صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



الإنصاف في الفتوى والخلاف

  

سمير بن خليل المالكي

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الإنصاف في الفتوى والخلاف


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
أما بعد ، فإن من سنن الله الكونية القدرية التنازع والاختلاف في المسائل الشرعية ، ولم يزل حال الأمة على ذلك من عصر النبوة ، و عصر الخلافة الراشدة ، واستمر الخلاف في كثير من فروع العبادات و المعاملات وفي الحلال والحرام ، وكان خلافا مؤصلا ومؤسسا على قواعد الشرع ومنضبطا بآداب الإسلام التي أمر الله بها و رسوله عليه الصلاة والسلام.
وقد كان من أهم وأعظم ما يضبط مسائل الفتوى و الخلاف وجود العلماء الربانيين الذين كانوا يسوسون العامة وطلاب العلم ويضبطونهم بتلك الضوابط الشرعية ، وكانوا يطبقونها عمليا ، ولا يكتفون بتعليمها وتقريرها لهم نظريا فحسب .
 

*****

ومن أهم قواعد الفتوى ، التي حرص أئمة السلف على العمل بها وتعليمها :
1 _ ضرورة الاستدلال بالأدلة الشرعية في كل مسألة ، صغيرة كانت أم كبيرة ، ومن أفتى منهم بالرأي ، فلم يكن رأيا محضا ، بل هو استنباط من النصوص أو قياس عليها ، وكثيرا ما كانوا يطلقون الرأي على القياس .
أما الرأي المحض ، فقد عابوه وأغلظوا القول فيه وفي أصحابه.
قال الله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم }.
وقال سبحانه { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }.
 

*****

2 _ ومن قواعد الفتوى ، التجرد لله وقصد إصابة الحق و تحري العدل ، مع الموافق والمخالف .
وقد كان أئمة السلف أتقى لله وأنصح للناس ، من أن يحابوا أحدا من الخلق في دين الله ، أو أن يشتروا ثمنا قليلا بآيات الله .
و كانوا أبعد الناس عن مخالطة الأمراء والخلفاء بعد عصر الراشدين ، حذرا من الوقوع في الفتنة ، وهي : إما بالسكوت عن الحق ، وإما بالرضا و المتابعة في الباطل .
هذا مع ما كانوا عليه من الورع والتقوى ، ومع ما كان عليه الخلفاء في تلك القرون الفاضلة ، من العلم و الصلاح ، وتحكيم شرع الله ، والجهاد في سبيله ، والذب عن حياض الإسلام وحرمات المسلمين ، و كان الدين في ذاك الزمان ظاهرا على كل الأديان .
قلت : ومع ذلك فإن أئمة الإسلام كانوا بمنأى عن بلاط السلطان وعن ولاياته .
@ و إليك هذه القصة : كان الإمام ابن المبارك يصل بعض علماء زمانه بمال ، ومنهم إسماعيل بن علية ، وهو من كبار أئمة الحديث ، وكان يلقب ب " ريحانة الفقهاء " ، و" سيد المحدثين " .
ولما قبل ولاية القضاء ، أو الصدقات ، في عهد الخليفة المجاهد الصالح هارون الرشيد ، هجره ابن المبارك وقطع عنه الصلة ، ثم أرسل إليه هذه الأبيات :

يا جاعل العلم له بازيا & يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا و لذاتها & بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعدما & كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى & عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك في سردها & في ترك أبواب السلاطين
إن قلت أكرهت فذا باطل & زل حمار العلم في الطين

فلما بلغته هذه الأبيات دخل على الرشيد و سأله الإعفاء من منصب القضاء . [ انظر التهذيب 1 / 275 ] .
قلت : ومن رضي من أولئك العلماء بمخالطة الخلفاء و الأمراء ، أو بقبول بعض الولايات الدينية ، فإنما قصد به إحقاق الحق و إقامة العدل ومناصحة ولاة الأمر .
 

*****

3 _ ومن القواعد المهمة مراعاة الخلاف ، والأدب مع المخالف .
لقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، واختلفوا كثيرا بعد مماته ، لكن اختلافهم لم يكن تعصبا لقوم أو لبلد أو لمذهب ، ولم يكن عن هوى أو لنيل مأرب ، ولهذا كانوا يحترمون الرأي الآخر ، حتى لو عارضوه ، وكانوا محافظين على الأخوة ونبذ الفرقة ، وعلى التأدب بالآداب الشرعية ، قبل وبعد الخلاف .
وسلك التابعون ومن بعدهم في ذلك الأدب مسلكهم .
وأكبر دليل على ذلك ، اختلاف الأئمة في مسائل كثيرة في الفقه والتفسير والحديث و اللغة ، مع شيوخهم وأقرانهم وتلاميذهم ، ولم يحجر أحد منهم على أحد ، أو يعنفه ، فضلا عن أن يعاديه أو يهجره .
 

*****

4 _ وكانوا أحرص الناس على مراعاة
أحوال الناس والمصالح العامة ، وربما سكتوا عن الكلام في المسألة درءا للفتنة و المفسدة .
وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه " حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " . رواه البخاري [ 127 ] .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه
" ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ، إلا كان لبعضهم فتنة " .
رواه مسلم [ 1 / 11 ] في مقدمة صحيحه .
وفقه المصالح والمفاسد وسد الذرائع
من أعظم أبواب العلم ، بيد أن بعض شيوخ هذا الزمان أغفلوه ولم يرفعوا به رأسا ، جهلا منهم بهذا الباب العظيم ، أو تجاهلا .
وبعضهم إنما يحصره في دائرة معينة ، وهي : موافقة مذاهبهم وموالاة أصحابهم ، أو متابعة أهواء الأمراء والسلاطين ومداهنتهم في سياساتهم المخالفة للدين .
وكثير من الشيوخ اليوم لا يلقي بالا لافتتان الناس وتنفيرهم عن الدين ، ولا يحسن الأدب في معاملتهم ومخاطبتهم ، ويجازف بإلقاء التهم والمعايب ، على كل من خالفهم أو انتقدهم ، ولو كان على صواب !
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه من فتنة الناس عن الدين ، فقال لمعاذ رضي الله عنه " فتان ، فتان ، فتان " . رواه البخاري [ 701 ] .
وغضب أشد الغضب على من أطال في صلاته وقال " أيها الناس إنكم منفرون " . رواه البخاري [ 90 ] .
وقال " بشروا ولا تنفروا " . رواه البخاري [ 69 ] .
قال الحافظ في الفتح [ 1 / 163 ] " وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل " .
وقال عمر رضي الله عنه " لا تبغضوا إلى الله عباده " . ذكره الحافظ في الفتح [ 2 / 195 ] وصحح إسناده .
 

*****

5 _ ومن أهم قواعد الفتيا والخلاف التوسط والاعتدال ، في الحكم على الأقوال و الأفعال ، وعلى الرجال .
والوسطية من سمات هذه الأمة العلية ، في المسائل العقدية ، والعملية .
ومن التوسط في أمور الدين الحكم على المعاصي وأهلها ، فإن الفرق المبتدعة قد تطرفت في ذلك .
فالخوارج كفروا عصاة المسلمين واستباحوا دماءهم وأموالهم ، والمرجئة قالوا : لا يضر مع الإسلام ذنب ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة .
وأهل الحق توسطوا في الحكم ، فلم يكفروا بالعصيان ، ولم يمنحوا أهلها صكوك الغفران ، و جعلوا مرد ذلك إلى مشيئة الرحمن .
وقالوا في مرتكب الكبائر ، عدا الكفر و الشرك " مؤمن بإيمانه ، فاسق بعصيانه " .
ومسألة التكفير قد تساهل فيها بعض المنتسبين للعلم و المشيخة اليوم ، فأفتوا بالكفر في مسائل مختلف فيها في الحلال والحرام .
يقول ابن تيمية عن الخوارج " وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع ، لم يكفروا ، مع أمر الله و رسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم ، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم ؟
والأصل : أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض ، لا تحل إلا بإذن الله ورسوله " . انتهى باختصار .
المجموع [ 3 / 282 ] .
وقال رحمه الله " وقد وقع الخطأ كثيرا لخلق من هذه الأمة ، واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ .. " ، ثم ذكر أمثلة لذلك .
ثم قال " وكذلك بعض العلماء أنكر حروفا من القرآن ، وبعضهم كان حذف المعوذتين ، وهذا الخطأ معفو عنه بالإجماع .
وكذلك الخطأ في الفروع العملية ، فإن المخطئ فيها لا يكفر ولا يفسق ، بل ولا يأثم .." .
ثم ذكر ابن تيمية خطأ بعض السلف في استحلال بعض أنواع الربا ، والخمر ، والقتال في الفتنة ، ولم يكفروا بذلك .
انظر مجموعة الرسائل والمسائل
[ 3 / 346 _ 347 ] .
وقد احتاط أئمة السلف في التكفير بلوازم القول والعمل .
خذ مثلا على ذلك : بدعة الأشاعرة ،
فإن من لوازم قولهم في القرآن ، أنه مخلوق ، ومعلوم أن القول بخلق القرآن كفر ، لكن السلف لم يكفروا الأشاعرة ، مع أن ابن تيمية صرح بأن قولهم في القرآن هو قول الجهمية و شر من قول المعتزلة .
انظر مجموعة الرسائل والمسائل [ 4 / 429 ] .
وقل مثل ذلك في لوازم قول الأشاعرة في مسائل الإيمان والصفات والنبوة ، وغيرها .
والكلام في تحرير مسألة التكفير بالأقوال والأعمال ولوازمها يطول جدا .
والمقصود : أن العدل والتوسط في الأحكام ، هو من قواعد الإسلام ، ومما حرص على تطبيقه الأئمة الأعلام .
 

*****

ومن ثم ، كان لزاما على أهل العلم والفتوى ، في هذا الزمان ، أن يضبطوا مسائل الخلاف بمثل تلك القواعد العظام ، وأن يتأدبوا بآداب الكتاب و السنة ، وبما كان عليه سلف هذه الأمة ، فإن الفتنة بين الناس في الدين قد ظهرت وفشت ، ولا بد من التعاون على التقوى و جمع الكلمة ونبذ الفرقة ، وأن تحصر مسائل الخلاف في أضيق نطاق ، ونحن أهل السنة أولى بأن نتداعى إلى الحوار و التعايش والتقارب ، قبل أن ندعو غيرنا من أهل الملل والنحل المخالفة إلى ذلك .
إن مسائل الخلاف بيننا _ معشر أهل السنة والجماعة _ مهما كثرت ، فإنها لا تعدو أن تكون من مسائل الفروع ، ولا خلاف بيننا في أصل من أصول الدين والملة .
و إنا لا ندعوا إلى ترك الخلاف في مسائل الخلاف ، فإن هذا من المحال
إلا ما شاء الله ، ولو كان في ذلك خير للأمة لسبق إليه سلف الأمة .
لكننا ندعوا إلى الأدب في الخلاف والحكمة فيه ، وتضييق نطاقه ما أمكن ، سدا لذريعة الفتنة و الفساد في الدين والبلاد و العباد .
إننا دعاة ، " لسنا قضاة ولا بغاة " ، و إن علينا أن نكون قدوة حسنة للناس في كل أمورنا ، خاصة في المعاملة مع من خالفنا ، وأن نتأدب بآداب الإسلام ، وأن ننشر في الأنام العدل والسلام .
 

*****

و تكفير المخالف في مسائل الفروع ، كمسألة الاختلاط في التعليم و العمل ، يعد من التطرف في الحكم والفتيا ، لأن أصل الاختلاط ، بمعنى : وجود الرجال والنساء في مكان واحد ، وإن تقاربوا ، ليس محرما على إطلاقه ، بل هو مباح في بعض الأحوال ، كما دلت عليه النصوص ، وكما كان عليه الناس في عصر النبوة والقرون الفاضلة .
ولم تحد الشريعة الإسلامية حدا معينا للتقارب بين الجنسين .
نعم ، فهمنا من مجمل النصوص في الكتاب و السنة ، ومن فتاوى الأئمة ، أن التباعد مطلوب ، لكن حدود ذلك ليست منضبطة .
ونرى أن الاختلاط في ميادين التعليم والعمل ذريعة إلى الفساد والفتنة ، لكنه يظل رأيا و اجتهادا ، ليس فيه نص محكم ولا إجماع متيقن ، وحكمه ظني لا قطعي ، كغيره من المسائل الفقهية المستنبطة بالرأي والاجتهاد من عمومات النصوص و قواعد الشرع .
وقد علل من أفتى بكفر من استحل الاختلاط الحكم ببعض الإلزامات ، منها : أن الاختلاط في التعليم ونحوه ، يستلزم النظر المحرم ، والكلام المحرم ، والخلوة المحرمة ... وأن من أباح هذه المحرمات فهو مرتد !
قلت : أولا : قد تقرر أن أصل المسألة _ وهي الاختلاط _ محل خلاف .
وثانيا : لا يلزم من الاختلاط وجود تلك المنكرات .
وثالثا : إن تلك الأمور ( النظر والكلام والخلوة ) ، ليست من المحرمات المجمع على تحريمها ، بل هي مختلف فيها .
وقد أباح بعض الأئمة من السلف والخلف نظر الرجل إلى المرأة من غير شهوة ، وأباحوا كشفها عن وجهها .
فكشف الوجه مختلف فيه ، والنظر مختلف فيه أيضا .
ثم من قال إن كل المختلطات حاسرات عن وجوههن ؟
ألسنا نرى كثيرات من العاملات العفيفات في المستشفيات والمعامل وغيرها ، منقبات ؟
وأما نظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة ، فهو أقرب إلى الإباحة ، كما دلت عليه بعض نصوص السنة ، كنظر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما هو مذهب طائفة من علماء السلف والخلف .
وأما الكلام ، فلا شك أن الأصل فيه الإباحة بنص القرآن ، بالشروط المعتبرة .
ولا يستلزم الاختلاط حصول كلام خارج عن حدود الأدب ، فإنه قد يحصل وقد لا يحصل .
وأما الخلوة ، فقد تقع أحيانا ، لكنها ليست متحققة في كل اختلاط .
ثم الخلوة نفسها فيها تفصيل و خلاف وقد أباحها بعض العلماء ، مع أننا نرجح تحريمها بموجب النصوص الصريحة في حكمها ، لكنها ليست كالمحرمات الكبرى المجمع عليها .
ثم نقول : إن على العالم أن يراعي أحوال الأمة ، فإن فتواه لا تخص بلدا دون بلد ، وقد عمت البلوى في كل بلاد الإسلام بمثل هذا الاختلاط ، ولم تسلم منه بلد قط .
فلا ينبغي أن يطلق مثل ذلك الحكم ، الذي يستلزم تكفير كثير من علماء المسلمين و جماهير عوامهم !
إننا نرى أن الاختلاط في ميادين التعليم وغيره محرم ، سدا للذريعة ، لكننا لا نفسق من يفعله ، ولا من يخالفنا في الحكم عليه ، فضلا عن أن نكفره .
ولم يبلغنا أن أحدا من الأئمة السابقين قد أفتى بالتكفير .
ولو فرض وجود من أفتى به فإن الحكمة تقتضي كتمانه لا إعلانه .
 

*****

و أما ما ذكره بعض الفضلاء من اقتراح بإعادة بناء المسجد الحرام على شكل أدوار متعددة ، وتخصيص بعضها لطواف النساء دون اختلاطهن بالرجال !
فإننا وددنا لو أنه سكت عن مثل هذا الاقتراح في مثل هذا المكان والزمان والحال .
فإن هذه الكلمة قد طار بها من يتصيد في الماء العكر ، وكان الأولى بالفاضل" المقترح " عدم إثارة مثل هذا الكلام ، فإن اختلاط النساء بالرجال في الطواف قد وجد في الإسلام من عصر النبوة ، و كن يطفن من وراء الرجال ، ولا أظن أن كل النسوة في كل تلك العصور السالفة قد التزمن بما التزم به الفضليات في عصر النبوة .
وقد رأى أئمة الإسلام مثل ذلك الاختلاط وقت الزحام ، ولم يقترحوا مثل ذلك الاقتراح .
ولا نقصد أن نحجر على هذا الفاضل وغيره من الغيورين على حرمات الدين ، أن يقترحوا ما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين ، لكن طرح ذلك على مسامع العوام ، بتلك الطريقة ، وبذلك التعليل ، قد أثار حفيظة الناس واستنكروه ، فإن أكثرهم لا يرى بأسا في الاختلاط أصلا ، و كلهم يرون إباحته في الطواف قطعا .
ثم مجرد إطلاق القول بهدم وبناء المسجد الحرام ، أو جزء منه ، يثير الأمر ، خاصة عندما ينطق به من لا نهي له ولا أمر ، وخاصة إذا علل ذلك بمسألة الاختلاط ، الذي هو مباح أصلا في هذا المكان !
وقد راعى رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم مشاعر بعض الناس في هدم الكعبة و إعادة بنائها على قواعد إبراهيم ، فترك ذلك ، درءا للفتنة ، هذا وهو نبي الأمة، و صاحب الأمر والنهي في الأمة !
وليس في طرح مثل هذه الأمور العظام على الملأ أي فائدة ترتجى ، إلا الفتنة والتشويش ، وإعطاء الفرصة للمرجفين بأن يسخروا من من شيوخ المسلمين ، بل ومن كل تعاليم الدين .
وقد نهانا الله عن سب آلهة الكفار حتى لا يتجرأوا على سب الله تعالى ، وهي قاعدة في سد كل ذريعة تفضي إلى المفسدة .
وأيضا : فإن مثل هذا الاقتراح ينبغي أن يطرح على ولاة الأمر المعنيين ، لا على عوام المسلمين .
وليت هذا الفاضل " المقترح " قام بالاعتذار أو التراجع عن كلامه ، بدلا من أن يصعد القضية ، ويشتغل بالتبرير والرد على من شنع عليه .
وقد اشتغل بعض طلبة العلم بالذب عنه ، لكن بعضهم تطرف في العبارة و تعنت في النقد .
وقد تطرف أحد الفضلاء ، فذكر أن منتقدي ذلك " المقترح " قد فجروا في الخصومة ، وشبههم ب " اليهود في البهتان " !
وأعجبتني مقالة الدكتور محمد الحربي في عكاظ 24 / 4 بعنوان
" كتابنا كاليهود يا شيخ " ؟
فقد تأدب جدا في نقده ، وتلطف في مقاله ، الذي ختمه بقوله :
" يا شيخ .. يا دكتور .. الأحمد أخطأ ،
ومن الفضيلة أن يعتذر ، ومن تجنوا عليه أخطأوا ومن الفضيلة أن يعتذروا له ، وأنت أخطأت ومن الفضيلة أن تبادر باعتذار كبير جدا جدا لنا جميعا " . انتهى .
وأنا أنصح إخواني من أهل العلم ، أن يتركوا إثارة القضايا الشائكة ، أو المختلف فيها عبر القنوات الفضائية ، فإن ضررها أكبر من نفعها ، في ظني ، وكثيرا ما ينساق المتحدث طوعا أو كرها للكلام في أمور ، بحسب ما يمليه مقدم البرنامج ، أو بحسب ما يرغبه الجمهور .
كما أنصحهم بترك التشنج والانفعال في الرد على مخالفيهم ، وترك التعنت في الذب عن موافقيهم ، فإن العدل مأمور به في كل حال .

*****

و ليس من الأدب استعداء السلطة على العلماء ، وإن أخطأوا ، كما يفعل بعض الشيوخ اليوم ، فإن هذا من سنن أهل البدع في الدين ، ومن صناعة المفلسين ، لا من هدي المصلحين .
والتأريخ يشهد بأن أئمة الدين لم يستعدوا الخلفاء والأمراء حتى على مخالفيهم من أهل البدع و الأهواء ، فضلا عمن خالفهم في مسائل الفروع من العلماء .
لقد استعدى ابن أبي دؤاد الخلفاء على الإمام أحمد و أئمة السنة ، في محنة خلق القرآن .
واستعدى بعض قضاة السوء الأمراء على ابن تيمية ، فسجن بسبب مخالفته لهم في مسائل عقدية ، ذكرها في " الواسطية " ، و مخالفته لهم في مسائل عملية ، في الطلاق وشد الرحال إلى القبر النبوي .
ولم يفعل ابن حنبل ولا ابن تيمية ولا غيرهما من أئمة الهدى ، مثل ذلك الاستعداء ، حين صارت لهم مكانة ووجاهة لدى الخلفاء .
وإنك لتعجب أشد العجب من صنيع بعض شيوخ هذا الزمان ، في سكوتهم عن إنكار أكثر المنكرات الظاهرة المعلنة ، ثم يتتبعون بشغف هفوات وهنات المصلحين ويتصدون لها بالرد والتعقيب بحماسة بالغة !
وليتهم يتقيدون بالآداب الشرعية مع مخالفيهم ، بل يغلظون في الإنكار ، ويستعدون عليهم ولاة السلطة والأمر !
وليت شعري ، أين كانت غيرة أولئك الشيوخ " المستعدين " ، وحرصهم على مصالح الأمة و الدين ، تجاه ما ينشر ويقال ويفعل ، من دعاة الشهوات والبدع والمنكرات ؟!
ولماذا لم يطالبوا بتأديب دعاة السوء ، وكف شرهم عن الأمة ، أم إنهم يرون أنه لم يبق في الأمة من يحتاج إلى الردع و التأديب ، لكف شره وأذاه ، إلا من أخطأ من الشيوخ والمصلحين و الدعاة ؟!
وبعد ، فإني أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ، وأن يجمع كلمتنا على الحق والعدل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


وكتب : سمير المالكي
0591114011
26 / 4 / 1431

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
سمير المالكي
  • الكتب والرسائل
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية