اطبع هذه الصفحة


مقالة تعريـــفية
بمنظومـة موقظة الوسنان في علم الفرائـض

سليمان بن ناصر العبودي
@S_Alobodi‏

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد/
فإن عِلم الفرائض من أجلِّ علوم الشريعة، ومن أعظم أبواب الفقه أثَرا في الناس، إذ يحتاج هذا العِلْمَ كلُّ أحدٍ يَدْرجُ على الأرض ما دامَ يجري في الناس نهر الموت والفَناء، ومِن أخصِّ الدلائل على فَضل العلمِ بالفرائض أن الله سبحانه وتعالى تولى قسمتها بنفسه في محكم كتابه، مستفتِحا آيات المواريث بوصية الوالدين بالأولاد {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } [سورة النساء:11]. فكان هذا الاستفتاح المدهش مُوحيا أن الله تعالى أرحم بالولد وأقرب إليه من والديه.

ثم تجلَّتْ في أثناء الآيات قسمةٌ إلهيةٌ عادلةٌ في غاية البَيَان، ولعلَّ من حِكَم اختصاص هذا العلم الشريف بهذا الاختصاص القرآني دون غيره من أبواب الفقه؛ أنَّ الشارع أراد تقليلَ أسباب النزاعات في الأموال، وذلك لما فطرت عليه النفوس من حب المال حُبًّا جَمًّا، قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } [سورة الفجر:20]. فكانت عامَّةُ أحكامِ الفرائض وجملةُ أصناف الوارثين من الجنسين وأصحاب الفروض والعصبات مِنْ مَعاقِدِ الإجماعِ بين الفقهاء، وأما مسائل الخلاف الفرضية (فإن الذي يفتي الناس في الفرائض، قد يقسم ألف فريضة منصوصة في القرآن مجمعا عليها حتى تنزل به واحدة مختلف فيها)[1]، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة.
 
الفرائض نصف العلم:

رُوِيَ في الحديث المرفوع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وَعَلِّموها، فإنه نِصْفُ العِلم، وهو يُنْسى، وهو أول شيء يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتي)[2]، وعلى ما في إسنادِ هذا الحديث من ضعفٍ مشهورٍ إلا أن بعضَ العلماء وجَّهوا معناه:
فأما كون الفرائض: "نصفَ العلم" فأشهر ما قيل فيه: إن للناس حالَين: حال حياة، وحال وفاة، وعلم الفرائض يتعلق بالثاني، وبقية العلوم تتعلق بالأول، وقيل غير ذلك.[3]
 
إشكالية نسيان الفرائض:

وأما كونه: (أول شيء يُنزع من أمتي) فلعلَّ أقربَ ما يقال فيها هو أن هذه الجملة هي نتيجة للجملة التي قبلها في الحديث، وهي قوله: (وهو يُنْسى)، فَنَزْعُ هذا العلم لكونه بطبيعته مُعَرَّض بصورة لافتة لهبوب عواصف النسيان في الأذهان، فالملاحظ أن فنَّ الفرائض كثيرا ما تضمحلُّ تفاصيله، وتتلاشى قواعده، وتندرسُ ضوابِطُه مع قِلَّة المراجعة وطولِ العَهْد أكثر من غيره من العلوم، ومن توغّل في عِلْمِ الفرائض ثم أشْكَلَتْ عليه مسألةٌ من دقائِقِهِ، فإنه لا يكاد يجد من يباحثه فيها لقلَّة من يَضْبِطُه حتى من المشتغلين بالفقه، لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (علم الفرائض من علم الخاصَّة، حتى إنَّ كثيرا من الفقهاء لا يعرفه)[4]، وقال العلامة عبدالله الشَّنشوري في تفسير ظاهرة النسيان المتعلقة بعلم الفرائض على وجه الخصوص: (لما كان علم الفرائض من يشتغل به قليل؛ لتوقفه على علم الحساب، وتشعب مسائله، وارتباط بعضها ببعض.. كان عُرضةً للنسيان)[5].
 
ومن أعظمِ ما يُعِينُ على دوامِ ضَبْطِ هذا الفَنِّ ثلاثة أمور:

الأول: ربطُ المسائلِ الفَرَضية بنصوصِها الشرعية، فإن كثيرا من دارسي هذا الفن يدرسونه مجرَّدًا معزولا عن التفقّه في الأدلَّة لا سيما آياتِ الفرائض في سورة النساء، وقد روي عن الإمامِ مالك بن أنس قولَه: (كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علمٍ بها من القرآن ما أسرع ما ينساها). قال مالك: (وصدق)[6].
الثاني: كثرة التطبيقات على المسائل الفرضية في شتى الأبواب، وهذا مهمٌّ للغاية.
الثالث: حِفْظُ مَتْنٍ عِلْمِيٍ فيه، وإن كان نظمًا فهو أجودُ وأعونُ على الاستِحْضار، قال شمس الدين الفارضي في المنظومة الفارضية:
 

وبعدُ فالنظمُ تميلُ النفسُ لَهْ --- يَسْتَحْضِرُ الحافظُ مِنْهُ المسألهْ

 
التصنيفُ الفَرَضِي:

التصنيف في هذا الفن الشريف جاء إِمَّا ضِمْنًا في كتب الفقه، وإما استقلالا في تصانيفَ خالصةٍ لهذا العلم، ومن جملة التَّصنيفِ الاستقلالي الذي درج عليه العلماء إنشاءُ المنظوماتِ الفَرَضِيَّة، فعلى مدى قرون تتابعَ النَّظْمُ الفَرَضِي في شتى المذاهب الفقهيَّة، ما بين منظومات موسَّعة كمنظومة عمدةِ كل فارض للشيخ صالح بن حسن البهوتي (1121هـ) والتي بَلَغَتْ ألفا ومئة وخمسين بيتا، ومنظوماتٍ مختصرة نحو منظومة القلائد البرهانية للشيخ محمد بن حجازي البرهاني الحلبي (1205ه) والتي بلغت مئة واثني عشر بيتا.
 
منظومة موقظة الوسنان:

وَقد يَسَّر الله تعالى أن يدلي فضيلة الشيخ الدكتور بدر بن ناصر العواد بدلوه في هذا المضمار، فيرصُفَ منظومةً فَرَضِيَّةً مُتْقَنةً تُعَدُّ مِن عيونِ المنظومات العلميَّة، وسمَّاها (مُوقِظة الوَسْنان).
 
وهذه أبرز مزاياها ومنهجها في عدة نقاط:

1. وفاؤها بعامَّةِ المسائلِ وجُملةِ الأبواب، مع العناية بذكر الشروط والأحكام وأركان المسائل دون ابتسار، وهذه مزيَّة غائبة عن كثيرٍ من المنظومات، فكثيرٌ مِـمَّنْ نَظَمَ في علمِ الفرائض تُلْجِئه طبيعةُ النَّظمُ إلجاءً إلى التَّقصير البالغ في استيفاءِ ذكرِ شروطِ الوارثين مثلا، فلا يَسْتَغْني حافظُ ذلك النظمِ أو دارسُه به عن سواه.

2.
كثافة معانيها، فربما ذَكَرَ الناظمُ في بَيْتٍ وَاحِد ثلاثةَ شروط، ومن أمثلة ذلك شروط إرث بنت الابن للنصف، فترثه بشرطِ عدمِ الفرعِ الوارثِ الأعلى منها، وشرطِ عدم العاصب لها، وشرطِ عدم المشاركة لها، قال الناظم جامعا هذه الشروط الثلاثة:

وفرضُ بنتِ الِابنِ إن لم يَعْلُها --- فرعٌ وغابَ عاصبٌ ومثلُها
 

ومن الأمثلة على ذلك أن أصولَ أصحاب الفروض سبعة، وزاد بعضهم فجعلها تسعة، فعلى القول الأول هي: 2 ، 3 ، 4 ، 6 ، 8 ، 12 ، 24 .
وجمع الناظم هذه الأرقام ببيتٍ واحد بقوله:
 

فاثنان مع ثلاثة إن ضوعفا --- كلٌ بمثلِ أصلِهِ فقد وفا
 

معنى البيت أنك إذا أردت معرفة الأصول، فضاعف الاثنين مرتين، وضاعف الثلاثة ثلاث مرات، وتخرج لك الأصول السبعة.

3. العناية بذكر التعريفات الاصطلاحية، فقد عني الناظم بإيراد عدد من التَّعريفاتِ في نظمِه، وهذا في غاية الأهمية فيما أحْسِب، ومن أمثلة ذلك:
التعصيب عند الفرضيين: الإرث بلا تقدير. قال الناظم:
 

قد عُرِّفَ التعصيبُ بالتحرير --- بأنه: الإرثُ بلا تقديرِ
 

والمفقود عند الفرضيين: ما فُقِدَ ولم تُعلم له حياةٌ ولا موتٌ. قال الناظم :
 

وعرفوا المفقودَ بالذي اختفى --- وما استبانَ هل نجا أم تَلِفَا
 

والمناسخاتُ عند الفرضيِّين: هي أن يموت مورِّث، وقبل قسمة التركة يموتُ أحد الوَرَثَة. قال الناظمُ :
 

وهي هلاك وارثٍ أو أعلى --- ولم يُقسَّمْ إرثُ ميتٍ قبلا


4. قوةُ سَبْكِها وحلاوةُ نَظْمها وَطلاوةُ ألفاظِها، مع سلامتها من الهفَوات اللغوية والعيوبِ العروضية، وهي على بحر الرَّجَز.

5. خلوُّها في الجملةِ من عيب "الحشو" الذي يشيع في كثيرٍ من المنظوماتِ العلمية، فلا تكاد تجد في "موقظة الوسنان" أشطُرا تُسْتدعى لِتَشْيِيْدِ بُنْيان الأبيات وترميمِ أركانها، مِنْ نَحوِ مَا وَرَدَ عِنْدَ العلامة الرَّحْبي –رحمه الله- كـ"فلا تَكُن عن العلوم قاعدا"، و"فافهم مقالي فهمَ صافي الذِّهْنِ"، و"قضى به الأحرار والعبيد"، و"فكن لما أذكره سميعا"، و"حكما بعدل ظاهر الإرشاد"، و"فافهم فليس الشك كاليقين"، و"فاحفظ فكل حافظ إمام"، و"فاقنع بإيضاحي عن استفهامِ"، و"ولا تكن عن حفظها بِذَاهِلِ"، و"فاحفظ ودع عنك الجدال والـمِرا" ونحو ذلك، فكل هذه الأشْطُر مع لَطافةِ معناها ورِقَّة حاشِيَتِها ليس لها تعلُّقٌ بِفَنِّ الفَرائِض، لذا قال شمس الدِّينِ الفارضي عن منظومَتِهِ الفارضيَّة التي عارض بها الرحبية:
 

وجيزةً والحَشوُ فيها يندرُ --- فاحفظْ وحَشْوُ الرحبي سُكَّرُ
 

6. ذكر الناظمُ فيها أبوابًا أغفلها أو أغفل بَعْضَها بَعْضُ مَنْ نظَمَ في هذا الفن، كباب (الحقوق المتعلقة بالتركة)، وباب (أركان الإرث)، وباب (أسباب الإرث) وباب (شروط الإرث)، وباب (أحكام الرد) وباب (ميراث ذوي الأرحام) وباب (قسمة التركات)، وقد يكون هناك سبب علمي لإغفال بعض هذه الأبواب، فالرحبي لم يذكر باب الرد وباب ذوي الأرحام لكونه شافعيا، والشافعية في أصل مذهبهم لا يرون الردّ ولا توريث ذوي الأرحام[7].

7. مع توخي الناظم استيفاء عامة المسائل المهمة في هذا الفن الشريف، إلا أنه اشترط على نفسه ترك الإسهاب فيما يمكن الاستغناء عن ذكره فقال:
 

وَهَذِهِ مَنْظُومَةٌ مختصرهْ --- على المهِمَّاتِ فَقط مُقْتَصِرهْ
 

وقد وفَّى الناظم بِشَرطِهِ هذا، فلم يذكر بعض التفاصيل التي تثقل كاهل الدارس دون وجودِ ما يترتب على معرفتها من جوانبَ عملية، فعلى سبيل المثال من عادة الفرضيين تَلْقِيْبُ بَعْضِ المسائل في الفرائض، وذلك إما لغرابتها، أو لشهرتها، أو لخروجها عن قواعد الباب، فلم يتطرَّق الناظم للمسائل الملقَّبات في الفرائض باستثناء خمسة مسائل: العمريَّتان، والمشتركة، والأكدرية، والمعادَّة، وذلك لكون عامةُ الملقَّبات -غير هذه المسائل الخمس- جاريةً على أصولِ القسمة ومنتظمةً على قواعدِ الباب، فَمَنْ ضَبَطَ قواعد ذلك الباب الذي وردت فيه أصابَ في قِسْمَتِها ولو لم يعرف لقبَها وقصَّتَها، وذلك نحو الدّيناريةِ الصغرى، والدّيناريةِ الكبرى، وأمِّ الفروج، والأخِ المبارك، والأخِ المشؤوم، والمنبريةِ، والمأمونية، وهذه المسائل الملقَّبة التي لا ينبني عليها عَمَلٌ تعتبر قليلة بالنسبة للمسائل والأبواب المهمة التي أوردها الناظم، لذلك قال في الخاتمة عن منظومَتِهِ :
 

وانتهت الموقظةُ المنَظَّمهْ --- حَوَتْ من الفنِّ الشريفِ مُعْظَمَهْ
 

8. المنظومة جاريةٌ على ما استقر عليه مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، قال الناظم فيها :
 

سميتها موقِظة الوسنان --- لمذهب ابن حنبل الشيبانيْ


مسالك ذِكْر الخلاف في "موقظة الوسنان":

لا يشيرُ الناظمُ للخلافِ إلا في القليل النادر، ومسالكُ ذِكْرِه للخلاف على ثلاثةِ ضُروب:

الأول: الإشارةُ الصَّريحة لِقولِ مذهبٍ من المذاهب، مع التَّصريح باسمِ ذلك المذهب، وليس لهذا الضَّرب في المنظومة إلا موضعٌ واحد، وهو قوله في باب الغرقى: "وقد أبى مذهبَنا الثلاثة".

الثاني: الإشارةُ الصَّريحة لقولِ مذهبٍ من المذاهب دون التَّصريح باسم المذهب، وليس لهذا الضرب في المنظومة إلا موضعٌ واحد، وهو قوله في باب العصبة بالنفس: "وغيرُنا إمَّا علا أو نزلا".

الثالث: الإشارةُ الضِّمنيَّة لوجودِ خِلافٍ في بعضِ المسائل دون تَصْريحٍ، ولهذا الضَّرب أمثلةٌ عدَّة في المنظومة، منها قوله في باب أسباب الإرث: "وليس للإرث لدينا من سبب.."، وقولُه في باب أنواع الإرث: "وثلث الباقي لدى الجمهور.."، وقولُهُ في باب الثلث: "هما بالاتفاق أم وأب مع أحد الزوجين والمنتخبُ.."، وقولُه في بابِ أَحكامِ الجدَّات: "أم أب الأب وأم من دنا، وأم أم وارثات عندنا"، وقولُه في باب الجدِّ والإخوة: "فَعموم الصفوه، من الجماهير على التشريك.."، وقوله في باب ذوي الأرحام: "وأعط أنثاهم كما تعطي الذكر، إذا تساويا معًا فيما اشتهر".
 
شرحُ موقظةِ الوَسْنان:

هذا وقد تلقَّى هذه المنظومةَ -بفضل الله- طلبةُ العلمِ بالقَبولِ والحفْظِ والتداول، واعتُمِدَت في بعض البرامجِ العلميَّة على مَدى سنوات، ولكنها تَفْتَقِر لشَرْحٍ وافٍ مكتوبٍ يُبَيِّن مجملَها، ويَبْسُط موجزَها، ويُوردُ أدلَّتَها، إذْ إن بعضَ الطلاب لا يحفِل بنظمٍ أو متنٍ لم تجرِ عليه سَنابِك الشَّارحين، ولم توطِّئ أكْنافَه أنامِلُ الموضِحين، وقد يسَّر الله تعالى لي شرحَ هذه المنظومة في دروس عِلْميَّة لبعضِ الطَّلَبة قبلَ سنوات، ثم إني آثرتُ كتابةَ شرحٍ عليها، فـ(ـغاية المعرفةِ واستقرار العلم: إذا صار مكتوبا)[8]، فعدتُّ إلى المنظومة بالتحرير والتدقيق وضربِ الأمثلةِ وجمعِ الأدلة، فكتبت لها شرحا سميتُه "البيان عن معاني موقظة الوسنان"، وسيطبع قريبا بإذن الله، جعله الله بيانا شافيًا خالصًا، وكتبَ له القَبول.
وأردت بهذه المقالة المقتضَبة لَفْتَ الانتباهِ إلى هذهِ المنظومة لا سيما لدارسي الفرائض على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأسأل الله تعالى أن يبارك فيها وأن يجعلها من العلمِ الباقي الذي ينفعُ الناسَ ويمكثُ في الأرض.
 

سليمان بن ناصر العبودي
الثلاثاء 15/ 1/ 1440هـ

---------------------------------------
[1] الاستقامة، لابن تيمية (1: 57).
[2] أخرجه ابن ماجه (908).
[3] انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (402).
[4] الاستقامة، لابن تيمية (1: 58).
[5] الفوائد الشنشورية (22).
[6] انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5: 56).
[7] انظر: شرح الرحبية في علم الفرائض، للمارديني (33).
[8] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (16: 62).


 

سليمان العبودي
  • المقالات
  • شعر
  • خواطر
  • الصفحة الرئيسية