صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حكم الغناء والمعازف

    د. يوسف بن عبدالله الأحمد

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    السؤال: ما حكم سماع الأغاني والموسيقى؟.

    الجواب:
    الحمد لله تعالى وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.   أما بعد.

    فقد تكرر هذا النوع من الأسئلة بسبب ما أظهره بعضهم في وسائل الإعلام بأن ابن حزم أباح المعازف، والصواب في المسألة أن المعازف التي تسمى بالموسيقى وآلات الطرب محرمة باتفاق العلماء، وقول ابن حزم قول شاذ غير معتد به، وهو مسبوق باتفاق الأئمة قبله.

    أما تضعيفه لحديث أبي مالك في تحريم المعازف فهو خطأ علمي ظاهر وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.


    إجماع العلماء على تحريم المعازف:


    حكى جماعة من العلماء الاتفاق أو نفي الخلاف أو الإجماع على تحريم المعازف:
    قال الإمام البغوي (تـ516هـ) رحمه الله في شرح السنة (12/383) :"وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم المَزَامِير وَالمَلَاهِيْ وَالْمَعَازِف"اهـ.

    وقال ابن قدامة (تـ620) رحمه الله في المغني (9/115) :"آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالْمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ..آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ"اهـ.

    وقال النووي (تـ676هـ) رحمه الله في روضة الطالبين (11/228) :"الْمِزْمَارُ الْعِرَاقِيُّ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ الْأَوْتَارُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ"اهـ.

    وقال ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة (3/439) :"الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.. مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ الَّتِي هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ كَالْعُودِ وَنَحْوِه.."اهـ. وقال أيضاً كما في مجموع الفتاوى (11/576) :"فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالتَّقَرُّبِ فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ. وَأَمَّا إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَعُّبِ فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ كُلَّهَا حَرَامٌ"اهـ.

    وقال ابن رجب رحمه الله في نزهة الأسماع (ص52) :"وَأمَّا الآثَارُ المَوْقُوْفَةِ عَنِ السَّلَف في تَحْرِيْمِ الغِنَاءِ وَآلآتِ اللَّهْو فَكَثِيْرَةٌ جِدَّاً". وقال أيضاً في نزهة الأسماع (ص55) :"فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أعْنِي ذَمَّ الغِنَاءِ وَآلآتِ اللَّهْوِ". وقال أيضاً في نزهة الأسماع (ص60) :"سَمَاعُ آلاتِ اللَّهْوِ.. لَا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ سَلَفَ الرُّخْصَةُ فِيْهَا" وقال ابن رجب أيضاً في كتابه فتح الباري (8/436) :"وَأمَّا اسْتِمَاعُ آلاتِ المَلَاهِي المُطْرِبَةِ المُتَلَقَّاةِ مِنَ وَضْعِ الأعَاجِمِ فَمُحَرَّمٌ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيْمِهِ، وَلَا يُعْلَمُ عَنْ أحَدٍ مِنْهُ الرُّخْصَةُ فِيْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ نَقَلَ الرُّخْصَةَ فِيْهِ عَنْ إمَامٍ يُعْتَدُّ بِهِ فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى"اهـ.

    قال ابن نجيم الحنفي رحمه الله (تـ970هـ) في البحر الرائق (7/88) :"وَنَقَلَ البزَّازيُّ في الْمَنَاقِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَةِ الْغِنَاءِ إذَا كَانَ عَلَى آلَةٍ كَالْعُود"اهـ.

    وقال ابن حجر الهيتمي في كف الرعاع (ص124) :"الأوْتَارُ وَالمَعَازِفُ ؛كَالطُّنْبُورِ، والعُوْدِ، والصَنْجِ؛ أيْ ذِيْ الأوْتَارِ، والرَّبَابِ، والجَنْكِ، والكَمَنْجَةِ، والسِّنْطِيْرِ، والدِّرِّيْجِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.. هَذِهِ كُلُّهَا محُرَّمَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَمَنْ حَكَى فِيْهَا خِلَافَاً فَقَدْ غَلَطَ، أوْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ حَتَّى أصَمَّهُ أوْ أعْمَاهُ، وَمَنَعَهُ هُدَاهُ، وَزَلَّ بِهِ عَنْ سَنَنِ تَقْوَاهُ، وَمِمَّنْ حَكَى الإجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيْمِ ذَلِكَ كُلِّهِ الإمَامُ أبُوْ العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الثِّقَةُ العَدْلُ"اهـ.

    فهؤلاء تسعة نقلوا الإجماع أو الاتفاق وغيرهم أكثر
    كالآجري، وأبو الطيب الطبري، وأبو الفتح الرازي، وابن البَزْري، وابن أبي عَصْرُون، والرافعي، وابن القيم، والأذرعي، وغيرهم، ولولا ضيق المقام لنقلت كلامهم بنصه.

     والموسيقى كلها محرمة، سواء أكانت مصاحبة للأغاني أو غير مصاحبة، أو كانت مصاحبة للبرامج الإخبارية أو الوثائقية، أو كانت مجردة كالموسيقى العسكرية، أو للتحية الرئاسية، أو السلام الملكي، أو غير ذلك.


    وتعظم الحرمة مع المجاهرة
    في وسائل الإعلام، أو أمام الناس في الأماكن العامة، أو في المجالس والبيوت؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"كُلُّ أُمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ".

    وتعظم الحرمة أكثر
    إذا كان معها الغناء الماجن، أو كان المغني امرأة، أو مع رقص النساء، وأشنع من ذلك كله معاني استحلاله بالإذن بنشره، وبيعه، وحماية وسائله، ومعاهده، ومؤسساته، وشركاته، ودعوة الناس إليه، وإقامته في الأماكن العامة، أو في وسائل الإعلام.

    فالغناء والمعازف: هما قرآن الشيطان، ورقية الزنا، وبريده، كما جاء عن السلف؛ لأنها تهيج النفس، وتسكرها، وتدعوها إلى اتباع الهوى، وطاعة الشيطان، وفعل المعصية، والبعد عن الله تعالى، وتنفر عن مجالس ذكر الله تعالى، وتنبت النفاق في القلب، فإذا استمعَ إليها الإنسان، ضعفت عفته، وهانت عليها المعصية، وكلما استمع للغناء والمعازف زاد تعلقه بها، وازداد بعداً عن الله تعالى، واشتدت نفرته عن كلام الرحمن. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (10/417- 418) :"والْمَعَازِفُ هِيَ خَمْرُ النُّفُوسِ تَفْعَلُ بِالنُّفُوسِ أَعْظَمَ مِمَّا تَفْعَلُ حُمَيَّا الْكُؤُوسِ، فَإِذَا سَكِرُوا بِالْأَصْوَاتِ حَلَّ فِيهِمْ الشِّرْكُ، وَمَالُوا إلَى الْفَوَاحِشِ وَإِلَى الظُّلْمِ.. فَالْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِوُقُوعِ الْفَوَاحِشِ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ فِي غَايَةِ الْعِفَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ حَتَّى يَحْضُرَهُ، فَتَنْحَلُّ نَفْسُهُ، وَتَسْهُلُ عَلَيْهِ الْفَاحِشَةُ، وَيَمِيلُ لَهَا فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا بِهِ أَوْ كِلَاهُمَا، كَمَا يَحْصُلُ بَيْنَ شَارِبِي الْخَمْرِ وَأَكْثَرُ"اهـ.


    وقال ابن القيم
    في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/248-249) :"فَإِنَّ القُرْآنَ يَنْهَى عَنْ اِتِّبَاعِ الهَوَى، وَيَأْمُرُ بالعِفَّةِ، وَمُجَانَبَةِ شَهَوَاتِ النُّفُوسِ، وَأَسْبَابِ الغَيِّ، وَيَنْهَى عَنْ اِتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَالغِنَاءُ يَأْمُرُ بِضِدٍّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيُحْسِنُهُ، وَيُهَيِّجُ النُّفُوسَ إِلَى شَهَوَاتٍ الغَيِّ، .. فَإِنَّهُ صِنْو الخَمْرِ.. عَقَدَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهِمَا عَقْدَ الإخَاءِ الَّذِي لَا يُفَسَّخ"اهـ.

    ولذلك يحرص المنافقون والزنادقة على الغناء والمعازف والرقص ونشره في وسائل الإعلام في بلاد المسلمين حتى يتحقق لهم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وأن يميل المسلمون عن دين الله تعالى ميلاً عظيماً. قال الله تعالى :"وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا" (النساء27).

    وإذا كان الذي لا يغار على أهله ديوثاً فكيف بمن لا يغار على نساء المسلمين جميعاً، ولا يرضى عن غنائهن وتكشفهن ورقصهن أمام الرجال فحسب، بل يعمل على الدعاية إلى ذلك، والتشجيع عليه، ونشره في القنوات الفضائية العالمية، فلا شك أن من هذه حاله أنه
    ديوث خبيث مفسد.

    قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/230) "وَأُمَّا سَمَاعهُ مِن المَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ أوْ الأَمْرَدِ فَمِنْ أَعْظَمِ المُحَرَّمَاتِ وَأَشَدِّهَا فَسَادًا لِلدِّينِ. قَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله :وَصَاحِبُ الجَارِيَةِ إِذَا جَمعَ النَّاسَ لِسَمَاعِهَا فَهُوَ سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهَادَتَهُ وَأغْلظَ القَوْلَ فِيهِ وَقَالَ: هُوَ دِيَاثَةٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ دَيُّوْثَاً"اهـ.

    ومن أخطر آثار الغناء المحرم أنه ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب، وقد ثبت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:"الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي القَلْبِ" أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة، وابن بطة في الإبانة الكبرى، والبيهقي في السنن الكبير والشعب، من طرق عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن ابن مسعود به، وهذا إسناد مرسل؛ لأن إبراهيم لم يدرك ابن مسعود، إلا أن مراسيل النخعي عن ابن مسعود صحيحة، فقد روى الترمذي في العلل الصغير (ص754) بسنده عن الأعمش أنه قال :"قُلتُ لإبْرَاهمَ النَّخعِيّ أسْندْ لي عَن عَبدِالله بنِ مَسْعُود فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَجُل عَنْ عَبْدِاللهِ فَهُوَ الَّذِي سَمَّيتُ، وَإِذَا قُلتُ: قَالَ عَبْدُاللهِ فَهُوَ عَن غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ عبْدِاللهِ".

    وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (ص196) معلقا على كلام النخعي :"وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ المُرْسَلِ عَلَى المُسْنَدِ، لَكِنْ عَنْ النَّخَعِيِّ خَاصَّةً، فِيمَا أَرْسَلَهُ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ خَاصَّةٍ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَرَاسِيْلِ النَّخَعِي: لَا بَأْسَ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ مَعَين :.. وَمُرْسَلَاتُ إِبْرَاهِيمُ صَحِيحَةٌ إِلَّا حَدِيثَ تَاجِرِ البَحْرَينِ، وَحَدِيثَ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ"اهـ.

    ولذلك صححه ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/248) فقال :"وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ.."اهـ.

    وعلق ابن القيم على أثر ابن مسعود في مدارج السالكين (1/483) :"قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ، وَهَذَا كَلَامُ عَارِفٍ بِأَثَرِ الْغِنَاءِ وَثَمَرَتِهِ، فَإِنَّهُ مَا اعْتَادَهُ أَحَدٌ إِلَّا نَافَقَ قَلْبُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ النِّفَاقِ وَغَايَتَهُ لَأَبْصَرَهُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ مَا اجْتَمَعَ فِي قَلْبِ عَبْدٍ قَطُّ مَحَبَّةُ الْغِنَاءِ وَمَحَبَّةُ الْقُرْآنِ إِلَّا طَرَدَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَقَدْ شَاهَدْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا ثِقَلَ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْغِنَاءِ وَسَمَاعِهِ، وَتَبَرُّمَهُمْ بِهِ، وَصِيَاحَهُمْ بِالْقَارِئِ إِذَا طَوَّلَ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمَ انْتِفَاعِ قُلُوبِهِمْ بِمَا يَقْرَؤُهُ، فَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَطْرَبُ، وَلَا تُهَيِّجُ مِنْهَا بَوَاعِثَ الطَّلَبِ، فَإِذَا جَاءَ قُرْآنُ الشَّيْطَانِ فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَيْفَ تَخْشَعُ مِنْهُمُ الْأَصْوَاتُ، وَتَهْدَأُ الْحَرَكَاتُ، وَتَسْكُنُ الْقُلُوبُ وَتَطْمَئِنُ"اهـ.

    وقال ابن القيم أيضاً في إغاثة اللهفان (1/250) :"وَأَكْثَرُ مَا يُورِثُ (أي سمع الغناء والمعازف) عِشْقُ الصُّوَرِ، وَاسْتِحْسَانُ الفَوَاحِشِ، وَإِدْمَانُهُ يُثَقِّلُ القُرْآنَ عَلَى القَلْبِ، وَيُكَرِّهُهُ إِلَى سَمَاعِهِ بِالخَاصِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا نِفَاقًا، فَمَا لِلنِّفَاقِ حَقِيقَةٌ.. وَسَرُّ المسْأَلَةَ: أَنَّهُ قُرْآنُ الشَّيْطَانِ، كَمَا سَيَأْتِي، فَلَا يَجْتَمِعُ هُوَ وَقُرْآنُ الرَّحْمَنِ فِي قَلْبٍ أَبَدًا.. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ: أَنْ يُخَالِفَ الظَّاهِرُ البَاطِنَ، وَصَاحَبُ الغِنَاءُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَتَهَتَّكَ فِيكُون فَاجِرًا، أَوْ يُظْهِرَ النُّسُكَ فِيكُونُ مُنَافِقًا، فَإِنَّهُ يُظْهِرُ الرَّغَبَةَ فِي اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ وَقَلْبُهُ يَغْلِي بِالشَّهَوَاتِ، وَمَحَبَّةِ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ أَصْوَاتِ المَعَازِفِ، وَآلَاتِ اللَّهْوِ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الغِنَاءُ وَيُهَيِّجُهُ، فَقَلْبُهُ بِذَلِكَ مَعْمُورٌ، وَهُوَ مِنْ مَحَبَّةٍ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ قَفْرٌ، وَهَذَا مَحَضَ النِّفَاقَ"اهـ.

    وقال ابن رجب في نزهة الأسماع (ص92) :"وَيُوجِبُ أَيْضًا سَمَاعُ الملَاهِيَ النُّفرةَ عَنْ سَمَاعِ القُرْآنِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله، وَعَدمَ حُضُورِ القَلْبِ عِنْدَ سَمَاعِهِ، وَقِلَّةَ الاِنْتِفَاعِ بِسَمَاعِهِ، وَيُوجِبُ أَيْضًا قِلَّةَ التَّعْظِيمِ لِحُرُمَاتِ اللهِ، فَلَا يَكَادُ المُدْمِنُ لِسَمَاعِ المَلَاهِي يَشْتَدُّ غَضَبُهُ لِمَحَارِمَ اللّه تَعَالَى إِذَا انْتُهكَتْ"اهـ.


    وقد جاء الذم الشديد في كتاب الله تعالى لمن يشتري لهو الحديث، وجاء عن الصحابة والتابعين بأن لهو الحديث هو الغناء
    في قول الله تعالى :"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (لقمان6).

    قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/240) :"ويكفى تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.  قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) فقال: والله الذى لا إله غيره هو الغناء. يرددها ثلاث مرات. وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أيضاً أنه: الغناء"اهـ.

    وفسرها بذلك جماعة من التابعين، منهم: مجاهد وعكرمة وحبيب بن أبي ثابت كما أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه.

    وقد أنكر المعازفَ أميرُ المؤمنين وخليفةُ المسلمين التابعيُ عمر بن عبدالعزيز في كتابه إلى عمر بن الوليد ومما جاء فيه:"وَإِظْهَارُكَ الْمَعَازِفَ وَالْمِزْمَارَ بِدْعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَجُزُّ جُمَّتَكَ جُمَّةَ السُّوءِ" أخرجه النسائي وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي إسحق الفَزاري عن الأوزاعي به وهذا إسناد صحيح.


    وأصرح أدلة تحريم المعازف "الموسيقى"
    حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ" أخرجه البخاري في صحيحه وصورته صورة المعلقات ولكن له حكم الموصولات؛ لأن البخاري رواه في صحيحه فقال: قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري به ، ورواة الحديث كلهم ثقات والإسناد متصل، وهشام بن عمار شيخ البخاري وقد صرح البخاري بسماعه منه في أحاديث أخرى، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه في ذكر رؤية أهل الجنة ربهم الذي رواه الترمذي وقال: حدثنا محمد بن إسماعيل (البخاري) حدثنا هشام بن عمار ..الخ. وإذا قال الراوي عن فلان أو قال فلان فالإسناد متصل ولا يشترط التصريح بالسماع إلا إذا كان الراوي مدلساً، والبخاري جبل الحفظ وإمام الدنيا في الفقه كما وصفه ابن حجر في التقريب وهو من أبعد المحدثين عن التدليس.

    وقد أعل الحديث ابنُ حزم بالانقطاع بين البخاري وهشام بن عمار، وقد تبين خطأ قوله، وأن الصواب أن رواية البخاري متصلة، ثم إن عشرةً رووه عن هشام بن عمار منهم ثلاثةٌ من الثقات الأثبات من غير البخاري وقد صرحوا بالتحديث، وهم الحسين بن عبدالله القطان، في صحيح ابن حبان،  وموسى بن سهل الجوني البصري عند الطبراني في الكبير، والحسن بن سفيان عند البيهقي. ولهشام بن عمار وشيخه صدقة بن خالد متابعات تزيد الإسناد قوة، والذين جزموا بتصحيح الحديث جم غفير من أئمة الحديث من المتقدمين والمتأخرين كالإمام البخاري، وأبو بكر الإسماعيلي، وابن حبان، وأبو عمرو بن الصلاح، وابن جماعة، وابن تيمية، ومحمد بن عبدالهادي، وابن القيم، وابن كثير، وابن الملقن، والعراقي، وابن رجب، وبدر الدين العيني، وابن حجر، والهيتمي، وابن الوزير الصنعاني،وشمس الدين السخاوي، والأمير الصنعاني.

    قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان (1/259-260) :"وَلَمْ يَصْنَعْ مَنْ قَدَحَ فِي صِحَّةِ هَذَا الحَدِيثِ شَيْئًا، كَاِبْنِ حَزْم نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ البَاطِلِ فِي إِبَاحَةِ المَلَاهِي، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لأَنَّ البُخَارِيَّ لَمْ يَصِلْ سَنَدَهُ بِهِ، وَجَوَابُ هَذَا الوَهْم مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ البُخَارِيَّ قَدْ لَقِيَ هِشَامَ بِنْ عَمَّارُ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَإِذَا قَالَ: قَالَ هِشَامُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَنْ هِشَام.. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَهُوَ لَمْ يَسْتَجِزْ الجِزَمَ بِهِ عَنْهُ إِلَّا وَقَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَا يَكُونُ لِكَثْرَةٍ مَنْ رَوَاهُ عَنْهِ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ وَشُهْرَتِهِ فَالبُخَارِيُّ أَبْعَدَ خَلْقِ اللهِ مِنْ التَّدْلِيسِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى بالصَّحِيحِ مُحْتَجًّا بِهِ فَلُولَا صِحَّتُهُ عِنْدَهِ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ.. الرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ دُونَ صِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَإِنَّهُ إِذَا تَوَقَّفَ فِي الحَدِيثِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ يَقُولُ: وَيُرْوَي عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَيُذْكرُ عَنْهُ، وَنَحْو ذَلِكَ. فَإِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ جَزَمَ وَقَطَعَ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ.. الخَامِسُ: أَنَّا لَوْ أَضْرَبْنَا عَنْ هَذَا كُلِّهِ صَفَحَاً فَالحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلَ عُنُدَ غَيْرَهِ"اهـ.

    وقال ابن رجب (تـ795هـ) رحمه الله في نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص39-40) :"هَكَذَا ذكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ المَجْزُومِ بِهِ، وَالأَقْرَبُ أَنَّهُ مُسْنَدٌ فَإِنَّ هِشَامَ بنَ عَمَّار أَحَدُ شُيُوخِ البُخَارِيِّ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ البُخَارِيَّ إِذَا قَالَ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ فُلَان، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ عَرْضًا، أَوْ مُنَاوَلَةٌ، أَوْ مُذَاكَرَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَسْنَدَاً وَاللّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الحَسَنِ بنِ سُفْيَان حَدَّثَنَا هِشَامُ بِنْ عَمَّار فَذَكَرَهُ، فَالحَدِيثُ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ عَنْ هِشَامِ بنِ عَمَّار"اهـ.

    وقد تتابع العلماء المعاصرون على تصحيحه، حتى قال الألباني بعد تخريجه للحديث في تحريم آلات الطرب (ص51) :".. فَمَنْ أصَرَّ بَعْدَ هَذَا عَلَى تَضْعِيْفِ الحَدِيثِ فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ مُعَانِدٌ"اهـ

    قال ابن تيمية في الاستدلال بهذا الحديث كما في مجموع الفتاوى (11/535) :"وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ مُعَاقِبُهُمْ. فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ. وَالْمَعَازِفُ هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْآلَاتِ كُلّهَا. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَزَالَ التَّالِفُ الْمُحَرَّمَ.."اهـ.


    والغناء إذا كان بدون معازف، فله حالان:


    الحال الأولى:
    أن يشتمل على الغزل والعشق والهوى وتوصيف النساء ويثير النفس إلى اتباع الهوى وفعل المعصية، فهذا لا شك في حرمته.

    والحال الثانية:
    أن يكون إنشاداً للشعر الحسنِ المعنى بدون معازف، وليس فيه ما يهيج النفس إلى الأهواء والفتن والشهوات، فهذا هو الإنشاد والحُداء والرَّجَز الذي جاء في السنة وعن الصحابة رضي الله عنهم في الجهاد، والسفر، وسَوْق الإبل، ونحو ذلك، فهذا مباح.

    قال ابن رجب في فتح الباري (8/434) :"فأمَّا الغِنَاءُ بِغَيْرِ ضَرْبِ دُفٍّ، فَإنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الحُدَاءِ والنَّصَبِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ رُوَيَتْ الرُّخْصَةُ فِيْهِ عَنْ كَثِيْرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.. وَأمَّا الغِنَاءُ المُهَيِّجُ للطِّبَاعِ، المُثِيْرُ لِلهَوَى، فَلَا يُبَاحُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأةٍ فِعْلُهُ وَلَا اسْتِمَاعُهُ؛ فِإنَّهُ دَاعٍ إلَى الفِسْقِ والفِتْنَةِ فِي الدِّينِ وَالفُجُورِ فَيَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ"اهـ.

    وقال ابن حجر في فتح الباري (10/538) :"وَنقَل ابنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ الْحُدَاءِ.. وَيَلْتَحِقُ بِالْحُدَاءِ هُنَا الْحَجِيجُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّشَوُّقِ إِلَى الْحَجِّ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَنَظِيرُهُ مَا يُحَرِّضُ أَهْل الْجِهَادِ عَلَى الْقِتَالِ، وَمِنْهُ غِنَاءُ الْمَرْأَةِ لِتَسْكِينِ الْوَلَدِ فِي الْمَهْدِ"اهـ.


    أما النشيد المعروف اليوم
    فإن الأصل فيه الجواز بشرط أن لا يكون بصوت امرأة إذا كان يسمعها الرجال، ولا مصحوباً بالدف، ولا ما يسمى بالإيقاع، ولا البدائل الصوتية المشابهة لأصوات المعازف، ولا مشابهاً للحون أهل الفسق، ولا سماع الصوفية، وأن لا يكون مصحوباً بما فيه فتنة؛كالذي يسمى بالنشيد العاطفي، أو تشبه المنشد بالكفار والفساق بالألبسة الضيقة، واستعمال المكياج، وفتح الصدر، ونحو ذلك مما يكون سبباً في فتنة النساء، أو انتكاس المنشد بالتدرج.

    ومن مظاهر الانحراف في هذا الباب: إنشاء فرق إنشادية للفتيات الصغيرات، تظهر أمام الرجال وفي وسائل الإعلام بزينتها تنشد وترقص. ومن مفاسد هذا المسلك أنه يؤول إلى كسر حيائها، ويهيئوها خصوصاً مع الشهرة الإعلامية لتُصبح مغنيةً وراقصةً في المستقبل، خصوصاً مع عروض الشركات الغنائية، ثم إنها لا تخرج في هذه المشاهد إلا بعد تدريب طويل من قبل الرجال ومخالطة وربما السفر معهم أيضاً، فليحذر المسلمون من هذا المسلك في إفساد بناتهم أو بنات المسلمين وهم يشعرون أو لا يشعرون.

    والحمد لله رب العالمين.

    قاله وكتبه: يوسف بن عبدالله الأحمد
    1434هـ


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    يوسف الأحمد
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • بين الطبيب والمريض
  • مقالات
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية