بسم الله الرحمن الرحيم

الكرم بين الجاهلية والإسلام


إن الكرم من الأخلاق العريقة القديمة التي عرفها منذ الأزل أصحاب النفوس العظيمة فأكبدوها في تعاملاتهم ومدحوا بها ساداتهم وجعلوها دليل الرفعة والفخار وغاية المجد لما فيها من الإيثار وعلو الهمم والأقدار وكانت عندهم نقيض اللؤم والشنار وفى فقدها كل مذمة وعار فالكرم عادة السادات وشيمة الأحرار وعادة السادات سادات العادات وشيمة الأحرار أحرار الشيم .

قال أحد الحكماء : أصل المحاسن كلها الكرم وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام وجميع خصال الخير من فروعه .

ولقد كانت الشجاعة والكرم من أبرز صفات المجتمع العربي الجاهلي وظهر منهم في كل عصر ومصر أقطاب اشتهرت بالكرم وروى عنهم مواقف عظيمة في الجود والسخاء وكان من أبرزهم وأشهرهم حاتم الطائي الذي كان مضرب المثل فيهم بالكرم ومما يؤثر عنه في ذلك ما ذكره التنوخي في المستجاد قال : إن رجلاً سأل حاتماً الطائي فقال يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم ؟ قال نعم غلام يتيم وذلك أنى نزلت بفنائه وكان له عشرة أرؤس من الغنم فعمد إلى رأس فذبحه وأصلح لحمه وقدم إلى وكان فيما قدم الدماغ فقلت طيب والله فخرج من بين يدي وجعل يذبح رأساً بعد رأس ويقدم الدماغ وأنا لا أعلم فلما رجعت لأرحل نظرت حول بيته دماً عظيماً فإذا هو قد ذبح الغنم بأسرها فقلت له لم فعلت ذلك ؟ قال يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه وأبخل عليك به إن ذلك لسبه على العرب قبيحة فقيل يا حاتم فبماذا عوضته ؟ قال بثلثمائة ناقة حمراء وبخمسمائة رأس من الغنم فقيل أنت أكرم منه قال هيهات بل هو والله أكرم لأنه جاد بكل ما ملك وأنا جدت بقليل من كثير .

ومن الأجواد المشاهير في الجاهلية أيضاً عبد الله بن جدعان وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره ووقع فيها صغير فغرق وذكر ابن قتيبة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال [ لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمَىِّ ] أي وقت الظهيــرة وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقى اللبن حتى سمع قـول أميــه بــن أبـــى الصلــت

ولقد رأيت الفاعلين وفعلهــــم *** فرأيت أكرمهم بنـى الديــــان
البر يلبـك بالشهـاد طعامهــــم *** لاما يعللنــا بنــو جدعـــان

فأرسل ابن جدعان إلى الشام ألفي بعير تحمل البر والشهد والسمن وجعل منادياً ينادى كل ليله على ظهر الكعبة أن هلموا إلى جفنه ابن جدعان فقال أميه في ذلك

له داع بمكـة مشمعـــــل *** وآخر فـوق كعبتهــا ينـــــادى
إلى روح مـــن الشيـزى مـلاء *** لبــــاب البـــر يلبك بالشهاد

ولقد أحب العرب الكرم واتخذوا له رموزاً وإشارات فكانت تسمى الكلب داعي الضمير ومتمم النعم ومشيد الذكر لما يجلب من الأضياف بنباحه وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح لم تشب النيران فرقوا الكلاب حوالي الحي وربطوها إلى العتمة لتستوحش فتنبح فتهدى الضلال وتأتى الأضياف على نباحها .

ولقد كان الكرم العربي له عدة دوافع وأسباب نستطيع أن نوجزها في النقاط الآتية:
أولاً : طبيعة الحياة الجغرافية :-
فلقد كانت البيئة العربية صحراء قاحلة وكان سكانها من البدو في ترحال مستمر فراراً من الجدب وبحثاً عن موارد المياه والكلأ . تلك البيئة جعلت العربي يدرك قيمة قرى الضيف وإعانة المحتاج ونصرة المظلوم وغيرها من القيم النبيلة فكان يتشبث بهذه القيم حتى تعم وتنتشر ويعود إليه في النهاية خيرها ويشمله أثرها .
ثانياً : طبيعة الحياة الاجتماعية :-
حيث انتشرت في البيئة العربية صفة حب الفخر والتباهي بخصال الكرم والسخاء وفعل الآباء والأجداد فأحب العربي أن يرتبط ذكره بما أحبه الناس من تلك الخلال وكان الكرم أكثرها تأثيراً في النفوس . كما كان للحرب والنزاعات المستمرة بين القبائل دوراً في انتشار الكرم وحرص العرب عليه فكان من آثار الحروب انتشار الفقر والبؤس في البلاد فقل الغذاء وعز الطعام فأحسوا بالجوع ينبش أنيابه بين أحشائهم ويكاد يفتك بهم وبخاصة إذا كانوا مسافرين أو عابري سبيل فقدروا معنى الإنسانية الحقيقية بتقديم ما يحفظ على الإنسان حياته أو يسد رمقه أو يروى غلته ولذلك عظموا الكرم وإطعام الطعام ووصفوا بالكرم عظماء القوم وكان الكرم في مقدمه الفضائل التي يحب العربي أن يتحلى بها .
وخلاصة القول أن الكرم وإن شاع في المجتمع العربي القديم قبيل الإسلام إلا أنه ارتبط بمنافع دنيوية وغايات نفعيه ومطامع ومكاسب مادية ليس الدين أو التدين واحداً منها ، ومع بزوغ شمس الإسلام احتلت القيم الإنسانية مكانة هامة في نظامه وهيكله واختلف الأمر بالنسبة للمسلم فلقد تعلق برب رحيم يرضيه مكارم الأخلاق ويغضبه كل دنيئة واتضحت رسالة الإنسان الحقيقية على الأرض - ألا وهى عبادة رب العالمين - ثم حساب ثم إلى جنه أو إلى نار وكانت هذه القيم الإنسانية أحد الأركان الأساسية التي بها تقوم العبادة والتي بها ينجو المسلم من نار تلظى إلى جنه عرضها السماوات والأرض أعدها الله للمتقين .

كان الكرم أحد هذه القيم النبيلة التي اهتم بها الإسلام وأمر بها فلقد عرف الله سبحانه وتعالى نفسه لعبادة فالكرم اسم من أسمائه تعالى (الكريم) وصفه من صفاته عز وجل لأنه هو الذي انفرد بالملك والغنى وتوحد بالعظمة والثناء والسنا واختص بالجاه والسلطان فهو إذا عصى غفر وإذا اطلع أمهل وستر وإذا وعد وفى وإذا أوعد عفا لا يضيع من لجأ إليه ولا يثلم من توكل عليه يداه مبسوطتان بالخيرات وله خزائن الأرض والسماوات لا ينازع في قسمه رزقه ولا يراجع في تدبير خلقه فهو الكريم بالإطلاق وكما أنه الكريم نادى عبادة بحب الكرم وبذل المال رضاء وجه وابتغاء رضاه ونهاهم عن الشح والبخل .

قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنه عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) آل عمران 133 - 134 وقال تعالى ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجــون تجارة لن تبور ) فاطر 67 وقال ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم ) آل عمران 92 وقال ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبه أنبتت سبع سنابل في كل سنبله مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) البقرة 261 ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنت لا تظلمون )البقرة 272 ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) الليل 5-10
كما تعددت الأحاديث النبوية لهذه الأمة تدعوا المسلمين للبذل والسخاء وتبين لهم أنه طريق من طرق النجاة . فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال [ إن الله تعالى جواد يجب الجود ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ] رواة الترمذي وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال [ ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً ] رواة البخاري ، وعن أبى ذر رضى الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم [ ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده] رواة أحمد ، وعن على رضى الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم [ إن في الجنة غرفاً يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله قال هي لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام ] رواه الترمذي ، وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رجل للنبي  صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي الصدقة أفضل ؟ قال [ أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان] رواه مسلم ، كما ثبت عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال [ لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبداً] صحيح الجامع 7616وفى حديث آخر [ شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع ] رواه أبو داود وفى حديث آخر [ اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ] رواه مسلم

كما كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة عملية للمسلمين في هذا الشأن فعن جوده وكرمه حدث ولا حرج .
فعن جابر رضي الله عنه قال [ ما سئل النبي  صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال لا] رواة البخاري في الأدب وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال [ كان النبي  صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس] رواه البخاري وعن ابن عباس رضي الله عنه قال [ كان النبي  صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه كل ليله في رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله  صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة ] رواه البخاري
وأتاه رجل فسأله فأعطاه غنماً سدت ما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال أسلموا فـإن محمــداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر .

كما أن منهج الإسلام بروعته أضاف للكرم آداب وحدود وضوابط ذادت طهارته طهارة ورفعته رفعه وبريقه بريقاً نذكر من أهمها .
1- الإخلاص :-
وهو أداء العمل ابتغاء رضا الله وحدة وليس لأي مأرب آخر من مدح مادح أو تحصيـل منفعة دنيوية ولقد شرطه الله شرطاً أساسياً لقبول العمل قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) الكهف 110
وحسبك بعمل خالطه الإخلاص ولذلك كان كرم الأجواد من أهل الجاهلية ليس له وزن ولا قيمة في الإسلام إذ أنه ما فعل ابتغاء الله بل كان دافعه منافع دنيوية وغايات نفعيه ومطامع ومكاسب مادية كما أشرنا من قبل ولقد ثبت في صحيح مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقرى الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة ؟ فقال [ لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ] ولما ذكر ابن كثير ترجمه حاتم الطائي في البداية والنهاية قال موضحاً موقف الإسلام من كرمه : كان جواداً ممدوحاً في الجاهلية وكذلك كان إبنه في الإسلام وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة وأخبار مستغربه في كرمه يطول ذكرها ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة وإنما كان قصده السمعه والذكر . إن المؤمن إذا جاد فإن الإسلام علمه أن يجود لله وفى ذلك يقول الشاعر

ليــس يعطيـــك للرجـــاء أو الخـــــوف *** ولكــــــن يلـــــــذ طعـــــــم العطــــاء

2- الإنفاق من طيب المال :
قال تعالى [ يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد] البقرة 267
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم [ من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل ] رواة البخاري
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم [ إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى (يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ...) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك ] رواة مسلم

3- اجتناب المن والأذى :-
فالمن بالعطاء والأذى بعدة ليس من صفات المخلصين بل هو إلى الرياء والنفاق أقرب قال تعالى
[ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لايتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم ] البقرة 262 - 263
وعن أبى ذر رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال [ ثلاثة لايكلمهم الله ولاينظر إليهم يوم القيامة ولايزكيهم ولهم عذاب أليم ] قلت من هم يارسول الله قد خابوا وخسروا ؟ فأعادها ثلاثاً قلت من هم خابوا وخسروا ؟ قال (المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر ) رواة مسلم .

4- طلاقه الوجه وطيب اللقاء والبشر :-
فهذا يملأ نفس المعطى رحمه ويملأ نفس المتلقى بشراً وأمناً وقد جاء في الحديث الصحيح
[ تبسمك في وجه أخيك صدقه ] رواة الترمذي فإننا لن نسع الناس بأموالنا ولكن نسعهم بحسن الخلق .
لقد علم الإسلام أبناءه فضيلة الجود والسخاء فجمعوا المال وبذلوه إبتغاء رضا الله وكانت الدنيا فى أيديهم لافى قلوبهم ولسان حالهم في ذلك يقول المال وسيله وليس غايه .
روى عن سعيد بن المسيب إمام التابعين أنه كان يجعل على ظهرة إهاب الشاه وكان له مال يتجر فيه ويقول اللهم إنك تعلم أنى لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه ولا محبه للدنيا ونيل شهواتها وإنما أريد أن أصون به وجهى عن بنى مروان حتى ألقى الله فيحكم فى وفيهم وأصل منه رحمى وأؤدى منه الحقوق التى فيه وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار .
وعن عمرو بن دينار قال : ما رأيت أحد أنص للحديث من الزهرى ولاأهـون مــن الدينــــار
والدرهم عندة وما الدرهم والدنانير عند الزهرى إلا بمنزله البعر .
وكان طلق بن حبيب العنزى لايخرج إلى صلاة إلا ومعه شىء يتصدق به وإن لم يجد إلا بصل ويقول قال الله تعالى [ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه] المجادلة 12 فتقديم الصدقة بين يدى مناجاة الله أعظم وأعظم .
إمتذجت هذه المبادىء الساميه بقلوب المسلمين فصار منهم فى الجود والكرم والسخاء قمم يتصاغر أمامها كرم حاتم الطائى وعبد الله بن جدعان وأمثالهم وكيف لا وقد كان كرم المؤمنين لله فرفع الله به ذكرهم وأعلى شأنهم ونحن نذكر طرفاً من جودهم نشحذ به الهمم الراكدة ونتذكر مجد أبناء الإسلام .
كان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما شديد السخاء يقال أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبه وربما تصدق فى المجلس الواحد بثلاثين ألف وكانت تمضى عليه الأيام الكثيرة والشهر لايذوق فيه لحما إلا وعلى يديه يتيم وبعث إليه معاويه رضى الله عنه بمائه ألف لما أراد أن يبايع ليزيد فما حال عليه الحول وعندة منها شىء .
دخل عبيد الله بن أبى بكرة على الحجاج مرة وفى يدة خاتم فقال له الحجاج وكم ختمت بخاتمك هذا قال على أربعين ألف ألف دينار قال ففيم أنفقتها قال فى اصطناع المعروف ورد الملهوف والمكافأة بالصناع وتزويج العقائل وقيل إن عبد الله عطش يوما فأخرجت له امرأة كوز ماء بارد فأعطاها ثلاثين ألف وقيل إنه أهدى إليه وصيف ووصيفه وهو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك ثم فكر وقال إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ودناءة رديئة ثم قال ياغلام ادفع إلى كل واحد من جلسائى وصيفاً ووصيفه فأحصى ذلك فكانوا ثمانين وصيفاً ووصيفه .
وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس يعطى الجزيل الكثير ويستقله وقد تصدق مرة بألفى ألف وأعطى مرة رجلاً ستين ألفا ومرة أعطى رجلاً أربعة آلاف دينار وقيل إن رجلاً جلب مرة سكراً إلى المدينة فكسد عليه فلم يشترة أحد فأمر ابن جعفر قيمة أن يشتريه وأن يهديه للناس .
رأى أسماء بن خارجه الفزارى يوماً شاباً على باب داره جالساً فسأله عن قعودة على بابه فقال حاجة لاأستطيع ذكرها فألح عليه فقال جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها وقد خطفت قلبى معها فأخذ بيده وأدخله داره وعرض عليه كل جاريه عنده حتى مرت تلك الجارية فقال هذه فقال له اخرج فاجلس على الباب مكانك فخرج الشاب فجلس مكانة ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه قد ألبسها أنواع الحلى وقال له :
مامنعنى أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختى وكانت ضنينه بها فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف وألبستها هذا الحلى فهى لك بما عليها فأخذها الشاب وانصرف .
وكان ناس بالمدينة يعيشون لايدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم فلما مات على بن الحسين [زين العابدين] فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذى كان يأتيهم فى الليل بما يأتيهم به ولما مات وجدوا فى ظهرة وأكتافة أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين فى الليل وقيل إنه كان يعول مائه أهل بيت بالمدينة ولايدرون بذلك حتى مات ودخل على بن الحسين على محمد بن أسامه بن زيد يعودة فبكى ابن أسامه فقال ما يبكيك قال على دين قال وكم هو قال خمسة عشر ألف دينار فقال هى على .
أصاب يزيد بن المهلب [قائد المسلمين] فى أحد فتوحاته أموالاً كثيرة فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسه فقال أتدرون أحداً يذهد فى هذا ؟ قالوا لا نعلمه فقال والله إنى لأعلم رجلاً لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان فى الجيش مغازيا - فعرض عليه أخذ التاج فقال لاحاجة لى فيه فقال أقسمت عليك لتأخذنه فأخذه وخرج به من عنده فأمر يزيد رجلاً أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج فمر بسائل فطلب منه شيئاً فأعطاه التاج بكامله وانصرف فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالاً كثيراً .
قال الليث : كان الزهرى أسخى ما رأيت يعطى كل من جاء يسأله حتى إذا لم يبــق عنده شىء استسلف وكان يطعم الناس الثريد ويسقيهم العسل وكان يستمر على شراب العسل كما يستمر أهل الشراب على شرابهم ويقول اسقونا وحدثونا .
وقضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم وعتب رجاء بن حيوه على الزهرى فى الإسراف وكان يستدين فقال لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك فوعده الزهرى أن يقصر فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل فوقف به رجاء وقال يا أبا بكر ماهذا الذي فارقتنا عليه فقال له الزهرى : انزل فإن السخى لاتؤدبه التجارب

له سحائــب جـــود فـــــى أناملــــــه *** أمطارهـا الفضـــة البيضـــاء والذهـــــب
يقــول في العســـر إن أيســـرت ثانية *** أقصــرت عـن بعـض ما أعطى وما أهب
حتى إذا عـــاد أيــــام اليســـــار لــــه *** رأيت أموالــه في النـــاس تنتهــــب

المصادر :
1- الكرم والجود والسخاء أ/ سمير حسين حلبى .
2- المستطرف فى كل فن مستظرف شهاب الدين الأبشيهى .
3- البداية والنهاية ابن كثير

وكتبه
د/ خالد سعد النجار
[email protected]

الصفحة الرئيسة     |     مقـالات