صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    بين ( عبدالله ) القصيمي .. و ( عبدالله ) الحامد ..!

    سليمان بن صالح الخراشي

     
    في مقالي عن الدكتور عبدالله الحامد - هداه الله - ذكرت بأنني لاحظت تأثره الواضح في كتابه بالقصيمي الهالك صاحب كتاب " الأغلال " من ناحية المبالغة في تعظيم أمر الدنيا وأهلها على حساب الآخرة ؛ تعظيمًا قاده إلى تحريف النصوص والمعاني الشرعية التي تخالف نظرته ؛ كعقيدة الولاء والبراء ، وتعريف السلف الصالح .. الخ .

    وقلت ما قاله العلماء في سلفه القصيمي : لو كانت ثورته ضد المعاني السلبية التي ألصقها الصوفية بالدين الحق فعاقت أهله عن التقدم ؛ لكانوا له من المؤازرين .. ولكنه خلط الحق بالباطل ، وتطاول على ماجاء به الشرع مما لم يفهمه حق فهمه ؛ كأثر الدعاء ، وتهوين النصوص من شأن الدنيا .. الخ .

    وقد اطلعتُ على مقال للشيخ محمد صادق عرنوس ، وكيل جماعة أنصار السنة بمصر زمن القصيمي ، كتبه ردًا على كتابه " الأغلال " متعرضًا فيه للقضية السابقة ، ومبينًا في خاتمته ما لاحظوه على القصيمي من تغير وتدرج في الضلال ؛ أحببتُ نشره من جديد لمناسبته لما نحن فيه . والله الموفق .

    قالت مجلة الهدي النبوي لسان حال أنصار السنة بمصر في عدد ( 10 ، 11 عام 1365) متفاجئة بانتكاسة القصيمي عن حاله الأولى عندما كانت تطبع له الكتب السلفية في مطبعتها :

    يا لها من مصيبة !!

    ننعى إلى إخواننا أنصار السنة المحمدية أخاهم "سابقاً" عبدالله القصيمي ؛ فقد ألقى الشيطان على لسانه وقلمه قنبلة "هذي هي الأغلال" محاولاً بها نسف الدين الصحيح الذي كان بالأمس يدافع عنه؛ ليقيم للناس أصنام وآلهة المادة التي تعبدهم أوروبا وعبدها قدماء المصريين واليونان والرومان، فما كاد يلقيها حتى نسفته ومزقته إرباً، وقد كان يظنها قذيفة صاروخية سترفعه إلى القمر. فأنا لله وإنا إليه راجعون، وقد جمعنا شظايا وفتات قنبلته وأخذنا في تحليلها، ولما نفرغ منه ، وسننشر على الناس في أقرب فرصة نتيجة هذا التحليل ونكشف عن محتويات هذه القنبلة من عناصر فتاكة ومواد مدمرة لكل عقيدة وخلق وأدب ومعنى سام من معاني التوحيد وإخلاص العبادة والرحمة والشفقة والإيمان بالله وكتابه ورسوله والدار الآخرة ؛ لعل الله القادر أن يحييه من هذه الشنيعة التي أسفنا لها كل الأسف ، وحزنا كل الحزن.

    نظرة خاطفة في كتاب : هذي هي الأغلال

    بهذا العنوان أخرج الأستاذ عبدالله القصيمي النجدي كتاباً يقع في ثلاثين وثلاثمائة صفحة، وقسمه إلى اثني عشر فصلاً غير الإهداء –الموجه إلى حضرة الملك عبدالعزيز آل سعود- وغير المقدمة .

    وهو يصف كتابه بقوله على غلافه الخارجي " أنه بهذا الكتاب قد بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل " !

    ويصفه أيضاً على الغلاف الداخلي بأنه "ثورة في فهم العقل والدين والحياة... دراسة عميقة للعوامل النفسية والاعتقادية والتاريخية والخلقية التي قضت بانحلال المسلمين عربهم وعجمهم وذهابهم في طوفان الغرب الطاغي.. ثم كيف يمكن أنه ينحسر عنهم ذلك الطوفان.."

    وهما بلا شك وصفان ضخمان يغريان بتصفح الكتاب وقراءته، فإن الوصف الأول يعطي أن المؤلف قد أتى بما خفي عن العرب هذه القرون الطويلة.

    قرأنا الكتاب الذي وصفه مؤلفه بما وصف فإذا بجميع فصوله –على طول نفَسه في صياغتها ومظهر القوة في عبارتها- لم يأت فيه بجديد، بل نسخة مجموعة من الصحف والمجلات التي دأبت على الدعوة الملحة إلى عبادة المادة وتقديسها، وإلى الكفر بكل المعاني الروحية السامية التي دعا إليها كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقد عرف الناس قديماً وحديثاً أن أولئك الماديين إنما قاموا بدعوتهم هذه الملحة، نتيجة ما أصيبوا به من فقد وحرمان من هذه المادة، أوغر صدورهم على من وهبهم الله منها، ووسع عليهم في دنياهم وعيشهم؛ ثم نتيجة حتمية لموت قلوبهم وأرواحهم التي طال بها الحرمان من الغذاء الروحي الذي أنزله الله شفاء لما في الصدور، فلما طال عليها الأمد في ذلك قست وتحجرت، فكانت من الفاسقين، فأملت على الألسنة والأقلام هذا الدين الذهبي الحديدي الجديد، محاولة تقويض ما أقام الإسلام الصحيح بكتابه ورسوله من صروح الإيمان الصادق في قلوب الذين آمنوا بالله وكتابه ورسوله، وآمنوا بأن الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار، وآمنوا بقول الله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، قل أؤنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار)

    فكل فصول الكتاب عني فيها المؤلف أشد العناية بإكبار المدنية الغربية المادية ودعوة المسلمين دعوة حارة ملحة إلى اتخاذها شرعة ومنهاجا إن أرادوا لأنفسهم الخلاص مما هم فيه مهما انحرفت عن دينهم؛ وأوضعت في ظلمات الضلالة، إذ كلها في نظر المؤلف حسنات لاتجد سيئة إلى شيء منها سبيلا، وكيف لا تزكو إلى درجة القداسة ما دام أصحابها قد ملكوا بها نواحي هذه القطعان الآدمية المنبثة في رقاع البلاد الشرقية.

    وهو في كل فصول الكتاب تقريباً يعزو خمول هذه المخلوقات إلى كونهم متدينين، وإن كان يستدرك على ذلك في بعض الفصول بقوله: إن دينهم المبدل هو السبب في نكبتهم في عقولهم وتفكيرهم ثم تعدى هذه النكبة إلى كل أحوالهم وملابساتهم ، ولكن القارئ الحصيف لا تفوته تلك الغمزات اللاذعة التي غمز بها المتدينين كلهم سواء أكانوا يدينون بدين حق أم بدين باطل، فإنك تراه كلما استطرد في ذم المتدينين على الإطلاق وأتى بطائفة من مخازيهم وأسباب ضعفهم أفلت الزمام من يده فأنحى على الدين من حيث هو دين، وعده أصفاداً في أيدي أهله وأغلالاً في أعناقهم يحول بينهم وبين المجد والسيادة والقوة، تلك الصفات التي لا تنال إلا بالفسق والبطش والجبرية، ولكنه عندما يشعر أنه عثر، يجعل ما نسبه للأديان من المثالب لغيره، وأنه لا يعتقد هذه العقيدة فيها، مع أن القارئ يفهم بغير عناء أنه أورد ذلك مستحسناً إياه فخوراً بلفظه ومعناه، ولن يسلم من غب هذا القول إلا إذا كان له قلبان في جوفه يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، ولا يغض كفر أحدهما بإيمان الآخر ما دام قادراً على التوفيق بين الضلالة والهدى، كما قدر على ذلك المؤلف فيما سطر وسجل في كتابه، وكما تقرأ وتسمع من كثير من أساتذة المؤلف في مجلاتهم ونواديهم.

    ونحن نجتزئ من كتابه بمثل واحد يغني القارئ عن إيراد غيره –وإن كان الكتاب كله مثل على ذلك- ليستدل منه على حفيظة المؤلف التي تعتلج في صدره على الدين وأهله، أو بعبارة أخرى على منُزل الدين الذي أعاق أمماً كثيرة من النوع البشرى أن تبلغ المستوى الرفيع الذي بلغته أمم جعلت الدين من أساطير الأولين، والقارئ إذ يشعر من هذا المثل بلهيب الغيظ المشبوب على الدين وأهله فهو يشعر في الوقت نفسه بنسيم الولاء العطر يرسله تقديساً وعبادة لذلك العجل الذهبي الماثل في صورة المدنية الغربية، فاستمع إليه إذ يقول (من صحيفة 17) : " فطبيعة المتدين غالباً (ولم يفرق بين المتدين بحق والمصاب بنوع من الهستيريا سماه ديناً) طبيعة فاترة فاقدة للحرارة المولدة للحركة المولدة للإبداع ومن ثمة فإنك غير واجد أعجز ولا أوهى من هؤلاء الذين يربطون مصيرهم بالجمعيات الدينية " ! ويقول في الصفحة نفسها قبل ذلك بقليل "وتجد كل الذين صنعوا الحياة وصنعوا لها العلوم والأساليب المبتكرة العظيمة هم من أولئك الموصوفين بالانحراف عن الدين وبالتحلل منه"!

    ويسوق على ذلك شواهد لو ساقها غيره في مثل هذا المقام لكان موضع سخريته وتندره ؛كأن يقول على لسان زياد بن أبيه: أما عبدالله بن عمر فقد قعدت به تقواه. يعني عن النهوض إلى السيادة والمجد .

    ونحن نسأله هو إن فاتنا سؤال زياد: هل قعدت بعمر أبي عبدالله هذه التقوى عن أن يكون المثل المضروب على وجه الدهر في كل صفة كريمة يجب أن يتحل بها من يسوس الناس، وهل هناك بين من اقتعدوا غارب المجد والسيادة عن طريق الحكم مثل عمر بُعد صيت ورفعة ذكر وشدة احترام وتوقير من الناس جميعاً ؟ !

    ومن مغالطاته الطريفة: أنه استشهد بقول المتنبي يصف رجلاً اختاره ليكون عوناً له في انتزاع الملك:

    شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحجاج في الحرم

    وينسى بل يتناسى عامدًا صنو هذا البيت الذي يدل دلالة قاطعة على أن المتنبي يجعل هجاء الرجل غرضاً مقصودًا لذاته لا أن يجعل وصفه بهذه الخلال المرذولة من آيات كفايته التي اصطفاه لأجلها ليساعده على انتزاع الملك!! وذلك إذ يقول المتنبي بعد البيت المتقدم:

    صفاته لست أحصيها لكثرتها *** لكنها ذ كرت في نون والقلم

    والصفات التي جاءت في نون والقلم يجمعها قوله تعالى (فلا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم) فأي عقل يسوغ مدح إنسان بصفات جعلها الله نهاية ما في النفوس البشرية من حقارة وإسفاف، كما لا يتصور أحد مهما ضؤل تفكيره أن صاحب هذه الصفات أو بعضها ممن يستعان به في شيء من محقرات الحياة فضلاً عن انتزاع ملك وتوطيد عرض! فإن كانت الرواية صادقة وأصر المتنبي على اتخاذ بطانة من نوع مهجوه هذا فلا يكون في ادعائه النبوة شيء من الغرابة ! خصوصاً إذا اصطفى الذين يبلغون رسالته من نوع صاحبه هذا، وإذاً يكون استشهاد الأستاذ بشعره هذا من البراهين القوية في إثبات دعواه.

    ولو أن مغالطاته وقفت عند تخريج الشعر أو كلام الناس حسب هواه لهان ذلك بعض الشيء ولكنه يأبى إلا أن ينهج هذا النهج بعينه وبالجرأة نفسها في صريح الكتاب وصحيح السنة، وتلك هي الطامة التي تجعل ما حام حوله من ظنون يكاد يرتقي إلى مرتبة اليقين، والمرء كما قالوا مخبوء تحت لسانه.

    ونسوق على ذلك كذلك شاهداً واحد على جرأته في تمزيق نسيج الآيات بالتأويل السخيف الذي يقهرها به على أن تكون دليلاً له ؛ فقد وصف الطور الإنساني في زمن الرسالة بأنه "لا يعدو النظرة السطحية والإلمام بظواهر الأشياء دون النفوذ إلى بواطنها الخ" والدليل على ذلك قوله تعالى (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) وهب أن حال الناس كان كذلك عند البعثة فهل سيقت الآية لتصف هذه الحالة التي يقصدها هو؟ أو أنها سيقت لوصف حالة أخرى بينها وبين ما يرمي إليه بُعد المشرقين.

    ولقد احتال على إدخال هذا التمويه على بسطاء المعجبين به بأن حذف طرفي الآية وساقها محذوفة الصدر والعجز؛ لتوافق غرضه وما زعم، ولو أنه أدلى بها مجتمعة لصاح به –حتى المفتون بزخرف قوله- إنك كنت من الخاطئين، وذلك أن الله عز وجل يقول من سورة الروم بعد إخباره بانتصارهم بعد انكسارهم (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون).

    ومجرد ذكر الآية يريك البون البعيد بين ما قصد وقصد الله: فالرب تعالى نسب أكثر الناس للجهل لمريتهم في صدق وعده وهو يعرفنا أنهم مهما بلغوا من العلم بشئون الحياة وكشفوا كل يوم من أسرارها جديداً، وبلغوا في اكتناه مساتيرها أمداً بعيداً، فأوفوا من الماء على قراره، ومن النجم على مداره؛ ووصلوا بعلمهم إلى غاية ليست بسبيل التصديق اليوم مع جهلهم بالله ومرائهم في الآخرة وعدم الالتفات إلى وجه الخلاص من أهوالها فلن يعدو علمهم هذا ظاهر الحياة الدنيا، وذلك هو القصد الذي لا قصد غيره في إيراد الآية في هذا الموضع، وهي لظهورها ليست من المشكلات فتكثر حولها الخلافات .

    وفي ثنايا كتابه من رد أحاديث البخاري ومسلم والهزء بها والسخرية منها، أو تأويلها أغرب تأويل وأبعده عن منطوقها العربي اتباعاً لهواه شيء كثير نحيل القراء في الإلمام به إلى الكتاب نفسه فهو واجد فيه ما يحكم به على طوية المؤلف وفتنته بالحضارة الغربية؛ فتنة جعلته ينحل أربابها كل فضيلة؛ بل إن كل فضيلة لم يتحلوا بها لا تعد فضيلة ، وإن تعجب فعجب أن يقف المؤلف ذلك الموقف من الدين ويجعله في عبارة صريحة سبباً في نكبة المتمسكين به وفيما يتقلبون فيه من ذلة وهوان.

    نعم إنه ساق في كتابه من أسباب نكبة المسلمين بالمتصوفة المجرمين والزهاد الكاذبين والعلماء المضللين وتسميمهم عقول المسلمين بأن تعاليمهم هذه من الدين ما نقره عليه ونصدقه فيه ؛ ولكن ذلك الإطلاق في جعل الدين من حيث هو دين –بغض النظر عن براءته مما يفهم منه المروق والانحراف- من أسباب هذه النكبة حتى لقد أنحى باللائمة أشد الإنحاء على إحدى الجماعات الإسلامية التي تدعو إلى الحكم بما أنزل الله فتقول في دعوتها: إن طريق المجد الإسلامي المنشود ينحصر في الأخلاق الدينية الأولى وفي تنفيذ الحدود الشرعية الخ ، ومن ذا الذي يماري في هذا إلا من في قلبه مرض وكان ممن دمغهم الله بقوله –مقصرين في السعي إلى الحكم بما أنزل أو راضين لعكسه- (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

    وهو ينكر أشد الإنكار كون الله تعالى يأخذ الأمم بذنوبها، جاحداً ما ورد في القرآن بهذا المعنى بتأويلات تسعده بها قريحته الخصبة!! وهل أدل على أن الله عز وجل لا ترضيه مثل هذه المدنية إذا تجردت من معانيها الصالحة واستعملها أهلها في البطش والجبروت كسائر الأمم في القديم والحديث، من أن كل أمة من الأمم التي ضربها الله مثلاً في التفصي عن طاعته، والعتو عن أمره؛ وعاقبها بالعقوبات المختلفة كانت لها حضارة بلغت بها من سيادة الدنيا حداً كبيراً؛ فقال تعالى تذكيراً للخلف بحال السلف (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءآ أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) فإذا مارى أهل الجدل في أية حضارة من هذه الحضارات فلن يماروا في حضارة أجدادهم قدماء المصريين وتلك هي آثارهم تدل عليهم.

    وكان فرعون موسى هو الرمز الذي أقامه الله آية على مقته وغضبه لعدم رضاه على كل من فعل مثل فعله وفعل من سبقه ومن لحقه من الفراعين وغيرهم من الظالمين، فهل أنجت المدنية الغابرة المجردة من معانيها الصالحة عاداً وثمود وقوم فرعون وسواهم من غضب الله وبطشه بهم, وهل أنجت كذلك المدنية الحديثة معبودة المؤلف ومهوى قلبه ومثله الأعلى أن يصيب الله بعض أهلها لما ظلموا بالهلاك والدمار؛ بأقسى وأعنف مما فعله في الأمم السابقة، وما الفرق في العقوبة بين أن ينـزل على أمة رجزاً من السماء وبين أن يسلط أمة على أمة فتذوق على يديها رجزاً كرجز السماء أو أشد هولاً.

    نفهم من هذا أن المدنية الحقة في الدين ؛ من عبادة الله وحده، والسير على النهج الذي يريد أمراً ونهياً، وأخذاً وتركاً؛ فهو تعالى لا يرضى عن طغيان أهل المدنية الحاضرة الذين عاقبهم بتسليط بعضهم على بعض فحدث لهم ما سمعنا ورأينا؛ وما زال يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فهم من خوف الموت في موت، كما لا يرضيه خمول أولئك القطعان الآدمية باسم أي دين كانوا؛ ما داموا قد انحرفوا عن ذلك الدين، وجروا في غير مضماره، فعاقبهم بالذلة التي ضر بها عليهم بواسطة أصحاب هذه المدنية الذين لو أنصف المؤلف لسماهم وحوشاً مخالبهم الدبابات، وأنيابهم المدافع والطيارات.

    ولما يعلمه الله من انحراف الإنسان عن قصد السبيل لو ترك لنفسه ، اقتضت رحمته به أن ينـزل إليه ديناً يعصمه من الزلل، ولا يتعرض لحريته إلا بمقدار ما يحجزه عن الخطر ويرده إلى الجادة؛ فلا ينطلق بلا قيد فيطغى، ولا يخلد إلى الأرض فيشل، وصدق الله إذ يقول (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً).

    والأستاذ المؤلف لو خلا من الغرض والمرض لكان بحكم ثقافته وماضيه أول الداعين إلى رجوع المسلمين إلى دينهم الحق؛ الذي به عز أسلافهم؛ وما كان له من حاجة لأن يدعوهم إلى عبادة هذه المدنية الفاجرة التي لا ترقب في سبيل غايتها إلاً ولا ذمة؛ فكل ما في أهلها من فضائل إنما هو طلاء سرعان ما ينصل لونه بأقل احتكاك.

    وإذا كان المؤلف أميناً في نصحه فهل من أمانة الداعي الناصح أن يدل مريديه على غاية تعج بالوحوش الكاسرة تتواثب وتتهارش؟ فيزين لهم أعمالها باسم المدنية ليقلدوها ويكونوا أمثالها، أو يدلهم على مدنية فاضلة أهلها من الأناسي الذين كانت لهم قدم صدق، فيما عاد ويعود على الإنسانية بالخير العميم، فإن لم يجدها اليوم بالفعل على خريطة الكرة الأرضية، فقد تكفل القرآن بالدلالة عليها، ووصف أهلها بآيات بينات، لا تعجز من أراد أن يسلك سبيلهم، وأراه من علاماتهم مالو اتسم به ما شاءه سابق، ولا بزه في حلبة العزة لاحق.

    وإن إلمامة واحدة بالكتاب الكريم، ونظرة واحدة في تاريخ الدولة المثالية التي استمسكت به، لترينا الفرق الكبير والبون الشاسع بين المدنيتين .

    ففي ميدان القتال نرى الجندي الذي صنعته هذه المدنية في الحرب الأخيرة، فدخلها بكل ما ابتكره العلم الجبار من آلات تدمير واستئصال، هو هو الجندي الفاتك المخرب الذي ليس له غاية شريفة يهدف إليها، وإنما كل غرضه من الحرب استعباد غيره، وما يترتب على ذلك الاستعباد من نيل المجد الكاذب، شأنه تماماً كشأن الجندي البدائي صاحب القوس والنشاب الذي كان لا يطمح في أكثر من قهر عدوه وسبي نسائه، والاستيلاء على أشيائه !! مع يسير من الفرق في الوسائل اقتضته سنة التطور، أما الغاية واحدة.

    وقد اصطنعته المدنية على عينها على هذا الأساس، أساس فهمها للحرب، المبيدة المدمرة، فقام بما عهد إليه خير أو شر قيام.

    فتعال استمع إلى الشروط العنيفة التي شرطها الله في الجندي الإسلامي حتى لا يكون لعنة بل رحمة، وحتى لا يكون وباء بل شفاء، وليكون امتداداً لهذه الرسالة الزكية، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أينما توجه وحيثما دعاه الواجب، وذلك حيث يقول الله من سورة التوبة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين).

    فلو أن جندياً اتصف بهذه الصفات وذهب يبشر بها، فإن لم يستجب إليه الناس حملهم عليها بالقوة لقال أعداؤه بل أوليائه ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.

    وفي ميدان التضحية الاجتماعية أرأيت كيف رمز الله للفئة الباغية بمن إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل وجعل في الجهة المقابلة (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد) فهل رأيت أروع أسلوباً في الحث على مقاومة الظالمين من هذا الأسلوب ، وفي الدعوة إلى التضحية أقوى من هذه الدعوى والحث عليها ؟

    أما في السلم، فانظر كيف شرط الله في أهل الحل والعقد أو أهل الشورى الذي تنحل بآرائهم المشاكل، ويرتفع الشك عن محيا اليقين في كل أمر يعرض عليهم ، وذلك إذ يقول عز وجل من سورة الشورى (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) فتصور مجلس نواب تكون (لائحته الداخلية) هذه الصفات الرفيعة، كيف ينصح الأمة وكيف يكون وجوده فيها مناط صلاحها وفلاحها ؟ وقارن بين مجلس نواب هذا شأنه، وبين مجلس نواب ما استفادت منه أمة رزئت به إلا ما تسمع أخباره وترى آثاره، من بلاء فوق بلاء وعللاً ليس لها شفاء؛ ودعاء إلى الله ليخلصها منه إثر دعاء، مع زعمهم أنه أسس على أحدث الطرز، وأجد ما ابتكرته الحضارة (معبودة المؤلف) من تجارب ناضجة.

    ذلك وغيره؛ ليعلم الناس أن الدين إنما جاء ليثبت الأخلاق الفاضلة، وينافح عنها، ويصدهم عن كل خلق مرذول، لا ليدعو إلى القوة المجردة أو العلم الذي يزيد هذه القوة طغياناً وكفراً؛ وفي الوقت نفسه، تراه وضع العلم النافع فوق الذروة ومدح المتلبسين به فقال (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وقال (إنما يخشى الله من عباده العلماءُ) وجعلها خاتمة آية تدعو إلى التمرس فيما أودع الله في خلقه من حيوان وإنسان وزرع وجبال من عجائب وخصائص، فالعلماء في الآية هم المتخصصون في هذه الآيات الكونية علماً وعملاً واستكشافاً واختراعاً.

    وإنا نعتقد أن التوسع في هذه البحوث واستكناه الخلق العظيم، هو من صميم العلم الذي يزيد به الإيمان ويربو اليقين، وبحسبك أن تصغي بقلبك إلى قوله تعالى (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) لتعلم أن العلم المقصود هو كل ما يوصل إلى الله من دراسة آياته كونية كانت أو وحياً، فأولئك الذين نبغوا في العلم الصحيح، أول من يشهد بحقية الكتاب العزيز وأنه الهادي إلى الصراط المستقيم؛ بما أودعه من أسرار أن يستوعبها الناس أو ينقضي عمر الدنيا.

    فلو أن باستور وكوري وزوجه وماركوني وستفنسن وغيرهم، وحتى بريمس صاحب ذلك الموقد المنتشر اللطيف وغيرهم ممن خدموا الإنسانية بعلومهم واستكشافاتهم قاموا بما قاموا به على أساس الإيمان، لا أنه شيء استقلالي أفادوه باجتهادهم المحض، لكانوا عند الله مع الصديقين والشهداء.

    ما ذنب الدين ونصوصه كالنهار وضوحاً في وجوب تعلم العلم النافع، إذا وجد من المجرمين من صد الناس عن هذا العلم؛ فتركوا علم الرحمن إلى علم الشيطان، فبدل أن يتخرجوا في مدرسة الرسول التي خرجت أمثال: خالد وسعد والمثنى وعكرمة وغيرهم من دهاقين الحرب التي تعقبها الحياة العزيزة والتساوي في القسم بين الغالب والمغلوب. نعم إنهم بدل أن يتخرجوا في تلك المدرسة تتلمذوا للشعراني والشاذلي وأبي يزيد البسطامي وغيرهم من المتصوفة الحلولية المجرمين، من الذين لم يحسنوا من الطب إلا عملية التخدير ، فنجحوا في تخدير ضحاياهم -وما أكثرهم- نجاحاً فات كل تقدير وعمَّر أطول تعمير فضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله .

    ما ذنب هذا الكتاب الذي ما ذكر آية في الإيمان، إلا قرن بها العمل الصالح ورتب المثوبة على القيام بهما معاً أو تركهما معاً، فما انفراد أحدهما عن الآخر عند امرئ بمزحزحه من العذاب شيئاً إذا وجد من هؤلاء المساكين من ينكر الأسباب ويرى الأخذ بها ضلالة أو يفسر القضاء والقدر تفسيراً يميت الهمم ويشل العزائم أو يفسر التوكل الحافز إلى كل طموح بالتواكل المقعد المميت !!

    ما ذنب الدين إذا كان قد فرغ من سن هذا القانون السماوي، وقال لرسوله الأمين على تبليغه (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) ومن مواد هذا القانون ما نظم به علاقة المرأة بالرجل خير نظام وأدقه، يناسب طبيعتهما بلا إفراط أو تفريط . نعم ما ذنبه إذا وجد رجل من أهل العلم، كصاحب الكتاب يضع المرأة في غير الموضع الذي ارتضاه الله لها ولا يرضى لعباده –من ذكر وأنثى- إلا الرحمة والعدل واليسر، والله تعالى خلق المرأة على هذه الصورة لتكون قرة عين لزوجها، ووعاء لولده، لها ما له في كافة الحقوق والاجتماعية إلا الدرجة التي ميزه الله بها وهي لا تغض من هذه الحقوق بل تزيدها جمالاً وتثبيتاً، فإذا انحرف الغالون عن فهم مراد الله فسجنوها وبخسوها حقها من تعليم وغيره، وانحرف المفرطون فوضعوا حبلها على غاربها كالسائمة من غير قائد؛ فشطت هذا الشطط الذي يشكو منه حتى من أكبرهم المؤلف وغالى في مدحهم حتى أوجب على الناس عبادتهم، فأي ذنب على الإسلام أو كتابه وهذا هو الحق يلمح في أثنائه لا يحجب عنه إلا كل محروم .

    كل ما ذكره الأستاذ في الفصل الذي ناصر فيه المرأة يكاد يكون مغالطة صريحة للحس والواقع ،وما ساقه من الشواهد إن هو إلا سفسطات جدلية لا تثبت عند البحث الصحيح على قدم، وليعذرني القراء لو أبديت عجبي من أولئك الذين أقاموا أنفسهم محامين عن المرأة وأدى هذا العجب إلى سؤالهم: ما الذي بقي في نفس المرأة لم تحصل عليه من الرجل اغتصاباً ولقد استخذى أمامها حتى في موقف الدفاع عن عرضه الذي امتهنته بتصرفاتها الحمقاء، بل نسي أن له حصة في هذا العرض فوهبه إياها تتصرف كيف شاءت وشاء لها الهوى ؟ وليطب أولئك المحامون -ومنهم الأستاذ المؤلف- نفساً فقد أبلغوها ما أرادت وأرادوا لها واغتصبوا لها من أشباه الرجال سائر ما صبت إليه ولم يبق أمامهم إلا شيء واحد إن قدروا عليه فقد أوفوا على الغاية في خدمة المرأة، ذلك أن يطلبوا من الله أن يغير تصميمها هذا إلى صورة لا تكون معها معرضة لحمل ولا ولادة ولا حيض ولا نفاس من هذه الحالات التي تعوقها جزء كبيراً من الوقت عن الانطلاق حيث أرادت !! أو ليريحوا أنفسهم من عناء دعاء غير مقبول انتظاراً لبشارة الأستاذ الذي يقول في كتابه باحتمال قدرة العلم مستقبلاً على التحكم في الجنين فيجعل الأنثى ذكراً والذكر أنثى؛ وعندئذ يختار الأمهات –ذوات الخيرة في كل أمر- لأجنتهن النوع الذي يرغبن فيه؛ ولله في خلقه شئون.

    ويقول الأستاذ إن ما أصاب المسلمين من ضعة وهوان وسوء حال، كان شغله الشاغل وموضع تفكيره من ست سنوات أو يزيد، وكان رأسه يلتهب طول هذه المدة بالتفكير التهاباً، ونحن لا نذيع سراً إن قلنا إن أعراض المرض الذي أصابه فغير اتجاه تفكيره كانت تبلغنا بطرق شتى وعلى صور مختلفة ؛ منها إنكاره المعلوم من الدين بالضرورة كما يقولون إن عجز فيه عن الإنكار الحرفي أنكر معناه وفسره بهواه، يبشر بذلك ويذيعه في مجالسه الخاصة والعامة وفي النوادي والمنتـزهات؛ فإن صارحه أحد إخوانه القدماء تملص من التهمة بعدم فهم ناقل الخبر لغرضه، وتكرر منه ذلك كثيراً ، فكان ذلك يحزننا كثيراً لذلك الماضي الذي نعرفه عنه من الذود عن الدعوة الحقة زمناً غير وجيز، وفي كل هذه المدة كنا ننتظر أن يفئ إلى أمر الله، ولكن الأخبار كانت تأتينا بأن أعراض مرضه ازدادت وتفاقمت حتى أخرج للناس كتابه هذا، وقد تمت به عملية الهضم والتمثيل لهذه الأفكار الهدامة التي كانت مستولية على كل مشاعره فأصبح من المستحيل أن يصده عنها صاد أو يقنعه ببطلانها دليل، لذلك فقد عجلنا بنشر هذه الكلمة الإجمالية على صفحات مجلة الهدي النبوي نحذر فيها الناس من سموم هذا الكتاب إلى أن يتم نقده تفصيلاً في فرصة أوسع من هذه، ولكنها ستكون قريبة إن شاء الله ؛ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.

    محمد صادق عرنوس
    وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية