اطبع هذه الصفحة


هل كان علماء الإسلام يجاهدون

د. يوسف بن عبدالله الأحمد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


السؤال: هناك من يعتب على العلماء المعاصرين لترك الثغور وساحات الجهاد، وهناك يرد عليهم بأن العلماء مشغولون ببيان العلم والتفرغ للبحث والفتوى والتأليف، وهذا دأب العلماء من بعد عصر الصحابة، فإن علماء الإسلام لا يُعرفون بالمشاركة في الثغور أو ساحات الجهاد، وهذا من باب التخصص في خدمة الدين.
فما الصحيح في ذلك؟.

الجواب: الحمد لله تعالى وحده، أما بعد.
فالصواب أن العلماء كغيرهم من المسلمين في حكم الجهاد؛ فإذا تعين الجهاد، فالوجوب العيني يعمهم، وإذا كان وجوب الجهاد على الكفاية، فهم أولى الناس بالجهاد والتحريض عليه، لا بالقعود فضلاً عن التخذيل عنه؛ وذلك لعلمهم بفضله، ولأن مواطن الجهاد تكثر فيها المسائل والنوازل والأقضية فيُحتاج فيها مع مشاركتهم في القتال والرباط إلى نشر العلم والحكم فيها بما أنزل الله، وهذا يحتاج إلى علم وبصيرة في الدين.
قال الله تعالى :"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة216).
قال الله تعالى :"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" (محمد31).
وقال تعالى :"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" (آل عمران142).
والجهاد سمة الطائفة المنصورة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :"لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..".
أما القول بأن علماء الأمة من بعد الصحابة رضي الله عنهم لا يُعرفون بالجهاد والرباط، فهذا خطأ ظاهر. واعتزال العلماء إنما كان لقتال الفتنة بين المسلمين من أجل الملك والسلطان ونحو ذلك.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (27/52-53) :"وَفَضَائِلُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ كَثِيرَةٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ صَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ يُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ: مِثْلُ مَا كَانَ الأوزاعي وَأَبُو إسْحَاقَ الفزاري ومخلد بْنُ الْحُسَيْنِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحُذَيْفَةُ المرعشي وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ وَغَيْرُهُمْ: يُرَابِطُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجِيءُ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ النَّصَارَى أَهْلَ الْكِتَابِ.. وَلِهَذَا كَثُرَ ذِكْرُ (طرسوس) فِي كُتُبِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى كَانَ يَقْصِدُهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّرِيُّ السقطي؛ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ لِلرِّبَاطِ"اهـ.
ولو فرضنا أن طائفة من العلماء تركوا الجهاد الشرعي الذي لا شبهة فيه، فإننا لا نجعل تقصيرهم حجةً في ترك الواجب الشرعي، وإنما نلتمس لهم العذر، والاحتجاج إنما يكون بالكتاب والسنة، وهدي النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
اللهم وفق أمة الإسلام وعلماءها لنصرتك وإقامة الجهاد في سبيلك.
والحمد لله رب العالمين.


قاله وكتبه: يوسف بن عبدالله الأحمد.
1434هـ.
 

يوسف الأحمد
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • بين الطبيب والمريض
  • مقالات
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية