صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



قلبٌ من زجاج

نور الجندلي

 
ليلةٌ أخرى تمرُّ ثقيلة ، منذ عام ..!
عام مضى ولم تكتحل عيناي بفرحٍ ، ولا عيناها الجميلتان ..
تتظاهر بأنها غافية ، توهمني بأنَّ الهموم قد سافرت عنها بعيداً ، لكنني ألمح الدمع يتحدر على خديها بصمتٍ باكٍ ، لا يقوَ نطقاً وسط جلبة العالم المتعمدة من حولها .
تشيحُ بوجهها كي لا أراها ، وأبكي بصمتٍ ، كي لا تراني ، وتختنق الغرفة بحزنينا معاً ، فالحزن واحد ، والألم قد اتحد في قلبينا فانتشرت فيهما غابة حزن ، واعشوشبت نباتاتُ القهر السّامة ، وامتدّت فيهما بعيداً ، مع أننا حاولنا جاهدتين اقتلاعها .
قد شاخت صغيرتي الرقيقة الحبيبة هبة قبلَ أوانها ، شاخت وهي تحملُ عبئاً ثقيلاً أقحمتها بهِ رُغماً عنّي ، ونعتاً قبّحه الناسُ وما قبّحه الدين ، فلا حول لي ولا قوة إذ ألامُ بأنّي مطلّقة !
حاولتُ مراراً إقناعها بأن الأمر لا عيب فيه ، إنما العيب من هذا المحيط الذي لا يرحم . ولكن .. أنّى لها أن تفهم ، فأعزّ صديقاتها تخلّت عنها حين أبعدتها الأمّ قسراً وهي تقول :
- إنها المرّة الأخيرة التي ألمحكِ بها سائرة مع ابنة المطلّقة !
رمقتها بنظرات قوية ، حملتها كل حقد في الحياة ، فرّقت بين برعمي ورود ومضت ..
وعادت هبة إلى حضني تبكي بمرارة شعور الظلم ، وقد مورس عليها ببطشٍ فحطم قلبها الزجاجي الرقيق ، لتتشظى فيه كلّ معان للسعادة..
صادقت من يومها الوحدة ، والأحزان ، وغدت هشة ، تكسرها الكلمة والنظرة ، يحرقها التلميح قبل التصريح ، يبكيها شعور بأنها أقل من الأخريات !
باتت تسألني أسئلة صعبة ، أحار لها جواباً ..
- أمّي .. لم كان عليكِ أن تتركي والدي ؟ لقد كنتُ سعيدة هناك في بيتنا ، معكِ ومع أبي .. لم سمحتِ له أن يطلقكِ ؟ لم فعلتِ أيتها القاسية !
مسكينة هي .. مازالت تعتقد بأنّي الفاعلة ، وبأني تركته رغماً عنه ، هكذا أفهَمَها ، ولا زال يزرع الشّوك داخلها تجاهي .. لستُ أدري ما يريد ! لم لا يتركني وشأني ، يعيدها بعد كلّ زيارة له في حالة يرثى لها .
أما زال يمنّي النفس بأن أعود بعد عام من القهر والألم والظلم ؟
لقد بتّ أخشى سماع اسمه ، فمعه ينحدر شلال اللوم والعتاب من الجميع إلى مالا نهاية !
الكلّ يلومُ في محكمة الحياة الزوجية المرأة ، لأنها تحملُ تهمة مطلّقة ، ولا محامٍ للدفاع ، فهي امرأة ، مقصوصة الجناح .
من يدافع عن حقوقٍ لن تعود يوماً ؟ من يطبّب جراحات تزداد اتساعاً كلما كبرت هبة !
كانت هنا في بيت جدتها حين تشاجرنا ، تقضي النهار في مرح ..
لم تدرك بأن الفرح سيغيب مع غروب شمس ذاك النهار ..
كنتُ أنا وهو هناكَ .. في بيتنا ، اشتعل حريقُ الخلاف فتشاجرنا ..
وببساطة من يتخلّى عن متاع رخيص ؛ فتح الباب وقال لي : حضري حقيبة ملابسكِ ، وملابس الطفلة ، فلست بعد الآن سيدة المنزل ، أنتِ طالق !
قرعت الكلمة أجراس قلبي المغيب في لحظة غضب ، عرفتُ بأنني فقدت كلّ شيء ، ولم أدرك – ولم يدرك هو أيضاً - بأنني سأفقد أغلى شيء في حياتي ، سعادة ابنتي .
مسكينةٌ صغيرتي هبة ! قدرٌ عليها أن تعيش كسيرة رغم الإباء الذي زرعته في داخلها .
بائسةٌ هي تحاولُ التّعلّق بأعواد الأمل الطافية على محيط حياتنا الصاخب بالموج العنيف ، لعلها تنجو .
أعلمُ أنها تحاول إعادته في كل مناسبة ، وأنها عملت على تحريك جلمود قلبه ، قرأتُ في جهازي الخلوي رسائلها إليه ، حاولت أن ترسلها على أنني الفاعلة .
نسيَت أن تحذف الرسالة الأخيرة إليه ، فاجأها وجودي فتعذّرت بأنها تبحث عن رقم معلمتها ، كي ترسل إليها رسالة حبّ !
رسائلُ حب كثيرة قد قرأتها في عيني هبة ، أو بالأحرى .. رسائل شكوى !
ورسالة يتيمة اكتشفتها مؤخراً مرسلة إلى أبيها ..
عُد إلينا ، فنحن نحتاج إليك أيها الأب الطيب !
أسلوبها الطفولي لم يخفَ عليه ! لم يجبها ، مازلتُ ألمحها تتقلب في الفراش ، فقد خسرت جولة أخرى !
طلع الصباح وجفني لم يغمض أبحثُ عن حلّ ، عن نهاية لهذا النفق الذي سقطنا به معاً دون حول لنا أو قوة ..
طرقاتٌ خفيفة على الباب أرعبتني ..
نهضناً معاً .. أنا وهي ..
تسابقنا إلى الباب الخارجي ، وحذر ممزوج برهبة يقيدنا .
نظرتْ إليّ ..
- هل أفتح ؟
أومأتُ لها بالإيجاب فركضت متشبثة بخيط رفيع للأمل أبقاها متيقظة حتى الفجر ..
إنه هو ..
كما توقعنا !!
عانَقتْه بكلتا ذراعيها ، وحملها بحبٍّ آسرٍ وقبّل جبينها ..
بصوتٍ هادئ لم أعهده قال لها :
- اشتقتُ إليكِ
أمسكَ يدها وهو يقول :
- تعالي معي ، لن أدعكِ تنامين هنا ثانية .
لدقيقة ظلت مخفية وجهها في صدره ، تقتاتُ حناناً .
لم يلتفتا إلي ، ولم أنبس ببنت شفة .
نظرَ إليّ وهو يخاطبها ..
- أعدي حقيبتكِ لنعود إلى بيتنا ..
أسرعت كطير مهاجر اشتاق وطنه إلى غرفتنا ، غابت وعادت تردي ثوب الفرح ..
نظرت إلى عينيه وقالت :
- وأمّي .. ألن تعود ؟!
طبع قبلة جديدة على خدها الوردي وقال :
- ستعودُ حتماً .. ثم استدرك قائلاً :
- إن هي أرادت !
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
نُورٌ ومِسك
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط
  • مواقع اسلامية