوى عريضة ، وهي حرية المرأة وإنصافها وإعطاؤها حقوقها المسلوبة أو المنهوبة أو المعطوبة ...الخ ما هناك من ( اسطوانة مشروخة سئمنا سماعها ) بحسب تعبير الأستاذ نجيب . !
    وقول الأستاذ " فأول الصفوف الرجال وآخرها النساء " نص الحديث هو " خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشــرها أولها " . رواه مسلم [ 440] وغيره .
    قلت : وفيه إشارة إلى أن الغرض من ذلك هو الحرص على إبعاد النساء عن الاختلاط بالرجال حتى في أماكن العبادة . هذا وقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد الحرص على بعد النساء عن الرجال ، خشية الفتنة بهن . ومنها :
    1- شهودهن صلوات الليل ، المغرب والعشاء والفجر . وذلك لأنه أستر لهن ، فإن المساجد والطرقات في ذاك الزمان لم يكن فيها مصابيح ، فناسب خروجهن في الليل دون النهار .
    ولهذا فقد جاء في بعض روايات حديث ابن عمر " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن " متفق عليه . وانظر جامع الأصول [ 11/198] .
    وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله " باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس " .
    قال الحافظ بن حجر في الفتح [ 2/347] " وكأن اختصاص الليل بذلك لكونه أستر ، ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت المفسدة منهن وعليهن " .
    2- خروجهن إلى المساجد وهن تفلات ، غير متطيبات ولا متزينات .
    وفيه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تفلات " رواه أبو داود [ ح 765] .
    وقد نقل الحافظ في الفتح [ 2/349 – 350] كلام ابن دقيق العيد في شروط خروج النساء إلى المسجد ، قال " ومنها : أن لا تتطيب ، وهو في بعض الروايات " وليخرجن تفلات " . قلت : هو بفتح المثناة وكسر الفاء ، أي : غير متطيبات . ويقال : امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح " إلى أن قال " قال : ويلحق بالطيب ما في معناه ، لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة ، كحسن الملبس ، والحــلي الذي يظهر ، والزينة الفاخرة ، وكذا الاختلاط بالرجال .
    وفرّق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها ، وفيه نظر ، إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها ، لأنها إذا عريت مما ذكر ، وكانت مستترة حصل الأمن عليها ، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل " ا هـ .
    وقال الحافظ ابن حجر ، جواباً على إنكار ابن عمر على ابنه " وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث , وإلا فلو قال مثلا إن الزمان قد تغير وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره , لكان يظهر أن لا ينكر عليه , وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في الحديث الأخير " . انظر الفتح [ 2/349 - 350 ] .
    و قال الحافظ " فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت . والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب , لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة , وكذلك التقيد بالليل " .
    3- وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته ، يمكث قليلا في مقامه ، حتى ينصرف النساء قبل الرجال .
    رواه البخاري [ ح 866 ] والنسائي [ 3/67 ] وأبو داود [ ح 1040] من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت " إن النساء كنّ إذا سلمن من المكتوبة قمن ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله ، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال " .
    وفي رواية " قال : نرى – والله أعلم – أن ذلك لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال " .
    قلت : وفي معنى هذا الحديث أيضاً ، الحديث الآخر الذي رواه البــخاري [ 872 ] ومســـلم [ 645 ] وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها " كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغلس " . وانظر جـــــــامع الأصول [ 5/223] . وبوّب له البخاري بقوله " باب سرعة انصراف النساء من الصبح ، وقلة مقامهن في المسجد " .
    قال الحافظ في الفتح [ 2/351 ] " قيّد بالصبح ، لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار ، فناسب الإسراع بخلاف العشاء ، فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة ، فلا يضر المكث " ا هـ .
    4- وقد خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء باباً يدخلن منه إلى المسجد .
    فقد روى أبو داود [ 571] في الصلاة . باب : التشديد في خروج النساء إلى المساجد . من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو تركنا هذا الباب للنساء " ؟
    قال نافع " فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات " .
    وروى أبو داود أيضاً [ 464] باب : في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال .
    من حديث نافع مولى ابن عمر قال " كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى أن يُدخل المسجد من باب النساء " .
    5- ولهذا فقد رغبها الشارع في الصلاة في بيتها ، وجعل لها أجراً في ذلك أفضل من صلاتها في المسجد .
    وقد جاء في حديث ابن عمر" لا تمنعوا نساءكم المســاجد وبيــوتهن خير لــهن " رواه أبــو داود [ 567] .
    وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده [ 6/371 ] من حديث أم حميد الساعدية ما يشهد لهذا حيث جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أحب الصلاة معك . قال " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خيــر لك من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي " .
    قال الراوي " فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل " ا هـ .
    قال الحافظ في الفتح [ 2/350] بعد أن ذكر هذا الحديث وحسّن إسناده " ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل ، تحقق الأمن فيه من الفتنة ، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة " ا هـ .
    قلت : وقد ذكر أكثر أهل العلم ، ومنهم الحنفية ، نـحو هذا الكلام ، وشددوا في خروج النساء إلى المساجد ، خاصة الشواب منهن .
    قال الإمام النووي في المجموع [ 4/198] " إن أرادت المرأة حضور المسجد للصلاة ، قال أصحابنا : إن كانت شابة أو كبيرة تشتهى ، كره لها ، وكره لزوجها ووليها تمكينها منه ، وإن كانت عجوزاً لا تشتهى ، لم يكره .. " ثم ذكر أثر عائشة المتقدم " لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء ... " ا هـ .
    وقال في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل [ 2/449] نقلاًُ عن القاضي عياض " وشرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل غير متزينات ولا متطيبات ، ولا مزاحمات للرجال ، ولا شابة مخشية الفتنة .
    وفي معنى الطيب إظهار الزينة وحسن الحلي ، فإن كان شيء من ذلك ، وجب منعهن خوف الفتنة " ا هـ .
    وقال في الهداية ما نصه (( " ويكره لهن حضور الجماعات " ، يعني الشواب منهن ، لما فيه من خوف الفتنة ، " ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء " ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله ... ))
    قال في فتح القدير في التعليق على قوله " يعني الشواب منهن " (( واعلم أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " وقوله " إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها " ، والعلماء خصوه بأمور منصوص عليها ومقيسة . فمن الأول ( أي : المنصوص عليها ) : ما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال " أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء " .
    وكونه ليلا ، في بعض الطرق في مسلم " لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد إلا بالليل" .
    والثاني ( أي : الأمور المقيسة ) : حسن الملابس ومزاحمة الرجال ، لأن إخراج الطيب لتحريكه الداعية ، فلما فقد الآن منهن هذا ، لأنهن يتكلفن للخروج ما لم يكنّ عليه في المــنزل ، منعن مطلقا .. )) إلى آخر ما جاء في كلامه [ 1/317 ] .
    قلت : قد نقل الأستاذ نجيب في أول مقاله نصاً من فتح القدير ، محتجا به على منع الحواجز في المساجد ، مع أنه لا علاقة للنص الذي نقله بالمسألة ، كما بينت ذلك .
    فإن كان كلام صاحب الهداية حجة عند الأستاذ على خصمه ، فليكن كلامه الذي نقلته آنفا حجة أيضاً ، خاصة وأنه صريح فيما سيق من أجله ، وهو الاحتياط في شأن النساء خشية الفتنة بهن .
    قال العيني في عمدة القارئ [ 5/233 ] " باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس " " قال صاحب الهداية : ويكره لهن حضور الجماعات . قالت الشراح : ويعني الشواب منهن .
    وقوله : الجماعات ، يتناول الجمع والأعياد والكسوف والاستسقاء . وعن الشافعي : يباح لهن الخروج .
    قال أصحابنا : لأن في خروجهن خوف الفتنة ، وهو سبب للحرام ، وما يفضي إلى الحرام فهو حرام ... "
    وقال عن حديث " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل ... " " وفيه : أنه ينبغي أن يأذن لها ، ولا يمنعها مما فيه منفعتها ، وذلك إذا لم يخف الفتنة عليها ولا بها ، وقد كان هو الأغلب في ذلك الزمان ، بخلاف زماننا هذا ، فإن الفساد فيه فاش ، والمفسدون كثيرون . وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي يأتي يدل على هذا .
    وعن مالك : أن هذا الحديث ونـحوه محمول على العجائز .
    وقال النووي : ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزاً . وقال ابن مسعود : المرأة عورة ، وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان . وكان ابن عمر رضي الله عنهما : يقوم بـحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد " .
    وقال العيني في موضع آخر [ 5/235 – 236 ] في التعليق على حديث عائشة " لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء .. " " قلت : لو شاهدت عائشة رضي الله عنها ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات لكانت أشد إنكاراً .. "
    إلى أن قال " فانظر إلى ما قالت الصديقة رضي الله تعالى عنها من قولها " لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء " ، وليس بين هذا القول وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مدة يسيرة ، على أن نساء ذلك الزمان ما أحدثن جزءاً من ألف جزء مما أحدثت نساء هذا الزمان " .
    إلى أن قال " قال الكرماني : فإن قلت : من أين علمت عائشة رضي الله تعــالى عنها هذه الملازمة ، والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا لله تعالى ؟
    قلت : مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد .. " .
    إلى أن قال " وقال التيمي : فيه دليل على أنه لا ينبغي للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث في النساء الفساد " اهـ باختصار .
    قلت : العيني شارح البخاري توفي سنة 855 هـ ، أي قبل أكثر من خمسمائة عام ، وهذا رأيه وقوله عن فساد ذلك الزمان ، فكيف بزماننا ، والله المستعان .
    وقال ابن رجب في فتح الباري في شرح صحيح البخاري في باب : خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس ، بعد أن ذكر الأحاديث السابقة ، ومنها حديث عائشة " لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء .. " " تشير عائشة رضي الله عنها إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرخص في بعض ما يرخص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد ، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصة ، بل نهى عنه ، فإنه إنما يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد .. " .
    إلى أن قال " فقد اختلف العلماء في حضور النساء مساجد الجماعات للصلاة مع الرجال ، فمنهم من كرهه بكل حال ، وهو ظاهر المروي عن عائشة رضي الله عنها ، وقد استدلت بأن الرخصة كانت لهن حيث لم يظهر منهن ما ظهر ، فكانت لمعنى ، وقد زال ذلك المعنى .
    قال الإمام أحمد : أكره خروجهن في هذا الزمان ، لأنهن فتنة .. "
    إلى أن قال " ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب . وهو قول : مالك ، في رواية ، والشافعي ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وطائفة من أصحابنا ، أو أكثرهم .
    حكاه ابن عبدالبر عن العلماء ، وحكاه عن مالك من رواية أشهب أن العجوز تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد ، وأن الشابة تخرج مرة بعد مرة .."
    إلى أن قال " ومنهم من رخص فيه للجميع ، إذا أمنت الفتنة . وهو قول : مالك ، في رواية ابن القاسم ، وقول طائفة من أصحابنا المتأخرين .
    ثم اختلفوا : هل يرخص لهن في الليل والنهار ، أم في الليل خاصة ؟ على قولين .."
    إلى أن قال " وقالت طائفة : إنما يرخص لهن في الليل . وتبويب البخاري يدل عليه ، وروي مثله عن أبي حنيفة ، لكنه خصه بالعجائز ..
    وهؤلاء استدلوا بالأحاديث المقيدة بالليل ، وقالوا : النهار يكثر انتشار الفساق فيه ، فأما الليل : فظلمته مع الاستتار يمنع النظر غالباً ، فهو أستر " اهـ باختــــــــــصار . [ 8 / 41 – 44 ] .
    وليس القصد من إيراد كلام أهل العلم الاستدلال به على حكم منع النساء من حضور الجماعات ، فنصوص السنة صريحة في النهي عن ذلك .
    لكني أوردت كلامهم لمعنىً آخر ، وهو الرد على الأستاذ نجيب في قولــه " بحجج واهية وإسطوانة مشروخة سئمنا سماعها ، وكأن المرأة ما خلقت إلا للفتنــة وإغواء الرجل " ا هـ .
    فقد ظهر لك – أخي القارئ المنصف – أن تلك الحجج ليست واهية ، فقد نص عليها الأئمة ، على اختلاف مذاهبهم ، واتفقت كلمتهم على أن خروج المرأة ، ولو لشهود الصلاة في المساجد ، مظنة الفتنة بها وعليها .
    قلت : كون المرأة فتنة ، أمر لا يقلل من شأنها ، كما يظن الأستاذ ، بل هو مما جبل عليه طبع الرجل معها ، كما جبل الإنسان مثلاً على حب المال والدنيا ، ويخشى عليه من الفتنة بها .
    وقد خلط الأستاذ بين قولين مختلفين ، ومسألتين متباينتين ، الأولى : الإذن للنساء بحضور الجماعات ، لكن يحتاط لهن بوجود العوازل ، أو صلاتهن في غرف مستقلة من المسجد ، وليست خارجاً عنه ، وقد علمت بأن هذا جائز ، في قول جمهور أهل العلم .
    والمسألة الثانية : هي منع النساء من شهود الجماعات ، خشية الفتنة بهن .
    وقد علمت أن جمهور أهل العلم ، على اختلاف مذاهبهم ، يرون كراهة خروج النساء إلى المساجد بعد أن ظهر الفساد وكثرت الفتن ، مع إقرارهم بأنه مشروع في الأصل ، لكنه شرع في زمن غلب عليه الصلاح ، فنظروا في المصلحة التي من أجلها أبيح للنساء الخروج إلى المساجد ، ورأوا بثاقب فكرهم وعمق فقههم أن تلك المصلحة ، كغيرها من المصالح الشرعية ، إن ترتب عليها مفسدة أكبر ، فإنها تمنع ، لأن " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " .
    وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الشاطبي في الموافقات [ 4/105 ] حيث ذكر أن الصحابة احتاطوا في أمور من الدين ، فتركوا أشياء مشروعة في الأصل حتى لا يترتب عليها ما هو أعظم منها ، ومنها قوله " وقد منع النساء المساجد ، مع ما في الحديث من قوله : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، لما أحدثن في خروجهن ، ولما يخاف عليهن " اهـ .
    ولهذا لم يجرؤ أحد من أولئك الأئمة على أن يرد قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، بل وافقوه ، وإن اختلفت عباراتهم ، وتباينت مذاهبهم ، في التفريق بين العجائز والشوابّ ، وصلوات الليل والنهار ونـحو ذلك .
    نعم ، وجد من تمسك بظاهر النصوص في النهي عن منع النساء من المساجد ، ومنهم الظاهرية .
    لكن لا ينبغي ولا يليق ، أن يعترض على القول الآخر الذي نصره الجمهور ، أو أن يتهم القائل به بالتشدد والتنطع ، ويكفي أنه قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
    ولئن ضاق عطن الأستاذ نجيب ، ولم يستطع التوفيق بين النصوص وبين قولها وقول الأئمة ، فإن فقه غيره اتسع للجمع بينهما ، والله يؤتي الحكمة من يشاء من عباده .

    هذا وقد جاءت نصوص السنة محذرة من فتنة النساء ، ومنها :
    1- حديث " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " .
    رواه البخاري [ 5096] ومسلم [ 2740] .
    2- حديث " ... اتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " رواه مسلم [ 2742 ] .
    3- حديث " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان " . رواه الترمذي [ 1173 ] .
    4- حديث أبي أسيد رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد ، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق " استأخرن ، فليس لكن أن تحققن الطريق ، عليكن بحافات الطريق " . قال " فكانت المرأة تلصق بالجدار ، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به " . رواه أبو داود [ 5272 ] .
    قلت : ومن هنا تعلم أن التحذير من فتنة النساء ، على العموم ، قد نص عليه الشرع ، وكتب أهل العلم طافحة بالتحذير من فتنتهن ، وإذا كان الأستاذ نجيب ، ومن على شاكلته قد سئموا من سماع هذا الكلام ، الذي وصفه بـ " الإسطوانة المشروخة " فإننا – معشر المسلمين – لا نسأم من سماعه ، بل نقول : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } .
    وأكرر بأن صلاة النساء في معزل عن الرجال في المساجد ، هو من أحسن ما فعله الناس في مساجدهم ، ففيه العمل بالنص والأثر ، ولا ينكره إلا من جهل الأمرين معاً ، وأراد أن يتشبع بما لم يعط ، من العلم والفقه ، والبحث والنظر ، ممن شأنه دوماً أن يثرثر .
    هذا وقد وردت عبارات في مقال الكاتب ، فيها لمز واضح ، لمن نصب الخصومة معهم ، أعرضت عنها عملاً بالآية الكريمة المعروفة .
    وبعد ، فإني أنصح الأخ نجيب ، بما أنصح به نفسي أولا ، ثم إخواني ، بتقوى الله ، وأن يسخر قلمه للذب عن شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والحرص على حرمات المسلمين ، وأن يكون ظهيراً للمؤمنين ، لا عوناً للمفسدين ، والله يتولانا جميعا بفضله وكرمه ومغفرته ، والحمد لله رب العالمين .
     

    وكتب : سمير بن خليل المالكي الحسني المكي
    18/6/1430هـ
    جوال 0591114011

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية