صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    لا نكــاح إلا بــوليّ

    سمير بن خليل المالكي

     
    بسم الله الرحمن الرحيم

    لا نكــاح إلا بــوليّ

    الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ،
    أما بعد : فقد اطلعت على مقال الكاتب نجيب اليماني ، الذي ردّ فيه على الشيخ الزنداني في مسألة نكاح المرأة من غير ولي ، وقد رأيته كسائر مقالاته ، ليس فيه إلا حشو الكلام ، وتكثير المراجع من غير فائدة ، فقد ذكر اختلاف العلماء في اشتراط الولي لصحة النكاح ، لكنه أحال القراء إلى عدة كتب للأحناف ، وكتاب واحد للمالكية . ثم قال " وسبب اختلافهم أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح ، فضلاً عن أن يكون في ذلك نص ، بل إن الآيات والسنن التي جرت العادة على الاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة " اهـ .
    قلت : ما هكذا تورد ياسعد الإبل !
    وكان ينبغي أن تسوق المذاهب في المسألة من مصادرها ، ثم تذكر أدلة كل مذهب ، حيث يتمكن القارئ من فهم المسألة ، ويختار لنفسه إن كان من أهل الاختيار .
    وقد سبق أن ذكرت طريقة الأستاذ نجيب في تناوله لمســائل الفقه ، في البحث السابق : حواجز النساء في المساجد .
    وسأذكر للقراء الكرام مذاهب الأئمة وأدلتهم باختصار ، حتى يكونوا على بينة من الأمر ، ولئلا يغتروا بمقالة الأستاذ نجيب وتهويلاته التي دأب عليها في سائر مقالاته .
    قال في شرح القدير (( قوله " وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها ، وإن لم يعقد عليها ولي بكراً كانت أو ثيباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في ظاهــر الــرواية " ، لقوله عليه السلام " الأيم أحق بنفسها من وليها " . والأيم اسم لامرأة لا زوج لها ، بكراً كانت أو ثيباً ، عند أهل اللغة .
    وقال مالك والشافعي رحمهما الله ، لا ينعقد بعبارتها أصلاً ، سواء زوجت نفسها ، أو بنتها ، أو أمتها ، أو توكلت بالنكاح ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه السلام " لا تنكح المرأة المرأة ، ولا المرأة نفسها ، إنما الزانية هي تنكح نفسها " .
    وأما من شرط الولي فاستدل بقوله تعالى { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } .
    وقال الشافعي رحمه الله ، هذه الآية أبين آية في كتاب الله تعالى تدل على أن النكاح لا يجوز بغير ولي ، لأنه نهى الولي عن المنع وإنما يتحقق المنع منه إذا كان الممنوع في يده .
    وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام قال " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها لا وكس ولا شطط ، فإن أبى الولي ، فالسلطان ولي من لا ولي له " .
    وقال عليه السلام " لا نكاح إلا بولي " .
    وأما من جوز النكاح بغير ولي فاستدل بقوله تعالى { فلا جناح عليهن فيما فعلن في أنفسهن } وقوله تعالى { حتى تنكح زوجاً غيره } وقوله تعالى { أن ينكحن أزواجهن } .
    أضاف العقد إليهن في هذه الآيات ، فدل على أنها تملك المباشرة . والمراد بالعضل : المنع حبساً ، بأن يحبسها في بيت ويمنعها من التزوج ... " إلى أن قال " وأما حديث عائشة رضي الله عنها فلا نعمل به ، لأن عائشة رضي الله عنها هي التي روت ، وقد زوجت بنت أخيها عبدالرحمن وهو غائب .
    وعمل الراوي بخلاف ما روى يبطل الرواية ، لما عرف في أصول الفقه . ومداره على الزهري ، وقد أنكره .
    على أنه مخالف للنص فيردّ ، لأن الله تعالى أضاف العقد إليهن في غير موضع . ولا متمسك له بقوله عليه السلام " لا نكاح إلا بولي " ، لأن هذا نكاح بولي ، لأنها صارت ولية بنفسها بعد البلوغ عن عقل ، كالرجل ، على أنه محمول على أمة زوجت نفسها بغير إذن مولاها ، وصغيرة ، ومجنونة ، أو على نفي الكمال ، توفيقاً بين الحديثين )) اهـ .
    قلت : وإنما أطلت في نقل كلام الأحناف من أشهر كتبهم ، حتى أبين للقارئ أن الذين رأوا أن النكاح لا يصح إلا بولي استدلوا بأدلة صريحة جداً ، وهي أقوى وأظهر من أدلة الأحناف الذين أجازوا النكاح بغير ولي .
    وليعلم بأن الأحناف أنفسهم مختلفون في هذه المسألة ، فقد ذكر صاحب الهداية قبل ذلك أن أبا حنيفة وأبا يوسف في ظاهر الرواية عنه أجازا نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها بدون ولي ، وفي رواية أخرى عن أبي يوسف أن النكاح لا ينعقد إلا بولي .
    وعند محمد بن الحسن ينعقد نكاحها موقوفاً على إذن الولي .
    قلت : فصار في مذهب الأحناف ثلاثة أقوال :
    الأول : صحة النكاح بغير ولي .
    الثاني : صحته موقوفاً على إذن الولي .
    الثالث : عدم صحته .
    وأما الجمهور فيرون عدم صحة النكاح بدون ولي ، واستدلوا عليه بالقرآن وبنصوص الأحاديث الصريـحة في ذلك .
    قال ابن قدامة في المغني [ 9/ 345 ] في شرح قول الخرقي " ولا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين " (( في هذه المسألة أربعة فصول :
    أحدها : أن النكاح لا يصح إلا بولي ، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها ، ولا توكيل غير وليّها في تزويجها . فإن فعلت ، لم يصح النكاح . روي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم .
    وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبدالعزيز وجابر بن زيد والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيدالله العنبر ي والشافعي وإسحاق وابو عبيد .
    وروي عن ابن سيرين ، والقاسم بن محمد ، والحسن بن صالح ، وأبي يوسف : لا يجوز لها ذلك بغير إذن الولي ، فإن فعلت كان موقوفاً على اجازته . وقال أبو حنيفة لها أن تزوج نفسها وغيرها ، وتوكل في النكاح .... )) الخ .
    قلت : وسنذكر بعد قليل الأدلة التي استدل بها ابن قدامة .
    وقال ابن عبدالبر في التمهيد [ 19/84 – 85 ] (( في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأيم أحق بنفسها من وليها " ، دليل على أن للولي حقاً في إنكاح وليته .
    وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فقال منهم قائلون : لا نكاح إلا بولي ، ولا يجوز للمرأة أن تباشر عقد نكاحها بنفسها دون وليها ، ولا أن تعقد نكاح غيرها .
    وممن قال هذا : مالك ، والشافعي ، وسفيان الثوري ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وابن المبارك ، وعبيدالله بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، والطبري .
    وروي ذلك عن : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، .
    وهو قول : سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعمر بن عبدالعزيز ، وجابر بن زيد أبي الشعثاء .
    وخالف هؤلاء : أهل الرأي من الكوفيين ، وطائفة من التابعين ، وكلهم يقول : لا ينبغي أن ينعقد نكاح بغير ولي ... )) اهـ .
    قلت : ثم ذكر ابن عبدالبر أدلة الفريقين ، بنحو ما ذكره ابن قدامة .
    وانظر ما قاله الشافعي في الأم [ 5/12 ] حيث احتج على ذلك بآية { ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } , وقال (( ولا أعلم الآية تحتمل غيره ، لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل ، بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء .
    والزوج إذا طلقها ، فانقضت عدتها ، فليس بسبيل منها فيعضلها ، وإن لم تنقض عدتها فقد يحرم عليها أن تنكح غيره ، وهو لا يعضلها عن نفسه . وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقاً .. )) .
    ثم قال الشافعي (( وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل .
    أخبرنا مسلم وسعيد وعبدالمجيد عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ، فإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها " ... )) .
    ثم ذكر الشافعي أثرين عن العمرين ، ابن الخطاب ، وابن عبدالعزيز ، في رد نكاح من زوجت نفسها بغير ولي .
    ثم قال (( فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فنكاحها باطل " )) اهـ . باختصار .
    و قال صاحب المهذب ، في بيان مذهب الشافعية " لا يصح النكاح إلا بولي ، فإن عقدت المرأة لم يصح " . انظر المجموع [ 16/146 ] .
    وقال ابن حزم في المحلى [ 9/451 ] " ولا يحل للمرأة نكاح ، ثيباً كانت أو بكراً ، إلا بإذن وليها " .
    ثم شرع في ذكر الأدلة على ذلك ، من القرآن والسنة ، وأجاب عن اعتراضات الأحناف عليها .
    وقال ابن تيمية " الذي عليه العلماء أنه " لا نكاح إلا بولي " و " أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل " ، وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم .."
    إلى أن قال " ولهذا قال من قال من السلف : إن المرأة لا تنكح نفسها ، وإن البغي هي التي تنكح نفسها .
    لكن إن اعتقد هذا نكاحاً جائزاً كان الوطء فيه وطء شبهة ، يلحق الولد فيه ، ويــرث أباه . وأما العقوبة ، فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد " اهـ .
    انظر مجموع الفتاوى [ 32/102 – 103 ] .
    وذكر ابن تيمية في موضع آخر أيضاً أن اشتراط الولي مما دل عليه القرآن في أكثر من موضع ، وكذا السنة ، وقال " وهو عادة الصحابة ، إنما كان يزوج النساءَ الرجالُ ، لا يعرف أن امرأة تزوج نفسها .
    وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات أخدان ، ولهذا قالت عائشة : لا تزوج المرأة نفسها ، فإن البغي هي التي تزوج نفسها " اهـ . انظر المجموع [ 32/131 ] .
    واحتج ابن القيم في زاد المعاد [ 5/92 ] بالأحاديث الصريحة في بطلان النكاح بغير ولي .
    وقال الشوكاني (( لما أمر الله سبحانه بإنكاح النساء ، كان أولياء المرأة ممن دخل في هذا الخطاب دخولاً أولياً ، فكانوا أحق بإنكاحها من هذه الحيثية .
    ثم جاءت السنة الصحيحة بأنه " لا نكاح إلا بولي " ، وأن النكاح بغير ولي باطل . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الأولياء " إذا اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " )) .
    ثم قال الشوكاني (( وقد ذهب إلى اعتبار الولي جمهور السلف والخلف ، حتى قال ابن المنذر : إنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك )) . انظر السيل الجرار [ 2/259 ] .
    وقال الصنعاني في سبل السلام [ 3/992 ] في شرح حديث أبي هريرة " لا تزوج الـمرأة المـرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها " (( فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها ، فلا عبارة لها في النكاح إيجاباً ولا قبولاً ، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيره ، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة ، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة . وهو قول الجمهور .
    وذهب أبو حنيفة إلى تزويج العاقلة البالغة نفسها وابنتها الصغيرة ، وتــتوكل عن الغير .. )) ا هـ .
    ثم ذكر الصنعاني أدلة الجمهور على اشتراط الولي ، وإبطال النكاح بدونه .
    وقال صديق حسن خان في الروضة الندية [ 2/11 ] بعد أن سرد بعض الأحاديث السابقة (( أقول : الأدلة الدالة على اعتبار الولي ، وأنه لا يكون العاقد سواه ، وأن العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل ، قد رويت من طريق جماعة من الصحابة ، فيها الصحيح والحسن وما دونهما ، فاعتباره متحتم )) . اهـ .
    قلت : وقد استدل الجمهور بأدلة صحيحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة على اشتراط الولي في النكاح ، ومنها :

    الدليل الأول

    قول الله تعالى { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } [ الآية 232 البقرة ] ، وقد تقدم قول الشافعي إن هذه الآية أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقاً )) .
    وقال ابن عبدالبر في التمهيد [ 19/90 ] " هذا أصح شيء وأوضحه في أن للولي حقاً في الإنكاح ، ولانكاح إلا به ، لأنه لولا ذلك ما نهي عن العضل ، ولاستغني عنه " .
    قلت : وقد اعترض الأحناف على الاستدلال بهذه الآية باعتراضات ، منها :
    أ – أن الآية أضافت العقد إليهن في قوله { فلا تعضلوهن أن ينكحن } .
    فدل على أنها تملك مباشرة العقد ، والمراد بالعضل المنع حبساً ، بأن يحبسها في بيت ويمنعها من التزوج .
    ب – أو : هذا خطاب للأزواج ، لا للأولياء ، لافتتاح الآية بذكرهم ، فقال { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } ، والمعنى : أن من طلق امرأته وانقضت عدتها ، فليس له أن يمنعها من التزوج بزوج آخر . انظر فتح القدير [ 3/159 ] .
    وأجاب الجمهور على هذه الاعتراضات بأن :
    أ – سبب نزول الآية صريح في أن الخطاب للأولياء ، لأنها نزلت في معقل بن يسار حين زوّج أخته من رجل ، ثم طلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يـخطبها ، فقال معقل " لا والله لا تعود إليك أبداً " فأنزل الله الآية ، فقال معقل " الآن أفعل يا رسول الله " . رواه البخاري [ 5130 ] .
    وقد ذكر الأئمة ومنهم الشافعي ، أن الآية صريحة في اعتبــار الولي وإلا لما كان لعضله معنى . قال الصنعاني " فلو كان لها تزويج نفسها لم يعاتب أخاها على الامتناع ، ولكان نزول الآية لبيان أنها تزوج نفسها . وبسبب نزول الآية يعرف ضعف قول الرازي : إن الضمير للأزواج ، وضعف قول صاحب نهاية المجتهد : إنه ليس في الآية إلا نهيهم عن العضل ، ولا يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازاً ، بل قد يفهم منه ضد هذا ، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم . اهـ .
    ويقال عليه : قد فهم السلف شرط إذنهم في عصره صلى الله عليه وسلم ، وبادر من نزلت فيه إلى التكفير عن يمينه والعقد .
    ولو كان لا سبيل للأولياء لأبان الله تعالى غاية البيان ، بل كرر تعالى كون الأمر إلى الأولياء في عدة آيات ، ولم يأت حرف واحد أن للمرأة إنكاح نفسها .
    ودلت أيضاً على أن نسبة النكاح إليهن في الآيات مثل { حتى تنكح زوجاً غيره } ، مراد به الإنكاح بعقد الولي ، إذ لو فهم صلى الله عليه وسلم أنها تنكح نفسها ، لأمرها بعد نزول الآية بذلك ، ولأبان لأخيها أنه لا ولاية له ، ولم يبح له الحنث في يمينه ، والتكفير " اهـ . سبل السلام [ 3/992 ] .
    قلت : جاء في سنن أبي داود [ 2087 ] ، في آخر حديث معقل " قال : فكفّرت عن يميني فأنكحتها إياه "
    ب – وأما افتتاح هذه الآية بذكر الأزواج ، بقوله تعالى { وإذا طلقتم } ، فهو أسلوب عربي معروف ، فلا يمنع أن يفتتح بذكر الأزواج ثم يوجه الخطاب إلى الأولياء ، وسبب النزول المذكور دل على ذلك ، ومن ذلك قوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فخاطب المتبايعين ، ثم قال تعالى { ممن ترضون من الشهداء } ، فخاطب الحكام . وهذا كثير في لغة العرب . انظر التمهيد [ 19/85 ] .

    الدليل الثاني

    قوله تعالى { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } . الآية [ البقرة 222 ] .

    الدليل الثالث

    قولــه تعالى { و أنكحوا الأيامـى منكم والصــالحين من عبــادكم وإمــائكم } . الآيــة [ النور 32 ] .
    قال سيد سابق " ووجه الاحتجاج بالآيتين : أن الله تعالى خاطب بالنكاح الرجال ، ولم يخاطب به النساء " . انظر فقه السنة [ 2/126 ] .
    قلت : وقد استدل بهاتين الآيتين ، وبالآية السابقة أيضاً ، البخاري في صحيحه ، في كتاب " النكاح " ، باب " من قال : لا نكاح إلا بولي " .
    وانظر الفتح [ 9/182 ] ، وانظر كذلك التمهيد لابن عبدالبر [ 19/94 ] .

    الدليل الرابع

    حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فالمهر لها بما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا ، فالسلطان ولي من لا ولي له " .
    رواه أبــو داود [ 2083 ] والتــرمذي [ 1102 ] وابن مــاجه [ 1879 ] وصــححه ابن حبــان [ 1248 ] والحاكم في المستدرك [ 2/168 ] ورواه البيهقي في سننه [ 7/105 ] .
    قلت : وقد حسن الترمذي هذا الحديث وقال (( والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي " عند أهل العلم ، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن عباس ، وأبو هريرة ، وغيرهم .. ))
    إلى أن قال (( وبهذا يقول سفيان الثوري ، والأوزاعي ، ومالك ، وعبدالله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق )) اهـ .
    انظر الآثار عن الصحابة والتابعين في مصنف عبدالرزاق [ 6/195 – 202 ] .
    وقد أعل الأحناف هذا الحديث بثلاث علل :
    الأولى : أن مدار الحديث على الزهري ، وقد أنكر ما رواه ، لما سئل عنه .
    الثانية : أن الزهري أجاز أن تتزوج المرأة بغير ولي .
    الثالثة : أن عائشة رضي الله عنها خالفت ما روته ، حيث زوجت بنت أخيها عبدالرحمن ، وهو غائب ، وعمل الراوي بخلاف ما روى يبطل الرواية ، كما تقرر في أصول الفقه .
    وانظر فتح القدير [ 3/159 ] والمحلى لابن حزم [ 9/452 ] .
    وقد أجاب الجمهور على هذه العلل بأجوبة ، وإليك التفصيل :
    أما جوابهم عن العلة الأولى ، فقد قال ابن عبدالبر " روى هذا الحديث إسماعيل بن علية عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة ، كما رواه غيره .
    وزاد ( أي ابن علية ) عن ابن جريج قال : فسألت عنه الزهري فلم يعرفه " .
    قال ابن عبدالبر " ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية ، وقد رواه عنه جماعة لم يذكروا ذلك " .
    قلت : يقصد ابن عبدالبر أن هذا الحديث قد رواه جمع من الحفاظ ، سوى إسماعيل بن علية ، من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة . ولم يذكر أحد من أولئك الرواة الحفاظ مثل ما ذكره إسماعيل بن علية عن ابن جريج من إنكار الزهري لهذا الحديث .
    ثم قال ابن عبدالبر " ولو ثبت هذا عن الزهري ، لم يكن في ذلك حجة ، لأنه قد نقله عنه ثقات ، منهم : سليمان بن موسى ، وهو فقيه ثقة إمام ، وجعفر بن ربيعة ، والحجاج بن أرطاه .
    فلو نسيه الزهري ، لم يضره ذلك شيء ، لأن النسيان لا يعصم منه إنسان . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نسي آدم فنسيت ذريته " . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسى ، فمن سواه أحرى أن ينسى . ومن حفظ فهو حجة على من نسي .
    فإذا روى الخبر ثقة عن ثقة ، فلا يضره نسيان من نسيه ، هذا لو صح ما حكى ابن علية عن ابن جريج .
    فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ، ولم يعرجوا عليه ... " انظر التمــهيد [ 19/86 ] .
    قلت : مراد ابن عبدالبر ، أنه لو فرض أن الراوي ، وهو الزهري ، الذي قد حدّث بحديث ، سمعه منه ثقات ، ثم نسي هو ما حدثهم به فإننا لا نعوِّل على نسيانه ، بل نأخذ بما حفظه الثقات ، لأن من حفظ حجة على من نسي ، لا العكس .
    وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي بعض الأمور ، وذكره أصحابه بها .
    فإذا جاز على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فمن عداه أولى .
    وهذا كله على فرض أن الزهري أنكر الرواية ونسيها .
    فكيف إذا علمنا أنه لم يثبت أن الزهري أنكر الرواية ، وإنما أخطأ بعض من حدّث عنه أنه نسيها ، فالرواية ثابتة على كل الأحوال .
    وقد أطال الحاكم في المستدرك [ 2/168 – 169 ] في الانتصار لهذا الحديث وتصحيحه ، ومما قاله " فقد صح وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض ، فلا تعلل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه ، وقوله : إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه ، فقد ينسى الثقة الحافظ الحديث بعد أن حدث به ، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث " .
    ثم ذكر الحاكم أن الإمام أحمد أنكر ما روي عن ابن جريج من أن الزهري سئل عن الحديث فأنكره أو نسيه .
    قال أحمد " إن ابن جريج له كتب مدونة ، وليس هذا في كتبه " .
    وذكر الحاكم أيضاً نـحو ذلك عن الإمام ابن معين ، حيث قال " ليس يقول هذا إلا ابن علــية ، وإنما عرض ابن علية كتب ابن جريج على عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد فأصلحها له ... " .
    قلت : ومثله قال البيهقي في السنن [ 2/105 – 106 ] ، فقد أخرج الحديث وانتصر له ونقل عن الإمام أحمد وابن معين مثل ما نقل الحاكم ، وزاد في كلام ابن معين " وضعف يحي بن معين رواية إسماعيل عن ابن جريج جداً " اهـ .
    وانتصر لتصحيح هذا الحديث جمع من الأئمة وردوا رواية ابن علية عن ابن جريج ، ومنهم الترمذي وابن حبان وابن عدي والدارقطني وابن الجوزي ، وغيرهم . انظر التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر [ 3/ 157 ] .
    وقال ابن حزم في المحلى [ 9/452 – 453 ] ، بعد أن نقل نـحو ما تقدم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نسي آية ، ذكّره بها رجل كان يقرأ بها في المسجد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " رحمه الله لقد ذكرني آية كنت أنسيتها " .
    فقال ابن حزم " فإذا صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي آية من القرآن ، فمن الزهري ؟ ... ، وقد نسي أبو هريرة حديث " لا عدوى " ، ونسي الحسن حديث " من قتل عبده " ، ... فكان ماذا ؟
    لا يعترض بهذا إلا جاهل ، أو مدافع للحق بالباطل !
    ولا ندري في أي القرآن ، أم في أي السنن ، أم في أي حكم العقول وجدوا ، أن : من حدّث بحديث ، ثم نسيه ، أن حكم ذلك الخبر يبطل ؟ .. " اهـ .
    قلت : قد تبين لك مذهب المحدثين في مسألة نسيان الراوي للحديث ، وأنه لا يطعن في صحته ، لجواز النسيان على بني آدم .
    وللفقهاء كلام في هذه المسألة ذكروه في كتب الأصول ومثلوا لها بهذا الحديث .
    قال الغزالي في المستصفى [ 1/167 ] (( مسألة إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي ولم يعمل به لم يصر الراوي مجروحاً .. ))
    إلى أن قال (( أما إذا أنكر إنكار متوقف ، وقال : لست أذكره ، فيعمل بالخبر ، لأن الراوي جازم أنه سمعه منه ، وهو ليس بقاطع في تكذيبه ، وهما عدلان ، فصدقهما إذاً ممكن .
    وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث ، وبنى عليه اطَّراح خبر الزهري " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها " .. ))
    إلى أن قال الغزالي (( وقد ذهب إلى العمل به مالك والشافعي وجماهير المتكلمين ، وهذا لأن النسيان غـالب على الإنســان ، وأي مُحدّث يحفظ في حينه جمــيع مــا رواه في عمره ؟ .. )) اهـ . باختصار .
    قلت : وقد أطلت كثيراً في نقل جواب الأئمة الحفاظ على تلك العلة ، وهي كون الزهري ، أحد رواة الحديث ، قد أنكر ما رواه ، أو نسيه بعد ما حدث به .
    أردت بذلك أن أنبه القارئ الكريم أن مثل هذه المسائل لا يصلح أن يقحم الصحفيون ، ولا أنصاف الباحثين ، أنفسهم في الخوض فيها ، ولا ينبغي لهم أبداً أن يطعنوا في الروايات بمجرد أنهم قرأوا في كتاب ما من كتب المذاهب ، أن تلك الرواية ضعيفة أو محتملة ، هذا لو فرض أن أولئك الصحفيين قد بحثوا بأنفسهم !
    ولنرجع إلى الجواب عن العلة الثانية ، وهي : أن الزهري أفتى بغير ما روى ، فأجاز للمرأة أن تتزوج من دون ولي . والعلة الثالثة أيضاً مثلها ، وهي أن عائشة رضي الله عنها قد أنكحت ابنة أخيها ، وكان غائباً .
    والجواب على هاتين العلتين مقرر في الأصول ، وهو : إذا خالف الراوي ما رواه ، فهل يؤخذ بروايته ، أم برأيه ومذهبه ؟
    والمسألة مفصلة في كتب أصول الفقه ،
    قال أبو الخطاب في التمهيد في أصول الفقه [ 3/193 – 194 ] " إذا روى الصحابي شيئاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه ، لم يدل ذلك على ضعف الخبر ، ولا على نسخه ، وهذا كخبر عائشة رضي الله عنها في ولاية المرأة لعقد النكاح , وبه قال الشافعية .
    وقال الحنفية : يسقط العمل بالحديث , وعن أحمد نـحوه .
    لنا : أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حجة يجب العمل بها , فإذا ترك الراوي العمل , احتمل أن يكون قد نسي الخبر , أو تأوله , أو أن ذلك قد نسخ , فوقف فعل الراوي حتى يتبين , وبقي قول الرسول صلى الله عليه وسلم , فوجب المصير إليه .
    احتجوا : بأن الصحابي مع فضله لا يـجوز مخالفته للرسول صلى الله عليه وسلم , فإذا عمل بـخلاف الخبر , دل على أنه علم نسخه .
    الجواب : أنه يحتمل ذلك , ويحتمل ما ذكرنا , فوقف , فلا يترك ما هو حجة لغير حجة .
    ثم لو كان عرف ما نسخه لذكره ورواه , ولو مرة في العمر , لأنه لا يظن به كتمان العلم , فلما لم يذكر , دل على أنه نسيه " ا هـ .
    و قال البيضاوي في نهــاية الســول [ 3/167 ] " عمل الراوي على خلاف ما رواه لا يكون قدحاً في ذلك الحديث ، كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي ، واختاره هو وأتباعه والآمدي .
    ونقل عن الأكثرين أنه يقدح ... " اهـ .
    وقد فصل بعضهم بين مخالفة الصحابي لما رواه بحسب دلالة الحديث ، فإن كانت ظاهرة في معنى ، وحمل الصحابي الحديث على غير ظاهره ، فالاعتبار بالظاهر لا بما رآه الصحابي .
    قال ابن الحاجب " إن حمله على غير ظاهره ، فالأكثر على الظهور ، وفيه قال الشافعي : كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته .
    فلو كان نصاً ، فيتعين نسخه عنده ، وفي العمل نظر " .
    قال الشارح " .. إن كان ظاهراً في معنى ، وحمله على غير ظاهره فالأكثر على أنه يعتبر ظهوره ، فيحمل على ظاهره .. "
    إلى أن قال الشارح " وأما لو كان نصاً ، فيتعين أنه قد نسخ عنده بناسخ ، اطلع هو عليه ورآه ناسخاً ، وفي العمل نظر ، فيمكن أن يقال : يعمل بالخبر ، إذ ربما ظن ناسخاً ، ولم يكن .
    وأن يقال : يعمل بالناسخ ، لأن خطأه فيه بعيد .. " اهـ . انظر مختصر ابن الحاجب وبهامشه حاشية التفتازاني [ 2 / 72 ] .
    قلت : وهذا كله فيما لو كان المخالف لما رواه هو الصحابي ، أما من دون الصحابي فلا يعتد بمخالفته لما رواه .
    وقد رأيت أن المسألة فيها خلاف بين علماء الأصول ، ولولا خشية الإطالة لنقلت أجوبتهم واعتراضاتهم .
    وقد علمت أن المحدثين ، وأكثر الفقهاء ، قد صححوا الحديث واحتجوا به ، أعني حديث عائشة رضي الله عنها ، ولم يلتفتوا إلى رأيها وفتواها .
    هذا كله على فرض أن عائشة رضي الله عنها قد خالفت ما روته ، فكيف وهي لم تـخالفه ، بل وافقته وعملت بمقتضاه ؟
    قال ابن حزم " وأما اعتراضهم بأنه صح عن عائشة وعن الزهري رضي الله عنهما أنهما خالفا ما رويا من ذلك ، فكان ماذا ؟ إنما أمرنا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وقامت حجة العقل بوجوب قبول ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبسقوط اتباع قول من دونه عليه الصلاة والسلام .. " .
    ثم روى ابن حزم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها جارية من بني أخيها ، فضربت بينهم ستراً ، ثم تكلمت ، حتى إذا لم يبق إلا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ، ثم قالت : ليس إلى النساء النكاح " .
    قال ابن حزم " فصح يقيناً بهذا رجوعها عن العمل الأول إلى ما نبهت عليه ، من أن نكاح النساء لا يـجوز " اهـ . انظر المحلى [ 9/453 – 454 ] .
    وقد أخرج البيهقي في السنن [ 7/112 ] رواية عائشة هذه التي ذكرها ابن حزم من طريق القاسم قال " كانت عائشة رضي الله عنها تـخطب إليها المرأة من أهلها ، فتشهّد ، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها : زوّج : فإن المرأة لا تلي عقد النكاح " .
    قال البيهقي " هذا الأثر يدل على أن الذي أخبرنا أبو نصر بن قتادة ... " ثم ساق الإسناد إلى عائشة رضي الله عنها " أنها زوجت حفصة بنت عبدالرحمن من المنذر بن الزبير ، وعبدالرحمن غائب بالشام ، فلما قدم عبدالرحمن قال : مثلي يصنع هذا به و يُفتاتُ عليه ، فكلمت عائشة رضي الله عنها المنذر بن الزبير ، فقال المنذر : فإن ذلك بيد عبدالرحمن ، فقال عبدالرحمن : ما كنت لأرد أمراً قضيته ، فقرت حفصة عند المنذر ، ولم يكن ذلك طلاقاً .. " .
    قال البيهقي " إنما أريد به أنها مهدت تزويـجها ، ثم تولى عقد النكاح غيرها فأضيف التزويج إليها لإذنها في ذلك وتمهيدها أسبابه ، والله أعلم " اهـ .
    قال الحافظ في الفتح [ 9/186 ] بعد أن ذكر أثر عائشة في تزويـجها لابنة أخيها عبدالرحمن وهو غائب (( وأجيب بأنه لم يرد في الخبر التصريح بأنها باشرت العقد ، فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيباً ، ودعت إلى كفء ، وأبوها غائب ، فانتقلت الولاية إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان .
    وقد صح عن عائشة أنها " أنكحت رجلاً من بني أخيها ، فضربت بينهم بستر ، ثم تكلمت ، حتى إذا لم يبـق إلا العقـد أمـرت رجلاً فأنكح ، ثم قالت : ليس إلى النساء نكاح " . أخرجه عبدالرزاق )) اهـ .
    قلت : ومن عجائب الأحناف أنهم عمدوا إلى تأويل حديث عائشة " أيما امرأة نكحت " بتأويل غريب لا وجه له .
    حيث زعموا أنه مخصوص بالأمة أو المكاتبة أو الصغيرة .
    وقد رد عليهم الجمهور ، وسطروه في كتب الأصول في مبحث " التأويل " ، حيث ذكروا أمثلة لتأويلات الأحناف البعيدة ، وذكروا منها هذا المثال .
    قال ابن النجار (( وتأويلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة نكــحت نفسها ..." الحديث . على الصغيرة والأمة والمكاتبة .
    ووجْه بـُعْد هذا التأويل ، أن الصغيرة ليست بامرأة في لسان العرب . وقد ألْزِموا بسقوط هذا التأويل على مذهبهم ، فإن الصغيرة لو زوّجت نفسها ، كان العقد عندهم صحيحاً ، لا يتوقف على إجازة الولي .
    فلما ألزموا بذلك فرّوا إلى حمله على الأمة ، فألزموا ببطلانه ، بقول النبي صلى الله عليه وسلم " فلها المهر " ، ومهر الأمة إنما هو لسيدها .
    ففرّوا من ذلك إلى حمله على المكاتبة ، فقيل لهم هو أيضاً باطل ، لأن حمل صيغة العموم الصريحة وهي " أي " ، المؤكدة ب " ما " معها ، في قوله " أيما " ، على صورة نادرة لا تـخطر ببال المخاطبين غالباً ، في غاية البعد )) اهـ .
    انظر شرح الكوكب المنير [ 3/467] .

    الدليل الخامس

    حديث أبي موسى الأشــعري رضي الله عنه أن رســول الله صلى الله عليه وسلم قـال " لا نكاح إلا بولي " .
    رواه أبو داود [ 2085 ] والترمذي [ 1101 ] وأحمد [ 4/398 ] وصححه ابن حبان [ 1243 ] والحاكم [ 2/169 ] .
    وقد اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله ، ورجح الوصل كثير من المحدثين ، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم .
    وقد ذكر الحاكم في المستدرك الخلاف في الوصل والإرسال ، وأطال في ترجيح الوصــــل ، و قال " هذه الأسانيد كلها صحيحة " .
    و قال " وقد وصله الأئمة المتقدمون .. وقد حكموا لهذا الحديث بالصحة .. " .
    ثم نقل التصحيح عن عبدالرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأبي الوليد الطيالسي و محمد بن يحي وغيرهم .
    ثم قال الحاكم " فقد استدللنا بالروايات الصحيحة ، وبأقاويل أئمة هذا العلم ، على صحة حديث أبي موسى ، بما فيه غنية لمن تأمله " .
    ثم قال " وفي الباب عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس ومعاذ بن جبل وعبدالله بن عمر وأبي ذر الغفاري والمقــداد بن الأســود و عبدالله بن مســعود و جــابر بن عبدالله وأبي هريرة و عمران بن حصين و عبدالله بن عمرو والمسور بن مخرمة و أنس بن مالك رضي الله عنهم ، وأكثرها صحيحة .
    وقد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : عائشة ، وأم سلمة ، و زينب بنت جحش رضي الله عنهم أجمعين " اهـ . المستدرك [ 2/170 – 172 ] .
    قلت : وعلى فرض أن حديث أبي موسى هذا كان مرسلاً ، فإن المرسل قد قبله واحتج به أكثر الفقهاء ، ومنهم الأحناف ، فيلزمهم الأخذ بهذا الحديث على كل حال . انظر المستصفى للغزالي [ 1/107 ] وتدريب الراوي [ 1/128 ] .
    وأما المحدثون ، فإنهم اختلفوا في الاحتجاج بالمرسل ، وقد احتج به أكثر المتقدمين ، وأما المتأخرون فهو عندهم من أقسام الضعيف ، كما هو مقرر في كتب المصطلح المتأخرة .
    قال الحافظ ابن رجب " القول الثاني في المسألة : الاحتجاج بالمرسل ، وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم .. وقد قال أحمد في مراسيل النخعي : لا بأس بها .
    وقال ابن معين : مرسلات ابن المسيب أحب إلي من مرسلات الحسن ، ومرسلات إبراهيم صحيحة ، إلا حديث : تاجر البحرين ، وحديث : الضحك في الصلاة ... " إلى أن قال ابن رجب " وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل ، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد .. "
    إلى أن قال " وقال أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة " وأما المراسيل ، فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى ، مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي ، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره " .
    ثم قال ابن رجب " وقد ذكر ابن جرير وغيره : أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل ، بدعة حدثت بعد المئتين .. " اهـ . باختصار من شرح العلل لابن رجب [ 1/294 – 320 ] .
    وقال ابن عبدالبر ، في تعليقه على حديث أبي بردة عن أبيه أبي موسى " روى هذا الحديث شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
    فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله ، وقد مضى في صدر هذا الديوان ذكر من يقبلها ويحتج بها من العلماء ، ومن يأبى قبولها .
    وأما من لا يقبل المراسيل ، فيلزمه أيضاً قبول حديث أبي بردة هذا ، لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة .. " اهـ . انظر التمهيد [ 19 / 88 ] .
    قلت : وقد تقدم من كلام الحاكم أن هذا الحديث " لا نكاح إلا بولي " قد رواه جمع من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وســمى منهم ثلاثة عشر صحابياً ، وقال " وأكثرها صحيحة " .
    وانظر إرواء الغليل للألباني [ 6/238 – 243 ] .

    الدليل السادس

    حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " .
    رواه ابن ماجه [ 1882 ] والبيهقي [ 7/110 ] .
    وقد رواه البيهقي أيضاً موقوفاً على أبي هريرة .

    الدليل السابع

    حديث عائشة رضي الله عنها المشهور " أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنـحاء : فنكاح منها : نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ... " الحديث ، وفيه قالت " فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله ، إلا نكاح الناس اليوم " .
    رواه البخاري [ 5127 ] واحتج به على اشتراط الولي .
    وقد استدل الجمهور بآثار كثيرة عن جمع من الصحابة ، منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأم المؤمنين حفصة بنت عمر ، رضي الله عنهم .
    انظر سنن البيهقي [ 7/111 – 112 ] والمحلى [ 9/454 ] وإرواء الغليل [ 6/245 -249 ] .
    وقد تركت ذكرها ، واكتفيت بالإشارة إليها خوف الإطالة .
    وأما الآثار عن التابعين فهي أيضاً كثيرة ، لكنها معارضة بآثــار أخرى عن بعض التابعين ، وقد ذكرها ابن عبدالبر في التمهيد [ 19/90 – 91 ] .
    لكنه قال " فقد صرح الكتاب والسنة بأن " لا نكاح إلا بولي " ، فلا معنى لما خالفهما ، ألا ترى أن الولي نُهي عن العضل ، فقد أُمر بخلاف العضل – وهو التزويج – كما أن الذي نُهي عن أن يبخس الناس ، قد أمر بأن يوفي الكيل والوزن ، وهذا بيّن كثــير ، وبالله التوفيق " اهـ .
    وانظر المحلى لابن حزم [ 9/455 – 458 ] حيث فصل في ذكر مذاهب القائلين بعدم اشتراط الولي ، وذكر اختلافهم في ذلك ، وردّ عليهم بالأدلة الصريحة المتقدمة ، وردّ عليهم كذلك بأن أقوالهم متناقضة ، وأنها تـخالف بعض أصولهم وتـخالف القياس أيضاً .
    ومما قاله في ذلك " أما قول محمد بن الحسن وأبي يوسف ، فظاهر التناقض والفساد ، لأنهما نقضا قولهما : لا نكاح إلا بولي ، إذ أجازا للولي إجازة ما أخبرا أنه لا يجوز .
    وكذلك قول أبي حنيفة ، لأنه أجاز للمرأة إنكاح نفسها من غير كفء ، ثم أجاز للولي فسخ العقد الجائز !
    فهي أقوال لا متعلق لها بقرآن ولا بسنة ، لا صحيحة ولا سقيمة ، ولا بقول صاحب ، ولا بمعقول ، ولا قياس ، ولا رأي سديد .
    وهذا لا يقبل إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إلا عن الوحي من الخالق الذي لا يسأل عما يفعل .. " اهـ .
    وقد أجاب الجمهور عن أدلة الأحناف ، ومنها حديث " الثيب أحق بنفسها " وقالوا : ليس معناه أنها تنكح نفسها ، بل فيه ما يدل على أن له حقاً معها ، لكنه لا ينكحها إلا من شاءت ، ولابد من أن يستأمرها . انظر المحلى [ 9/457 ] .
    ولا يقال : فلان أحق من فلان بكذا ، إلا ولذاك فيه حق . انظر التمهيد [ 19/78 ] .
    وأما الآيات التي أضافت إلى المرأة لفظ النكاح ، كقوله تعالى { حتى تنكح زوجاً غيره } ، ونـحوها ، فإنها لم تصرح بأن المرأة هي التي تباشر العقد بنفسها ، ثم إن معناها : تنكح بالشروط التي أمر الله بها ورسوله من الولي والصداق . وقد جاءت النصوص الأخرى موضحة لذلك الحكم ، ومبينة لما أجمل في الآيات ، كقوله تعالى { و أنكحوا الأيامى منكم } ، وكقوله { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } ، وكقوله { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } . وأكدتها نصوص السنة الصريحة في الحكم ، بما لا يدع فيه شكاً أو احتمالاً .
    انظر المحلى [ 9/457 ] والتمهيد [ 19/96 – 97 ] وفتح الباري [ 9/187 ] .
    وبعد ، فثمة أدلة أخرى استدل بها الجمهور على عدم صحة النكاح من دون ولي ، تركتها حتى لا أطيل أكثر مما أطلت .
    وإنما أردت بيان المسألة للقارئ ، لئلا يغتر بتهويلات الكاتب نجيب اليماني ، أصلحه الله وهداه ، فإنه دائم التشغيب وإثارة البلبلة من دون تريث ، وليته بحث أولاً واستقصى المسألة إن كان أهلاً للبحث ، ولا أراه أهلاً لذلك .
    وقد رأيت أخي القارئ ، كيف يتناول المسألة بطريقــة توحي بأن حجة مخالفيه ضعيفة ، مع أن حجتهم أقوى ، كما رأيت .
    وقد بينت في ردي عليه في البحث السابق " حواجز النساء في المساجد " ، أن هذا الكاتب لا يفهم لغة الفقهاء ولا اصطلاحات العلماء ، ومع ذلك فإنه يحشر أنفه فيما لا قدرة له عليه ، وينصب نفسه مع الفقهاء المجتهدين ، وهو لا يعرف أبجديات الفقه والعلم .
    بل لا يحسن حتى مجرد البحث ، ونقل الكلام من بطون الكتب بطريقة صحيحة .
    ولعلك أخي القارئ ، إن كنت قرأت ذلك البحث السابق ، قد لحظت أن الكاتب هناك ، شدد في مسألة منع النساء من شهود الجماعات في المساجد ، وردّ قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد " ، ونقل كلام ابن حزم في ذلك .
    مع أن قول عائشة رضي الله عنها ليس صريحاً في المنع ، لأنها لم تجزم بالحكم من نفسها ، بل قالت : لو رأى لمنع .
    ومع أن المخالف للأستاذ نجيب لم يمنع النساء من المساجد أصلاً ، بل رأى حجبهن عن أعين الرجال بوضع حواجز أو مصليات مستقلة .
    وهنا في هذه المسألة عكس الأستاذ نجيب المسألة ، وتناقض ، حيث طرح الأحاديث الكثيرة التي احتج بها الجمهور ، وعوّل على رأي أم المؤمنين عائشة ، وقد رأيت أنها قد وافقت الأحاديث فيما صح عنها ، وأن رأيها ذاك كان محتملاً ، ولم يكن صريحاً ، لكن الأستاذ ضرب بالأحاديث عرض الحائط ، ورجّح الأثر عليها .
    هذا وأسأل الله تعالى أن يهدينا ويهدي سائر عباده إلى صراطه المستقيم ، وأن يفقهنا في دينه ، وأن يجعل ما علمناه حجة لنا لا علينا يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
     

    وكتب : سمير بن خليل المالكي الحسني المكي
    27 /6/1430هـ
    جوال 0591114011

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية