صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



عَبرَ بَوّابَةِ الزَّمَن ..

نُور الجندلي

 
في لحظاتٍ مرّت من زمانٍ مضى .. كنتَ هنا تقلّب وجهكَ في فراغ، تفتشُ عن شيء مجهول كي تجده، تبحثُ عن أمرٍ لا تعرف كنهه، لكنك بشدة تريده ..
كنت وقتها كمن يتجول في شوارع لمدينة غريبة عنه، أو بالأحرى هو غريب عنها..
مدينة مبنية من طراز غريب، سكانها مجهولون، بملامح غريبة، أرصفتها متناسقة، ولكن بشكلٍ عجيب، لا إشارات حمراء فيها ولا خضراء، فالكل يمتلك حريّة التوقف أو العبور ..
مؤسسها لم يكن ديموقراطياً كثيراً حتى يسمح بهذا الكم من الحرية، لكنه كان متأكداً أن من سيزور المدينة لن يتمكن من التوقف أبداً عن التجوال فيها ..
في تلك المدينة، وكما في كل المدن، أناسٌ فضلاء تتوسم الخير في ملامحهم، وغيرهم سفهاء تنفر منهم حد البغض، وهناك سفهاء يرتدون زي الصالحين، وبؤساء ضاعوا في زقاق السفهاء، ستجد أمكنة تبدو أجمل من أن تكون مصحّات عقلية، وأرقى من أن يسكنها مجانين، وأمكنة أخرى مهجورة، كانت يوماً مشروع دار لطلب العلم، أو مدرسة لتعليم الأخلاق، لكن الشركاء فيها اختلفوا فيما بينهم، وتقاتلوا من أجل السيادة فقرروا تهديم أسوارها، وستجدُ جنّات خضراء بأيدٍ زرعتها، وصحارى جرداء تأسف على سكانها، وجبالاً شاهقة وعرة تُحجم عن فكرة تسلقها ..
في المدن الحقيقية ترى الملامح، وتسمع الأصوات، وتتبع حدسك، وفي المدينة هذه لا ترى إلا أسماء حقيقية وأخرى وهمية، وجانباً من أفكار أهل الدار ..
ولأن السفر في هذه المُدن سهلٌ ميسر، يشبه إلى حد كبير بوابة الزمن، التي قرأت عنها كثيراً في الكتب الخيالية، وشاهدت بعضاً منها في أفلام ضحكوا عليك لتشاهدها فقالوا أنها أفلام خيال علمي، كتلك البوابة تعبرُ من زمن لآخر في لحظات، وتتنقل من مكان لآخر مع مرور بسيط لعقرب الثواني .. لتجد نفسك في عالم مختلف ..
ولأنك أدمنت التجوال، وصارت تلك المُدن المخفيّة جزءً من حياتك، وصار سكانها رغم اختلافهم وغموضهم مثل أفراد أسرتك، فكثيراً ما قرأت ما كتبه سكارى الحب فأسفت لحالهم، ولعلك مررت ببعض نواديهم فخرجت نادماً مستغفراً عما اقترفت أيديهم، وما اقترفته أنت بالصمت على جهلهم ..
وكم ولجت أمكنةً أشعرتك بأنها كما المساجد طهراً ونقاء، أو جُبت ساحات مدارس توقفت فيها لساعات، إذ أن كلام مدرسيها قد أعجبك، ونادى جزءً من كيانكَ فتوحد بك ..
وكم وكم أنصت لحديث أخوي أخذ بمجامع قلبك، من شخص لم تشعر للحظة أنك لا تعرفه، ولم تحدثك نفسك بأنك لم تألفه ..
كم من أناسٍ سكنوا قلبك عبر حروفهم، وأنت لم تعرفهم، ولم تلتقِ بهم يوماً ..
وكم من حروف صنعت منك شخصاً آخر لا يشبه شخصك القديم، لأنه أنضج، وأكثر جمالاً ..
فحروفهم علمتك تذوق الجمال، وطرقاتهم قادتك على مكمن كل جمال ..
كم مرّة بكيت وأنت تقرأ مقالاً لأحدهم لامس قلبك ؟!
وكم مرة تبسم قلبك، أو قهقهت فرحاً كالمجنون وحدك ؟!
كم عدد الأيدي التي رسمت خليط فكرك؟
وكم نسبة الطاهرة المتوضئة منها؟
من أنت أيها الغريب؟ وإلى أين تسلك ؟ وما هي غايتك؟ أنت خارجٌ عن قانون المعقول، تتجولُ في مدنٍ مجهولة، تراقب بصمت خفي، تتشبه بالأشباح، وتمضي وقتما تريد فلا تبرز هويتك، ولا تعلن عن نفسك ..
أنت عالقٌ في الشبكة العنكبوتية منذ زمن، أنت تائه لم تحدد بعد هويتك ..
فضلاً منك عرّف عن نفسك، أبرز بطاقتك التي نقشت عليها أهدافك، حدد غاياتك، ثم اختر مدينة تناسبك، ولا تنس أن تعود إلى واقعك لتأخذ منه التجارب وإليه، وتذكر دائماً بأنك خلقت لتكون مواطناً صالحاً في أية مدينة سكنت، وبأن قلبك مدينة أخرى أكبر من كل مكانٍ عرفته، مدينة تستحق أن تتخذها وطناً تشحذ من أجل بنائه قوتك، وتجعل منه عاصمة لدولتك، فمهما جبت في مدائن الأرض، فإلى نقائه تعود ليسيرك .

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
نُورٌ ومِسك
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط
  • مواقع اسلامية