صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    عروس تغرق (كارثة جدة 1430)

     

    بيان العلماء وطلبة العلم والدعاة بجدة حول كارثة السيول 1430هـ

    مصيبة سيول جدة {لما طغا الماء} محمد صالح المنجد

    (وقفات مع كارثة جدة) .. سعد البريك هلْ ستجرفُ سيولُ جُدَّةَ الفساد؟ .. أحمد العساف
    جدة تغرق وصحافتنا في سبات .. ماجد الجهني كارثة جدة .. قراءة متفائلة للحدث .. بدوي الزهراني
    سيول جدة : القرار الحكيم و الوجه الآخر .. د.ابتسام بنت بالقاسم

    لا بد من إقالة أمين جدة الآن وسجنه في أحد بيوت قويزة .. د.نورة السعد

    كارثة جده ...الحدث والواجبات .. عادل المحلاوى

    في فاجعة بكاء العروس .. حامد العُمري
    كارثة جدة والعلاقة بين المصيبة والخطيئة .. د. لطف الله خوجه قصيدة : لا تسألوا عن جدَّةَ الأمطارا .. عبد الرحمن العشماوي

     



    (وقفات مع كارثة جدة)
    خطبة الشيخ سعد البريك
    الجمعة  17/12/1430
     

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وقفات مع كارثة جدة


    الحمد لله الذي جعل المطر رحمة ونعمة ، بقوله { هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد } . وقال تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } . فالمطر نعمة ورحمة يرحم الله بها عباده ، يزله ربنا حسب مشيئته ، وعلى حسب حاجة الخلق إليه، قال تعالى {وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزلهُ إلا بقدر معلوم } قال ابن مسعود رضي الله عنه : ليس عام أكثر مطراً من عامٍ، ولكن الله يقسمه كيف يشاء، فيمطر قوم، ويحرم آخرون ،وربما كان المطر في البحار والقفار.
    وهذا معنى قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء } فالله جل وتعالى هو الخازن للماء ينزله إذا شاء، ويمسكه إذا شاء ، قال عز وجل {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} وقال سبحانه {وأنزلنا من السماء ماءً فأسقَيناكُمُوه وما أنتم له بخازنين } أي ليست خزائنُه عندكم .
    المطر جند من جنود الله ، ثبت الله به المؤمنين يوم بدر ، وقد يتحول إلى نقمة وتذكرة يذكر الله بها عباده ليتوبوا ويقلعوا عما اجترحوا من المعاصي والسيئات ، أهلك الله به أقواماً تمردوا على شرعه ، وفسقوا وظلموا فكان عاقبتهم أن أغرقهم ربهم قال تعالى {فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا } .
    ولنا وقفات مع السيول التي اجتاحت بعض أحياء مدينة جدة .

    الوقفة الأولى : إن ما حدث من سيول في مدينة جدة قتلت العشرات ودمرت الكثير من المنازل وألحقت الأضرار الكبيرة بالممتلكات وقع بقضاء و قدر { ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } .
    كل شيء بقضاء و قدر و الليالي عبر أي عبر
    هي المقادير فلمني أو فذر تجري المقادير على خرز الإبر
    يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أحياناً
    كما أنه هو نذير بوجوب التوبة والأوبة ،وليست هذه التذكرة الأولى التي يذكرنا الله بها.فالتسلل الحوثي الآثم داخل حدودنا ، نوع من تسلط السفهاء علينا بذنوبنا ، ومن حَفِظَ الله حفظه الله ، وإن حفظ الله للعبد يكون على قدر حفظ العبد لحدود ربه وطاعته لمولاه .
    وزلازل منطقة العيص التي هزت الأرض عدة أشهر ، جعلت الناس ينامون في العراء بعد أن هجروا بيوتهم ودورهم .
    وأنفلونزا الخنازير تحولت وباء فتك بالعشرات وأدخل الرعب إلى كل بيت ، ومن قبله أنفلونزا الطيور ...و قبله الغلاء الفاحش و كوارث الأسهم .
    نذر تتوالى ومثلات تترى وقل ّمن يذَّكَّر ، بل لا زال ثمة من يرعد و يزدجر يحذرنا أن نقول أن ما أصابنا بذنوبنا .. بل يجب أن نقول أن أنها ظواهر جيولوجية و مناخية و اقتصادية و كأن الكارثة عندهم يوم يعود الناس إلى ربهم و يتوبوا إليه و يستغفرونه و يقلعوا عن الذنوب و المعاصي و الآثام.
    إن الجزاء من جنس العمل ، والأمة المحسنة لها الحسنى ، وما من قوم اتقوا ربهم إلا أنزل الله عليهم البركات من السماء ، وأخرج لهم الخيرات من الأرض { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}. والأمة المسيئة تحيط بها سيئاتها وما تمرد قوم على شرع الله، وفسقوا عن أمره إلا أتاهم العذاب والنكال من الكبير المتعال.
    قال ابن القيم رحمه الله: ( وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسهم ومللهم ونحلهم على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته, والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن ضدها من الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمتة بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه). ( الداء والدواء 38 / 39 ) .
    فهل اعتبرنا ؟ وهل تذكرنا؟ هل غيرنا من أحوالنا؟.
    {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }.

    قصص من الكارثة :

    استأثرت مشاهد السيارات المتدحرجة والطرق المغلقة على المشهد الأولى للكارثة ، ومازالت الصورة الحقيقية للمأساة لم تتكشف بعد. لا ماء .. ولا كهرباء ، بيوت تصدعت وأخرى انهارت ، وأكوام القمامة كالجبال ، المستنقعات في وسط الأحياء ، تحوم حولها الحشرات ، كثير من المساجد ، واستخراج الجثث لازال قائما حتى الساعة ، الصورة الحقيقية تحكي عن « كارثة « إنسانية حدثت ولا زلنا في أول فصولها بعد أن بدأت تكشف المياه عما تحتها من قصص موجعة تدمي القلب وتبكي العين.

    مشهد من مشاهد يوم القيامة : إحدى الناجيات تقول : وقفنا في زحمة سير عند الجامعة وانتظرنا لمدة ساعتين ، فنظرنا إلى يسارنا فوجدنا خط الخدمة معدوم والسيل قد غمره ، ورأينا سيارات ورجال كبار وصغار قد أخذهم السيل ولا يتمكن احد من مساعدتهم ، فقد كان السيل فوق كل تصور ، وبلمحة بصر وصل السيل إلينا ففررنا من السيارة وفر الناس من سياراتهم في ذعر كبير وكأنه يوم القيامة ، ولم يفكر احد في مساعدة الآخرين فالكل قد واجه الموت في لحظة ولا هم له سوى النجاة ، ومن شدة الخوف تسلقت وأخواتي سور الجامعة أما أمي فلم تتمكن ، فنظرت إلى عيونها الدامعة وقالت لي بصوت حزين : وصيتي إخوانك انتبهي عليهم وخذي بالك منهم . نظرت حولي لعلي أجد أحداً يساعدها لكن الصراخ والعويل كان سيد المكان ، السيارات تغرق بركابها والأطفال يتناثرون من السيارات ، ومن تعثر أو زلت قدمه لم يتمكن من النهوض أبداً .

    صدمات نفسية : يقول أحد أصحاب الشقق المفروشة التي آوى إليها بعض المشردين : تمر علينا عينات غريبة من النزلاء واعتدنا التعامل معها مقدرين حجم المصيبة التي حلت بهم وانعكاساتها النفسية عليهم ، فأحد النزلاء الشباب أتى للسكن لدينا بعد توجيهه من الدفاع المدني وكان يتعامل معنا بطريقة غير لائقة ولاحظنا تصرفات غريبة تصدر منه، إلا أن شقيقه أخبرنا بأنه كان من بين الموجودين في شارع جاك بحي قويزة وقت نزول السيل، وعندما أحس بالخطر صعد إلى أعلى شجرة في الشارع ولاحظ طفل جيرانه وأمسكه وأبعده عن الخطر وبعد ذلك جرف السيل وايت ماء وعند اصطدامه بالشجرة سقط الطفل وحمله السيل إلى جهة غير معلومة وعثرت عليه فرق الدفاع المدني من ضمن المفقودين وأعلن اسمه أمس معهم ، وكان لذلك الموقف أثراً كبيراً في نفسية الشاب وسبب له حالة من التوتر والقلق والتصرفات الغريبة .(صحيفة الاقتصادية ، الجمعة 1430-12-17 هـ. الموافق 04 ديسمبر 2009 العدد 5898 لجمعة 1430-12-17 هـ. الموافق 04 ديسمبر 2009 العدد 5898 ) .

    نخوة وشهامة : إحدى القنوات \" روتانا الخليجية في برنامج يا هلا \" نقلت شهادة أحد المواطنين المشاركين في إنقاذ الناجين، الذي كان منهارا من الألم والحزن وهو يصف كيف كان المواطنون - فقط - هم المنقذون في غياب للمسؤول والمؤسسات المعنية بالمباشرة السريعة للحادث، منتقدا وبقوة الدفاع المدني، وواصفا بذعر شديد وحزن كبير، كيف كانت الأسر تغرق أمامه.

    وقال أحد الناجين وهو رجل معاق : إن منزله الشعبي تعرض للانهيار وقت نزول السيل وساعده جيرانه من المقيمين حتى أخرج زوجته وأبناءه من بين الأنقاض حيث زادت إعاقته عن المشي من حجم الكارثة ، مشيرا إلى أن الكهرباء أصابتهم بعد أن تماست مع الماء ، وقد انهار المسكن الذي كان بناه وكلفه 370 ألف ريال بالكامل ، ويحتاج إلى إعادة بنائه، إضافة إلى سيارة نقل صغيرة جرفها السيل كان يعتمد عليها في التسبب عبر نقل البضائع للمحال التجارية. وشدد على تأثير أوامر خادم الحرمين الشريفين الإيجابية في نفوس المنكوبين، وقال إنها خففت عنه مصيبته في فقد سيارته ومنزله وفقد مجوهرات زوجته ويعرف الكثير ممن فقدوا عائلهم شكروا موقف المليك في تعويضهم ومدى شعوره وإحساسه بمعاناتهم .

    ويذكر الناجون كثيراً من قصص الشهامة التي قام بها الشباب الصالح ، أحدهم يقول أنه تلقى اتصالاً بأن والده ومعه 40 رجلاً غمرتهم الماء في المسجد ، فتوجه برفقة 10 شباب إلى المسجد سباحة وأنقذوا المحاصرين .
    وشاب آخر باكستاني أنقذ 14 نفس ثم أدركه السيل فغرق ، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم :\" إذا أراد الله بعبد خيراً عسَّله\" ، قيل : وما عسَّله ؟، قال :\" يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه \". رواه السيوطي عن أبي عنبة وصححه الألباني في صحيح الجامع .
    الشاب زامل فيصل القحطاني عرض حياته للخطر لإنقاذ إمام مسجد أفغاني وعائلته حيث يقول «كنت أسير قرب جدار منزل خالي لإجلائه وإخراجه وزوجته وأطفاله، كانت حالتهم لا تدعو للقلق فسمعت نداء استغاثة لأرى الأفغاني وأطفاله تحت خط السيل الخطير، كان الرجل يصرخ ويستغيث وبجانبه طلفتان أكبرهما في السنة الثانية وأصغرهما في شهرها السادس، كان منسوب المياه يرتفع شيئا فشيئا وبات الموت أقرب إلى الأسرة الأفغانية فانتشلتهما واحدا تلو الآخر بواسطة حبل، وبقيت الرضيعة تحت دائرة خطر الغرق وانتشلتها من بين أمواج السيل واخترت سطح منزلي سكنا لهم. ( جريدة عكاظ الجمعة 4 ديسمبر 2009 )

    جشع وطمع : بعض من تراكمت السيارات التي جرفها السيل في باحات بيوتهم ، أو في أراضٍ يملكونها، رفضوا أن يسلموها إلى أصحابها إلا بعد دفع مبلغ ألف ريال .
    امرأة تقول : طلبنا من صاحب سيارة كبيرة أن ينقذنا بسيارته من السيل فرفض إلا بعد دفع مبلغ خمسمائة ريال .
    لم يحن أجلها بعد : انتشرت قصة الطفلة \"أصيلة \" التي فقدت جميع أفراد عائلتها جراء هذه الفيضانات ، حيث كانت في زيارة عائلية مع أسرتها وعندما قرر والدها رحمه الله العودة للمنزل ، فطلبت منه ابنته \" أصيلة \" أن يدعها تنام في منزل \" عمها \" بعد أن أعياها التعب من ساعات اللهو التي قضتها مع صديقاتها ، وعند إلحاح الطفلة وافق والدها قبل أن يصطحب بقية أفراد العائلة المكونه من والدتها وخمسة من إخوتها ليعود للمنزل الذي يقع في الحي المنكوب \" قويزة \" .وعند وقوع الكارثة غمرتهم المياه وقضت على جميع أفراد العائلة .
    أين المسؤول : قضى المواطن السعودي، غسان زكائي، 17 ساعة محاصرا مع زوجته وأطفاله بسيول جدة يوم الأربعاء الماضي، وشاهد موت الأطفال في الحي الذي يسكنه. كان يصرخ طالبا النجدة ، واتصل بالهلال الأحمر والدفاع فردوا عليه بعد 8 ساعات ، كما قال في حديث خاص لبعض الوكالات الاثنين 30-11-2009.ويتذكر غسان، الذي فقد منزله وسيارته ويعيش في مزرعة قريبه على طريق مكة، بكثير من اللوعة والأسى “مآسي السيول” التي كادت تقضي على حياته وأسرته.

    الوقفة الثانية :
    إننا نحتسب من قضوا غرقاً شهداء عند الله عز وجل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ \". أخرجه البخاري ومسلم.
    قال الإمام النووي : \" وأنَّ الشُّهداء ثلاثة أقسام:
    شهيد في الدُّنيا والآخرة : وهو المقتول في حرب الكفَّار.
    وشهيد في الآخرة دون أحكام الدُّنيا : وهم هؤلاء المذكورون هنا.
    وشهيد في الدُّنيا دون الآخرة : وهو من غلَّ في الغنيمة أو قتل مدبراً.أ.هـ.
    قال ابنُ قدامة في \" المغني \" (3/476) : \" فأما الشهيدُ بغير قتل كالمبطون ، والمطعون ، والغرق ، وصاحب الهدم والنفساء ، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم ، لا نعلم فيه خلافا \" .أ.هـ.
    ولا يعني كونهم ماتوا غرقى أن هذا عقوبة لهم ومقت وغضب من الله سبحانه ، بل هي ساعة الأجل التي كتبت لهم و هم أجنّة في بطون أمهاتهم و لكن يقدر الله الأسباب فيبتلي سبحانه و يمحص و جعلهم شهداء (و الله لا يسئل عما يفعل و هم يسئلون)
    لو أراد الله عز وجل أن يعاقب الناس على ذنوبهم ومعاصيهم لأهلك البشرية كلها فكل ابن آدم خطاء ، قال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . قال القرطبي في تفسيره : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم ، ما ترك على الأرض من دابة .(و لنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة و أولئك هم المهتدون) قال قتادة في الآية : قد فعل الله ذلك في زمن نوح ، فأهلك من على الأرض ، إلا من كان في سفينة نوح عليه السلام . قال القرطبي : وقيل : معنى الآية : لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل ، ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد .
    إنها تذكرة وتخويف لنا نحن الأحياء بأن ما يحدث من كوارث وزلازل ومحن وإحن وحروب إنما هو بما كسبت أيدينا وأن من قضوا ونحسبهم شهداء إنما هم بغتتهم هذه الكارثة بسبب ذنوبنا ومعاصينا، فالذنوب تستمطر البلاء وإذا نزلت العقوبة لم تستثن أحداً وتشمل الصالح والطالح ، أما الطالح فتكون عقوبة له ، وأما الصالح فتكفير لسيئاته ورفعة في درجاته ويبعث على نيته تقول أم المؤمنين يا رسول الله : أنهلك و فينا الصالحون ؟. قال : \"النعم إذا كثر الخبث\"، وحتى الحيوانات تعاقب بذنوب بني آدم . سمه أبو هريرة رضي الله عنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : بئس ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم .

    الوقفة الثالثة :
    وقفة مع خطاب خادم الحرمين الشريفين، الذي فجع بكارثة جدة ، فقال في بيان ملكي صدر عنه :
    ... وبعد أن تابعنا ببالغ الحزن والألم الأحداث المأساوية التي نتجت عن هطول الأمطار على محافظة جدة وما أدت إليه من وفيات تجاوزت مائة شهيد وإصابة الكثيرين إضافة إلى العديد من التلفيات والأضرار البالغة على المنشآت العامة والممتلكات الخاصة وبعد أن قمنا بواجبنا في حينه بتوجيه الجهات المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة حيال ذلك وبشكل عاجل جداً وكنا على اتصال مع المسؤولين المعنيين بمتابعة هذا الأمر أولاً بأول واتخاذ ما يلزم من إجراءات في حينه وإنه ليحز في النفس ويؤلمها أن هذه الفاجعة لم تأت تبعاً لكارثة غير معتادة على نحو ما نتابعه ونشاهده كالأعاصير والفيضانات الخارجة وتداعياتها عن نطاق الإرادة والسيطرة في حين أن هذه الفاجعة نتجت عن أمطار لا يمكن وصفها بالكارثية .
    وإن من المؤسف له أن مثل هذه الأمطار بمعدلاتها هذه تسقط بشكل شبه يومي على العديد من الدول المتقدمة وغيرها ومنها ما هو أقل من المملكة في الإمكانات والقدرات ولا ينتج عنها خسائر وأضرار مفجعة على نحو ما شهدناه في محافظة جدة وهو ما آلمنا أشد الألم .
    واضطلاعاً بما يلزمنا واجب الأمانة والمسؤولية التي عاهدنا الله تعالى على القيام بها والحرص عليها تجاه الدين ثم الوطن والمواطن وكل مقيم على أرضنا فإنه من المتعين علينا شرعاً التصدي لهذا الأمر وتحديد المسؤولية فيه والمسؤولين عنه - جهاة وأشخاصاً - ومحاسبة كل مقصر أو متهاون بكل حزم دون أن تأخذنا في ذلك لومة لائم تجاه من يثبت إخلاله بالأمانة ، والمسؤولية الملقاة عليه والثقة المناطة به ، أخذاً في الاعتبار مسؤولية الجهات المعنية كل فيما يخصه أمام الله تعالى ، ثم أمامنا عن حسن أدائها لمهماتها ومسؤولياتها ، والوفاء بواجباتها ، مدركين أنه لا يمكن إغفال أن هناك أخطاءً أو تقصيراً من بعض الجهات ، ولدينا الشجاعة الكافية للإفصاح عن ذلك والتصدي له بكل حزم ، فهؤلاء المواطنون والمقيمون أمانة في أعناقنا وفي ذمتنا ، نقول ذلك صدقاً مع الله قبل كل شيء ، ثم تقريراً للواجب الشرعي والنظامي ، وتحمل تبعاته ، مستصحبين في ذلك تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من صنيع بعض أصحابه فيما ندبهم إليه .
    لذا وامتثالاً لقول الله تعالى { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) . وبناءً على ما تقتضيه المصلحة العامة.أمرنا بما هو آت :
    أولاً : تكوَّن لجنة تباشر التحقيق و تقصّي الحقائق في أسباب هذه الفاجعة ، وتحديد مسؤولية كل جهة حكومية أو أي شخص ذي علاقة بها.
    2- حصر شهداء الغرق والمصابين والخسائر في الممتلكات.
    3 ــ على وزارة المالية تعويض المتضررين في ممتلكاتهم وفقاً لما تنتهي إليه اللجنة
    4- للجنة تكوين لجان منبثقة وفرق عمل لتسهيل مهماتها ، ولها في ذلك اتخاذ جميع ما يلزم من إجراءات لتسهيل أداء عملها ، وعلى جميع الجهات الحكومية الالتزام التام بالتعاون مع اللجنة وتسهيل مهماتها ، بما في ذلك تقديم جميع ما تحتاج إليه من معلومات وبيانات ووثائق .
    وللجنة استدعاء أي شخص أو مسؤول كائناً من كان بطلب إفادته، أو مساءلته - عند الاقتضاء - ، كما للجنة الاستعانة بمن تراه من ذوي الاختصاص والخبرة.
    6- على اللجنة الرفع لنا بما تتوصل إليه من تحقيقات ونتائج وتوصيات بشكل عاجل جداً ، وعليها الجد والمثابرة في عملها بما تبرأ به الذمة أمام الله عز وجل ، وهي من ذمتنا لذمتهم ، مستشعرة عظم المسؤولية وجسامة الخطب.
    ثالثاً : على وزارة المالية - حالاً - صرف مبلغ مليون ريال لذوي كل شهيد غرق ، أكرمه الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم : \" والغريق شهيد\" على ضوء ما يرد للوزارة من اللجنة المشار إليها عن الأسماء المحصورة من قبلها.
    هذا أهم ما ورد في البيان الملكي الذي ينضح شفقةً و رحمة على الوطن والمواطن والمقيم وعلى مصالحهم .
    و إذ نذكر هذا و نشكره نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسـلم:\" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به \".
    جاء هذا البيان مجللاً بحزم يعكس الألم الذي شعر به خادم الحرمين الشريفين جراء هذه الكارثة الفظيعة . وتحمل المسؤولية بكل أمانة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم :\" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته \" .
    وجاء هذا في وقت الكل يدرك أن الدولة بجميع أجهزتها كانت مشغولة بخدمة ضيوف الرحمن و الحساسية الأمنية من الأعداء الذين درجوا على تنغيص المواسم بالشعارات و الهتافات الخاوية.
    ونقول نعم هو قضاء الله و قدره نافذ و لكن البيان سيحيي الأمل في معاقبة المفسدين والمرتشين والمقصرين . {و من يغلل يأتي بما غل يوم القيامة } .

    الوقفة الرابعة :
    لابد من محاسبة كل من يثبت أنه تسبب في حصول هذه الكارثة .
    أين تحمل المسؤولية والأمانة ؟.
    يقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. وقال تعالى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ }.
    أصاب أبي بكر محمد بن عبد الباقي البغدادي أحدِ علماء الحنابلة فقر شديد حتى إنه لم يجد ما يدفع به عن نفسه الجوع، فخرج يوماً في الطريق فوجد كيسا من برسيم مشدودا بشرَابة قال:فأخذته وجئت به إلى بيتي فحللته فوجد فيه عِقداً من لؤلؤ، فخرجت فإذا بشيخ ينادي في السوق من وجد ضمة برسيم وله مكافأة من المال فقلت له تعال إلي فأعطيته الضمة، واعتذرت عن قبول المكافأة، فلما ألح علي قلت إني فعلت واجبي ولا آخذ له جزاءً ، ثم خرج أبو بكر البغدادي إلى البحر في سفر فانكسر المركب وغرق الناس ، وحمله البحر إلى جزيرة فيها قوم ، فأخذ يعلم الناس وفتح الله عليه في تلك القرية، وكثر ماله ،وتحسن حاله.ثم أراد أهل القرية تزويجه فتاةً يتيمة، فلما زفوها إليه، وجدها تلبس ذلك العقد الذي وجده ذات مره في ضمة البرسيم ورده إلى صاحبه ، فأدْهشه رؤيةُ العِقدِ وأطالَ النظرَ إليه، حتى إنَّ عروسه وجدت في نفسها؛ لانشغال عروسها عنها بالنظر إلى العقد ، فسألته: ما بالك تطيل النظر إلى العقد بدلا من النظر إلى عروسك في يوم زفافها ؟ فأخبرها بقصته مع ذاك الرجل الذي فقد العقد ورده إليه .قالت: ذاك الرجل هو والدي ، وكان يدعو الله أن يكا فئك لأنه لم يكافئك (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: 1/196).
    فقد كافأ الله التقيَ الأمين بأن رد إليه العِقد وصاحبته بالحلال ، وكيف كانت ثمرة الأمانة أن صاحب العِقد كان يدعو في ظهر الغيب للرجل فكان ذاك الدعاء سبباً في تفريج الكرب إذ غرقت السفينة ونجىَ الأمينُ ويسَّر اللهُ له سُبَلَ العمل .
    كثيرٌ من الناس يغفل عن أثر الأمانة ،ويتصور أن الغنى بأخذِ المالِ الحرامِ واختلاس الأموال والخيانة .
    إن الخيانة من أعظم خصال المنافقين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : \" آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمِن خان\". رواه البخاري .
    ليست القضية قضية بيوت عشوائية في مجرى الوادي وحسب ، بل هناك ما أخطر ، إنها قضية الفساد والتستر .
    فمن الذي تستر على تخطيط و بناء هذه البيوت وكيف مدت الكهرباء والمياه إليها ؟.
    وكيف سمح ببنائها في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة ؟.
    هل ضاق بلد شاسع كالمملكة تعادل مساحته مساحة دول عديدة كفرنسا واسبانيا وألمانيا وانجلترا وإيطاليا والنمسا والدانمارك وهولندا وسويسرا وبلجيكا مجتمعة، فهل ضاق هذا البلد الكبير بأهله إلى درجة أنه لم يتبقً أمامهم سوى بطون الودية ليسكنوها ؟.
    ما هو حجم الفساد الذي سبب هذه الكارثة ؟.
    وأين من يحاسب على الصفقات الخفية التي تبيع المشاريع التنموية من شركة إلى أخرى بثمن يتناقص مع كل صفقة لتنتهي هذه المشاريع بين أيدي مجموعة من العمال يفتقرون إلى الخبرة الدقيقة في ظل غياب المتابعة والمحاسبة ؟.
    ليس غريباً أن تهطل أمطار غزيرة على أي مدينة في العالم، وليس غريباً أن تجري السيول والفيضانات في المدن ، لكن الغريب أن تنهار المساكن والجسور ، وأن تغمر المياه البيوت والأنفاق ، وتجتاح المباني الكبيرة وتأتي على بعض المستشفيات والقطاعات الخدماتية في المدينة، وتقتل أكثر من مائة نفس نحسبهم شهداء عند الله ولا يزال العشرات في عداد المفقودين .
    فهل قامت الجهات المعنية بتجهيز البنى التحتية وتصريف مياه المطار بما يليق بثاني أكبر مركز تجاري في المملكة بعد العاصمة الرياض، وبأكبر ميناء على البحر الأحمر ، وبأكبر مدن منطقة مكة المكرمة، وبمدينة يسكنها حوالي 4 ملايين ، بينما لا تغطي شبكات تصريف المياه سوى 8 في المائة من مساحتها البالغة 900 كيلومتر مربع ؟.
    إن المطلوب هو المعالجة الجادة والشفافية في التحقيق والمحاسبة الصارمة لكل من يثبت تورطه في هذه الكارثة ،عملاً بما صرح به الأمير سمو أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل ، كما يجب تطوير إمكانيات الأمانات والبلديات لمواجهة مثل هذه الظروف .

    الوقفة الخامسة :
    ليست الطبيعة هي المسؤول عما حدث ، بل إن الذنوب والمعاصي هي أسباب الكوارث والنكبات ، والله تعالى هو الخالق المدبر وهو مسبب الأسباب ، والأمطار الغزيرة هي سبب ساقه الله عز وجل ، وافق تقصيراً و تفريطاً و تهاوناً من بعض من تولى الأمانة و المسؤولية فوقعت الفاجعة ، لكن سبب ذلك الرئيس هو الذنوب والمعاصي وما جرى من تقصير وإهمال ومطر غزيز إنما هي أسباب يسخرها الله عز وجل. صحيح أن شيئاً من التفسير المادي الذي يعتمد على الدراسة والبحث ، قد يكون صائباً في بيان أسباب هذه الكوارث ، لكن السؤال هو : بأمر من تحدث هذه الكوارث ؟ .
    إن التفسير المادي البحت للفواجع والكوارث يلغي الحكمة التي أرداها الله تعالى من تقديره لهذه الكوارث ، فالله تعالى يقول { وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً } ليقلع العباد عن ذنوبهم ويرجعوا إلى ربهم ، وكونها تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله تعالى على العباد لذنوبهم فهو مسبب الأسباب ، وخالف السبب والمسبّب {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} فإذا أراد الله شيئا أوجد سببه ورتب عليه نتيجته .
    وبعض الليبراليين والكُتَّاب يقول السبب مادي بحت ، فلا ينزجر عاص عن معاصيه ، ولا يستقيم المنحرف من انحرافه ولا يفيق الغافل من غفلته .
    ليس من سبب لكل هذه الإحن سوى ما يرتكبه العباد من فواحش ومنكرات ، لعلهم يؤمنوا بربهم ويعودوا إليه ، ويستيقظوا من غفلتهم، ويراجعوا أنفسهم ويتوبوا وينزجروا ، والسعيد من انتفع وتنبه ، والشقي من غفل ولم ينزجر ، فكم نسمع من الحوادث ونشاهد من الكوارث : حروب في الدول المجاورة ، وكوارث تنزل وزلازل تهز الأرض وأوبئة تفتك ومفسدون يحاولون زعزعة أمننا.
    لقد أهلك الله عز وجل أممًا وقروناً لعصيانهم وطغيانهم ، كانوا أشد قوة وأطول أعماراً وأرغد عيشاً وأكثر أموالاً، فأستأصلهم وأبادهم، ولم يبق لهم ذكر ولا أثر، وتركوا وراءهم قصوراً مشيدة وآباراً معطلة وأراضٍ خالية وزروعاً مثمرة،ونعمة كانوا فيها فاكهين، فورث كل ذلك قوماً آخرين { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ} وقال تعالى { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكرًا* فذاقت وبال أمرها خسرًا }.
    روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر. وأراك إذا رأيته عُرِفَتْ في وجهك الكراهية؟ فقال: \"يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب. قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا \" . وكان صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: \"اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. وإذا تخيلت السماء (يعني تغيمت وتهيأت للمطر) تغير لونه وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مَطَرتْ سرَّي عنه\". رواه مسلم.
    هكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أتقى الناس وأعرف الخلق بالله عز وجل إذا رأى الغيم أو الريح ، فهل يصدق عاقل ما يزعمه البعض أن الكوارث سببها الطبيعة ولا علاقة لذلك بأعمال البشر ولا بتصرفاتهم ؟.
    رجفت الأرض في خلافة عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عماله بالأمصار : أما بعد: فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله تعالى به العباد وقد كتبت إلى الأمصار أن اخرجوا يوم كذا من شهر كذا ، فمن كان عنده شيء فليصَّدَّق، قال الله عز وجل { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} . وقولوا كما قال أبوكم آدم {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } . وقولوا كما قال نوح عليه السلام { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } . وقولوا كما قال يونس عليه السلام { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.( حلية الأولياء 5 / 304 ــ 305 ، نقلاً عن كتاب العقوبات 33 ).

    الوقفة السادسة :
    لا ضمانة إلا بالتوبة والاستغفار فإن الاستغفار ضمانة من الهلاك . قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. ( تفسير ابن كثير 2/317). وقال أبو موسى رضي الله عنه : كان لنا أمانان، ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا، وبقي الاستغفار معنا، فإذا ذهب هلكنا.فالتوبة والاستغفار ترفع البلاء الواقع وتمنع البلاء النازل . عندما ألقي نبي الله يونس في الحوت نادى في الظلمات { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فنجاه الله عز وجل.
    قال عمر بن عبد العزيز في خطبة له : إن كان النبي من أنبياء الله ليخطئ الخطيئة فيُقذَف في بطن الحوت ، ولا ينجيه منها إلا التوبة.(العقوبات 123 ) .
    كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضمانات النجاة بإذن الله رضي من رضي وسخط من سخط ، قال ربنا عز وجل { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} . وقال عز وجل { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } .
    هناك ترابط وصلة بين انتشار الخبث وتكاثره و ظهوره علانية ، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالخبث لا يكثر إلا إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو حُدَّ من عمله أو ضُيَّق عليه.
    ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في أكثر من حديث فقال : \" ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع ، لا يغيَّرون إلا عمَّهم الله بعقاب\". رواه ابن ماجه وصححه الألباني . وعند الترمذي :\" ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب\".
    وعن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم \". رواه الترمذي وحسنه.

    الوقفة السابعة :
    ما هو واجبنا ؟.
    واجبنا تجاه المتضررين يكون بالإغاثة و النجدة والإيواء .
    القريب يساعد قريبه ، وذي الرحم يؤوي رحيمه ، والجار يعطف ويتلطف بجاره. وواجب الأثرياء ومن بسط الله لهم المال مد يد الندى لشراء الطعام والكساء والغذاء للمتضررين {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .
    وواجبنا اتجاه ولي الأمر أن ندعو له بالسداد والتوفيق وبالبطانة الصالحة .
    والدعاة لولاة الأمر عقيدة راسخة عند أهل السنة والجماعة . يقول الإِمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة ما نصه: ولا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أمورنا وإِن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة.
    وقال إِمام أهل السنة في عصره أبو محمد البربهاريُّ رحمه الله في \"شرح السنة \": فأمرنا أن ندعوا لهم بالصلاح ، ولم نؤمر أن ندعوا عليهم ، وإن ظلموا وإن جاروا ، لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم ، وصلاحهم لأنفسهم و للمسلمين.
    وقال الإِمام الحافظ أبو بكر الإِسماعيلي رحمه الله في \"اعتقاد أهل السنة \" : ( و يرون - أي أهل السنة و الجماعة- الصلاةَ ؛ الجمعة وغيرها ، خلف كل إِمام مسلم ، براًّ كان أو فاجرا... ويرون الدعاء لهم بالصلاح والعطف إِلى العدل.
    وقال الإِمام شيخ الإِسلام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في \" عقيدة السلف وأصحاب الحديث\" :( ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين و غيرهما من الصلوات ، خلف كل إِمام ، برا كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفرة معهم ، وإِن كانوا جَوَرة فجرة ، ويرون الدعاء لهم بالإِصلاح والتوفيق والصلاح ، وبسط العدل في الرعية.
    وواجب الإعلام أن يبرز حجم المشكلة وأن يخصص برامج إعلامية لبيان الجانب الشرعي من الكارثة وأسبابها وسبل العلاج ( كما فعلت قناة المجد مشكورة في تغطيتها ) .
     


     
    كارثة جده ...الحدث والواجبات
    عادل بن عبدالعزيز المحلاوى


    الحمد لله اللطيف الخبير ,الولي الحميد , عطائه فضل , وحكمه عدل , بر رحيم , والصلاة والسلام على من بلغ الرسالة , وأبان الحجة , النبي الأمين , صلى الله عليه وعلى آل بيته والأصحاب والتابعين , أما بعد :

    فمع عظيم الم المصاب , وشدة تأثير الفاجعة على النفوس, وكبر الخطب الذي ألم بالناس في حادثة كارثة جدة , واجزم أن كثيراً ممن شاهد تلك الصور قد أصاب قلبه ما أصابه من الحزن , وربما دمعت عينه تأثراً بما رأى .

    ومع هذا كله , إلا أننا نعلم أن ما أصاب الناس خير لهم , كما قال تعالى ((وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) البقرة 216

    - وفي قوله تعالى (( فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)) النساء19 بيان لعظيم علم الله , ومحدودية علم البشر

    والمؤمن عبد قد سلم أمره لله تعالى , ليقينه بأن اختيار الله له خيرا من اختياره ,فعن صهيب رضي الله عن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\". رواه مسلم .

    ولعل من بعض الخير الذي حصل في هذه الحادثة –ولن يستطيع أحد إدراكه كله- أن الله

    قد اختار من هؤلاء شهداء , حياتهم عند ه أفضل من حياتهم بين أهليهم – نحسبهم كذلك و لانزكي على الله أحدا- .

    وفضحت هذه الأزمة المتلاعبين بالأموال العامة , الغاشين لأوطانهم وأماناتهم - مما يكون بإذن الله سبباً لحفظ الناس في مستقبل الأيام – وجزى الله خادم الحرمين الشريفين بقراره المبارك بتشكيل لجنة التحقيق في مسببات هذه الكارثة , ومن مثله لا يُستغرب , وقد عُرف عنه حفظه الله حبه لأبناء هذا الوطن الغالي على الجميع .

    ولعل من الحكم العظيمة أيضاً : أن الله أراد بأهل \" بوابة الحرمين \" جدة الغالية خيرا, لان الخطر لازال قائما عليهم في ظل الوضع الراهن , ولعل مثل هذا الحدث يجعل المسئولين يأخذون الحيطة والحذر لمستقبل الأيام من باب قوله تعالى \" خذوا حذركم \" لأنهم أصبحوا الآن يخافون من كل سحابة تخيم عليهم , وكل برق يلمع , فنسأل الله أن يتم عليهم وعلى المسلمين العافية أنه جواد كريم

    وإنه يجب علينا جميعا في مثل هذه الأحداث أمورا – منها - :

    أولها وأعظمها : التوبة النصوح :


    لنعلم يقينا أن ما أصابنا أنما هو سبب ذنوبنا ومعاصينا , وليس في هذا تناسياً للأسباب , أو عدم الالتفات لها البتة فليس هذا منهج الإسلام , ولكن الناس تناسوا أو تغافلوا عن هذه الحقيقة التي يجب أن نعيها جميعاً , ونؤمن بها , ولقد رأيت كما رأى غيري الاهتمام بهذا الجانب وطغيانه على الجانب الشرعي , وأكرر بعدم إنكاره, ولكن لا نجعله السبب الأول ونتناسى السبب الرئيس ( وهو الذنوب والمعاصي , وتجاوز الحدود ,. والتقصير في الأوامر) .

    صحابة محمد صلى الله عليه وسلم تصيبهم الهزيمة يوم أحد ويفقدون سبعين من خيرة الأصحاب , ويتساءلون أنى هذا ؟ فيأتي الجواب من رب العالمين , كما في سورة ال عمران \"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\" فإذا كان هو حال الصحابة رضي الله عنهم فكيف بمن دونهم من البشر ؟

    ولذا جاءت آية الشورى مبينة لهذا الأصل الأصيل الذي ينبغي أن يعيه الناس فيقول سبحانه{ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}(الشورى: 30

    ., ومع ذا فقد تكون المصيبة رفعة لبعض العباد , وتكفيراً للذنوب والخطايا , ورحمة للناس –كما تقدم من ذكر بعض الحكم -

    ولكننا لا يجوز لنا أن نغفل عن ذكر هذا السبب , أو نشنع على قائله كما يفعل من لا خلاق لهم بأمر الله تعالى , ولا نقول أيضاً أن كل من أصابتهم تلك المصيبة هم أصحاب ذنوب ومعاصي, بل فيهم من الأخيار والأطهار , بل بعضهم أُصيب وهم في بيوت الله تعالى , ولكن المعصية إذا عمت وانتشرت لم يسلم من هذا احد حتى الصالحين , قال تعالى :((وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 25

    وروى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعاً وهو يقول : \" لا إله إلا الله . ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا – وحلق بين إصبعيه السبابة والإبهام – \" فقالت له زينب رضي الله عنها : يارسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث .\"

    ومن لم يتب في مثل هذه الأحداث متى يتوب ؟

    من لم يتأثر بمثل تلك الفاجعة , وهي تبغت الناس على غٍرة , وفي حال أمنهم في طرقاتهم وبيوتهم , ويرى الأمواج وهي تحمل الأنفس وتقذف بها , ويرى المركبات تتلاعب بها الأمواج بأصحابها , من يرى تلك الصور المفزعة ثم لا يلين قلبه , ولا تكف نفسه عن المعصية , فمتى يتأثر بالله عليك ؟

    فالتوبة بإذن الله تعالى , والتخلص من المظالم حصن حصين للإنسان , وحفظ عظيم للمجتمع من حلول المصائب , أو على أقل تقدير تقليلها .

    ومن الواجبات المهمة : نشر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المستويات, وتفعيل ذلك على جميع المستويات في الأسرة , والمدرسة , والعمل , والشارع , والنادي , والسوق , وفي كل مرفق ومجتمع - أمراً بالمعروف وبالمعروف , ونهياً عن المنكر بالمعروف أيضا - متبعا في ذلك هدي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم , وصحابة الكرام وأئمة الدين , وبهذا أمر الله تعالى \" بقوله \" )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104) وبه فازت الأمة بالخيرية \" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)

    وعلى هذا قامت هذه البلاد , واليه يدعو ولاة الأمر أعزهم الله في كل مناسبة , وان الناظر إلى المجتمع ليرى تفلتا من الأوامر وارتكابا للمناهي , كم نرى من ترك للصلوات ولو قُدر لك وسرت في طريق من الطرق العامة في وقت صلاة من الصلوات يأخذك العجب كل مأخذ أكل هؤلاء مسافرون أو معذورون في ترك الجماعة , أم هو التفريط واللامبالاة في هذه الفريضة , ناهيك عن العمالة العاملين في المحلات التجارية وقد أخذوا جانبا من الطريق أو جلسوا في وسط السوق ينتظرون انتهاء الصلاة حتى يعودا لفتح محلاتهم التجارية وكأنما خلقوا لدنياهم الفانية , وكل من ذهب إلى الأسواق رأى هذا ظاهرا .

    كم نرى من تفلت للنساء وتحررا من الحجاب حتى أصبحت ترى المرأة المتحجبة الحجاب الكامل نادرة في الأسواق .

    كم ترى من لباس غربي للشباب وتقليد للكفار , وما انتشار محلات البناطيل والبلوزات الرجالية بخافية على احد .

    في صور كثيرة من المنكرات التي يجب عندها إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وتسهيل كل عمل دعوي فيه نفع للناس وردهم إلى ربهم رداً جميلاً مما فيه خير لهم وللمجتمع , وقياماً بالمسؤولية العظيمة الملقاة على الأعناق

    ثالثا : بث الوعي الديني والأخلاقي في المجتمع :


    كم أفرزت هذه الأزمة من خفايا النفوس المريضة , وحاجتها إلى الوعي بواجبهم تجاه إخوانهم , خصوصا في الأزمات , كم ظهر من جشع للنفوس , وبرزت أنانيتها , وطغت الماديات عليها فهذه أسعار تُرفع , وتلك شقق تُغلق , وذاك مال ومنزل يُمنع , في صور مخزية لبعض النفوس , وصور أخرى أعظم مصيبة , وهي استغلال هذه الأزمات في السرقات والسطو على البيوت , بل من عجيب ما بلغ أن أحد العمالة وُجد غريقا وفي جيبه عدة محافظ قد سرقها إما من منازل أو من غرقى حتى لقي حتفه على شر ميتة .

    إن هذه الصور وغيرها لتجعل القائمين على منابر التوجيه , والغيورين على مجتمعهم أن يضاعفوا الجهد في بث الوعي الديني والأخلاقي بين المواطنين والعمالة الوافدة .

    وبالمقابل كم أظهرت الأزمة من صور مشرقة لأخيار وأصحاب شهامة في المجتمع , فهذا يُنقد , وذاك يُخرج جثث , وآخر يفتح بيته للمنكوبين , ورابع يفتح متجره , ويساعد في الأزمة في صور تُبشر بالخير(أما التسويق الرخيص الذي قامت به بعض الصحف في بث صور لاختلاط شباب وفتيات وقيامهم بمساعدة المنكوبين وهم في اختلاط محرم , فيُقال لهم (إن المؤمنين أرفع من أن تخدعهم تلك الألاعيب ) ولئن كن تلك الفتيات المخدوعات حريصات على فعل الخير وبرجين الثواب من الله من وراءه , فهناك من المجالات خاصة في مجتمعهن , قمن بها خيرات وتقمن بها أنتن من معونة الأسر , والوقوف بجانب الأمهات , والخدمة داخل بيوت المنكوبات ما يغنينهن عن ذالكم الاختلاط المحرم الذي من وراءه كل وزر .

    فهذه واجبات ثلاث قد أمر بها الشرع , وذكرتنا بها هذه الحادثة , فما أعظم بركة الأخذ بها , فهي خير لنا في الدارين .

    اللهم احفظ علينا أمننا , وأتمم علينا عافيتك , وأدم علينا فضلك , ولاتغير علينا يارحمن , اللهم تقبل من غرقوا في الشهداء , وارزق أهليهم الصبر , وعوض كل مصابا خير ما عوضت به أهل المصائب , وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
     



    لا بد من إقالة أمين جدة الآن وسجنه في أحد بيوت قويزة
    د.نورة خالد السعد


    ( لا بد من إقالة أمين جدة الآن وسجنه في أحد بيوت قويزة وبقية موظفي الأمانة المتورطين يوزعونهم في بيوت بقية الأحياء التي تضررت كما هي في حالتها الآن)

    لا تزال عمليات البحث وانتشال جثث ضحايا السيول والأمطار مستمرة في الأحياء التي تضررت من كارثة السيول وما جرفته بحيرة الفساد عند فيضان مياهها القذرة – رغم محاولات الفاسدين إنكار هذه الحقيقة - عمليات الإنقاذ على قدم وساق من قبل الدفاع المدني وبقية الجهات المشاركة سواء الرسمية منها أو المدنية التطوعية .

    الأحياء المنكوبة تعيش حالة مأساوية، ورائحة الموت لاتزال في حي الصواعد الذي طمر بالكامل علي بعض سكانه والبعض تم إنقاذه , وبقية الأحياء لاتزال في مستنقعاتها وتخريب مبانيها من منازل ومدارس ومساجد .

    ولا يزال الدفاع المدني يستخرج عددا من جثث المفقودين من البرك الممتلئة بالمياه والأشجار والأتربة وبقايا المنازل التي تهدمت. هذه البرك يغطي قاعها الطين اللزج الذي قد يخفي تحته بعض أشلاء الشهداء الذين غرقوا ولم يتم العثور عليهم حتى اللحظة, ورغم هذا تظل بيانات الدفاع المدني تتوقف عند عدد 113 شهيد !! و45 مفقود !!

    الأحياء المتضررة مشروع أمراض وبائية قادم للجميع .لساكني شرقها وغربها وشمالها وجنوبها ,لن يسلم أحد . البعض من الموتورين يطالب بتقنين التبرعات حتى لاتصرف علي ( الإرهابيين ) ينسون أن الإرهاب الحقيقي هو في ( الخطر القادم من بحيرة الفساد ) الذي سيدمر أحياء أخري لانزال إلي الآن لانعرف متى سيتم التخلص منها ؟ الإرهاب الحقيقي هو في سرقة المليارات من ميزانية الأمانة علي مشاريع لم تنفذ , وهرب اللصوص بسرقاتهم والبقية لايزالون يمارسون الكذب

    فخطورتها البيئية مستمرة على الدوام ولكن نحاول التأكد من الوضع الآني للبحيرة ومدى تماسك السد الترابي الذي أقامته الأمانة الفاشلة وعدم الأمينة .فالأمانة لم تعد مصدر المصداقية ففضيحتها علي العلن وفي أرقام الشهداء ومن بقي تحت الركام سيساءلون هؤلاء الفاسدين الخائنين لأمانتهم (كائنا من كانوا ) !

    في هذا المناخ الكارثي الذي يخيم علي سماء جدة وأهلها وخصوصا ,نستغرب أن الأمين عادل فقيه إلي الآن يمارس مهامه ويصدر تعليماته وكأنه ليس مسئولا عن هذه الكارثة التي لو حدثت في أحدي الدول المتقدمة لما بقي في منصبه لساعات , أما أن يبقي ويصدر تبريراته وكذبه علي العلن وهو مطمئن أن هناك فاسدين في بعض الصحف يحاولون أبعاد الكارثة عن صنعه فتلك من المصائب التي لايمكن أن نتقبلها .ولابد أن يحاسبوا عليها .

    نحن في جدة من الذين لايزال خطر ( بحيرة الفساد والرشاوى والسرقات ) يهددهم أذا انفجرت , وكل يوم نقرأ تصريحات كاذبة عن أن الوضع وأنه لايشكل خطورة !!وهو كاذبين فلم نعد نصدقهم خصوصا أن البيانات غير صادقة فيما يتعلق بأعداد الضحايا إلي الآن !!وما يوضح هذا الكذب أن هناك مطعما في روسيا أحترق بالأمس توفي من جرائه مائة وخمسة افردا !! فهل يعقل أن عشرة أحياء يسكنها 650 ألف نسمة تعرضوا للطوفان من بحيرة الفساد مع الأمطار وتصريفات المجاري لم ينتقل إلي رحمة الله منهم سوي 113 شهيد ؟؟ وأن الذين أبلغوا عن مفقودين فقط 35 ؟؟ بينما كان الخبر ثالث يوم الذين بلغوا عن المفقودين 3500 شخص !!

    من المسئول عن هذا التخبط في أرقام الضحايا وأرقام المفقودين ؟؟

    لماذا إلي الآن لم يتم استدعاء اللص محمد سعيد فارسي والآخرين السابقين لهذه الأمانة المنكوبة بأمنائها السابقين والحالي ؟؟ لماذا إلي الآن لم يتم احضارالأمناء السابقين من الخارج ؟؟ هل نصمت علي هذا ؟؟

    ونحن هنا نتساءل : هل لو توفي أبن احد المسئولين من الأمناء أو المتنفذين هل سيكون رد الفعل بهذا الهدوء ؟

    لم يتحمس الإعلام والكتاب علي الكتابة والتعليقات الابعد صدور بيان خادم الحرمين الشريفين !! لماذا ؟؟ هل الكوارث لاتحرك المخلصين إلا ذا تحرك حاكم البلد حفظه الله ؟؟

    لماذا قلل بعض المسئولين من أخطار الكارثة ؟؟ ولماذا هناك تبريرات متكررة لأبعاد المسئولية التي يستحق المتسببين فيها الإعدام ( قصاصا ) ( فالنفس بالنفس والعين وبالعين ) أليس هذا النص القرآني ؟؟ نعم لست القاضي ولكن من سيقتص من المتسببين في هذه الكارثة ؟؟

    الثقة في الله ثم في مضمون بيان خادم الحرمين الشريفين ,ثم في اللجنة التي تشكلت بناء علي أمر خادم الحرمين الشريفين , ونحن هنا ا نطالب أعضاء لجنة التحقيق أن ينفذوه بصرامة وشفافية ويستدعوا جميع المتخصصين المهندسين ليشرحوا الخلل الهندسي والكارثي , اعلم أنهم اعلم مني بذلك ولكن لمزيد من التذكير فهذا حقنا في المسائلة ولن نتهاون في استخدامه بعد اليوم بعد هذه الكارثة التي ذهب الآلاف ضحايا شهداء من جرائها , والعشرات الآلاف من المشردين عن مساكنهم وأحيائهم .
     



    بسم الله الرحمن الرحيم
    ***
    كارثة جدة .. قراءة متفائلة للحدث ***
    بدوي الزهراني


    1
    كأن لم تغن بالأمس
     

    لاشك أن ما حلّ بمدينتنا الحبيبة الحالمة الطيبة والطيب أهلها كارثة بكل ما للكلمة من معنى (فليس رآءٍ كمن سمع) فالمصاب كبير ولا أخال الكلمات أن توفيه حقه دقة ووصفا وبيانا. فمن يقف عليها الآن بعد مضي أكثر من عشرة أيام ليعتصر ألما لما يرى ويشاهد ولا أشك بأن عينه ستجود عليه بدمعات غالبات حرى طواعية لا كرها. فمن يمر عليها الآن مرور الكرام ليتذكر قول الحق جل ذكره : (كأن لم تغن بالأمس)، كما أن كارثة بهكذا حجم لم تمر علينا من قبل لابسياقها ولا بأثرها، فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من حال أهل النار.
     

    2
    قدرا مقدورا


    لله الحكمة البالغة فيما جرى ونرى فإن هذه الكارثة علمها الله وقضاها وكتبها وشاءها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}، وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء»، وعند الترمذي عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله يقول:« إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب قال : ما أكتب ؟ قال : اكتب القدر ما كان و ما هو كائن إلى الأبد»، فهذه الحادثة وماكان قبلها وماسيكون بعدها فهي مكتوبة محفوظة عند ربي فوق السماء السابعة في لوح كبير كما بين السماء والأرض، محفوظ لا يستطاع الوصول إليه فيزاد فيه أو ينقص منه.
    إذْ لا مفر؛ فكلما هو في ذاك الكتاب مقضيّ سينزل قدرا مقدورا ( وكان أمر الله قدرا مقدورا). فماأصاب أهلنا في جدة لم يكن ليخطأهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم.
     

    3
    ماكتب الله لنا


    تأمل معي قول الحق جل ذكره : (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) فكل مصيبة فهي مكتوبة من قبل ، وكل مصيبة شاءها الله ستصيب هدفها بدقة كما كتبت، رفعت الأقلام وجفت الصحف، ولكنها في ذات الوقت مسألة عاقبتها وأجرها وذخرها وحسابها لنا ولصالحنا - لا علينا - ، إذ لو قال: (علينا) لكانت عقوبة وجزاء، وما حدث أحدثه الله عز وجل لحكمة أرادها ولم يحدثه عقوبة.
    قال تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فأمر الله في خلقه وخليقته اقتضى هذا الابتلاء والاختبار لعبيده، وهو نازل لامحالة، فمرة يبتليهم ببعض الخوف ومرة ببعض الجوع ومرة بنقص بعض النعم الظاهرة أوالباطنة إما بجائحة سماوية أو أرضية فتذهب الأنفس والأموال والثمرات إما بقتل أو مرض أو سرقة أو نحوها. وإخواننا ابتلاهم الله عز وجل بشيء من هذا فقد ابتلوا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات فمن أخذ ولده فقد أخذ ثمرة فؤاده وقلبه، فقد جاء في المسند عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قال الله : يا ملك الموت ، قبضت ولد عبدي ؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده ؟ قال نعم . قال : فما قال ؟ قال : حمدك واسترجع ، قال : ابنو له بيتا في الجنة ، وسموه بيت الحمد». ومن رجمته أن قال (بشيء) وليس بأشياء أو بكل، فالعباد ضعفاء لايطيقونها كلها، ومع هذه الابتلاءات ينقسم الناس إلى قسمين :
    - قسم صابر يثاب بمنحتين وبشارتين (الصلاة والرحمة) مع علاوة (الهداية). قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : «نعم العدلان ونعمت العلاوة (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) فهذان العدلان )وأولئك هم المهتدون) فهذه العلاوة»، وهي ما توضع بين العدلين ، وهي زيادة في الحمل وكذلك هؤلاء ، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا.
    - وقسم آخر جازع تلحقه مصيبتان (مصيبة الخسارة ومصيبة الحرمان).
    أما الصابرون على ما آلمهم في قلوبهم وأبدانهم؛ فهم يقولون: (إنا لله) مملوكون مدبرون تحت أمره وتصرفه وتصريفه، فليس لنا شيء إن ابتلانا فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه (وإنا إليه راجعون) يوم المعاد لنرى بأم أعيننا ماتقر به أعيننا من النوال والثواب والنعيم.
    وهذا الاسترجاع نعمة خصنا الله بها في كتابه الكريم، فقد في المسند من حديث الحسين بن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها ، فيحدث لذلك استرجاعا ، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ».
     

    4
    أمتي هذه أمة مرحومة


    هذه الدار الفانية طبعت على هكذا أقدار، وجبلت على هكذا مصائب، وعرفت بهكذا بلايا ورزايا. ومن يعش فيها يعش في نصب ووصب وتعب، ونكد وكبد وكدر، وشدة وعسر ولأواء، ولن يسلم منها أحد
    المرء بين مصائب لاتنتهي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
    فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في أهله
    وهذه المصائب والمتاعب ما هي إلا رسل تنبيه لنا من الله تعالى؛ أن هذه الدار ليست لنا بدار مقر ولا إقامة ، فطول بقاء المرء في الدنيا لايزيده منها إلا تعبا وعناء وحزنا ورهقا. أخرج أبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي وصححه الألباني حديث أبي موسى رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : « أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة إنما عذابها في الدنيا الفتن و الزلازل و القتل و البلايا»، فسبحان من جعلها رحمة لنا –أمة محمد- وعذابا لغيرنا. أيها المكلومون تأملوا قول الحق جل ذكره وأديموا تذكر هذه الآية: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).
     

    5
    لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم


    مجرد الابتلاء ليس شرا؛ إنما الشر أن نسقط في الابتلاء، وقمة الابتلاء في حدود إدراكنا هو فقد الحياة. وهذه البلية العظيمة جاءت لنا حال وقوعها بمنح عظيمة وستأتي لنا ببقية المنح مع قادم الأيام أدركنا ذلك أم لم ندركه. فهذه الكارثة أشبهها بالمسرحية – تشبيها مع الفارق- لم ندرك من منها سوى المشهد الأول من فصلها الأول . ولا شك بأن ما حدث تقشعر لهوله الأبدان ولكن :
    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
    وإذا كان يستبعد من العاقل أن يتسبب بفعله في فساد حاله وماله ومآله، فما بالنا بالله الحكيم الخبير فكل تصرف له في ملكه ومماليكه فيه من الخير والحكمة والصلاح مالايفقهه كثير من الناس (فالخير بيديه والشر ليس إليه) ولو بدا قدره خلاف ذلك – بادي الرأي –
    لا تكره المكروه عند نزوله ... إن العواقب لم تزل متباينة
    كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنة
    - وهذه بعضا من النعم والمنح التي جاءت في طيات هذه المحنة :
    - أولها: منحة ربانية فقد اتخذ الله عز وجل ممن أصابتهم هذه البلوى شهداء ( ويتخذ منكم شهداء) فبقدر ما نحن حزنين لفراقهم وبعدهم عنا، ومتألمين لما كابدوه، بقدر ماهم فرحين بما آتاهم الله ومستبشرين بما قوبلوا به عند ربهم.
    - وثانيها: ساعات الوجع والألم يذهبن ساعات الخطايا. فقد نال إخواننا وأخواتنا المبتلون بهذا البلاء العظيم منحة ربانية أخرى وهي محبة الله لهم، وعظم ثوابهم. أخرج الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه مرفوعا: «إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء، فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».
    - وثالث هذه المنح الربانية ؛ إرادة الله الخير بهم ولهم فقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من يرد الله به خيرا يصب منه».
    - ورابعها: تكفيره لسيئاتهم ورفعته لدرجاتهم، فقد جاء في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: « مايصيب المسلم من نصب ولاوصب ولاهم ولاحزن ولاأذى ولاغم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه » فهذه الست التي وردت في الحديث قد أصابت إخواننا فليبشروا بعظم الأجر والعوض، وثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : « يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض » (صحيح الجامع : 8177) وجاء في صحيح البخاري قول الله تعالى: « ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبَضتُ صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ».
    - وخامس هذه المنح : البشارة من الله بنصرهم ، إذ لاشك بأن من وقع عليهم هذا المصاب من شهداء أو مصابين أو مكلومين قد ظلموا وإن كنا لا نعلم على وجه الدقة من ظلمهم ولكن الله يعلمهم ( وإن الله على نصرهم لقدير) ( والله لايحب الظالمين) فهم شهداء على حقيقة وضعنا المؤلم الغارق في الفساد، كما هم شهداء بالغرق.
    - وسادسها: أنها بشعت الظلم في أعين الناس وكرهت لهم الظلمة الذين لم يراعوا حاكما في الأرض استأمنهم، ولاحاكم الأرض والسماء الذي قال في حديث أبي ذر القدسي في مسلم: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، بل انساقوا وراء شهواتهم ونزواتهم لايلوون على شيء واستمروا في سوء تصريف المال العام، بعد أن استمرءوا نهبه، فويل لهم مما سولت لهم أنفسهم وويل لهم مما نهبت أيديهم. وهذا البوار الجزئي أظهر لنا بعض العوار وإلا فالخافي أعظم.
    - وسابعها: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما أصبت ببلاء إلا كان لله علي فيه أربع نعم : أن لم يكن في ديني، وأن لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا، وأني أرجو ثواب الله تعالى). تصور معي لو كانت هذه الكارثة أيام الدراسة مثلا كيف ستكون الفاجعة ؟ ستكون أسوأ وأشد ولكن الله سلم.
    - وثامنها: أن هذا المصاب لفت أنظار ذوي الشأن والمسؤلين إلى تدارك وضع مصيبة أكبر - لو حلت – وهي ما أسموه (بحيرة المسك) ليس من باب المشاكلة، ولكن من باب (يسمونها بغير أسمائها). وبالمناسبة فالله ألطف وأرحم وأكرم وأحلم من أن يغرقنا بمياه الصرف الصحي، فحسن ظننا بالله عز وجل أنه رحيم لطيف بعباده لم يعذب الكفرة الفجرة بمثل هذا العذاب فكيف بالموحدين الراكعين الساجدين العابدين؟!
    – علاوة على أنهم في عبودية الضراء فأسأل الله أن ينعم عليهم بالصبر الذي هو شطر الإيمان، وأن ينيلهم أجره (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) قالوا: كالماء المنهمر، وأسأله أن يرزقهم نفوسا مطمئنة تؤمن بلقائه وترضى بقضائه وتقنع بعطائه.
     

    6
    الدعاء الدعاء


    جاء عند الترمذي والطبراني في الكبير من حديث سلمان وعند الحاكم من حديث ثوبان : «لايرد القدر إلا الدعاء»، وجاء في حديث عائشة عند الحاكم وحسنه الألباني: «لايغني حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل»، فقد طاف بالناس الخوف ومسهم الضر وكثر الإرجاف وكما قلت سابقا لم يكن الله ليغرقنا ببحيرة الصرف الصحي فرحمته وكرمه ولطفه وعطفه وحنانه وجوده وإحسانه وحلمه يقتضي خلاف ذلك ولكنه عز وجل استبطأ قلوبنا وأراد سماع تضرعنا ودعائنا فالنعمة والعافية والنقمة كلها من الله عز وجل.
    فزوال النعمة هو: ذهابها من غير بدل وأعظمها نعمة الإسلام والإيمان، وتحول العافية هو: انتقالها وانفصالها وإبدالها، وفجأة النقمة وفجاءة النقمة هو: حلولها بغتة، ومسببات الغضب وآثار العقوبة والسخط هذه وتلك كانت مما استعاذ منها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام فقد جاء في حديث ابن عمر في مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك». وكان يقول كما في المسند والسنن من حديث ابن عمر: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي»، وجاءه ذات مرة عمه أبو الفضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: علمني شيئا أسأله الله تعالى قال: سلوا الله العافية، فمكث أياما ثم جاءه فقال: يارسول الله علمني شيئا أسأله الله تعالى فقال: «ياعباس ياعم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة» رواه الترمذي وصححه الألباني.
    يارب يارب ياذا العفو ياأحد ... يامالك الملك بل ياأكرم الكرما
    يابر ياحي ياقيوم ياصمد ... أنت الكريم ومن يرجوك ماندما
    أدعوك يارب تنجينا وترحمنا ... فأنت أكرم من يرجى ومن رحما
     

    7
    من وحي الكارثة


    - مشاكل جدة أضحت ككرة الثلج ، فحتى لا يتسع الخرق على الراتق ؛ من يقول أنا لها فيوقفها ؟ ومن ثم يقوم بتذويبها ؟.
    - لهذه المدينة الحبيبة الجميلة دين في عنق كل أبنائها، وبالذات البررة منهم، وبالأخص الصالحين منهم، فالله الله بالدعاء فهذا وقتكم.
    - (تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز) هكذا تقول القاعدة الشرعية الأصولية الفقهية، فهل كان علماء الشرع وفقهاء الشريعة في بلدنا المعطاء كانوا في الموعد على قدر المصيبة وهول الفاجعة؟ هل عايشوا الناس والحدث؟ أم اكتفوا ببيانات لاتسمن ولاتغني من جوع؟! وبهذه المناسبة شكرا سلمان العودة شكرا محمد المنجد فأنتما أول من تعاطى مع الحدث وبسرعة وإيجابية، وتعقل وهدوء. وهذا الواجب على القدوة أن يكون حاضرا حين يحتاج إليه، ولا يترك الناس يمورون ويموجون ويختلفون فهذا تقصير لئلا يُترك الناس حيص بيص.
    - (تأخير الإغاثة عن وقت الحاجة كذلك لايسوغ) فهل كان أثرياء جدة على مستوى الحدث ؟ وهل كانوا في الموعد؟ اللهم لا. وهل كان إعلامنا بكل أجنحته الثلاثة (المرئي، المسموع، المقروء) على مستوى الكارثة توضيحا وشفافية؟! أما المقروء فنعم، وأما البقية فالتقصير واضح، وبالمناسبة شكرا للكتاب الصحفيين الذين أدوا ما عليهم وتناولوا الحدث بمسؤولية وغيرة ووطنية يشكر أغلبهم عليها، والشكر موصول للمستودع الخيري بجدة، وللإخوة أصحاب النخوة من المتطوعين رجالا ونساء على ما قدمتم وتقدمون.
    - الأرواح التي ذهبت، والأموال التي أهدرت، والعقارات التي أتلفت، والسيارات التي سحقت، والأحياء التي تضررت، والجامعات التي خسرت، ياترى هل هي في ذمة العشوائية؟ أم في ذمة العشوائيات؟ أم في ذمة من ؟
    - هل سنرى ولادة (جدة الجديدة) بعد تسعة أشهر من الآن ؟ فالجنين في بطن أمه لايولد حتى يمر بمراحل الخلق في ظلمات ثلاث (ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة )، ثم يكتمل نموه وينزل للدنيا بعد مخاض عسير، وجدّة مرت بظلمة الليل وظلمة السيل وظلمة بحيرة التصريف.
    - ليس من أخلاقيات العربي الأصيل، والمسلم الحق، تصفية الحسابات على هامش هكذا كارثة وإن حصل فهو دليل ضعف ونقص وضعة.
    - كل ما قدم للمكلومين لم يضمد الجراح بعد ؟ إلا خطاب خادم الحرمين الشريفين –رعاه الله- فأي مساس بقوة الأمر الملكي الكريم أو تهوين من شأنه سيزيد الجراح على إخواننا، وسيزيد طين جدة بلة.
    - كل الدعوات للجنة المكونة بالسداد والتوفيق، وتحقيق تطلعات المواطن المكلوم والمسئول المحزون والوضع المضطرب. وأطلب الكل بالدعاء لهم فهم – والله- على ثغر أعانهم الله.

    ختاما

    (لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون)
    اللهم أنجنا نحن عبادك، واصرف عنا عذابك، والطف بنا ياأكرم الأكرمين.
    اللهم ارحم جدة وأهلها برحمة منك تغنيهم وتغنيها عن رحمة من سواك.
    اللهم عوض أهل جدة في مصابهم خيرا، وخص منهم إخواننا الذين وقع عليهم المصاب ارحم موتاهم وتقبلهم في الشهداء، واشف مرضاهم، واجبر مصابهم، وأفرغ عليهم صبرا، وألق في قلوبهم الرضا، وأجرهم في مصيبتهم واخلف لهم خيرا منها وكن لهم ياكريم.
    اللهم إن جدة وأهلها مسهم الضر وأنت أرحم الراحمين.
     

    الفقير إلى عفو مولاه
    أبو سلمان بدوي الزهراني
    داعية بالحرس الوطني بالقطاع الغربي
    وباحث دكتوراه في السنة النبوية
    جدة 20/12/1430هـ
    ج : (0555306780)
    بريد الكتروني [email protected]

     


    قصيدة : لا تسألوا عن جدَّةَ الأمطارا
    عبد الرحمن العشماوي

    لا تسألوا عن جدَّةَ الأمطارا ** لكنْ سلوا مَنْ يملكون قرارا
    لا تسألوا عنها السيولَ فإنها ** قَدَرٌ، ومَنْ ذا يَصْرف الأقدارا؟
    لا تسألوا عنها بحيرةَ (مِسْكِهَا) ** فَلِمِسْكِهَا معنىً يؤجِّج نارا
    أتكون جدَّةُ غيرَ كلِّ مدينةٍ ** والمسكُ فيها يقتل الأزهارا؟!
    لا تسألوا عن جدَّةَ الجرحَ الذي ** أجرى دموعَ قلوبنا أنهارا
    لكنْ سلوا عنها الذين تحمَّلوا ** عبئاً ولم يستوعبوا الإنذارا
    مَنْ عاش في أغلى المكاتب قيمةً ** وعلى كراسيها الوثيرة دارا
    مَنْ زخرف الأثواب فيها ناسياً ** جسداً تضعضع تحتها وأنهارا
    لا تسألوا عن بؤسِ جدَّةَ غيرَ مَنْ ** دهَنَ اليدَيْن، وقلَّم الأظفارا
    مَنْ جرَّ ثوب وظيفةٍ مرموقةٍ ** فيها، ومزَّق ثوبها وتوارى
    وأقام في الساحاتِ أَلْفَ مجسَّمٍ ** تسبي برونق حُسْنها الأبصارا
    صورٌ تسرُّ العينَ تُخفي تحتها ** صوراً تثير من الرَّمادِ (شراراً)
    أهلاً برونقها الجميل ومرحباً ** لو لم يكن دونَ الوباء سِتارا
    لا تسألوا عن حالِ جدَّةَ جُرْحَها ** فالجرح فيها قد غدا موَّارا
    لكنْ سلوا مَنْ يغسلون ثيابهم ** بالعطر، كيف تجاوزوا المقدارا
    ما بالهم تركوا العباد استوطنوا ** مجرى السيول، وواجهوا التيَّارا
    السَّيْلُ مهما غابَ يعرف دربَه ** إنْ عادَ يمَّم دربَه واختارا
    فبأيِّ وعيٍ في الإدارة سوَّغوا ** هذا البناء، وليَّنوا الأحجارا؟!
    ما زلت أذكر قصةً ل(مُواطنٍ) ** زار الفُلانَ، وليته ما زارا
    قال المحدِّث: لا تسلني حينما ** زُرْتُ (الفُلانَ) الفارس المغوارا
    ومَرَرْتُ بالجيش العَرَمْرَمِ حَوْلَه ** وسمعتُ أسئلةً وعشتُ حصارا
    حتى وصلْتُ إلى حِماه، فلا تسلْ ** عن ظهره المشؤوم حين أدارا
    سلَّمتُ، ما ردَّ السلامَ، وإنَّما ** ألقى عليَّ سؤاله استنكارا
    ماذا تريد؟ فلم أُجِبْه، وإنَّما ** أعطيتُه الأوراقَ و(الإِشعارا)
    ألقى إليها نظرةً، ورمى بها ** وبكفِّه اليسرى إليَّ أشارا
    هل كان أبكم - لا أظنُّ – وإنَّما ** يتباكم المتكبِّر استكبارا
    فرجعتُ صِفْرَ الرَّاحتَيْن محوقلاً ** حتى رأيتُ فتىً يجرُّ إزارا
    ألقى السؤالَ عليَّ: هل من خدمةٍ؟ ** ففرحتُ واستأمنتُه الأسرارا
    قال: الأمور جميعها ميسورةٌ ** أَطْلِقْ يديك وقدِّم الدولارا
    وفُجِعْتُ حين علمتُ أن جَنَابَه ** ما كان إلا البائعَ السِّمْسارا
    وسكتُّ حين رأيتُ آلافاً على ** حالي يرون الجِذْعَ والمنشارا
    ويرون مثلي حُفْرةً وأمانةً ** ويداً تدُقُّ لنعشها المسمارا
    يا خادم الحرمين، وجهُ قصيدتي ** غسل الدموعَ وأشرق استبشارا
    إني لأسمع كلَّ حرفٍ نابضٍ ** فيها، يزفُّ تحيَّةً ووقارا
    ويقول والأمل الكبير يزيده ** أَلَقاً، يخفِّف حزنَه الموَّارا
    يا خادم الحرمين حيَّاك الحَيَا ** لما نفضتَ عن الوجوه غبارا
    واسيتَ بالقول الجميل أحبَّةً ** في لحظةٍ، وجدوا العمارَ دَمَارا
    ورفعت صوتك بالحديث موجِّهاً ** وأمرتَ أمراً واتخذت قرارا
    يا خادم الحرمين تلك أمانة ** في صَوْنها ما يَدْفَعُ الأَخطارا
    الله في القرآن أوصانا بها ** وبها نطيع المصطفى المختارا
    في جدَّةَ الرمزُ الكبيرُ وربَّما ** تجد الرموزَ المُشْبِهَاتِ كِثارا
    تلك الأمانة حين نرعاها نرى ** ما يدفع الآثام والأوزارا




     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    منوعات الفوائد

  • منوعات الفوائد
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية