صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حكم المجالس التشريعية الديمقراطية "البرلمان"

    د. يوسف بن عبدالله الأحمد

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    السؤال: لدينا في مجلس الأمة (سلطة تشريعية بنظام ديمقراطي) تُشترى الأصوات بالرشوة، فبعض الناخبين ينتخب من يدفع له أكثر، وهذا مسلك جديد على انتخابات المجلس، فما رأيكم في هذا المسلك؟. وهل مزاحمة العلمانيين والرافضة يبرر ذلك؟.

    الجواب: الحمد لله تعالى وحده، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فهذه المجالس التشريعية وفق النظام الديمقراطي العلماني التي تسمى بـ"المجلس التشريعي" أو "البرلمان" أو "مجلس الشعب" أو "مجلس الأمة" أو "مجلس النواب" هذه المجالس الحكم فيها والتشريعُ للأغلبية وليس لله تعالى وحده، وطاعةُ قراراتِ المجلس مقدمةٌ فيه على طاعة الله تعالى؛ فما حرَّمهُ الله تعالى، فالمجلس لا يلتزمه ولا ينقاد إليه، لكن يحق للمجلس أن يَعرض أمر الله تعالى على الأعضاء، ليقروه أو يردوه، وحكمهم بقبوله أو رده هو المعتبر.
    ولو وافق رأيُ الأغلبية الحكمَ الشرعي فإن قوة النفوذ هنا إنما اكتسبها بقرار المجلس وليس لأن الله تعالى أمر به أو نهى عنه، ويمكن أن يُعيدَ المجلسُ النظرَ فيه بطلب بعض أعضائه لتعديله أو إلغائه.
    والمجالسُ التشريعية بهذا الوصف هي من تبديل الشريعة، والتحاكم إلى الطاغوت، ومن الشرك الأكبر في الطاعة والحكم والتشريع من دون الله تعالى. قال الله تعالى: "..وَإِن أَطَعتُموهُم إِنَّكُم لَمُشرِكون" (الأنعام: ١٢١). وقال تعالى: "..وَلا يُشرِكُ في حُكمِهِ أَحَدًا" (الكهف: ٢٦). وقال تعالى :"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.." (الشورى21). وقال تعالى :"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" (النساء60). والنصوص في هذا الباب كثيرة.
    فمن أقر لنفسه حق التشريع في المجالس "البرلمانية" فقد نازع الله تعالى في ربوبيته، ومن رشحه فقد رشح منازعاً لله في ربوبيته، ومشرعاً من دون الله؛ لأن التشريع حقٌ للخالق وحده لا شريك له، قال الله تعالى :" أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ" (الأعراف54).
    قال الله تعالى :"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة31). وما كان أهل الكتاب يسجدون للأحبار والرهبان، ولا يذبحون ولا ينذرون لهم، ولا يدعونهم من دون الله، وإنما كانوا إذا أحلَّ الاحبارُ والرهبانُ الحرامَ أحلوه، وإذا حرموا الحلال حرموه، فكانت تلك عبادتهم، وهذا معنى اتخاذهم أرباباً من دون الله.
    قال ابن تيمية رحمه الله (تـ728هـ) كما في مجموع الفتاوى (3/267) :"وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ"اهـ.
    وقال ابن كثير (تـ774هـ) في البداية والنهاية (13/139) :"فَمَنْ تَرَكَ الشَّرْعَ الْمُحْكَمَ الْمُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ كَفَرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَحَاكَمَ إِلَى اليَاسَا وَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ؟ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ"اهـ.
    والمراد بقوله: "الياسا" هو النظام الذي ألزم جنكيزخان الناسَ به ويتحاكمون إليه، ويسمى "الياسق" وهو مقتبس من اليهودية والنصرانية والإسلام ومن آراء الرجال، وهذه أبرز صورة عبر تاريخ المسلمين السابق في الحكم بغير ما أنزل الله، وقد بين ابنُ كثير وغيره أن من حكم به فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله، وإليك نص كلام ابن كثير في تفسيره (3/131) :"وَقَوْلُهُ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ"اهـ.
    وقد ظهر في الأمة جماعات تأولتْ وأجازت المشاركةَ السياسية في طاغوت الديمقراطية، وقالوا: إن تحكيم الشريعة لا شك في وجوبه لكننا عاجزون.
    والجواب عن هذه الشبهة المتهالكة: إن العجز عن الحكم بما أنزل الله يُسقط الوجوب لكنه لا يبيح تحكيم الطاغوت، فالعجز عن الصوم في رمضان يبيح الفطر، لكنه لا يبيح شرب الخمر.
    أما استدلالهم بصنيع نبي الله يوسف والنجاشي، فهو خطأ شنيع واتهام خطير لنبي كريم ورجل صالح أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستدلالُ بحاليهما أوهى من بيت العنكبوت، إذ لم يثبت أن أحداً منهما حكم بالطاغوت، أو خضع لحكم الطاغوت، أو بدل شرع الله تعالى، أو شارك في التشريع من دون الله، بل الثابت بيقين خلاف ذلك، بل الصواب أن حالهما دليل على دعاة الديمقراطية وليس لهم. وقد فصلت ذلك في بحث مفصل عن حكم الديمقراطية وتجربة الجماعات الإسلامية.

    وانتهت شبهات المتأولين إلى ثلاث شبهات:

    الشبهة الأولى: جواز الوقوع في الكفر للمصلحة، وبعضهم يقيدها بالمصلحة الضرورية، وبعضهم يقيدها بالمشاركة في نظام ديمقراطي قائم، أما الذي لا يجوز فهو المشاركة في إنشاء وتأسيس الديمقراطية.
    والجواب عنها: إن القول بجواز الكفر للمصلحة ولو قيدت بالمصلحة الضرورية: بدعة محدثة، والصواب الذي اتفق عليه العلماء أن الاستثناء قاصر على حال الإكراه وقلبُه مطمئن بالإيمان، ودليل ذلك قال الله تعالى :"مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.." (النحل106).
    قال ابن تيمية رحمه الله (تـ728هـ) كما في مجموع الفتاوى (14/470) : "الْمُحَرَّمَاتِ قِسْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) مَا يُقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْ مِنْهُ شَيْئًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ: كَالشَّرَكِ، وَالْفَوَاحِشِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالظُّلْمِ الْمَحْضِ.. فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُحَرَّمَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَبِتَحْرِيمِهَا بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَلَمْ يُبِحْ مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ وَلَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ"اهـ.
    ومن دعاة الديمقراطية المتأولين من فصَّل فقال: يَحرم العمل على تأسيس وإنشاء الديمقراطية لأنها نظام كفري؛ أما إذا كان النظام الديمقراطي قائماً فتجوز المشاركة السياسية فيه للمصلحة الراجحة.
    وهذا قول باطل، ولا وجه للتفريق بين التلبس بالكفر في الحالين؛ لأن الكفر إنما جاء الاستثناء فيه حال الإكراه فقط وقلبه مطمئن بالإيمان، والمشاركة السياسية في نظام قائم هي مشاركة اختيار لا إكراه فيها، فعضو البرلمان هو الذي رشح نفسه، ودعا الناس لانتخابه، ليصبح عضواً رسمياً في سلطة التشريع؛ كبقية الأعضاء المشرعين من دون الله، فلا فرق أن يشارك في إنشاء الشرك، أو أن يلتحق به بعد الإنشاء.

    الشبهة الثانية:
    يقول المتأولون: إن هدف المشارك هو الإصلاح، وهو غير راض بقلبه عن الشرك في مجلس الديمقراطية.
    والجواب عن هذه الشبهة:
    إن اشتراط الرضا القلبي للكفر هو قول المرجئة، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الكفر قد يكون بالعمل ولا يشترط استحلاله أو الرضا به ما دام أنه ارتكب الكفر عالماً مختاراً. وإنما ينفعه اطمئنان القلب بالإيمان في حال الإكراه على كلمة الكفر، كما سبق في آية النحل :"إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ..".
    قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (6/189) :"وَلَعَلَّكَ أنْ تَقُوْلَ: لَوْ قَالَ مَنْ حَكَّمَ القَانُونَ: أنَا أعْتَقِدُ أنَّهُ بَاطِلٌ. فَهَذَا لَا أثَرَ لَهُ، بَلْ هُوَ عَزْلٌ لِلشَّرْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ أحَدٌ: أنَا أعْبُدُ الأوْثَانَ، وَأعْتَقِدُ أنَّهَا بَاطِلٌ. وِإذَا قَدِرَ عَلَى الهِجْرَةِ مِنْ بِلَادِ تُقَامُ فِيْهَا القَوَانِيْنُ وَجَبَ ذَلكَ"هـ.

    الشبهة الثالثة:
    يقول المتأولون: إن تجويزنا للمشاركة في المجالس التشريعية الديمقراطية العلمانية إنما هو لإنكار القرارات المخالفة للشرع وليس لإقرارها.
    والجواب عن هذه الشبهة: إن إنكارهم قاصر على أثر شرك الطاعة، لكنهم لا ينكرون الشرك نفسه، وهو التشريع من دون الله، فإذا صوت المجلس على إلغاء حد الردة، فهذا العضو الذي يريد الإصلاح يصوت بالرفض، لكنه لا يتعرض لأصل مبدأ التصويت من أجل التشريع الذي هو أساس الباطل وهو عضو مشرع من دون الله فيه، فما زالت ذمة عضو المجلس مشغولة بمنكر المشاركة في التشريع من دون الله، وعدم إنكاره.
    ثم إن تصويته ضد الأمر المحرم ليس من الإنكار الشرعي الذي أمر الله تعالى به، الذي ينتهي بهجر المنكر وأصحابه إذا أصروا على فعله، وإنما هو ملتزم بالمشاركة وفق الرؤية الديمقراطية العلمانية، وهي سلمية الاعتراض مع قبول نتائج تحكيم الشعب أو ممثليه من دون الله تعالى.
    فهذه المجالس الشركية يجب هجرها واعتزالها ومفارقتها، ومما جاء في الوعيد من مجالستهم قول الله تعالى :"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" (النساء140).
    فقول الله تعالى: "إنكم إذاً مثلهم" حكم صريح وخطير، وهو في حكم المجالسة، فالمشاركة من باب أولى.
    ومثل هذه الآية في النهي الشديد عن مجالستهم قول الله تعالى :"وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (الأنعام68). ومما وصف الله تعالى عباده، قوله عزَّ وجل :" وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" (الفرقان72).
    والمشاركة في عضوية البرلمان لا يأخذ حكم المجالسة فقط على ما في مجالستهم من وعيد عظيم، وليس هو أمراً عفوياً يدخل فيه من شاء ليُقر أو يُنكر، وإنما الدخول فيه له شروط وضوابط والتزامات تبدأ الموافقة عليها قبل الترشح، حتى لو لم يكن عضواً في حزب عَلماني، وحتى لو لم يقسم على احترام الدستور وحمايته، وحتى لو لم يكن ثمة شروط مكتوبة، فإن العبرة بواقع الأمر وحقيقته. والواقع العملي المشاهد أن الداخل في العمل السياسي الديمقراطي ومَجَالسه يلتزم في الظاهر بنظامه ونتائجه؛ الذي هو التشريع من دون الله، ويستمر في حضور هذه المجالس الشركية ولا يهجرها، وربما كان رئيساً للمجلس ويؤكد للأعضاء وجوب التزامهم بطاغوت الديمقراطية واحترام نتائجه.
    ومن الملاحظ أن من ابتلي بإباحة المشاركة في الحكم بطاغوت الديمقراطية، يختار ألطف الكلمات عنها في بيان حكمها، فلا يتجرأ أن يصرح باسم الديمقراطية فيقول :"حكم المشاركة" هكذا بإطلاق أو يقول :"حكم المشاركة في العمل السياسي" أو بعضهم يزيد فيقول :"حكم المشاركة في العمل السياسي المدني" فإذا أُشرب قلبُه بالديمقراطية الشركية لم يبالِ، وانتقل إلى الدفاع عنها وعن دعاتها، وسكت عن دعوة الناس إلى تحكيم الشريعة، ثم تظهر نفرته وصدوده عما أنزل الله إذا دعي إليه، وهذا واقع واضح مشاهد للمصابين باللوثة الديمقراطية الوثنية العلمانية، وهذه الآية موعظة بليغة في هذا الباب، قال الله تعالى :"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا" (النساء63).

    وأعداء الله في الغرب والشرق يريدون من أهل الإسلام المشاركة السياسية الديمقراطية لتحقيق ثلاثة أهداف:
    1. تسليم السلاح، وترك الجهاد (ويسمونه العنف والإرهاب) والالتزام التام بالسلمية في المشاركة السياسية.
    2. قبول الجماعات الإسلامية بالإسلام الذي لا يتعارض مع العلمانية، أي قصره على الشعائر التعبدية والأحوال الشخصية، وربما زادوا على ذلك لكن الشرط أن لا يتعارض مع فصل الدين عن السياسة.
    3. الخضوع للنظام العالمي، وهيئة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية.
    فالمقصود من استدراج الغرب الكافر لأهل الإسلام إلى المشاركة السياسية الديمقراطية العلمانية هو إجهاض مشروع الأمة في إقامة الدين كما أمر الله تعالى، من خلال منع المسلمين الصادقين من القوة العسكرية وقصرها عليهم وعلى بقية الأنظمة العلمانية.
    ولا يُعرف جماعة إسلامية انحرفت وتلوثت بالعمل السياسي الديمقراطي العلماني ثم عادت إلى حكم الله تعالى وإقامة الدين بالجهاد في سبيل الله تعالى. وهذا من باب حكاية الواقع لأخذ العظة والعبرة، وإلا لو وجد لما كان عذراً.
    ودين الله تعالى لا يقوم إلا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، قال الله تعالى :"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ.." (البقرة216). قال ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (10/13) :"وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ الدِّينِ بِكِتَابِ يَهْدِي وَسَيْفٍ يَنْصُرُ، وَكَفَى بِرَبِّك هَادِيًا وَنَصِيرًا"اهـ.
    ومن ظن أن الغرب سيُمكِّنه من إقامة الدين من خلال الديمقراطية فهو يعيش الوهم وينظر إلى السراب. ولو سلمنا جدلاً بذلك فإن الشرك لا يجوز مطلقاً، ولا يمكن أن يكون طريقاً إلى التوحيد، ولا الكفر يهدي إلى الإيمان.
    أما من يقول نعلم يقيناً أننا لن نقيم الدين من خلال الديمقراطية وإنما نقصد تقليل المفاسد، فإنه ليس بعد الكفر مفسدة، فأي مفسدة يقللها وهو يتلبس بمفسدة مثلها أو أكبر منها، ثم إن الكفر لا رخصة فيه إلا للمكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
    والمقصود أنهما طريقان؛ إما طريق الحق، وإما طريق الباطل، وطريق الحق مستقيم واضح.
    أما من اختار الباطل للوصول إلى الحق، وهو يتوهم أن هذا من الدهاء السياسي، وأن المخابرات الغربية غبية لا تفهم، فليعلم أنه أكل الطُّعم الذي وُضع له، فنفق الباطل طويل جداً، وسلم النزول فيه أطول، وكلما سار فيه ازداد بعداً ونزولاً، فالديمقراطية يلزم منها الخضوع للنظام العالمي، ويلزم منها وجود قوة عسكرية تحميها تقاتل في سبيل الديمقراطية، وتصبح دولته على أحسن الأحوال طائفة ممتنعة عن إقامة شرع الله تعالى أو بعضها، فما موقفه من ذلك؟ وهو عضو سياسي في هذه الطائفة الممتنعة.
    قال ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (28/502-503) :"فَمَتَى كَانَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَالْقِتَالُ وَاجِبٌ. فَأَيُّمَا طَائِفَةٍ امْتَنَعَتْ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، أَوْ الصِّيَامِ، أَوْ الْحَجِّ، أَوْ عَنْ الْتِزَامِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْمَيْسِرِ، أَوْ عَنْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، أَوْ عَنْ الْتِزَامِ جِهَادِ الْكُفَّارِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَاجِبَاتِ الدِّينِ وَمُحَرَّمَاتِهِ - الَّتِي لَا عُذْرَ لِأَحَدِ فِي جُحُودِهَا وَتَرْكِهَا - الَّتِي يَكْفُرُ الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا. فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ تُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةٌ بِهَا. وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ إذَا أَصَرَّتْ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ السُّنَنِ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَائِرِ"اهـ.
    اللهم اهدنا صراطك المستقيم، ووفقنا وأعنَّا على إقامة دينك والاجتماع عليه، والحمد لله رب العالمين.


    قاله وكتبه:
    يوسف بن عبدالله الأحمد.
    1434هـ.


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    يوسف الأحمد
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • بين الطبيب والمريض
  • مقالات
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية