صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







آيات التخيير تربية و تذكير

فرحان العطار
atar@gawab.com


و تبقى النفوس مولعة ببيت النبوة ، متعطشة لمعرفة أحداثه و مجرياته ، كيف لا و النبي صلى الله عليه و سلم يأوي إليها و يؤوب ، و يدور في نواحيها و يجوب ، بيوت تكتنفها الرحمة ، و تغشاها السكينة ، و تغمرها الطاعة و البر ، ، و يفيض منها الخير بالعلن و السر ، بيوت تنبع منها البركات ، و تفوح منها المآثر و المكرمات ، فالطريق بينها و بين السماء معمور ، و بينها و بين المؤمنين في الأرض مذلل ميسور ، يقطنها أطهر الناس أنفسا ، و أزكاهم سريرة ، و أنداهم يدا ، و أكثرهم طاعة ، و أعطفهم على رجالات الأمة و نسائها ، فيوعظون بقصصهم ، و يذكًرون بلحظهم ووعظهم ، فتبكي الأمة حين يبكون ، و تبتهج عندما يسرون ، و لعل من هذه المواقف المهيبه ، تلك اللحظات الرهيبة ، و الواقعة التي ليس لها نظير ، آيات التخيير تنزل على البشير النذير ، فيا ترى ما هي مشاعر النبي الرءوف الرحيم ! ، عندما يخير نساءه بين طريقين ، و يلزمون باختيار أحد المسارين ، إما الله و رسوله و الدار الآخرة ، أو زينة الحياة الدنيا و متاعها الزائل ، فروى البخاري و مسلم - و اللفظ له -عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه, قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك - وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه - قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى تمام الآيتين, فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة و في هذه القصة و الآيات تذكير للأمة و تربية لها لعلنا نقتبس منها ما يلي :

أولاً : التذكير بسبب هذا التخيير ، و هو طلب الزيادة في النفقة و التوسع فيها ، و جاء ذلك صريحاً في صحيح مسلم ( 1478) من حديث جابر رضي الله عنه و منه " لما أذن لأبي بكر فدخل ثم عمر فدخل فوجد النبي صلى الله عليه و سلم جالساً حوله نساؤه واجما ساكتا .. إلى أن قال صلى الله عليه و سلم " هن حولي كما ترى يسألنني النفقة " قال ابن حجر في الفتح 381/8 : و مناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين ا هـ . فاعتزلهن النبي صلى الله عليه و سلم شهرا ثم نزلت آيات التخيير عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه ، إذ جاء في صحيح مسلم ( 1375) عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما مضى تسع و عشرون ليلة دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم بدا بي قلت : يار سول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، و إنك دخلت من تسع و عشرين أعدهن ، فقال : " إن الشهر تسع و عشرون " ثم قال " يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك .....الحديث "

ثانياً : التذكير بالوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات ، إذ أنها جاءت بعد قصة غزوة الأحزاب مباشرة ، و معلوم بأن النبي صلى الله عليه و سلم قال عندما هُزم الأحزاب ، و رجعوا لديارهم خائبين ، قال بلسان الخبير العسكري المحنك ( اليوم نغزوهم و لا يغزونا ) مما يعني بداية مرحلة جديدة للدعوة ، فجاءت هذه القصة إرهاصاً و توطئة و مقدمة لهذه المرحلة ، و نسائه – رضي الله عنهن – يفقهن ذلك جيدا ، و يعلمن بأن زمن الغنائم و الرخاء قد أقبل ، فكان لا بد من موقف يذكرهن بمنزلتهن و المقام الذي يتبوئنه، و كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.

ثالثاً : التذكير بشدة الحال التي كان عليها النبي صلى الله عليه و سلم و هو الذي عرضت عليه مفاتح كنوز الأرض و خزائنها و الخلود فيها فلم يأبه بذلك كله و لم يلتفت له ، إيثاراً لما عند الله عز وجل ، و عزوفاً عن الدنيا و زينتها ، و لعلنا نقتبس وصفاً لحال النبي صلى الله عليه و سلم في وسط تلك الأحداث ، لنعرف ما كان عليه من شظف العيش و خشونته ، إذ جاء في صحيح مسلم (1479) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - لما اعتزل النبي صلى الله عليه و سلم نسائه و قبيل نزول آيات التخيير - قال " فدخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره و ليس عليه غيره ، و إذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ، و مثلها قرظاً في ناحية الغرفة ، و إذا افيق معلق – الجلد الذي لم يتم دباغه - قال : فابتدرت عيناي ، قال " ما يبكيك يا ابن الخطاب ! " قلت : يا نبي الله ، و ما لي لا أبكي و هذا الحصير قد أثر في جنبك ، و هذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ، و ذاك قيصر و كسرى في الثمار و الأنهار ، و أنت رسول الله و صفوته و هذه خزانتك ! فقال : يا بن الخطاب ، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة و تكون لهم الدنيا ؟ قلت : بلى .....الخ " فترك النبي صلى الله عليه و سلم الدنيا و هي مقبلة إليه بكنوزها و زينتها و مناصبها و الخلد فيها طوعاً و اختياراً ، و هنا سر العظمة و العلو ، فصلوات الله و سلامه عليه ، و كذا خير نساؤه –رضي الله عنهن – فاخترن الله و رسوله و الدار الآخرة فاجتمع لهن خير الدنيا و الآخرة .

رابعاً : تضمنت الآيات منهجاً متكاملاً في حل المشكلات الزوجية ، يجدر الوقوف عندها ، و الإقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم في معالجتها ، إذ أنها تساعد في حل مشاكل تئن من وطأتها و كثرتها البيوت فلنتأمل :
1- رغم الوقت الطويل لأحداث هذه المشكلة بين النبي صلى الله عليه و سلم و أزواجه ، لم يسجل على النبي صلى الله عليه و سلم أي لفظ فيه توبيخ أو تعنيف أو إدلال عليهن بالرغم من مقامه الرفيع ، و فضله السابغ صلوات الله و سلامه عليه ، و قد جاء في الحديث ، السابق ذكره " .... فوجد النبي صلى الله عليه و سلم جالساً حوله نساؤه واجما ساكتا..) فلم يكن هناك إهانة أو توبيخ كما يفعله الكثير منا عند حدوث مشاكل في بيوتنا و لعل في هذا تذكيراً بهذا الخلق النبوي الرفيع .

2- الرفق في تعامل النبي صلى الله عليه و سلم مع أزواجه ، حتى في غمرة المشكلة ، ، لم يتخلى الني صلى الله عليه و سلم عن المنطلقات الأساسية في تعامله مع أزواجه ، بالرغم منس تلك الأجواء المشحونة ، فلما قام أبو بكر رضي الله عنه إِلى عائشة ليضرب عائشة ، وقام عمر رضي الله عنه إِلى حفصة ، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده, فنهاهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و دفع عنهما الضرب في أوج المشكلة ، فليس هذه طريقة النبي صلى الله عليه و سلم في التعامل معهن ، بل كان يخاطب العقول ، و يصوغ القناعات ، و يوجه الاهتمامات و التصورات ، و لعلنا نطالع الفرق بين طريقة تعامل عمر – رضي الله عنه – و بين تعامل النبي صلى الله عليه و سلم إذ قال عمر - رضي الله عنه - : يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، و لكن النبي صلى الله عليه و سلم لا يتعامل بهذا الأسلوب حتى في مثل هذه الظروف ، و بعض بيوت المسلمين اليوم لا تعرف الرفق في وقت السلم فكيف في وقت الأزمات و المشاكل !!

3- تميزت هذه المشكلة بخروج نطاقها من بيت النبوة ، و شيوعها و انتشارها في مجتمع الصحابة ، فاجتمعوا في المسجد ، و انتشر بينهم بأن النبي صلى الله عليه و سلم قد طلق نسائه ، ومع هذا كان تعامل النبي صلى الله عليه و سلم معها متناسقاً متجانساً ، فلم يكن هناك أي حساسية أو تذمر ، و لم يناقش النبي صلى الله عليه و سلم هذه النقطة مع نسائه ، أو يحاسبهن على ذلك ، كما لم ينقل عنه أي محاولة لمعرفة المتسبب في شيوع هذه المشكلة في المجتمع ، و في هذا تذكير لنا و تربية على وزن الأمور حين الأزمات، و عدم إعطائها أكبر من حجمها ، فبعضنا لديه حساسية مفرطة تجاه خروج أي مشكلة أو معلومة من البيت ، و ربما تسبب ذلك في ولادة مشكلة اكبر من المشكلة الأساسية ، نعم لم يكن هناك حرص من النبي صلى الله عليه و سلم في إشاعة المشكلة ، و لكن ليس هناك حساسية مفرطة من انتشار خبرها ، و معلوم بأن المشكلة تحتاج إلى التحجيم لا إلى التفقيم.

4- الرغبة الصادقة من النبي صلى الله عليه و سلم في تجاوز هذه الأزمة ، و حسن أخلاقه وكمال شفقته ، و ذلك عند سروره باختيارهن الله و رسوله و الدار الآخرة ، و جاء في روايات أخرى " فضحك " و أيضا " ففرح " كما نقل ذلك ابن حجر في الفتح ، و يعجز القلم ، و يقصر البيان، في وصف تلك المشاعر النبوية الصادقة ، فلم يتكبر النبي صلى الله عليه و سلم عليهن ، أو يعلن عدم اهتمامه بما يخترنه ! و لم يشعرهن بأن حاجتهن له أعظم من حاجته لهن ، و أنه يملك المقومات التي تجعلهن يخترنه بدون تردد ، و خاصة أن نصره جاء من السماء ، لم يكن هناك أي شيء من هذه المشاعر التي قد يشعر بها بعضنا عند تعاملنا مع أزواجنا ، بل كان النبي صلى الله متلهفاً مشفقاً محباً لنسائه ، و لذلك سر النبي صلى الله عليه و سلم بذلك جداً ، مما يعطينا مساحة واسعة لمعرفة أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم ، و مشاعره الصادقة ، و حسن تعامله ، و لو كان تعاملنا بمثل هذه المشاعر السامقة ، و الأخلاق العالية ، لتغير واقعنا ، و لصلحت أحوالنا ، و لتحولنا إلى شمس مشرقة تنير للناس الطريق.

5- و من حسن أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم في هذه المشكلة ، و التي تدل على شفقته و رحمته و رغبته الصادقة في تقديم الخير للناس ، دخوله على كل واحده من أزواجه التسع ، و قراءة آيات التخيير عليها ، ثم التوجيه بعدم العجلة و الاستشارة ، و كان بإمكانه عليه الصلاة و السلام على كثرة مشاغله ، و كثرة أزواجه ، و موجدته و غضبه عليهن ، كان بإمكانه أن يجمعهن بمكان واحد ، ثم يقرأ عليهن ما نزل ، ثم يطالبهن بالرد فورا ، و لكنها أخلاق النبي الكريم – صلوات الله و سلامه عليه ، و دخوله على كل واحدة من أزواجه ، تعطينا صورة واضحة على مدى أخلاقه و شفقته و رحمته التي لا تفارقه في الغضب و الرضى .

6- قررت هذه الآيات مبدأ الاستشارة و عدم التعجل في اتخاذ القرار و تبنيه ، و ذلك عند قول النبي صلى الله عليه و سلم لعائشة – رضي الله عنها – " إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك" و خاصة أن معاناة كثير من بيوت المسلمين اليوم تعود لهذين السببين ، ففي فورة الغضب و صولته ، تطلق الأحكام ، و تلقى الكلمات بدون زمام ، و من ثم تخرب البيوت ، و يتشتت الأطفال ، و يتفرق الزوجان على مضض ولات حين ندم ، فينبغي أن يتبنى المسلم هاتين القاعدتين ، و خاصة في الأمور المصيرية الكبرى ، كالزواج و الطلاق و نحوها ، كما أن في مقال النبي صلى الله عليه و سلم هذا دليل على إرشاد الفاضل إلى استشارة المفضول حسب ما تقتضيه المصلحة ، و هذا من خلق النبي صلى الله عليه و سلم و حسن أدبه و مزيد شفقته على أمته.

7- و في الآيات تذكير بقوة الرابطة الزوجية حتى بعد الطلاق إن حصل ، فهنا نساء النبي صلى الله عليه و سلم بين اختيار الله و رسوله و الدار الآخرة ، أو اختيار الحياة الدنيا و زينتها ، و مع ذلك لم يكن هناك أي تعنيف لهن إن آثرن الحياة الدنيا ، و ليس هناك محاكمات عند الطلاق ، أو إغلاظ بالقول أو تأنيب بل ( إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً{28}قال ابن سعدي ( سراحاً جميلا ) من دون مغاضبة و لا مشاتمة ، بل بسعة صدر و انشراح بال ، " ا.هـ فجمع لهن إن اخترن الحياة الدنيا و زينتها متعة الطلاق التي بها جبر لخاطر المطلقة ، و السراح الجميل الذي يكون يدون أذى من قول أو فعل ، مع أن المقام يقتضي غير ذلك ، مما يدل على عظمة هذا الدين و كماله ، و شموله لحاجات البشر ، كما يدل على جهل الكثير منا بهذه المبادئ و المفاهيم التي جاء بها ديننا ، و لعل نظرة في المحاكم و لجان إصلاح ذات البين ، تدلنا على غياب هذه التوجيهات و الأخلاق العالية التي أمرنا بها ديننا ، مع أن حقوقنا لن تبلغ حقوق النبي صلى الله عليه و سلم ، و مشاكلنا مهما تفاقمت ، فلن تبلغ درجة الإيثار على الله و رسوله و الدار الآخرة ، و مع هذا قيل لهن (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) .

خامساً :
في هذه الآيات دليل على أن يسعى المسلم لتفريغ همومه و حل مشاكله ، و مواجهتها و عدم تركها حتى تتفاقم و تنفجر ، فالله عز وجل قد دافع عن حبيبه و نبيه ، حتى لا يكون مشغول البال بهموم بيته و مشاكله ، و يكون مطمئن النفس ، منشرح الصدر ، حين يرجع لبيته بعد عناء الدعوة و مكابدة المشاق ، فجلبت هذه الآيات الراحة و الهدوء لنبينا صلى الله عليه و سلم ، حتى انتقل إلى جوار ربه ، حيث ترك أزواجه - رضوان الله عليهن – المطالبة بالتوسعة في النفقة ، و رضين بعيشة الكفاف ، كما تركن الغيرة و ما تسببه من أذى للنبي صلى الله عليه و سلم ، و أصبحت كل واحدة راضية بما قسم الله لها ، و كذا كل مسلم فعليه مواجهة ما يتعرض له من مشاكل و عقبات ، و خاصة ما يكون في بيته ، و أن تكون لديه الرغبة الصادقة في حل هذه المشاكل و الهموم ، ، و يزيح كل ما يكدر عليه حياته ، و يصفي شوائبها ، و هذا سهل و هين لمن سهله الله عليه ( و جعل بينكم مودة و رحمة ) و قال تعالى ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ).

سادساً : كما أن في الآيات تقرير لمبدأ أن ( من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ) فلما ترك أزواج النبي صلى الله عليه و سلم مطالبهن بالتوسعة في الدنيا، إيثارا لله و رسوله و الدار الآخرة ، عوضهن الله في الدنيا قبل الآخرة و جُمع لهن خير الدنيا و الآخرة ، بشكل لم يخطر على بالهن أبدا ، قال ابن جرير في نفسيره لقوله تعالى : "لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج" " ( وإنما نهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده ، بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه ، إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين ، وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن على غيره بذلك " فتأمل شكر الله لهن ، و تعويضهن بهذا الخير ، إذ نهي النبي صلى الله عليه و سلم أن يطلقهن ، و نهيت الأمة عن الزواج بهن بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم ، و سماهن الله بأمهات المؤمنين ، ثم تأمل بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم " وتمكين أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من كنوز الأرض حتى صار الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلاً، وفاوت – أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه – بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه, وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة, ونزّل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس فكان فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً لكل واحدة وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة رضي الله عنها خمسة وعشرين ألفاً لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها، وروى عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها بالذي لها فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك يا أم المؤمنين، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً، ثم قالت لي: ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، قالت برزة بنت رافع: فقلت: غفر الله له يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا المال حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهماً، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلاد " ا.هـ نقلاً من كلام البقاعي بتصرف.
فمن آثر الله و اختاره ، فبشره بالخير و العاقبة الحسنة في الدنيا و الآخرة ، و هذه رسالة من هذه الآيات لا بد من استيعابها جيداً ، و خاصة بأن العالم اليوم يموج بالفتن و المحن ، و انشغل الكثير بمتاع الدنيا و لهوها ، و لو عقلوا أمرهم و تفكروا ، لعلموا بأن من أصلح أمر آخرته ، أصلح الله دنياه ،قاعدة راسخة ، و سنة ماضية ، و لله الأمر من قبل و من بعد.
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك

منوعات الفوائد

  • منوعات الفوائد
  • الصفحة الرئيسية