صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    انفلونزا الطيور والذنوب
    الجمعة 20/11/1428هـ

    فيصل بن عبدالرحمن الشدي

     
    بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله.. الحمد لله القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه ولا راد لأمره ، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ، وما لهم من دونه من وال ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، السماء سماؤه ، والأرض أرضه ، والكون كونه ، يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ،فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الله به الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، اللهم صل عليه ،وعلى آله ، وصحبه ، والتابعين ، وأتباع التابعين إلى يوم الدين ، وسلم تسليما كثيراً. أما بعد ..
    أيها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي العباد ويمتحنهم ليعلموا فقرهم إليه وحاجتهم إليه, وأنه لا غنى لهم عنه, رغم ما تقدموا فيه من العلم, ورغم ما تقدموا فيه من الطب, ورغم ما عندهم من المال, إلا أنه يبقى حائلا دون كشف الكربات والاضطرار, فلا يكشف الضر إلا الله, ولا يدفع البلاء إلا الله, ولا يشفي من المرض إلا الله. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وقال الله تعالى أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ.
    والعالم اليوم يمر بأزمة ومحنة في انتشار الأوبئة والأمراض والطواعين الفتاكة التي تفتك بالبشر ولم تكن على سالف عهدهم, بل وتفتك بالحيوانات كذلك التي يعتمد عليها البشر في طعامه وشرابه, فقد سمعنا بوباء جنون البقر الذي أحار العلماء في معالجته وأدى إلى إتلاف كثير من الحيوانات المصابة به, وأخيرا ما انتشر في بعض الدول مرض إنفلونزا الطيور الذي يصيب الطير فيقضي عليه, وقد ينتقل إلى الانسان فيؤدي إلى وفاته وموته,مرض إنفلونزا الطيور الذي ماكنا نسمع عنه إلا في وسائل الإعلام في بلاد بعيدة عنا ونتعجب كيف سلط الله هذا المرض على تلك المجتمعات وماأحدث فيهم وإذا بهذا المرض يسير تلك المسافات الشاسعة ليصل إلى مجتمعاتنا بل إلى محافظتنا إنها قدرة الله إنه أمر الله إنه إبتلاء الله ونسأل الحي القيوم ألاتكون عقوبة الله قال تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون }، قال ابن القيم رحمه الله: ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص، ما يجلب عليهم من الآلام، والأمراض، والأسقام، والطواعين، والقحوط، والجندوب، وسلب بركات الأرض، وثمراها، ونباتها، وسلب منافعها، أو نقصانها، أمورا متتابعة يتلوا بعضها بعضا، فإن لم يتسع علمك لهذا فأكتفي بقوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس }، ونزل هذه الآية على أحوال العالم وطابق بين الواقع وبينها وأنت ترى كيف تحدث من تلك الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان؟ وكيف يحدث من تلك الآفات آفات آخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض؟، وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل، في أغذيتهم، وفواكههم، وأهويتهم، ومياههم، وأبدانهم، وخلقهم، وصورهم، وأشكالهم، وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو موجب أعمالهم، وظلمهم، وفجورهم، ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم، ولقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية سرة حنطة أمثال نواة التمر حبة الحنطة الواحدة مكتوب عليها ( هذا كان ينبت أيام العدل ) يعني: أيام عمر بن عبد العزيز، وأكثر هذه الأمراض والكلام لا زال لأبن القيم رحمه الله، وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة، ثم بقيت بقية منها مرصده لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم، فبقيت من عذاب اللوطية لمن بقي على أعمالهم، وهكذا،، حكما قسطاً وقضاءاً عدلاً، وقد أشار النبي إلى هذا بقوله في الطاعون: " إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل "، وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام، ثم أبقى في العالم منها بقية مثل هذه الأعاصير بقية من تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة.
    عباد الله، كلامه رحمه الله في غاية الدقة والانطباق على هذا الزمن فجاءت الأمراض الجديدة وبقية الأمراض القديمة قد ظهرت مرة أخرى، فظهر من الأمراض المستجدة مما لم يكتشف له البشر علاجا كالإيدز وغير ذلك،، أنتشر السارس وأنتشر جنون البقر وبينما الناس يدوكون في هذه الأمراض فإذا بأنفلونزا الطيور تخرج عليهم ليقتل في الصين أكثر من مئة وخمسين، وينتشر بعد ذلك ليقال: هاهنا وهاهنا من أقطار الأرض، فهذه دول شرق آسيا، وإلى تركيا، ورومانيا، وإلى القارة الأوروبية، ثم إلى بعض دول الخليج، ثم إلى بلادنا ومجتمعاتنا ويقولون: هذا فيروس عجيب يقتل الطيور، ويبيدها إبادة عظيمة، وكذلك ينتقل إلى بعض من يلابسها ويخالطها، ثم يشكون في انتقاله بين البشر.
    عباد الله، إن في هذا المرض وغيره لعبرا، وعندما يرون هذه الفيروسات الدقيقة جداً كيف تنتشر؟ وكيف تصيب؟ وهي من جنود الله عزوجل فنحن نعلم أن هذا الفيروس لا يصيب بنفسه وإنما بقدر الله، وأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا عدوى" ، معناه: أن المرض لا يعدي بنفسه والفيروسات لا تعدي بنفسها إلا بقدر الله، فقدر الله إذا أمر، قدر الله إذا نزل، قدر الله إذا شاء سبحانه وتعالى حصل، فإذا لم يشأ لم يحصل وإذا لم يرد لم يقع شيء، ولكنها أولئك يعرضونها كأن هذه الفيروسات هي المسيطرة تفعل كما تشاء على ما تشاء بمن تشاء.
    عباد الله، كائنات دقيقة عجيبة تعجز البشر أليس في ذلك إرغاما لأنوف هؤلاء المغرورين علميا؟ الذين ظنوا أنه لم يبقى في الدنيا شيء إلا وقد اكتشفوه، أو اخترعوه، أو توصلوا إلى حل له، ولا يزال الله تعالى يظهر لهم من أنواع هذه العجائب في خلقه، وقدرته، ما يحير عقولهم ويذهب بألبابهم، ويطير قلوبهم، ويقول: { هذا خلقي فأروني ماذا خلقتم }، فيروس بنحو خمسة عشرة نوعاً، نوع واحد منه القاتل المرعب، عجب يغير تركيبه باستمرار، عجب يخترق جدار الخلية البشرية ويقوم بصنع نسخة من موريثاتها، وهذا يعني: أن الخلية لن تتعرف عليه باعتباره خطراً أو اختراقاً أجنبياً لها بل تظنه غذاءاً لها فتسمح له بالدخول والتكاثر فيها، يغير في شكله بما يتناسب مع خلايا الإنسان، وبالتالي لا يعرف حدوداً ولا توقفاً، جنود الله يسلطها على من يشاء سبحانه وتعالى لم يكتشفوا له علاجاً إلى الآن غير إهلاك الطيور المصابة به وإتلافها، ويقولون: أمصال وأمصال، ولا يزالون يبحثون كيف ينتقل؟ وهل ينتقل بين البشر أنفسهم؟
    هذا الذي جاءت الأخبار العالمية به يوما مضى والأخبار المحلية اليوم، إنما هو مثال واحد لقوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس } يتبع ذلك خسائر اقتصادية عالمية فإن إتلاف هذه الطيور كلفهم ملايين الملايين، ثم بعد ذلك تتوقف حركة الاقتصادية وتتباطأ ويمنعوا انتقال العمال وكذلك،، تتسبب القضية عن إجراءات احترازية كثيرة مكلفة، وبدأ المستثمرون في مراجعة حساباتهم، ويتوقع أن يكلف هذا المرض في حال انتشاره دول شرق آسيا مئات المليارات من الدولارات، فكيف سيكون على المستوى العالمي؟ حسبوها في حدود مائة مليار لهذه الدول في آسيا، وثلاثمائة مليار على مستوى العالم، ومزارع دواجن تتلف بأكملها، وكذلك فإن الإنسان المسلم يعلم بأن ظهور مثل هذه الأمراض أيضاً هو انطباق عملي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبر فيه أن الناس إذا ابتلوا بإظهار المعصية من الفواحش عقبوا بمثل هذه الأمراض، قال عليه الصلاة والسلام: " خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها "، وقد جرى إعلان الفاحشة في المجلات، والجرائد الجنسية، والقنوات العارية، قنوات الفاحشة، ومواقع إنترنت العالمية في الشبكة، " لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا"،
    أيها المسلمون،إن ربكم تعالى بالقران ذكركم وبالمثال أنذركم (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) والقرآنُ الكريم، حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاء، مآلَ تلكَ القريةِ، الظالمِ أهلُها، ويقررُ أنَّ ما أصابهَم، هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم، من التمردِ والجحود، ونكران الجميل، حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كلَّه، فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين، ويخاطبُ غيَرنا، حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ، الذي وقعوا فيه، فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذي آلوا إليه.
    ياعباد الله إن ربكم يغضب أن تقترف معاصيه إن ربكم يغضب أن يعتدى على حدوده إن ربكم يغار على محارمه عبادالله أوماظنكم أن الشرك بالله سحر وكهانة وشعوذة وتنجيم لاتغضب الله ،أوما ظنكم أن البيوت التي لايعرف رجالها للمسجدطريقا ولاللصلاة سبيلا أنها لاتغضب الله أوما ظنكم أن رباالمرابين ورشاوى المرتشين أنها لاتغضب الله،أوما ظنكم أن دشوش الفساد التي تصب فوق رؤوس المسلمين الخناورقص العهر أنها لاتغضب الله ،أوما ظنكم أن ظلم العمال والنساء الضعيفات لايغضب الله،أوما ظنكم أن الإسراف والفخر والخيلاء لاتغضب الله،أوماظنكم هذه الذنوب التي يبارز الله بهالاتغضبه ،بل والله تغضبه ،بل وربي يغار لها ،بل وربي ينتقم الله لها، بل وربي يعاقب عليها.
    وإننا لنرى نذر الله أمام أعيننا خسران أموال ونفوق إبل غلاء أسعار وأمراض طيور إنها نذر للغافلين ،إنهاآيات تذكيرللاهين ،إنها مقدمات عقوبات ،رب العالمين يرسلها لعل القلوب تحياوتئوب،وإلى ربها تستغفر وتتوب.
    عبادالله إن أمتكم قدذاقت ألوناً من العقوباتِ المدمرةِ، التي يشيبُ من هولهِا الوالدان، ولولا أنَّ الذي سطَّرها في كتبهِم ونَقلَ لنا أخبارَها في مصنفاتِهم، هم أئمةُ الإسلامِ المحققون، كابن كثير والذهبي وابن الجوزي وغيرهِم، لظننا ذلك ضرباً من الخيالِ والتهويل. فإليكم طرفاً، مما حدثَ لهذه الأمة، حينَ كفرتْ بأنعمِ الله، واستجابتْ لداعي الهوى والشيطان، لعلنا نتعظ ونعتبر، ونلجأ إلى ربنا، إذ لا ملجأ من الله إلا إليه.
    ذكر ابن الجوزي رحمه الله خبرَ الطاعون، الذي أصاب، مدينةَ البصرةَ في العراق قال: فمات في اليومِ الأول سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني، واحد وسبعون ألفاً، وفي الثالث ثلاثةٌ وسبعون ألفاً، وأصبح الناسُ في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس، قال أبو النُفيد، وكان قد أدركَ هذا الطاعون، قال: كنَّا نطوفُ بالقبائلِ وندفنُ الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنَّا ندخلُ الدار، وقد مات أهلُها، فنسدُ بابهَا عليهم.
    وفي أحداثِ سنةِ تسعٍ وأربعين وأربعمائة، من الهجرة، ذكر ابنُ كثيرٍ رحمه الله خبرَ الغلاءِ والجوعِ الذي أصابَ بغداد، حيث خلتْ أكثرُ الدور، وسُدَّت على أهلِها الأبواب، لموتِهم وفنائهم، وأكلَ الناسُ الجِيفَ والميتة، من قلةِ الطعام، ووجد مع امرأةٍ فخذُ كلبٍ قد أخضَّر، وشَوَى رجلٌ صبيةً فأكلَها، وسقطَ طائرٌ ميت، فاحتوشته خمسةُ أنفس، فاقتسموه وأكلوه.
    ووردَ كتابٌ من بخارى، أنَّه ماتَ في يومٍ واحد، ثمانيةَ عشرَ ألفَ إنسان، والناسُ يمرون في هذه البلاد، فلا يرون إلا أسواقاً فارغة، وطرقاتٍ خالية، وأبواباً مغلقة، وجاء الخبرُ من أذربيجان، أنَّه لم يسلمْ من تلك البلاد، إلا العددُ اليسير جداً، ووقع وباءٌ بالأهوازِ وما حولها، حتى أطبق على البلاد، وكان أكثرُ سببِ ذلك الجوع، فكان الناسُ يشوونَ الكلاب، ويَنبشونَ القبور، ويشوونَ الموتى ويأكلونهم، وليس للناسِ شغلٌ في الليل والنهار، إلا غسلُ الأمواتِ ودفنُهم، وكان يدفنُ في القبرِ الواحد، العشرونَ والثلاثون.
    وذكرَ ابنُ كثيرٍ رحمه الله في أحداثِ سنةِ اثنتين وستين وأربعمائةٍ من الهجرة، ما أصابَ بلادَ مصر، من الغلاءِ الشديد، والجوعِ العظيم، حتى أكلوا الجيفَ والميتةَ والكلاب، فكان الكلبُ يباع بخمسةِ دنانير، وماتت الفيلة، فأكلتْ ميتاتُها، وظُهِرَ على رجلٍ يقتلُ الصبيانَ والنساء، ويدفنُ رؤوسَهم وأطرافَهم، ويبيعُ لحومَهم، فقُتلَ وأُكلَ لحمُه، وكانت الأعراب، يقَدَمون بالطعام، يبيعونَه في ظاهرِ البلد، لا يتجاسرون على الدخول، لئلا يُخطفَ ويُنهبَ منهم، وكان لا يجسُر أحدٌ أن يدفنَ ميتَه نهاراً، وإنما يدفنُه ليلاً خُفيةً، لئلا يُنبشَ قبُره فيؤكل.
    وفي طاعون عمواس المشهور عام 18هـ الذي انتشر بالشام قال ابن كثير: "فني خلق كثير من الناس حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك. وذكروا أن الحارث بن هشام خرج إلى الشام في سبعين من أهله فلم يرجع منهم إلا أربعة".
    وفي أحداث سنة 324هـ يقول ابن كثير: "وفيها وقع ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير بحيث عدم الخبز فيها خمسة أيام، ومات من أهلها خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطريق ليس لهم من يقومون بهم، ويُحمل على الجنازة الواحدة الرجلان من الموتى، وربما يوضع بينهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة، ومات من أهل أصبهان نحو من مائتي ألف إنسان".
    وفي أحداث سنة 597هـ يقول ابن كثير: "فيها اشتد الغلاء بأرض مصر فهلك خلق كثير جداً من الفقراء والأغنياء، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحواً من مائتي ألف وعشرين ألف ميت، وأُكلت الكلاب والميتات فيها بمصر، وأُكل من الصغار والأطفال خلق كثير،.. وكثر هذا في الناس جداً حتى صار لا ينكر بينهم، فلما فرغت الأطفال والميتات غلب القوي الضعيف فذبحه وأكله".
    أيها المسلمون، ووالله الذي لا إله إلا هو لولا نقلة هذه الأخبار من علماء الأمة الموثوقين والمحققين كابن كثير وغيره، لكان يصعب تصديقها.
    عباد الله، إن هذه العقوباتِ المهلكة والكوارثَ المفجعة، ليست ضرباً من الخيال، وليس فيها شيء من التهويلِ والمبالغة، فالله يقول: وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ لكن الذي نشأ من أمثالنا، منذُ نعومةِ أظفاره، في بحبوحةٍ من العيش، لم يذقْ مرارةَ الجوع، طرفةَ عين، حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب، لكنْ سلوا الآباء والأجداد، الذين اصطلوا بشيء من نارِ الجوع، ولهيبِ الظمأ، دهراً طويلاً، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطرق، وعصاباتِ السطو، في وضحِ النهار، يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
    أيها الأحبة، إن ما سمعتم من قصص قد حصلت لمسلمين، إنها ليست أخبار مجتمعات كافرة، بل وكانوا في تمسكهم بدينهم أحسن منّا حالاً، ومجتمعاتهم كانت أنظف من مجتمعاتنا بكثير، ومع ذلك عاقب الله هذه الأمة بمثل ما سمعتم، وليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، والسنة ماضية على الجميع وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً قال الله تعالى: ذٰلِكَ يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ والله عز وجل يقول: فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ فلا بد من الضراعة إلى الله بالدعاء والعمل، أمَّا الدعاء فالجميع يبادر إليه خوفاً وهلعاً، وأما العمل، فلا يقدر عليه إلا الصادقون المخلصون، العمل على ترك ما أوجب العقوبة، من فواحش ومنكرات ومبارزة للجبار بالمعاصي والموبقات و إهمال شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
    عباد الله،إن هذه الأمراض والبلايا لتذكرنا بعدم الركون إلى الحياة الدنيا، { إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}، تذكرنا بقصر الأمل.
    قال داوود الطائي: لو أملت أن أعيش شهراً لرأيتني قد أتيت عظيماً، وكيف أمل ذلك وأرى الفجائع تخشى الخلق في ساعات الليل والنهار.
    وكان أويس القرني إذا قيل له كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل أمس ظن أنه لا يصبح وإن أصبح ظن أنه لا يمسي فمبشر بالجنة أو بالنار، ولذلك جاء عن ابن عمر رضي الله عنه: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك أستعد بهذا لهذا. عباد الله، هلك قوم أكثروا الآمال، وجمعوا الأموال، ولم تغني عنهم أموالهم عندما نزل بهم الموت، { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم }، لم تأخذوا منه شيئا.
    يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
    أما ترينا المنايا كيـف تلقطـنا لقطـا وتلحـق أخـرانا بـأولانـا
    في كل يـوم لنا ميـت نشيعـه ننسـى بمصـرعه آثـار مـوتانا
    يا نفس مالـي وللأموال أكنزها خلفي وأخرج من دنيايا خسـرانـا

    الخطبة الثانية

    عباد الله، من الأمور المهم التذكير بها في هذا البلاء عدم جواز إرعاب المسلمين، والنشر بالجوال الرسائل التي تؤدي إلى إثارة مشاعر الخوف والفزع، والحذر الحذر من الشائعات التي تطلق وتروج بطريقة وصياغة مفزعة مما نهى الله ورسوله عنه لأن إرعاب المسلمين غير جائز، وقد قال تعالى في المنافقين:{ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } مما يوجب أحدهما { أذاعوا به }، أفشوه وأعلنوه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا }، وقال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ".
    وإنه وبحمدالله قدأخذت التابير الواقية من هذا المرض وقدبذلت الجهات المعنية جهدها في ذلك وبحسب البيان الرسمي الصادر من وزارة الصحةأنه لم تسجل ولله الحمدأي إصابات بشرية حتى الآن وأن جميع العاملين المخالطين للطيور كانت نتائج فحوصاتهم خالية من هذا المرض،
    وإن الرجوع إلى كلام الأطباء في هذا المرض يفيد هذا المرض أنفلونزا الطيور الذي يقولونه في حالاته تشابه مع الأنفلونزا العادية من ارتفاع درجة الحرارة، والخمول، والآلام، والالتهاب التنفسي المفضي للهلاك ولينتبه أن وجود هذه الأعراض لاييعني وجود هذا المرض لأنه قدتكون أنفلونزا عادية لاسيما هذه الأيام وفي بدء فصل الشتاء .
    ويفيد أهل الطب بأن الفيروس لا يبقى حياً بعد درجة سبعين مئوية فإذا غلي هذا الدجاج فالمفترض أن الفيروسات الموجودة فيه إن كانت أن تموت، فهذا الحل الذي ذكروه في هذه القضية، وأن الذين ينتقل إليهم ممن ثبت طبياً حتى الآن هم من يلامسون الطيور ممن يطعمها، ويخالطها، ويحمل بيضها، ويذبحها هو، أو أنه يغلفها،ويعبأها، يمسها بأي طريقة من الطرق، ويخالطها، ويكون قريباً منها، وليس هناك إثبات طبي في انتقاله بين البشر،وتنصح وزارة الصحة بعدم صيدالطيور البرية والمائية وعدم لمس الميت منها لكونها مصدر لإنتقال العدوى.
    عباد الله، إننا نتذكر في هذا الأمر أيضاً تلك الإجراءات الصحية العظيمة التي جاءت في ديننا لحفظ الصحة.فلقد جاءت الشريعة بكل ما يصلح حال المسلم { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }، وهكذا أمرت بالطهارة وأوجبتها، وكان هذا الغسل وهذا الوضوء الذي نكرره باستمرار من أعظم أسباب الوقاية من الأمراض، والغاسل لهذه الجراثيم والمذهب لهذه المخلوقات الضارة على سطوح الأجساد وبشرة العباد، وهكذا يكون التخلص من النجاسات من عوامل الوقاية أيضاً،،
    ورأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس غطى وجهه بيديه أو بثوبه.
    ورأينا الحرص على السواك والتأكيد عليه وعلى المضمضة والاستنشاق وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما.ورأينا خلل الأصابع يديك ورجليك.ورأينا غسل البراجم والأساجع وعقد الأصابع وكل التجاويف الموجودة.
    ورأينا كذلك من سائر التوجيهات الشرعية والآداب المرعية في الشريعة المحمدية ما يحفظ على الناس أجسادهم وصحتهم.

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    فيصل الشدي
  • مقالات ورسائل
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية