صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله

     محمد بن عبدالعزيز الخضيري
    كلية المعلمين قسم الدراسات القرآنية

     
    الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ، وناشر لوائه ، وحامي حماه ، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به ، به نال المسلمون العز والتمكين في الأرض ، وبسبب تعطيله حصل للمسلين الذُّل والهوان والصغار ، واستولى عليهم الكفار ، بل تداعت عليهم أرذل أمم الأرض كما تتداعى الأكلةَ إلى قصعتها ، وأصبحوا مع كثرتهم غُثاءٌ كغُثاء السيل ، نزع الله المهابةَ من قلوب أعدائهم ووضعها في قلوبهم.
    ولقد حرص الأعداء على تشويه صورة الجهاد والمجاهدين ، وتخذيل المسلمين عنه ، ووضع العراقيل دونه ، وعلى قصر معناه على الدفاع فقط ، كل ذلك وغيره خوفاً من أن يؤوب المسلمون إليه ، فيهزموهم ويُذلوهم ويلزموهم الذل والصغار لأنهم يعلمون أنه متى أعيد الجهاد بصورته التي كان عليها الرعيل الأول ، فإنه لن تقوم لهم قائمة ، ولن يقدروا على الصمود أمام زحف جحافل الحق التي وعدت بالنصر والتمكين (ولينصرّن الله من ينصره)(الحج40)
    ولهذا حرصنا على تجلية معنى الجهاد وعرض صوره وذكر فضائله وأنواعه وحِكمه وأحكامه وغير ذلك من زاوية قرآنية ، فنقول مستعينين بالله....

    أولاً: تعريف الجهـــاد
    أ- لغة: الجهاد مأخوذ من الجهد : وهو الطاقة والمشقة ، وقيل : هو بالفتح المشقة ، وسمي بذلك لما فيه من المشقة ، وبالضم: الطاقة والوُسْع وسمي الجهاد به لما فيه من بذل الوسع واستفراغ الطاقة في تحصيل المحبوب أو دفع مكروه،
    ب- شرعًا: تطلق كلمة الجهاد في الشرع مرادًا بها أحد معين
    1- المعنى العام : بذل الوُسْع في حصول محبوبِ الحَّـق ودفع ما يكرهه الحَّـق ، وهذا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية.
    2- المعنى الخاص: بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله والنصوص الواردة تدل أحيانًا على العموم كما في قوله تعالى:(المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه أحمد وابن حبّان والحاكم وصححاه ، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذنه في الجهاد:( أحيّ والداك،قال نعم،قال ففيهما فجاهد) رواه البخاري.

    ولكن لفظ الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتل الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى قال ابن رشد في مقدماته (1/369) <<الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاق إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ومما يدل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد يتقي الله ويدع الناس من شده>> رواه البخاري فالثاني مجاهد لنفسه ولكنه أطلق الجهاد على الأول.
    وليس جهاد النفس هو والجهاد الأكبر على الإطلاق كما يزعمه بعضهم، فإن (وصف قتال الكفار بالجهاد الأكبر مغالطة لم يدل عليها دليل من كتاب ولا سنة، ثم إن من جاهد نفسه حقيقة ً حتى تغلب عليها فإنه يسرع إلى امتثال أمر الله عز وجل، ومن تأخر عن قتال الكفار فليس بمجاهد لنفسه على امتثال أمر الله ، فالتذرع بجهاد النفس قد يكون من الحيل الشيطانية الصارف للمسلمين عن جهاد أعدائهم، وجهاد النفس يندرج تحته أنواع كثيرة من أهمها جهاد: العبد نفسه على إخلاص العبودية لله سبحانه، والبراءة من الشرك وأهله، ولا شك أن المجاهد في ميدان القتال إذا لم يحقق إخلاص العبودية لله...لا يستفيد من جهاده, فعلى هذا لا يقال: ما مرادك بجهاد النفس، هل تريد جهادها على تحقيق التوحيد.. أم تريد تهذيبها وتزكيتها بالأذكار والنوافل، فإن كنت تريد الأول فلا شك أنه أكبر لكن ينبغي أن يقال جهاد النفس على تحقيق التوحيد أكبر من غيره، وإذا أردت الثاني فلا شك أن الجهاد أكبر منه وأفضل، وأما الحديث المروى(رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)فهو ضعيف..)(بتصريف من كتاب أهمية الجهاد للعلياني/121)

    ثانيًا: حكم الجهـاد:
    قدونا أن الجهاد له معنيان في الشرع وعلى هذا فيختلف الحكم:
    - فأما حكمه بمعناه العام فإنه فرض عين على كل مسلم لأن المسلم لا يخلو في لحظة من لحظاته من مجاهدة نفسه وشيطانه وأعدائه وهواه، وهذا يفهم من قوله تعالى (وجاهدوا في الله حق جهاده...)-سورة الحج آية 78- قال ابن القيم رحمه الله(زاد المعاد 2/65):<<والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال،وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع)

    - وأما حكمه بمعناه الخاص: فنقول: إنه ينقسم إلى قسمين:
    القسم الأول : جهاد الطلب: وهو تطلب من الكفار في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام، وهذا فرض كفاية على المسلمين إذا قام به من تكون به الكفاية سقط الإثم عن الباقين
    والدليل على فرضًا: قوله تعالى:( فإذا انسخ الأشهر الحرم قتلوا المشركون كافة كما يقاتلوكم كافة)-سورة التوبة آية 36- وقوله (انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله)-التوبة آية36- وقوله (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليما ويستبدل قومًا غيركم)-التوبة آية39- وقوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)-البقرة آية193- وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب جهاد الطلب والدليل على كونه ليس على الأعيان وإنما هو على الكفاية قوله تعالى (وما كان المؤمنين لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذر قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)-التوبة آية 122- فقوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) دال على أن النفرة لا تكون على جميع المؤمنين لما في ذلك من ضياع العيال والأموال وترك النفقة في الدين ونحوه. وفي قوله (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة...) أي أنه يبقى من كل مجموعة من يقوم بتعلم العلم وحفظه ليكونوا نذر الهداية في قومهم أو أن الطائفة النافرة هي المتفقهة في الدين فالدلالة من كلا المعنيين واحدة
    وكذلك قوله تعالى ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)-سورة النساء آية 95- ووجه الدلالة أنه وعد كلا الفريقين بالحسنى القاعد والمجاهد ولو كان زمن عين لما وعد بها القاعد.
    ومما يدل لذلك أيضاً سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يخرج للغزو تارة ويبقى تارة، ولم يكن جميع أصحابه يخرجون في كل غزوة بل تخرج ثلة وتبقى بقية.
    القسم الثـاني: جهاد الدفاع: وهو فرض عين على كل مسلم بالإجماع، فإذا هجم الكفار على بلد من بلدان المسلمين وجب على كل قادم مدافعتهم وصد عدوانهم قال تعالى(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)-البقرة آية 190- وقال تعالى (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها..)-سورة النساء آية 75-

    *ويتعين الجهاد أيضًا في الأحوال الآتية:
    أ-النفير العام: أي إذا استنفد الإمام الناس لقتال العدو كان يستنفد أهل قرية فإنه يجب على كل قادر منهم قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير)-سورة التوبة آية 28،29- وفي حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح<<لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا>>-رواه البخاري- قال الحافظ ابن حجر (فيه وجوب تعيين الخروج في الغزو وعلى من عينه الإمام)-فتح الباري6/39-. وقال الكاساني ( فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضًا على الكل عينًا بمنزلة الصوم والصلاة)-بدائع الصنائع 9/4301-
    ب- إذا التقى الصفان حرم على المسلم الفرار، بل هو من كبائر الذنوب قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متميزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير)-سورة الأنفال آية 15،16- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يارسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر... والتوالي يوم الزحف...)-رواه البخاري ومسلم
    وقد استثني في الآية جواز الفرار في حالتين:
    الأولى: التحّرف وهو أن ينتقل المجاهد من موقع إلى آخر احتيالاً على العدد، وقد يدبر عنه يوهمه بالهرب ثم يكرُّ عليه.
    الثانية: التحيز إلى فئة، وذلك أن يعلم المجاهدون أن لا طاقة لهم بقتال العدو إما لكثرته أو قوة عدته فينحازون إلى طائفة من جيش المسلمين لمناصرتهم بعيدة كانت أو قريبة ،
    واستثنيت حالة ثالثة: وهي في آية المصابرة في قوله (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون، الآن خفف الله عنكم وعلم أن منكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين)-سورة الأنفال آية 65،66- أي فإذا كان عدد العدو أكثر من ضعف عدد المجاهدين أقل من إثني عشر ألفًا لقوله صلى الله عليه وسلم(ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) ، ويرى آخرون من أهل العلم بأن هذه الآية ليست مستثناة من آية تحريم التوالي، بل يحرم على المجاهدين أن يفروا من عدوهم إذا قابلوهم لقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره إلا محترفًا لقتال أو متميزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله...) ولحديث(اجتنبوا السبع الموبقات...) وقالوا: إذا كان عدد العدو لا يطيقه المجاهدون فإن لهم مخرجًا بواحد من أمرين، إما التميز إلى فئة، وإما التحرف لقتال بأن ينتقلوا إلى مكان آخر يمكنهم الثبات فيه. وعلى هذا يكون الخلاف شبه لفظي. والله أعلم.
    جـ- إذا كان للمسلمين أسرى عند الكفار حتى يستنقذوهم منهم، قال تعالى (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها...الآية)-سورة النساء آية 75-
    د- إذا عين الإمام رجلاً وجب عليه القتال وقد تقدم دليل في الفقرة(أ)

    *المعـذورون عن الجهـاد:-
    يعذر عن الخروج في الجهاد أنواع من الناس ذكر منهم في القرآن:
    1-الضعفاء 2- المرضى 3- الذين لا يجدون ما ينفقون ، قال تعالى:( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم، قلت: لا أجد ما أحميكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون)-سورة التوبة آية92،93-
    1-وقال تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)-سورة الفتح آية17- قال ابن كثير في تفسيره لآيتي سورة التوبة (ثم بين الله الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها 1- ما هو لازم للشخص لا ينفذه عنه وهو الضعيف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوه، ولهذا بدأ به. 2-ومنها: ما هو عار من بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله 3- أو بسبب فقر لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم).
    وهؤلاء المعذورون يكتب لهم كأجر القائمين بالجهاد إذا علم الله منهم الصدق في أنهم لولا العذر لخرجوا ولذا فهم متحسرون على تخلفهم.
    أما كونهم يكتب لهم الأجر فلقوله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين –غير أولي الضرر- والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) فاستثنى من القاعدين أولي الضرر وألحقهم بالمجاهدين، ويدل ذلك ما رواه مسلم عن جابر قال:( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال:<<إن بالمدينة لرجالاً ماسرتم مسيراً، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر>>) ويدل له أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال:<<لما نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر)>> قال القرطبي-رحمه الله-(فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطي أجر الغازي، فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويًا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل، وقيل: يعطي أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي للمباشرة والله أعلم>>.
    وأما كونهم لا يكتب لهم ذلك الأجر إلا إذا نصحوا لله ورسوله أي: لم يقارن تخلفهم بسبب العذر مزح بتخلصهم من الجهاد، بل يجب أن يكونوا قد عقدوا العزيمة على أن لو زالت أعذارهم لم يتخلفوا ولم يتوانوا ويتباطؤا عنه لحظة، قال تعالى:( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم) ثم ضرب الله تعالى مثلاً لهؤلاء الناصحين بالتكاين الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم ليخرجوا معه لجهاد الأعداء، فاعتذر بأنه لا يجد ما يحملهم عليه فخرجوا يبكون مغمومين بسبب ذلك<<ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون>>سورة التوبة آية 92-
    ومع أن الله تعالى قد عذرهم كما تقدم فإن بعضهم يحمله حبه للشهادة وإعلاء كلمة الله والاستجابة لله حيث يقول تعالى ( انفروا خفافًا وثقالاً)-سورة التوبة آية41- كما فعل عمرو بن الجموح-وكان شديد العرج- في غزوة أحد حين هم بالخروج فاعترضه أبناؤه بأن الله قد عذره، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني يريدان أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك> وقال لبنيه<< ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه، فقتل يوم أحد>>-السيرة النبوية2/90-.

    ثـالثـًا: فضـائل الجهـاد:
    قد وردت في الكتاب والسنة فضائل كثيرة للجهاد نجتزئ بذكر طرف مما ورد في كتاب الله منها :
    1- طرف حركات المجاهد كلها مكتوبة له من حين يخرج من بيته قال تعالى <<ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأؤون موطناً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديًا إلا كتـب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون>>-سورة التوبة آية 121،120-
    2- أنه أفضل من نوافل العبادات قال تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المساجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم)-سورة التوبة آية 19،21- قال ابن القيم-رحمه الله- (فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام- وهم عمارة بالاعتكاف والطواف والصلاة هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن- وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، ففي التوبة بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عماره بقوله تعالى( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) فهؤلاء هم عمار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع در!
    جة عند الله منهم)-طريق الهجرتين/623-
    3- أنه سبب للحصول على رحمة الله للآية السابقة
    4- أنه سبب للحصول على رضوان الله للآية السابقة
    5- أنه سبب للفوز بمرتبة الشهادة والتي جعل الله أصحابها في مصاف النبيين فقال تعالى( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً)-سورة النساء آية 69- وأخبر الله عن منزلتهم فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)-سورة آل عمران آية 169،171-.
    6- حصول المجاهد على الأجر العظيم قال تعالى:<< فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً>>-سورة النساء آية 74،76-وقال( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجات منه ومغفرة ورحمة)
    7- أنه سبب لدخول الجنة قال تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقاتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم)-سورة التوبة آية111- وقال تعالى ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً، إن الله عنده أجرا عظيم)-سورة التوبة آية 22،20- وقال (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين)-سورة الصف آية 40،31-
    8- أنه سبب لمغفرة الله ، لآية الصف السابقة .
    9- أنه سبب للنجاة من العذاب الأليم ودليل ذلك آية الصف السابقة .
    11- أنه سبب للفلاح قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)-سورة المائدة آية 35-
    12- أنه سبب لتحقيق الإيمان قال تعالى ( والذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنين حقاً لهم مغفرة ورزق كريم)- سورة الأنفال آية74،72-.
    13- أنه سبب لحفظ الحق وتمكينه ودفع الباطل، قال تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز)-سورة الحج آية 40- (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)-سورة البقرة آية 251-
    هذه جملة من فضائل وما تركناه أكثر من ذلك

    رابعـًا: مراحل تشـريع الجهـاد :
    مر الجهاد الإسلامي بمراحل قبل أن يصل إلى حكمه النهائي الآنف الذكر، وهي:
    المـرحلة الأولى: مرحلة الكف عن المشركين والإعراض عنهم والصبر على أذاهم مع الاستمرار في دعوتهم إلى دين الحق، وقد دلت على ذلك كثير من الآيات المكية، منها قوله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله..)-سورة الجاثية آية 14- وقال تعالى ( فمهل الكافرين أمهلهم رويداً)-سورة الطارق آية 17- وقال تعالى ( لست عليهم بمسيطر)-سورة الغاشية آية 22- وقال تقدس ( وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون)-سورة الزخرف آية 89،88- وغير ذلك من الآيات المكية.
    وبينت ذلك بعض الآيات المدنية قال تعالى (ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس تخشية الله أو اشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب)-سورة النساء آية 77- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب مكة ( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ..)-رواه النسائي والحاكم،وقال:على شرط البخاري- ولما استأذنه أهل يثرب ليلة العقبة أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم قال:<< إني لم أوحر بهذا>> أخرجه أحمد والطيالسى

    ولعل من حكم الكف-والله أعلم- ما يأتي :
    1- تربية الصحابة على الصبر على الظلم الذي يواجهونه من قومهم، فيتعودون على ضبط أعصابهم عند استشارتها، لأنهم تربوا في بيئة لا ترضى بذلك ولا تصبر عليه، وذلك ليتم الاعتدال في طبائعهم، وليكون في ذلك تربية على الانقياد والطاعة للعبادة التي لا يعرفها العرب.
    1- وقد يكون لأن الدعوة السلمية أكثر أثراً في قبيلة ذات عنجهية وثارت وثارت إذ قد يدفعها قتالها إلى زيادة العناد، فتقوله من ذلك ثاراتٍ لا تنطفئ أبداً، وتكون مرتبطة بالدعوة إلى الإسلام فتتحول فكرة الإسلام من دعوةٍ إلى ثاراتٍ تنسى معها فكرته الأساسية.
    2- ولو أمروا بذلك وهم ليسوا سلطةٍ منتظمة لوقعت مقتلة في كل بيت فيه مؤمن ثم يقال: هذا هو الإسلام بأمر بقتل الأهل والذرية، فتكون سلاحاً إعلامياً ضد المسلمين.
    3- ولعلم الله السابق بأن كثيراً من هؤلاء المعاندين يكونون من جند الله بل من خلصهم وقادتهم، وعمر بن الخطاب خير شاهد على ذلك.
    4- ولقلة عدد المسلمين وانحصارهم في مكة فلو أووا بالقتال لكان سبباً إلى فناء المؤمنين ولا بد قبل الخوض في معركة مع الباطل من تأسيس القاعدة العريضة التي لا تتأثر بفناء ثلة منها في معركة حاسمة مع الطغاة.
    5- وربما كان ذلك أيضاً لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم، وقد وقع ما يدل لهذا فابن الدغنة ثار لأبي بكر لما رآه خارج مكة يريد مفارقتها، وكذلك خبر نقض الصحيفة الجائرة، وصل العبدني هذه المواطن يكسب الدعوة والدعاة تعاطفاً شعبياً، ولو أنهم لجئوا إلى القوة لخسروا هذا التعاطف بل قد يزداد الأمر شدة من كل الناس.
    6- ولأن الصبر في مثل هذه المواطن يدعو إلى تفكر المجتمع في حال هؤلاء المؤمنين وإلى تساؤلٍ مفاده، ما الذي يدعوهم إلى كل هذا التحمل ؟ إن الذين يدعوهم إليه حق يحملونه في قلوبهم ويقين بصدق ماهم عليه لا يمكنهم التراجع عنه، فيكون ذلك سبباً في إيمانهم.
    7- ولم تكن هناك ضرورة ملحة للقتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في أمة تعيش على النظام القبلي، فالقبيلة لا ترضى أن يخلص إلى رجل منها وإن كان على غير دينها من قبيل النخوة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محمياً من بني هاشم وكان يقوم بدعوته ولم تقدر قريش على قتله خوفاً من بني هاشم.
    هذه بعض الحكم المستفادة من تلك المرحلة أطنب في ذكر بعضها سيد قطب في كتابه الظلال (2/715،713)
    المرحلـة الثانيـة : إباحة القتال من غير فرض في المدينة قال تعالى ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع..الآية)-سورة الحج آية40،38-
    المرحلـة الثالثـة : فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط قال تعالى ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا، ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم و أولئك جعلنا سلطاناً مبيناً)-سورة النساء آية 91،90- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم، بل قال: ( فإن تولوا فخذوهم..الآيات) وكذلك من هادنهم ولم يكونوا مأمورين بقتاله وإن كانت الهدنة عقداً جائراً غير لازم)-الجواب الصحيح 1/73- وقال أيضاً (فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يحارب أحداً من أهل المدينة بل ودعاهم حتى اليهود خصوصاً بطون الأوس والخزرج فإن كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذا قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون، ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب . وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سم لا أهل وب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم)-الصارم المعلول99-.
    المـرحلة الرابعـة : قتال جميع الكفار من كل الأديان ابتداءً وإن لم يبدئوا بقتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية على الخلاف المعروف فيمن تؤخذ منه، وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة ومن بعد انقضاء العهود المؤقتة، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل على هذه المرحلة وعليها استقر حكم الجهاد، قال تعالى ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)-سورة التوبة آية 29- قال ابن القيم-رحمه الله-( فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام : محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آل حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين : محاربين، أهل ذمة)-اد المعاد 3/160-
    وهل هذه المرحلة ناسخة لما قبلها من المراحل؟ نقول: إنها ناسخة بالنسبة لأقوام غير ناسخة بالنسبة لآخرين، فمن كان ذا قوة ومنعة ودولة وحاله كالحال التي آلت إليها دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المراحل السابقة منسوخة في حقه لا يجوز له العمل بها ألبتة، ومن كان في ضعف وذل بل ولا دولة له فإن المراحل السابقة غير منسوخة في حقه بل يعمل بالذي يناسب ظروفه الذي يعيش فيه، كما كان عليه المسلمون أول الأمر قال شيخ الإسلام ابن تيمية (..فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)-الصارم المسلول 221-.

    خامسـاً: أهداف الجهـاد وغايتـه :
    لم يشرع الجهاد عبثا، ولا لتحقيق أهداف شخصية، أو مطامع مادية، أو مكارب سياسية، أو لبسط نفوذ وتوسيع الرقعة، ولا لإزهاق النفوس وسفك الدماء، والتسلط على الناس واستعبادهم، وإنما شرع لأهداف جليلة، وغايات نبيلة، نذكر بأهمها بعد ذكر هدفه الأساسي :
    أما هدفه الأساسي: فهو تعبيد الناس لله وحده، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإظهار دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
    قال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة, ويكون الدين لله, فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)-سورة البقرة آية 193- وقال سبحانه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير)-سورة الأنفال آية39- وقال سبحانه ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)-سورة التوبة آية33/سورة الصف آية9- وقال صلى الله عليه وسلم:( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)رواه مسلم.

    * ومن أهداف الجـهاد :
    1- رد اعتداء المعتدين على المسلمين: قال تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)-سورة البقرة آية 190- وقال تعالى ( ألا تقاتلوا قوماً نكثوا أيمانهم وهو بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشوهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)-سورة التوبة آية13-.
    2- إزالة الفتنة عن الناس حتى يستمتعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق، وحتى يروا نظام الإسلام مطبقاً ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر، قال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) والفتنة أنواع:
    (أ)- ما يمارسه الكفار من تعذيب المستضعفين من المؤمنين والضيق عليهم ليرتدوا عن دينهم قال تعالى ( ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها...)-سورة النساء آية75- ومن ذلك أيضاً فك أسرى المسلمين كيلا يفتنهم الكفار.
    (ب)- الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة فإن هذه من شأنها أن تفتن المسلم عن دينه، وبهذا فسر بعض السلف قوله تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) قالوا: إن الفتنة الشرك ونحوه، ولذالك فإن أهل الجزية من أهل الذمة ونحوهم يمنعون من المهاجرة بدينهم والتعال بالربا وإظهار الزنا والخنا؛ لأن هذه الأوضاع تفتن المسلم عن دينه.
    (ج)- فتنة الكفار أنفسهم وصدهم الناس ومن تحت ولا ... عن استماع الحق وإقامتهم سياجاً منيعة أمام دين الله لئلا يدخله الناس، فيجب أن يقام على هؤلاء الجهاد حتى يفسح المجال لدين الله يراه الناس ويعرفونه وتقوم عليه الحجة به، وبهذا يدخل الناس في الإسلام إذا غالب ما يصد الشعوب عن دين الله إقامة دول الكفر الحواجز والسدود أمام دين الله كيلا يدخل إلى الشعوب.
    3- حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار: قال تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..) ومن أجل ذلك شرع الرباط على الثغور لحماية دولة الإسلام من المتربصين بها ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)-سورة آل عمران آية200-
    4- تأديب المتمردين والناكثين للعهود المنتهزين سماحة الإسلام وأهله: قال تعالى في حق من نقضوا العهود والمواثيق: ( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول)-سورة التوبة آية13،12- وكذلك من كان بينه وبين المسلمين عهد وتوجس المسلمون منه شراً و...، فإنه ينبذ إليه عهده ويكشف له حقيقة الأمر ثم يقاتل قال تعالى ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليه على سواء إن الله لا يحب الخائنين)-سورة الأنفال آية58-، وكذلك البغاة من المسلمين وهم الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل،( فيقاتلون حتى تذهب ريحهم فإن بغت إحداهن على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء أمر الله)-سورة الحجرات آية9- ومثل البغاة، من أجمعوا على ترك واجب أو فعل محرم وتواطؤا عليه فيقاتلون حتى يستقيموا، وأشد منهم المرتدون، فيقاتلون حتى يسلموا أو يبادوا كما فعله ذلك أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- مع المرتدين.
    5- دفع الظلم والدفاع عن الأنفس والحرسات والأوطان والأموال قال تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)-سورة الحج آية40،39-.
    6- إذهاب الكفار وإخزاؤهم وإذلالهم وإغاظتهم ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)-سورة الأنفال آية60- وقال سبحانه ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)سورة التوبة آية14-

    سادساً: الترهيب من ترك الجهاد وبيان عواقبه:
    ترك الجهاد مع القدرة عليه كبيرة من كبائر الذنوب، بل لا خلاف بين العلماء على أن أي طائفة امتنعت عن جهاد الكفار أو ضرب الجزية عليهم تجاهد هي بذاتها حتى ترجع إلى الصواب وتلتزم هذه الفريضة المحكمة التي ورد بها الكتاب والسنة والإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام... أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتَلُ عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء..." (الفتاوى 28/503).
    وقد وردت نصوص كثيرة تحذر من ترك الجهاد وتبين عواقب تركه وتصف الناكلين عنه بأقبح الأوصاف، وإليك بعضاً منها:
    1- ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة والاستعباد وتسلط الكفار عليهم، وأما هلاك الآخرة فمعلوم، قال تعالى: ((وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)) [البقرة/195] قال أسلم بن عمران: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجياً فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا ((وأنفقوا... الآية)) فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" رواه ابن حبان والحاكم وصححاه.
    2- ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه قال تعالى: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير)) [التوبة/39]
    3- ترك الجهاد والفرح بالقعود من صفات المنافقين قال تعالى: ((لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)) [التوبة/44-45]. وقال سبحانه: ((فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا: لا تنفروا في الحر، قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون)) [التوبة/81-82].
    4- ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم، قال تعالى: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)) [البقرة/251]. وقال سبحانه((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)) [الحج/40].
    5- ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة وفضائل جمة منها الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية ودفع شر الكفار وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم.
    6- ترك الجهاد قد يعرض لعقوبة عاجلة تنزل بالقاعدين عن الجهاد، كما قص الله تعالى من خبر بني إسرائيل لما طلب إليهم موسى عليه الصلاة والسلام أن يدخلوا الأرض المقدسة فقالوا: ((يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، قال:فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)) [المائدة/20-26]. وقد وعى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس جيداً، ففي يوم بدر لما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال؛ قال له المقداد: يا رسول الله: إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك" رواه البخاري. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" رواه أحمد.
    7- ترك الجهاد سبب للذل والهوان قال تعالى: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، والله علىكل شيء قدير)) [التوبة/39]. قال صلى الله عليه وسلم: "لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك حتى تتوبوا إلى الله، وترجعوا إلى ماكنتم عليه" رواه أحمد.
    هذه بعض عواقب ترك الجهاد، وتفصيلها يطول، فاللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الزيغ والفساد، وانشر رحمتك على العباد.

    سابعاً: ثمرات الجهاد وفوائده:
    للجهاد فوائد عظيمة وثمرات يانعة ومصالح جمة تتحقق للأمة، بل وللعالم كله نذكر على سبيل المثال منها:
    1- كشف المنافقين، فإنهم في حال الرخاء لا يتميزون عن غيرهم فإذا جاءت الشدة والبأساء تبينوا للمؤمنين وانكشفوا . قال تعالى((ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب)) [آل عمران/179]. وقال سبحانه: ((أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)) [آل عمران/142]. وقال عنهم في بدر: ((إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)) [الأنفال/49]. وقال عنهم في غزوة الأحزاب: ((وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ماوعدنا الله ورسوله إلا غروراً)) [الأحزاب/12]، وقال سبحانه: ((فإذا ما أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت)) [محمد/20].
    2- تمحيص المؤمنين من ذنوبهم. قال تعالى: ((وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)) [آل عمران/140-141]
    3- اتخاذ الشهداء منهم، للآية السابقة.
    4- محق الكافرين، للآية السابقة.
    5- تربية المؤمنين على الصبر والثبات والطاعة وبذل النفس والإيثار. قال تعالى: ((أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)) .
    6- دخول الناس في دين الله تعالى فإن كثيراً من الناس لا ينقادون للحق الذي لا تحميه قوة ولا يكون له بأس، وعامة الخلق ينفرون من الضعيف والضعف ولذلك قال تعالى: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوى عزيز)) [الحديد/25] قال ابن كثير: "وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده من بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده" [ابن كثير/ تفسير سورة الحديد] ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر شاهد على هذا إذ لما تكونت للمؤمنين في المدينة قوة يضربون بها في الأرض وفتحوا مكة جاءت العرب مسلمة مذعنة.
    7- محو الفساد من الأرض، لأنه إن لم يجاهد المسلمون المفسدين ارتفع منار الفساد وقويت شوكة المفسدين، وتلك سنة جارية قال الله عنها: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين)) [البقرة/251]. وقال سبحانه: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز )) [الحج/40]. قال ابن زيد: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض: لولا القتال والجهاد" (الطبري 7/124]. وقال مقاتل: "لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المسلمين وخربوا المساجد" (زاد المسير 1/30]. وقال سبحانه: ((كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة)) [التوبة/8]. وقال تعالى: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) [البقرة/120].
    8- ظهور صدق الدعوة للناس وذلك من وجوه:
    أ- أن يشاهد الناس الدعاة إلى الله وهم يبذلون من أجله كل شيء مع خلوه من المطامع فيدعوهم ذلك إلى التفكر فيهم وفيما يدعون إليه.
    ب- أن يرى الناس معاني ومبادئ تلك الدعوة تتحرك في أهلها بلا مواربة ولا خفاء ولذلك هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليتموا أمر الله ويعملوا بكل ما يؤمرون به، ولو كان أداء بعض شعائر الإسلام خفية كافياً في أداء حق الله تعالى على المسلم لما كان القاعد عن الهجرة بين ظهراني المشركين آثماً ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين.. الآية)) [النساء/97-99].
    ج- ما يمنحه الله للمجاهدين من أسباب النصر التي تخرق الأسباب المادية المألوفة، والتي تكون سبباً لتصديق الناس بهذه الدعوة. قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها)) [الأحزاب/9] وهذا في غزوة الأحزاب. ومثله صار في بدر وغيرها من المشاهد.
    9- أنه سبب لرأب صدع المسلمين وتآلفهم وقلة خلافاتهم: إذ يكون جل همهم ملاحقة عدوهم ونشر دينهم ودعوة الناس إلى الله. قال تعالى: ((هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)) [الأنفال/26-63] وقال((وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين)) [الأنفال/46]. وقال: ((يسألونك عن الأنفال؟ قل: الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)) [الأنفال/1].
    10- أنه سبب للهداية قال تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) [العنكبوت/69]، قال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: (لنهدينهم) [القرطبي 13/364] وقال ابن جرير: "لنهدينهم سبلنا، يقول: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم" (الطبري 21/15].
    11- أنه سبب لاستمساك المسلمين بدينهم، وحرصهم على الحفاظ عليه، وذلك لأنهم بذلوا في سبيله الغالي والرخيص، فلا يمكن أن يفرطوا فيه أو يتهاونوا به. قال سيد قطب: "ولابد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف... ليؤدي المؤمنون تكاليف هذه العقيدة كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها، لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين" [الظلال 2/145].

    ثامناً: عوامــل النصــر:
    الأول: الإيمان والتقوى. قال تعالى: ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) [الحج/38] وقال تعالى: ((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)) [غافر/51]. وقال تعالى: ((ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)) [الروم/47] وقال سبحانه: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ... الآية)) [النور/55] والآيات الدالة على أن الإيمان عامل مهم من عوامل النصر على الأعداء كثيرة جداً.
    وأما التقوى فقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين)) [التوبة/123] وقال تعالى: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين)) [القصص/83] وقال: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)) [الطلاق/2] وقال جل وعز: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)) [آل عمران/120] وقال سبحانه: ((بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربك بخمسة آلاف من الملائكة مسومين)) [آل عمران/125] وغير ذلك من الآيات.
    الثاني: الإعداد، وذلك بإعداد الآتي:
    أ- إعداد القوة الضاربة.
    ب- إعداد المال اللازم.
    ج - إعداد الجنود الصالحين للجهاد.
    ويجمع هذه الألوان من الإعداد قوله تعالى ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) [الأنفال/60] .
    الثالث: الثبات.
    الرابع: ذكر الله كثيراً.
    الخامس: طاعة الله وطاعة رسوله.
    السادس: عدم التنازع، ومما يدل على هذه الثلاثة أول سورة الأنفال.
    السابع: الصبر.
    والدليل على هذه الخمسة قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)) [الأنفال/45-46] وقد لقن المؤمنون درساً شديداً في أحد حينما تنازعوا وعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ((ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدِ ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)) [آل عمران/152]
    الثامن: الإخلاص لله تعالى في القتال، فلا يقاتلون حمية ولا عصبية ولا رياء وسمعة قال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) [محمد/7]، وقال: ((ولينصرن الله من ينصره...)) [الحج/40]، ومثل ذلك الآيات التي وصفت القتال بأنه في سبيل الله، وهي كثيرة جداً، وقد نهى الله المؤمنين عن التشبه بالكافرين في قوله جل ذكره: ((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط)) [الأنفال/47].
    التاسع: تطهير الجيش من العناصر الفاسدة والضعيفة قال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر...)) [آل عمران/118]، وقال تعالى مبيناً ضرر خروج المنافقين في صفوف المجاهدين: ((لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين)) [التوبة/47]، وقد اختبر طالوت جنوده قبل لقاء العدو ليطهر جيشه من العناصر المخذلة ((فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)) [البقرة/249] وظهر أثر هذا التطهير بغلبة طالوت على جالوت: ((فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت)) .
    العاشر: التوكل على الله: إن المجاهدين إذا أعدوا عدتهم وأخذوا بأسباب النصر لزمهم أن يتوكلوا على الله ولا يتكلوا على أسبابهم المادية، فإن الأسباب لا تغني من الحق شيئاً إذا لم يأذن الله بالنصر قال تعالى: ((إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) [آل عمران/160]. وقال: ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه)) [الطلاق/3] .
    الحادي عشر: الدعاء، قال تعالى في حق قوم طالوت: ((ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) [البقرة/250]. وقال تعالى: ((وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وماكان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) [آل عمران/ 146، 147]. والآيات الدالة على وجوب الدعاء كثيرة.
    الثاني عشر: التوبة، لاشك أن التوبة من أعظم وسائل النصر، ولذلك كان أتباع الأنبياء يلهجون بالاستغفار قبل الدخول في المعركة كما في الآية السابقة، وقال تعالى: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير] [الشورى/30]. وقال جل شأنه: [أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم)) [آل عمران/165] .
    الثالث عشر: التحريض على القتال وترغيب المؤمنين في الجهاد وذلك بإقامة الخطباء المؤثرين والوعاظ والأناشيد الحماسية ((ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال... الآية)) [الأنفال/ 65] وقال جل وعز: ((فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا...)) [النساء/84] .
    الرابع عشر: الحذر من تغرير الشيطان بالمؤمنين، وذلك بأن يتكلوا على أسبابهم المادية، أو يعجبوا بأعمالهم وينسوا ذنوبهم كما فعل بالمشركين في بدر: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى مالا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب)) [الأنفال/ 48]. قال ابن عباس: لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم وإني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني أرى مالا ترون .. الآية.
    الخامس عشر: إيهام العدو بغير الحقيقة، كأن يوهمهم المجاهدون أن عددهم قليل، ليتقدم العدو ثم ينقض عليهم المجاهدون، أو يوهمهم بكثرة عدوهم ليرهبوهم قال تعالى: ((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم وتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلى الله ترجع الأمور)) [الأنفال/ 43-44] فأرى الله نبيه قلة عدد العدو ليخبر أصحابه فيكون تثبيتاً لهم ولو أراه العدو كثيراً فأخبرهم لوهنوا وضعفوا، فلما التقوا أرى الله المؤمنين قلة عدد العدو ليقدموا على قتالهم حتى قال ابن مسعود لرجل بجواره: أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة. وقلل المؤمنين في أعين العدو ليجترئوا على المسلمين ولا يستعدوا لقتالهم حتى قال أبو جهل: »إنما أصحاب محمد أكلة جزور" أي لقلتهم يكفيهم جزور واحد في اليوم... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة" [متفق عليه].
    السادس عشر: أخذ الحذر من العدو قال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً)) [النساء/71] وقال تعالى في آية صلاة الخوف: ((وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معكم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا)) [النساء/ 102]
    السابع عشر: التنظيم، ومنه قوله تعالى: ((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)) [الصف/ 4]، ومنه الاستئذان عند الانصراف قال تعالى: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم)) [النور/62] ومنه الآية في صلاة الخوف.
    الثامن عشر: إذكاء روح العزة في نفوس المؤمنين، واستشعارهم أنهم الأعلون أصحاب الحق الخالد في الدنيا والآخرة قال تعالى: ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)) [آل عمران/139] ومن صور إظهار العزة: الخيلاء وله صورتان:
    أ - إظهار التجلد للكافرين وإبراز القوة وشدة البأس، قال ابن عباس رضي الله عنهما في عمرة القضاء: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا مابين الركنين، ولا يمنع جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم« (فتح البارى 3/470]
    ب - أن يختال المجاهد في مشيته أمام العدو ليظهر عزته على الكافرين ((أعزة على الكافرين)) وفي حديث جابر بن عتيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "... وأن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها مايحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال..." رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود.
    تلك بعض وسائل النصر الواردة في كتاب الله وما تركناه منها كثير، والله المستعان...

    من مراجع هذا البحث:
    - تفسير الطبري.
    - زاد المسير لابن الجوزي.
    - تفسير القرطبي.
    - تفسير ابن كثير.
    - مدارج السالكين وطريق الهجرتين وزاد المعاد لابن القيم.
    - الجواب الصحيح ومجموع الفتاوى والصارم المسلول لابن تيمية.
    - أهمية الجهاد للعلياني.
    - الجهاد في سبيل الله لعبد الله القادري.
    - المقدمات الممهدات لابن رشد.
    - في ظلال القرآن لسيد قطب.
    - بدائع الصنائع للكاساني.
    - الجهاد في سبيل الله لمحمد شديد.
    - فتح الباري لابن حجر.
     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية