صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



ماذا تعرف عن أصـول الصلة مـع الله ؟!

سند بن علي بن أحمد البيضاني

 
الحمد لله القائل: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله)، والصلاة والسلام على نبيه القائل: ((إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة...))، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
توطئة مهمة :

هذه السلسلة الثانية "[1]" من البحوث العلمية القصيرة من فقه أعمال القلوب - للإسهام فــــــي إصلاح تلك المضغة التــــــي أخبر"[2]" عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ألا وهو القلب ، وأسأل المولى التوفيق والسداد ، وأن يسخّر أقواما ترعى فقه أعمال القلوب تعلما وتعليما ، كما ترعى فقه أعمال الجوارح . وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(( كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة كل منهما ينفى طريقة الآخر ويدعى أنه ليس من أهل الدين أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين فتقع بينهما العداوة والبغضاء وذلك أن الله أمر بطهارة القلب وأمر بطهارة البدن وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه ))"[3]"
 
إنّ التأصيل الشرعي يعد  من أهم  وأدق  الأمور الفقهية  ؛  بكونه يبين  الأصل الذي يبْنى عَلَيْهِ غَيره"[4]" من كتاب المولى سبحانه  أو من سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم – ، وذات مرة قرأت عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية فيها تأصيل مهم لعلامة  من علامات الإخلاص ، فاستوقفتني أكثر من عام لمعرفة دليله بحيث لم يذكر نصا شرعية  على خلاف عادته ، ثم  فتح المولى وعرفت على ماذا بنى ذلك التأصيل ، وكأنها كانت معروفة في زمانهم  - عندما كان فقه  أعمال القلوب تعلما وتعليما أفضل مما عليه الحال اليوم - حيث قال : (( ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد ))"[5]" .
 ولعل الله ييسر مقالة مفصلة بهذا الخصوص – أي لماذا لا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد – وإن كنت قد تطرقت إلى هذه المسألة من غير توسع في ((حقـــــيقة الإخلاص عند شيخ الإسلام ابن تيمية وانحراف كثير من الفقهاء )) .
وما تم  تأصيله هنا هو جهد المقل ، وأرحب بالتواصل عبر البريد – في الأسفل –  لإثراء هذا الأمر لأهميته ، بكونه لا نجاة لنا لعبادة المولى سبحانه عن بصيرة من غير أصول - وفقا لفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم -  نتزود بها علما وعملا وتعلما وتعليما لرحلة السفر إلى الآخرة .
 
المسألة الأولى :  لقيام ونجاح أي صلة 

 
1)
لقيام ونجاح أي صلة - علاقة - لابد لها من أصول متينة ومستقيمة ، وأعظم تلك الأصول  ؛ أصول صلة المسلم مع ربه ، وذلك لأهميتها ، وقلة ما كتب فيها ، فحتى الكتابات المسيحية التي غالبا ما تتحدث عن إصلاح القلب ، فهي في هذا الجانب قليلة أيضاً ، وتفتقر  إلى الدقة والصحة .
 
2)
وفي هذا العصر صرنا نرى كثيراً من الناس يحرص على إقامة وتحسين علاقاته مع البشر وتكثيرها وتعزيزها وتنميتها  ، بل قد ترى منهم من يعكف على قراءة ما يكتب وينشر بهذا الخصوص  ، ويدخل دورات وورش عمل في أسس التعامل مع البشر ومهارات كسب الأصدقاء ونحو ذلك ، وكل ذلك جميل ، ولكن عندما يكون ذلك على حساب صلته مع خالقه ،أو عدم توظيفها والاستفادة منها للدعوة إلى الله ، فهنا يكون الخلل والخطر ؛ لأن ذلك علامة على إن الدنيا صارت أكبر همه ، فلكل حقيقة علامات تدل عليها، وفي الحديث:
 
 ((مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ))"[6]" .
 
المسألة الثانية : أصول الصلة مع الله

الصلة مع الله تختلف عن صلات البشر ببعضهم بعضا ؛ لأنها صلة بين عبد ومعبود، وخالق ومخلوق ،وقوي وضعيف ، وعليم وجهول ،  وصمد ومحتاج ، وهذه الصلة تقوم على أصول .. أهمها:
 
الأصل الأول: العلم بأسماء وصفات وأفعال المعبود.

1) لله الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فهو الخالق والرازق والحافظ والوكيل ...، ويمكر بالماكرين ولا يهدي القوم الفاسقين والظالمين...، والنصوص في ذلك كثيرة .
 
2)
بالعلم يُنال الهدى وقد تعبّد الله هذه الأمة بالعلم والاتباع على بصيرة وليس بالابتداع ؛ فقال سبحانه : ((  قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَــــــنِ اتَّبَعَنِـــــــي وَسُبْحَــــــــانَ اللَّـــــهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))"[7]". 
 
3)
العلم النافع مصحح للنية المصححة للعمل "[8]"، ويثمر إذا كانت هناك غاية   يراد الوصول إليها ، وأي غاية أعظم من  أن  تكون صلتك بالله حسنة  ، لتسلم وجهك لله عن إحسان"[9]" ، لا عن إكراه أو عادة أو تقليد أو موسمية ... بل تستحضر دائما بأن الله يراك ؛ إن كنت لا تعبده وكأنك تراه .
 
  الأصل الثاني: العلم بصفات وأفعال العبد.


ما أكثر الناس الذين يغفلون أو يتغافلون الفطرة التي فطرهم الله عليها ، وبالتالي يقعون في سوء  الصلة مع الله ،  ثم يكلهم الله إلى أنفسهم ، ومــــــن أوكله الله إلى نفسه هلك ،وتسلط عليـــــه الشيطـــان "[10]"، فالنصوص الشرعية وصفت الإنسان بــــــ :ظلوم ، جهول، كفور، عجول، قتور، يئوس، قنوط، معرض، مجادل، خصيم، فرح، مغرور، وهلوع ، وغير ذلك .
 
الأصل الثالث :  المتابعة الظاهرة والباطنة

معلوم أن الإخلاص والمتابعة من شروط صحة قبول العمل ، ولكن هناك من يفهم المتابعة فهما خاطئا ، وخصوصا في المتابعة الباطنة . والمتابعة نوعان  .
 
النوع الأول :  المتابعة الظاهرة

 ويقصد بها الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل عمل ظاهر عمله على وجه التقرب إليه سبحانه ، ما لم يأت دليل على أنه من خصوصياته كالزواج بأكثر من أربع .
 قال سبحانه :  (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) "[11]" .
  وقال أيضا  :  ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))"[12]" .
 
النوع الثاني :  المتابعة  الباطنة

ويقصد بها متابعة  الرسول - صلى الله عليه وسلم - في القصد والنية "[13]"في أي عمل عمله ، وتستلزم هذه المتابعة  موافقته – صلى الله عليه وسلم - في القصد والنية أيضا  ، وليس في الفعل الظاهر فقط ، وإلا صار مخالفا لمفهوم المتابعة  .
 فمثلا  إطالته لشعره صلى الله عليه وسلم ، هل كان على سبيل التقرب لله أم كانت عــادة العرب حينها ؟؟ فالأولى تحتاج إلى دليل صريح صحيح من غير تأويل للنصوص ، لمن يستدل بسنية أو استحباب  ذلك للرجل  ، ويستدل  بقوله تعالى :
((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا))"[14]". وليس هنا مجال البسط في هذه المسألة لأنه ضُرِبَ كمثال فقط .
 
المسألة الثالثة  ما تقتضيه  تلك الأصول  !

1)  وهنا مسألة مهمة ، ينبغي ألّا تغيب عن أي مسلم فضلا عن طالب العلم ، ففي هذا الزمان كثرت المدخلات الدعوية ، ولكن رغم كثرتها فإن الواقع يشهد على قلة وضعف مخرجاتها ، مقارنة بقلة المدخلات الدعوية في القرون المفضلة وكثرة وبركة مخرجاتها ،  وهذا يدل على وجود خلل عظيم في المدخلات الدعوية ، والسبب الرئيس هو: الزهد في فقه أعمال القلوب تعلما وتعليما ، وذلك بسبب انحراف"[15]" مفهوم الفقه ومساره  عمَّ كان عليه سلف الأمة - رضوان الله عليهم -. والله المستعان. ولا يمكن أن تصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها.

2)
تلك الأصول تقتضي  العمل بموجب تلك الأسماء والصفات والأفعال ، وإلا صار العلم بها من الترف الفكري ،  فالإنسان جهول وضعيف وعجول ولا حول له ولا قوة له إلا بالله ... ، وذلك يقتضي تعويض جهله بعلم وقوة وقدرة المعبود - سبحانه – حيث له الأسماء الحسنى والصفات العُلى ، وخير وأنجع وسيلة للعمل بتلك المقتضيات  ؛ هي الإكثار من الاستخارة الأمور كلها "[16]"
– وفقا لضوابط متى تشرع  - وبها تضبط بدقة متناهية فقه المصالح والمفاسد ، وفقه الموازنات والأولويات وغيرها ، والعرب تقول :
 ((  من ذاق عرف )) وفي الحديث : (( ليس الخبر كالمعاينة  ))"[17]" .
وفيها يقول شيخ الإسلام:
((  فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْبَرَكَةِ مَا لَا يُحَاطُ بِه"[18]" )) .
 ويقول أيضا :
((  وكذا دعاء الاستخارة فإنه طلب تعليم العبد ما لم يعلمه وتيسيره له )) "[19]" .
 ويكفي أن الذي لا ينطق عن الهوى - صلى الله عليه وسلم – أمــــــــر بها عند مجرد الهـَــــمِّ بأي أمر -  إذا همّ أحدكم بالأمر"[20]" -   والهم : مرتبة من مراتب عمل القلب تسبق العزيمة والنية ، وفي رواية أخرى : ((إذا أراد أحدكم )) "[21]" .
 
وختاما ...
هذا ما يسر الله إذ استخرته والخير ما يسره الله.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



كتبه : سند بن علي بن أحمد البيضاني .
[email protected]
حرر في : 24/1/1436 هــــ             

--------------------------------------------
[1] ) والسلسلة الأولى كانت بعنوان : ((كم مِنّا مَنْ أسْلم  وجهه لله عن إحسان !!)) http://saaid.net/rasael/797.htm  
[2] ) حديث  ((.. ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً  إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه ، ألا وهي القلبُ((أخرجه البخاري وغيره  .
[3] )  )) مجموع الفتاوى : 1/15)) .
[4] ) (( الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة / 1/66)) . زكريا بن محمد السنيكي .
[5] )  (( مجموع الفتاوى 1/94)) . 
[6] ) أخرجه الترمذي في سننه : (4/642/ رقم الحديث : 2465 ) ، وصححه الألباني ، وقال المباركفوري ، في شرحه لسنن الترمذي : ((  وَالْحَدِيثُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ وَفِي سَنَدِهِ يَزِيدُ الرِّقَاشِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَلَى مَا قَالَ الْحَافِظُ ،وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَزِيدُ قَدْ وُثِّقَ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ )) أهـ ، وأخرجه ابن ماجه في سننه : ((2/1375/ رقم الحديث /4105)) ، وليس في سنده يزيد الرقاشي ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه وفي السلسة الصحيحة (950) وقال : ( إسناده جيد رجاله ثقات ) ، وأخرجه أحمد في مسند ( 35/467/ رقم الحديث :21590) ، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط .
[7] ) (( سورة يوسف : آية رقم : 108 )) .
[8] ) ((  فتح الباري ج1/ص160 )) .
[9] )   لمزيد من الفائدة ينظر : (( كم مِنا مَنّا من أسلم وجهه لله عن إحسان )) . http://saaid.net/rasael/797.htm
[10] ) فائدة :
 ينبغي التفريق بين تسلط الشيطان ونزغه ، والذي يظهر من النصوص وكتب التفسير واللغة ؛ أن النزغ من الوسواس من حيث العموم ولكنه من حيث الخصوص يوجد فرق ، فالنزغ مرتبة أعلى من الوسواس ، وأقل من التسلط ، وهو صورة من صور استفزاز الجن لإنس ، وعادة ما يكون للإفساد كالخصومة والعدواة والتحريش ونحو ذلك .والتسلط : هو التحكَّمَ والتمكَّنَ والسَيْطَرَة .
[11] ) (( سورة الأحزاب ، آية رقم : "17" )) .
[12] ) (( سورة آل عمران ، آية رقم : "31" )) .
[13] ) لمزيد من التفصيل ينظر (( مجموع الفتاوى : 17/486)) ، (( 27/422)) .
[14] ) (( سورة الأحزاب ، آية رقم : 21 )) .
[15] ) لمزيد من الفائدة ينظر بعنوان: ((مفهوم الفقه عند السلف وانحراف الخلف )) .
[16] ) وقد ذهب من أئمتنا المعاصرين كالألباني وابن باز وابن عثيمين . رحمهم الله _  إلى أن الاستخارة تشرع عند التردد والحيرة والاشتباه ، وليس في كل الأمور : حقيرها وجليلها ، وذهب الألباني - رحمه الله -  إلى أبعد من ذلك ، بأن الاستخارة  لا تدفع  الحيرة ، غفر الله عثرته ، وما ذهبوا  إليه مخالف لنص حديث الاستخارة ، وما تقتضيه تلك الأصول ، ولفهم علماء السلف ، وقد يسر الله الكتابة في الأمر بشكل مختصر نوعا ما بعنوان : (( ما جاء من أقوال علماء السلف في الإكثار من الاستخارة )) ، وعسى أن  ييسر المولى البسط في المسألة بشكل أكثر ، ونشرها في هذا الصرح - المبارك بإذن الله - .
[17] ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ((2/  424/ رقم الحديث 1842)) ، وصححه المحقق أحمد شاكر ، وحسنه ابن حجر في : (( موافقة الخبر بالخبر 2/138)) ، والسيوطي في (( الجامع الصغير 7575)) ، وصححه الألباني في (( تخريج أحاديث مشكاة المصابيح /5670)) ، وفي (( صحيح الجامع 5374)) .
[18] ) ((الفتاوى: 10/ 663))، ((الزهد والورع والعبادة: 1/ 96)) . لشيخ الإسلام ابن تيمية .
[19] ) (( مجموع الفتاوى / 8/ 330 )) . لشيخ الإسلام ابن تيمية .
[20] ) حديث الاستخارة أخرجه البخاري وغيره .
[21] ) صحيح ابن حبان : (ج 3/ص 167/حديث 885) وحسنه المحقق شعيب الأرناؤوط .

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
سند البيضاني
  • مقالات
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية