صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    أسباب النصر والتمكين للمسلمين

    د. يوسف بن عبدالله الأحمد

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فالسبب الشرعي الأساس لتحقيق النصر الذي وعد الله تعالى به عباده واضح كالشمس وهو تحقيق "نصر الله" فإن نَصَرْنَا اللهَ تعالى نَصَرَنَا اللهُ وثَبَّتنا ومَكَّننا واستخلفنا في الأرض. فإن لم يتحقق للمسلمين النصر والتمكين فهو بسبب الذنوب والنقص في القيام بنصر الله تعالى.
    ونصرُ الله تعالى يتحقق بإقامة دينه وتحكيم شرعه، قال الله تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ" (محمد8).
    وقال تعالى :"وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" (الحج41).
    وقال تعالى :"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (النور56).
    وقال تعالى :"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم47).
    وقال تعالى :"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الروم107).

    وهناك أسباب تفصيلية للنصر، وهي داخلة في عموم نصر العباد لله تعالى:

    ومن أهم هذه الأسباب التفصيلية للنصر وهو في الوقت نفسه أهم شرط لصحة الجهاد:

    أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله، وأن يكون الدين كله لله.
    وهذا الشرط مطلوب في الراية التي يقاتل تحتها، ومطلوب أيضاً في نية المقاتلين.
    قال الله تعالى :"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الأنفال39).
    وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال :"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، (وفي رواية في الصحيحين أيضاً: يُقَاتِلُ غَضَبًا) فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
    أما إذا كانت راية القتال أو نية المقاتل لأجل الوطنية أو القومية أو الديمقراطية أو من أجل الحرية فهو من القتال في سبيل الطاغوت، وكل من قاتل في سبيل الطاغوت فوَلِيُّه الشيطان، ومن كان وليه الشيطان فقد خاب وخسر، وكيد الشيطان ضعيف. قال الله تعالى :"الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" (النساء76).
    والواجب أيضاً في الراية ونية المقاتل: أن يكون الدين كله لله؛ أي أن يكون شرع الله تعالى حاكما على كل صغيرة وكبيرة، فيعم ذلك كل أنواع العبادة، وجميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والقضائية وغيرها.

    ولا يجوز إقامة بعضه وتعطيل أو تبديل بعضه؛ فلا تقام الصلاة وتترك الزكاة، أو يقام القصاص وتعطل الحدود، أو تُحَكَّم الشريعة فيما يسمى بالأحوال الشخصية؛ أي الزواج والطلاق والحضانة ونحوها، وتعطل في باب السياسة، أو يجمع بين الحكم بما أنزل الله وبغير ما أنزل الله في الباب الواحد؛ كالإعلام، والاقتصاد، والصحة، والقضاء، فيأخذون من الإسلام ما وافق أهواءهم، أو فيما ترتضيه الأمم المتحدة وينبذون ما عداه، فالدولة بهذه الصورة دولة عَلمانية، وليست إسلامية، ولو قالت في دستورها: إن دين الدولة هو الإسلام؛ لأن مرادهم به هو الإسلام وفق العقيدة العلمانية؛ أي الشعائر التعبدية وما وافق أهواءهم من أحكام الشريعة ورد ما يخالف أهواءهم.
    والحق الذي أمر الله تعالى به: أن يكون الدين كله لله، ولا يجوز أن يكون بعضه لله وبعضه للبشر. قال الله تعالى :"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" (البقرة86).

    المقصود الشرعي الثاني للجهاد:

    هناك مقصد شرعي آخر للجهاد وهو تابع لإعلاء كلمة الله، وهو: الدفاع عن دار الإسلام، وعن دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم. قال الله تعالى :"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (الحج39). وقال تعالى :"وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا" (النساء75).

    وهنا تنبيه مهم: هل يجوز قتال الدفع تحت راية عميَّة؟ (عميَّة: بكسر العين أو ضمها وجهان صحيحان).
    توهم بعض الناس جواز القتال تحت الراية العميَّة إذا كان الجهاد جهاد دفع، وهذا قول باطل، وفهم فاسد لكلام أهل العلم في مشروعية قتال الدفع بلا شرط ولا إذن، ومقصودهم أنه إذا دهم العدو بلاد المسلمين فإن المسلم يقاتلهم ولا ينتظر انتظامه في كتيبة، أو استئذان والديه، أو استئذان الغريم، أو استنفار أمير المسلمين.

    قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (5/539) :"وَإِذَا دَخَلَ الْعَدُوُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إذْ بِلَادُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ إلَيْهِ بِلَا إذْنِ وَالِدٍ وَلَا غَرِيمٍ، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ صَرِيحَةٌ بِهَذَا"اهـ.
    لكن إذا قامت رايةٌ لقتالهم وكانت رايةً جاهلية فإنه لا يجوز القتال تحت راية جاهلية؛ لأن القتال تحت الراية الجاهلية قد ثبت النهي عنه، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"..وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ.."أخرجه مسلم.

    ومن صور الخلل أيضاً في هذا الباب أن بعضهم يقول:
    نحن لا نقاتل إلا قتال دفع فقط، بغض النظر عن القتال لإعلاء كلمة الله، هدفنا دحر المعتدي وتحرير الأرض.
    ووجه الخلل هنا أن مسألة الحكم بالشرع مرتبطة بمسألة قتال الدفع الذي يهدف إلى طرد المحتل الصائل، فما حررناه منهم من بلاد المسلمين فهل سنحكم فيه بالشرع، أو بالطاغوت؟ هما خياران لا ثالث لهما، أما من قال: هناك خيار ثالث وهو أن نجعل المرجع في الحكم إلى الشعب، هو الذي يقرر ماذا يريد. فالحقيقة أن هذا الخيار يعود إلى الحكم بالطاغوت؛ لأن الحكم فيه للشعب وليس لله.

    وبعضهم يميل هواه إلى حكم الطاغوت الذي يرتضيه الغرب "الديمقراطية" لكنه لا يجرؤ على التصريح بذلك، فتكون إجابته غامضة، أو مبهمة، أو يتهرب بقوله هذا الموضوع لم ندرسه بعد ونحو ذلك..الخ.
    أما صاحب الحق فإن مقصد القتال ورايته لابد أن يكونا لديه واضحين حتى لا تكون رايته عميَّة جاهلية، أو مقصده من الجهاد معنى جاهلي، فهو يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله كما ثبت في الوحيين.

    والخلاصة: أن يحذر المجاهد من القتال تحت أي راية لا تعلن بجلاء تام أن قتالها لإعلاء كلمة الله، بإقامة الدين وتحكيم الشريعة. والصواب أنه لا يجوز تفرق المسلمين على أحزاب أو كتائب مختلفة، بل الواجب أن لا يكون للمسلمين إلا إمام واحد يقيم الدين، ويُقاتل من ورائه، ويُتقى به، تحت رايته الصريحة في إعلاء كلمة الله.

    وقد بوب البخاري في صحيحه :"باب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ" ثم أخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ" متفق عليه واللفظ للبخاري.
    فالإمام جُنَّة أي وقاية يمنع العدو، ويمنع المسلمين من الفُرقة، ويمنع عدوانَ بعضهم على بعض، بخلاف ما لو كانوا على أمراء شتى كحال الأحزاب والكتاب المقاتلة اليوم، كل كتيبة لها أمير، لا يرجعون إلى إمام واحد، وهذه صورة من صور الفُرقة، لذلك لا تكاد تسلم كتيبة من الخلاف والنزاع بينها وبين الكتائب الأخرى أو بعضها، وقد يصل الخلاف بينهم إلى حد القتال كما هو الواقع المشاهد المحزن اليوم.
    فوجود الكتائب بدون إمام عام للمسلمين هي حالة استثنائية اضطرارية مؤقته يجب دفعها؛ لأن الواجب أن يكون للمسلمين إمام عدل واحد تبايعه وتجتمع عليه بالحق؛ فالأمة لا تجتمع وتتفق كلمتها في دفع العدو عنها، وفي دفع الفرقة والنزاع والقتال بينها إلا أن تجتمع على إمام.

    والمراد بالإمامة هنا هي الولاية الشرعية العامة، إذا توافرت شروطها الشرعية في الإمام الذي يحكم بما أنزل الله تعالى. وليس المراد رؤساء الأنظمة العلمانية التي تحارب الإسلام وتحارب كل من أراد إقامة الدين أو دعى إليه.
    قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (12/230) :"(الْإِمَامُ جُنَّةٌ) أَيْ كَالسِّتْرِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ. وَمَعْنَى (يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) أَيْ يُقَاتَلُ مَعَهُ الْكُفَّارُ وَالْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ مُطْلَقًا"اهـ.

    ومن أسباب النصر:
    اجتماع كلمة المجاهدين على الحق، لا يجمعهم إلا الإسلام، ولا تفرقهم المسميات، مع الحذر من التنازع والفرقة، قال الله تعالى :"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال46).
    وشرط توحيد الكلمة الذي لا تنازل عنه أن يكون على كلمة التوحيد، قال الله تعالى :"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.." (آل عمران103). وحبل الله هو القرآن الكريم، فهو شرط الاجتماع أما الاجتماع على الوحدة الوطنية، أو الدستور الوطني، أو القوانين الوضعية، فهو اجتماع جاهلي.

    ومن المحزن أن كثيراً من الأعمال الجهادية في التاريخ المعاصر لا تلبث إلا وينزغ الشيطان بينها، فيوقع بينهم العداوة والبغضاء، وإن أعظم مداخل الشيطان على الصالحين لإيقاعهم في شِراك الفُرقة: هو سوء الظن بإخوانه، والتجسس عليهم، وغيبتهم، وتقديم حظوظ النفس والانتصار لها، وكل ذلك نهانا الله عنه، قال الله تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ" (الحجرات12).
    فإن ثبت وجود بغي وظلم، فالواجب الإسراع إلى الإصلاح بينهم، وأن ينتفعوا بوصية الله تعالى لعباده بالعفو والإحسان إلى من أساء إليهم من المسلمين، وأن نستعيذ بالله من نزْغ الشيطان قال الله تعالى :"وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (النور22) وقال تعالى :"وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (فصلت36).

    ومن أهم أسباب الفرقة واتساعها في الواقع بين الجماعات:
    هو تورط بعض الجماعات في التواصل والتعاون مع مخابرات الأنظمة الغربية والعربية العلمانية، وهذه من أهم أسباب الانتكاسة والانحراف لدى بعض الجماعات.

    • ومن أسباب النصر: الإلحاح في دعاء الله والاستغاثة به "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال9).
    ويسن إطالة الاستغاثة، ومد اليدين، واستقبال القبلة؛ كما ثبت في السنة يوم بدر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :"لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ؛ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ، فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ).. الحديث" أخرجه مسلم.

    • ومن أسباب النصر: الصبر في قتال أعداء الله، مع تقوى الله تعالى بالتزام الطاعة وترك المعصية. قال الله تعالى:"وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" (120آل عمران). وقال تعالى :"بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ" (125آل عمران).

    • ومن أسباب النصر: الإكثار من ذكر الله تعالى. قال الله تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الأنفال45).

    • ومن أسباب النصر: التوكل على الله تعالى، وأن يقولوا: حسبنا ونعم الوكيل. قال الله تعالى :"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران175).

    • ومن أسباب النصر: اجتناب مانع النصر وهو معصية الله تعالى. فمقام الجهاد في الدين عظيم، يتخلف فيه النصر والثبات والتمكين بسبب الذنوب، وعلى رأس هذه الذنوب: أمراض القلوب كالعُجب، والكبر، والغرور، والرياء، وحب الظهور والشهرة، والتشبعِ بما لم يعطَ، والتفاخر بالمنجزات، وتعلق القلب بالمكاسب الدنيوية، وتزكية النفس على الله، واحتقار غيره من المسلمين، أو إساءة الظن بهم، أو حب التسلط عليهم وكسر نفوسهم، أو الانتصار للنفس باسم الانتصار للدين، أو أن يبتلى بالشهوة الخفية في حب قتل المسلمين بغير حق بعد الوقوع في حبائل الشيطان بالتأويل في استحلال الدماء المعصومة.

    وكذلك المعاصي العملية؛ كالقول على الله بغير علم، ومشابهة الظلمة في ظلم الأسرى، وبخس الناس أشياءهم، وأخذ أموال الناس بغير حق، والسخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، والتجسس، والتحسس، والتدابر، والغيبة، والنميمة، وسوء الخلق.. .
    فعلى المجاهدين أن يذكر بعضهم بعضاً بترك المعاصي والتوبة إلى الله منها، وكثرة الاستغفار.

    وإن من أعظم صور الانحراف التي تورط فيها بعض الجماعات الإسلامية وأفسد عليهم جهادهم:
    هو القبول بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى، والخضوع لطاغوت الأمم المتحدة، وطاغوت التشريع من دون الله "الديمقراطية".
    ولا أعلم جماعة قررت الدخول في العملية السياسية الديمقراطية من باب الضرورة ابتداءً إلا وبدأت بسلم التنازلات في الدين، وبدأ بين أفرادها ضعف الحماسة للشريعة، وترك المصطلحات الشرعية التي يتحسس منها الكفار، إلى كلمات أخرى تحتمل معاني مقبولة لدى الغرب، ثم يتوقفون عن بيان وجوب إقامة الشريعة، ويتطور الأمر إلى النفرة من الحديث عن الكفر بالطاغوت، وعن عبودية مراغمة الكفار ومغايظتهم، وتتحول مداراةُ الكفار إلى مداهنتهم، ثم اتخاذهم وليجة، وينتهي الأمر بهم إلى الإنكار على إقامة الحدود، أو القصاص، أو أخذ الجزية من النصارى عن يد وهم صاغرون. ولا أرى ذلك إلا عقوبة من الله تعالى لهم، قال الله تعالى :"..فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.." (المنافقون5).

    وكذلك يتم استدراجهم عملياً: من خلال التواصل مع مخابرات الأنظمة الغربية النصرانية وعملائها من الأنظمة العربية العلمانية، وتكون البداية من خلال الوسطاء، وقبول الدعم منهم، ثم تتطور العلاقة إلى التواصل المباشر مع تلك المخابرات، كل ذلك بحجة تقاطع المصالح، ويقولون: نقبل الدعم غير المشروط!. وفات عليهم أن هذا الدعم غير المشروط يتحول إلى شرط بقاء كيان تلك الجماعات، وبدون الدعم ستفلس وتنهار، فإذا وصلت الجماعة إلى هذه المرحلة فقد تمكن العدو حينها من إملاء شروطه.

    وقد فات أيضاً على تلك الجماعات: اليقينُ بوعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر إنْ هُمْ نصروا الله تعالى، ونصْره إنما يكون بإقامة شرعه في الأمر كله، ولا يمكن أن يكون طاغوت "الديمقراطية" هو المصلحة الشرعية، ولا أهون الشرين؛ لأنه ليس بعد الكفر ذنب، ولا فوقه مفسدة.

    والواجب اعتزال الطاغوت واجتنابه والكفر به. قال الله تعالى :"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.." (النحل36).
    وقال تعالى :"..فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة256).
    وقال تعالى :"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا" (النساء61).
    وقال تعالى :"فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء65).
    وقال تعالى :"وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة50).

    فتخلف بمشاركتهم في الحكم بطاغوت الديمقراطية سببُ نصر الله لهم.
    وفي المقابل لن يقبل أعداء الله بهذا القدر من التنازل في الدين الذي تقدمه بعض الجماعات الإسلامية، إلا أن تكون مواليةً لهم متبعةً لملتهم؛ فإما التنازل التام وإلا السجون والقتل والتدمير. قال الله تعالى: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.." (البقرة120).
    لقد تخلف النصر عن الصحابة في أحد، وأفضلُ الأنبياء معهم، بسبب المعصية، فسننُ الله تعالى لا تحابي أحداً، قال الله تعالى عن المسلمين في غزوة أحد :"حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (آل عمران152).

    أي وعصيتم أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر الرماة أن لا ينزلوا عن الجبل فنزلوا لجمع الغنائم من بعد ما رأوا ما يحبون وهو النصر والغنائم، فحلَّ الضعف والهزيمة، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، ومنكم مَن يطلب الآخرة وثوابها.
    ومن المهم أن نورد هنا الحديث الثابت في صحيح البخاري في وصف ما حدث في أحد، فعن البراء بن عازب رضى الله عنهما قال:"جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الرَّجَّالَةِ (أي المشاة) يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ، فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ (وفي رواية عند البخاري عن البراء أنه قال: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لاَ تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلاَ تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلاَ تُعِينُونَا) فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ (أي نساء الكفار) يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ، أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلاً، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً؛ سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلاً، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِى قُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِىَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً (أي ستجدون في قتلى الصحابة مُثْلة؛ كقطع الأطراف، وقطع الأنف والأذن وبقر البطن ونحو ذلك) لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ" أخرجه البخاري.

    وقال تعالى :"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران165). أي أولما أصابتكم مصيبة حينما قُتل منكم سبعون في غزوة أحد، قد أصبتم مثليها في بدر حينما قَتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين، قلتم ما سبب هذه المصيبة؟.
    "قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ" أي أن سبب المصيبة والفشل الذي حل بكم هو معصيتكم، وهي معصية الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ينزلوا مهما كان الأمر حتى يرسل إليهم، لكنهم لما رأوا هزيمة الكفار ورأوا ما يحبون من النصر والغنائم ترك أكثرهم موقعهم وذهبوا يطلبون الغنائم، فكان معصية بعضهم سبباً في حلول المصيبة عليهم جميعاً.
    وقال تعالى :"إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ" (آل عمران155).

    والمعنى أنه حينما التقى جيش المسلمين وجيش المشركين في غزوة أحد، رجع بعض جيش المسلمين، وتركوا القتال، وهذا من كبائر الذنوب، وبين الله تعالى أن السبب في ارتكابهم لهذه المعصية، هي معاصي أخرى فعلوها من قبل ولم يتوبوا منها، وهذه التي يسميها العلماء: سيئة الجزاء؛ فمن فعل معصية ولم يتب منها فقد يعاقبه الله تعالى بارتكاب معصية أخرى.

    وفي غزوة حنين لم تنفعهم كثرة عددهم بسبب معصية العجب بكثرتهم قال تعالى :"لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" (التوبة25).
    فالله تعالى يُذكِّر المؤمنين بنصره لهم في غزوات كثيرة، وأن النصر من عند الله وحده، وليس في كثرة العدد والعدة، وفي غزوة حنين كنتم كثيرين فأُعجبتم بكثرتكم، فظننتم أنكم لن تهزموا بسبب الكثرة، فحصل لهم ما حصل من الهزيمة في أول القتال فلم تنفعهم الكثرة وولوا هاربين إلا قليلاً منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل الله تعالى سكينته ونصره على رسوله والمؤمنين وأمدهم بجند من عنده، ليعلم المسلمون أن النصر من عند الله تعالى وحده قل عددهم أو كثر، وأن تتعلق قلوبهم بالله تعالى وحده وتتوكل عليه، ولا تتعلق بالأسباب.

    وفي غزوة بدر نصرهم الله مع أنهم الأقل عدداً وعُدَّة قال الله تعالى :"وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (آل عمران123)، وقال تعالى :"فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة249) وقال تعالى:"إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (آل عمران160). وقال تعالى :"وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (آل عمران126).

    والمجاهد قد تحصل له الغفلة في هذا الباب، فيتعلق قلبُه بكثرة عددهم، أو بقوة بأسهم وشجاعتهم، وأشد من ذلك أن يتفاخر بعددهم وقوتهم، أو يتفاخر بمنجزاته الجهادية، أو ينسب الفضل إلى قدرات وقوة الأشخاص أو السلاح.
    والخوف والخشية أن يكون هذا التفاخر من المنِّ على الله، قال الله تعالى:"يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الحجرات17).

    والصواب أن ينسب الفضل لله تعالى وحده لا شريك له، فالفضل والنعمة والمنة والنصر والقوة والتأييد والتمكين من الله تعالى وحده، فلا حول ولا قوة إلا بالله، هو حسبنا ونعم الوكيل.

    والمقصود أن يتواصى المجاهدون في سبيل الله فيما بينهم دائماً على هجر المعصية القلبية والعملية، ومن هذه المعاصي: ظلم الناس باليد أو اللسان؛ لأن الإنسان إذا كان يملك القوة العسكرية فإنه عرضة للظلم، حتى تحولت بعض ساحات الجهاد – وهي قليلة بحمد لله – إلى غابة يكثر فيها السجون والاعتقال والتعذيب من بعض الكتائب.

    وينبغي على المجاهد أيضاً: أن ينتصر في قتاله لله تعالى ولا ينتصر لنفسه، ليكون من أنصار الله تعالى، كما أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (الصف14).
    اللهم اجعلنا من أنصارك، وأوليائك، وعبادك المتقين.

    ولا ينس المجاهدُ أن الله عز وجل أوجب قتال الكفار ابتلاء للعباد، قال الله تعالى :"ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ" (محمد6).
    وقال تعالى :"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة216).

    اللهم مكن لأهل السنة والجماعة في الشام والعراق وفي كل مكان الذين يريدون إعلاء كلمتك، وتحكيم شرعك.

    اللهم اجمع كلمتهم على الحق، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم.
    والحمد لله رب العالمين.
     

    يوسف بن عبدالله الأحمد
    1434هـ.

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    يوسف الأحمد
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • بين الطبيب والمريض
  • مقالات
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية