صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



تعقيباً على تقرير أيديولوجيا التكفير والإرهاب
التكفير حكم شرعي له ضوابطه وأبو بكر الصِّدِّيق براء من ذلك الوصف

خالد بن عبدالرحمن الشايع

 
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وبعد :
فقد كتب أحد محرري جريدة الرياض ( العدد 13375ـ 25/12/1425هـ ـ ملحق الإرهاب ) تقريراً كان مطلعه محل النقد والاستنكار الشديد ، نستغربه على المحرر ، وعلى الجريدة التي تصدر من قلب المملكة العربية السعودية ، حاملة لواء السنة وحامية الشريعة ، لما في مطلع التقرير من الاتهام والتهجم على أفضل الخلق بعد أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.

كان ذلك من المحرر حين اعتبر الخليفة الراشد أبا بكر الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ أول من أوجد ( أيديولوجيا التكفير ) وزعم المحرر أن حروب الردة هي أول واقعة تاريخية عبرت عن ميلاد ( فكرة التكفير في الإسلام ) وأنها ( أول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير ، ويقرن التعبير عن حكم التكفير بقتال الجهة التي يشملها الحكم إياه ) .

ومما ساءني وساء كل مسلم ومسلمة أن محرر جريدة الرياض نظم الصِّدِّيق أبا بكر رضي الله عنه في قائمة الغلو والإرهاب ، واعتبر جهاد أبي بكر والصحابة رضي الله عنهم للمرتدين من جملة أعمال الإرهاب التي يحمل عليها التكفير . إلى غير ذلك مما جاء في التقرير ، والذي يغلب على ظني أن المحرر قد استقى بعض معلوماته من مصادر غير أمينه ، إذ يبعد أن يكون معتقداً لهذه الإساءات في حق الصِّدِّيق رضي الله عنه .
ومهما يكن ، فإنَّ من الواجب على كل مسلم أن يستنكر هذه الإدعاءات ، وأن يُنَزِّه الصِّدِّيق عنها ، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم في صحيحه .

وموقفنا من تلك الادعاءات التي جاءت في التقرير أجمله في المسائل التالية :
الأولى : أن أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بمنزلة عالية كريمة ، بما يعتبر معها كل من نال منه أو رماه بسوء مسيئاً لنفسه ، وظالماً لها ، ومرتكساً في ضلال كبير وذنب عظيم ، ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه مقدم الأمة ، وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة فإنه ، كان صدِّيقاً تقياً كريماً جواداً ، بذَّالاً لأمواله في طاعة مولاه ، وصاحب فضل على المسلمين ، بما جعل الله له من الأسبقية في الإيمان ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد حاز الصِّدِّيق تزكية رب العباد في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وزكاه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، فماذا بعد الحق إلا الضلال .
قال الله تعالى : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) الآية ( التوبة : 40 ) .
وقد ذكر المفسر الفخر الرازي رحمه الله أن هذه الآية تدل على فضيلة أبي بكر من اثني عشر وجهاً ، ثم شرع في بيانها .
وقد أجمع المفسرون على أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هو المراد في قول الله تعالى : (وسيجنبها الأتقى . الذي يؤتي ماله يتزكى ) ( الليل : 17 و 18 ) .
وقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ، ثم عمر ثم عثمان ... إلخ.
زاد الطبراني في رواية : فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره .
وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة ، فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إنه ليس من الناس أحدٌ أَمَنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن خُلَّة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد ، غير خوخة أبي بكر " لفظ البخاري .
وروى أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال : " إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي " وأشار إلى أبي بكر وعمر . الحديث .
وثبت في المسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن علي رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال : " يا عليّ ، هذان سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين " .
وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال : صعد رسول الله أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم الجبل ، فضربه رسول الله برجله ، وقال : " اثبت ، فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيق وشهيدان " .
وثبت في المسند أن علياً قام على المنبر ، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف أبو بكر فعمل بعمله ، وسار بسيرته ، حتى قبضه الله على ذلك ، ثم استخلف عمر فعمل بعملهما ، وسار بسيرتهما ، حتى قبضه الله على ذلك ".
فهذا جانب من فضل الصِّدِّيق وثناء الله عليه ، وثناء رسوله ، وثناء خيار المؤمنين ، أوردته تشريفاً لهذا المقال ، وما تركته مما يبين فضله أضعاف هذا ، وهو معلوم لدى عامة أهل الإسلام ، فكيف تسمح نفس أي مسلم بعد هذا أن يأتي بمثل ما جاءت الإشارة إليه مما قاله المحرر.

المسألة الثانية : لقد كانت حروب الردة التي قادها ورفع لواءها الصِّدِّيق رضي الله عنه واحدةً من نعم الله على الأمة المحمدية ، والتي حفظ الله بها دين الإسلام من الاضمحلال ، ولذا كانت من أعظم محامد أبي بكر وأجل مناقبه .
وقد جاءت تزكية حروب الردة وتزكية من رفع لواءها وشارك فيها في قول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) الآية . ( المائدة : 54 ) .
قال الإمام أبو جعفر الطبري : قال بعضهم : هو أبو بكر الصِّدِّيق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ، حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه . اختار ذلك علي والحسن والضحاك وقتادة وابن جريج .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " منهاج السنة النبوية " : وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدةً برز بها على عمر وغيره ، حتى روي أن عمر قال له : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تألف الناس. فقال: علام أتألفهم ! أعلى حديث مفترى ؟ أم على شعر مفتعل ؟.انتهى .
وقد كان حكم أبي بكر بردة الذي منعوا الزكاة ، بعد أن كانوا يأدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي سبق لإصابته قبل غيره من الصحابة ، فكان مقدماً عليهم ، كما كان مقدماً في غيره من المواقف ، حتى رجعوا إلى قوله ، وأجمعوا على سداد رأيه وصحة فعله .
وفي مثل هذه المسألة يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله : واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئاً من الفرائض بشبهة ، فيطالب بالرجوع ، فإن نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة ، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ .

الثالثة : أن التقرير قد اشتمل على مغالطة كبرى تناقض ما جاءت به شرائع الأنبياء قاطبة من الحكم على كل من كفَّره الله بالكفر والضلال .
إن مما فات من حرر التقرير أن يعلم أن التكفير حكم شرعي ، لا ولن يستطيع أحدٌ إبطاله ما بقيت السموات والأرض ، أليس الله يقول : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ( المائدة : 73 ) ويقول : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) ( البينة : 6 ) ونحوها من الآيات .
وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من بدل دينه فاقتلوه" .
نعم قد وقع إخلال كبير في تطبيق هذا الحكم ، حتى أطلق على من ليس له بأهل ، وسبب ذلك أن الذين اجترءوا عليه هم غير العلماء ، ولذا فلا يجوز أن يتكلم فيه إلا هم ، ولا ريب أن أعلم الخلق بعد النبيين هو أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه ، بشهادة الصحابة رضي الله عنهم ، حتى قال أبو سعيد رضي الله عنه في بعض المناسبات : كان أبو بكر أعلمنا . متفق عليه .

الرابعة : أن التقرير قد اعتبر أبا بكر الصِّدِّيق قدوة المكفرين الباغين الظالمين ، حينما جعل جهاد أبي بكر والصحابة معه ضد المرتدين في رأس قائمة الإرهاب والأفكار الشاذة ، أفكار الخوارج وأصحاب العنف والتطرف ، وهذه الفرية مما يفرح به المبطلون من فئات الضلال ، ويكون التقرير الصحفي بذلك خادماً لمسلكهم المنحرف ، وأنى لهم ذلك ، فأبو بكر على هدى وسنة ، وأما هم فعلى ضلال وعدوان .

وأذكر أخيراً بما رواه البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله بعثني إليكم ، فقلتم : كذبتَ ، وقال أبو بكر : صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟! " مرتين ، فما أوذي بعدها .
فكيف يستسيغ أهل الإسلام مثل هذا التطاول على صديق الأمة ومقدمها ، اللهم عفواً وغفراً .

وبما تقدم يعلم أن المسائل الشرعية يجب أن تؤخذ من مصادر أمينة ، بعيدة عن الغلو وعن الجفاء ، وعن الإفراط والتفريط ، وهذه المصادر متوافرة بحمد الله لمن طلبها ، فهي منهج أئمة الدعوة في المملكة ، السائرين على درب السلف من الصحابة والتابعين ، اتباعاً لسنة سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام .
وفق الله الجميع لما فيه الخير ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


تحريراً في 1/1/1426هـ
[email protected]
 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
خالد الشايع
  • الدفاع والنصرة
  • مقالات دعوية
  • شئون المرأة
  • أخلاقيات الطب
  • بر الوالدين
  • ردود وتعقيبات
  • بصائر رمضانية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية