صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    هل ساهم بعض أهل العلم في انهيار سوق الأسهم السعودي

    هيثم بن جواد الحداد

     
    -1-


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وبعد،
    فإن الانهيار الأخير في سوق الأسهم السعودي لم يكن حدثا غريبا على "طبيعة سوق الاسهم"، دع عنك أنه كان حدثًا متوقعًا وبشكل كبير جدًا لكل مراقب لتلك الأرقام الفلكية التي وصل إليها حجم التداول وقيمته في الشهور التي سبقت ذلك الإنهيار ..
    أما أنه لم يكن حدثاً غريبًا فإن أي دارس في مجال الأسهم لا بد وأن يكون قد قرأ عن انهيارات الأسهم العالمية بدا بيوم الاثنين الأسود عام 1987 ومرورا بسوق المناخ في الكويت سنة 1982 ثم انهيارات الاسهم العالمية في أواخر القرن الميلادي الماضي.
    أما أنه كان حدثًا متوقعًا فذلك راجع لعدة أسباب منها تلك الطبيعة التاريخية "لهذا السوق"، ومنها -بل من أهمها - مساهمة هذا السوق الرئيسية في انتاج أو صناعة نوع جديد من الأموال، يمكن تسميتها بالأموال الرقمية، فلم يكتف النظام الاقتصادي الربوي الرأس مالي بتلك الطريقة القديمة التقليدية في ما اصطلح على تسميتها "صناعة النقود"، أو "creation of money" حتى أطل بطريقة جديدة، هي أنكى من سابقتها في صناعة المال الوهمي، إذ إنها – أي الصناعة – ضنت على الناس حتى بقيمة الورق الذي تطبع عليه العملات الورقية، فاكتفت بأصفار رقمية تصنعها الدوائر الكهربائية التي تشكل العنصر الأساسي في شاشات تداول الأسهم في البورصات العالمية والمحلية ...
    حجم التداول وصل مؤخرا إلى أرقام لم يكن يعرفها الإنسان إلا من خلال معادلات رياضية نظرية بحته، كالترليون مثلا، هذه الأرقام لا تعكس في الواقع قيمة لأي سلعة حقيقة تمثل الغطاء الفعلي لها، وإنما هي مجرد "أرقام" عائمة، سرعان ما تتهاوى عند أي ضربة مالية لانعدام الغطاء الحقيقي لها.
    هذا "الغطاء الحقيقي" كان موضع إصرار من شريعتنا المعجزة، وفقهائنا الأوائل، حيث شدد الشارع الحكيم على "التقابض"، والتعامل يدًا بيد لا سيما عند التعامل بنوعين رئيسيين مما يحتاجه البشر في حياتهم أولها الأثمان – كالذهب والفضة وما يقوم مقامهما- التي تعتبر وسائط البيع والشراء وتقويم الأشياء، فحديث عبادة بن الصامت عن النبي e أس في هذا؛ (الذهب بالذهب و الفضة بالفضة و البر بالبر و الشعير بالشعير و التمر بالتمر و الملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) وثانيها المكيل أو الموزون من الأقوات، أو لتقل طعام البشر والحيوان...
    فالمبادلة بين الأثمان عمدة الحركة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات، فضبطها بضوابط من الخالق تجعل من هذا التعامل حركة اقتصادية تساهم في نماء المجتمع من خلال توزيع عادل للثروة التي قسمها الشارع بين البشر، وتمنع من احتكاره في أيدي الأغنياء، كما تمنع صناعة النقود المشار إليها سالفا، فكانت قيود الشريعة فيه وفيما يقوم مقامه لا سيما إذا تم التبادل المباشر بينهما من أدق القيود وأشدها.
    وزيادة في إحكام الطوق على من تسول له نفسه الالتفات على تلك القيود، نهت الشريعة عن بيع ما لم يحوزه الإنسان، ونهته عن بيع ما لم يقبضه، ونهته عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاع المشتري كما جرى فيه صاع البائع، كل ذلك بإعجاز تشريعي، لا يلمسه إلا من تأمل في مشكلات العالم الاقتصادية، وصورها، وجذورها، وأسبابها.


    -2-


    لكن العجب لا ينقضي بعد -وقد عرفنا هذا كله - يوم أن نرى انتشار التساهل في هذه الضوابط بحجة الحاجة لذلك نظرًا لتعقد أمور الاقتصاد المعاصرة وتعذر التعامل مع "حرفية" نصوص الشريعة الواردة في أحكام البيع والشراء، لقد استشرى هذا التساهل، حتى فقد الاقتصاد الإسلامي تميزه، وسعيه لتحقيق أهداف لا يمكن تحققها إلا بالعودة إلى تلك الضوابط بدون أي التفاف "مشروع" عليها، حتى لو أدى ذلك إلى التعامل الحرفي مع بعض تلك النصوص.
    وفي خضم هذه الضغوط المتزايدة على فقه البيوع والربا المعاصر انحنت بعض الفتاوى في هذا المجال لتلك الضغوط لتتخذ منهجًا خطيرًا للغاية، لا يدرك خطورته إلى المراقب لحال الاقتصاد الإسلامي الآن وما يمر به من أزمات سواء على مستوى المجتمع؛ ومن أمثلتها ما حدث في سوق الأسهم السعودي، أو على مستوى الأفراد؛ كتلك المديونيات الهائلة التي يتحملها كثير من الأشخاص بسبب دخولهم في "قروض"، أو شراء بالآجل، حتى ولو كان متوافقا مع "الشريعة الإسلامية".

    هذا المنهج يكمن في اتكاء فقه الاقتصاد الإسلامي المعاصر على ثلاثة أسس:
    1- تفتيت المعاملة الاقتصادية موضوع البحث، لعدة عمليات مستقلة، والنظر إلى كل عملية مستقلة بمعزل عن النتيجة النهائية لتلك المعاملة بمجملها، فمثلا التعامل بالأسهم في سوق الأسهم، بدل أن ينظر إليه كحركة اقتصادية متكاملة، نظر إلى كل عملية من عملياته على حدة، فما هو إلا مجرد بيع وشراء، والبيع والشراء مباح في الشريعة، والسهم ما هو إلا جزء شائع في ممتلكات الشركة، وبيع جزء شائع في الملك جائز لتعذر التعيين، وقبض المنقولات بنقلها، أما ما لا ينقل كجزء من مصنع، أو من شركة فيحصل بتخليته، وما أبيح للفرد يباح للجماعة ..
    2- تتبع الأيسر والأسهل من أقوال الفقهاء بصرف النظر عن علة كل قول ومأخذه، و فالقبض مثلا لم يشترطه المالكية وبعض الفقهاء الآخرين إلا في الطعام، وبيع الوفاء أباحه الحنفية، أجازه بعض العلماء، والشرط الجزائي حتى لو كان ماليا أباحه طائفة م الفقهاء، وهكذا ...
    3- التعامل الحرفي مع نصوص الفقهاء، وفتاوى المجامع الفقهية، وإغفال النظر عن مآل تلك المعاملة لا سيما مع تكررها واتخاذها منهجًا اقتصاديًا تسير عليه المجتمعات، فالوعد ملزم قضاء، والعربون جائز، وهامش الجدية -وهو مبلغ مقدم يدفعه المريد للبيع والشراء لصاحب السلعة أو الممول من أجل إظهار جديته في المعاملة المراد تنفيذها – جائز، وبيعتان في بيعه مباح في أصله، وشرط وبيع مباح في أصله كذلك، وهكذا..
    إن العمل بأي واحد من تلك الأسس على حدة، يمكن أن يؤدي إلى مخالفات عديدة إذا ما نظر إلى النتيجة المترتبه عليه – أو مآله -، فكيف حينما يعمل بها كلها مجتمعة !!
    لقد رأينا معاملات اقتصادية كثيرة، لا تختلف عن الربا المحرم إلا اختلافات شكلية يسيرة بالإضافة إلى الاسم، ومع ذلك أجازتها الهيئات الشرعية لتلك البنوك، ولعلي أضرب لذلك مثلا بالقروض التي تقدمها بعض البنوك الإسلامية.
    يأتي العميل إلى البنك الإسلامي طالبا قرضًا، فيجيبه بأنه لا يقدم قروض أبدًا –فالقرض عملية غير نفعية، أو هو عملية خيرية، وليس عملية ربحية، وهو خلاف الأصل في المعاملات البنكية والتجارية – لكن عوضًا عن القرض، فإن البنك يقوم بعملية استثمار أو تمويل مباح، حيث يقوم ببيع العميل أطنانًا من الحديد أو غيره من المعادن – بخلاف الذهب والفضة حتى تكون المعاملة شرعية !- بسعر آجل، ثم بعد ذلك يقوم العميل بتوكيل البنك ببيع تلك الأطنان من الحديد في السوق العالمية، وفعلا يبيع البنك - أو شركة عاملة له – تلك البضائع في السوق العالمية بالنقد، ويأخذ هذا النقد ويسلمه للعميل ...
    تستغرق هذه العملية بضعة أيام أو أسبوعا واحدًا ما بين طلب العميل، وحصوله على النقد، وحينما يحصل على النقد فإن البنك يقول له، هذا ليس قرضًا، ولكنه قيمة البضاعة التي بعناك إياها بالآجل، ثم بعناها عنك بالعاجل ! وعليك الآن أن تسدد لنا على أقساط قيمة تلك البضاعة، علما أن مجموع الأقساط – طبعًا - سيكون أكبر من القيمة التي حصل عليها العميل..
    يجري ذلك كله، ولم ير العميل بضاعة في حياته، ولا رأى أطنان الحديد تلك، ولا سبق أن باع واشترى في السوق العالمية، بل إنه قد قبض النقود ولما يقتنع أبدًا بصحة ما قاله له البنك "الإسلامي" من أن تلك النقود ليست قرضًا يرده بزيادة، لم يقتنع بذلك لأن المعاملة كلها من أولها لآخرها تمامًا مثل معاملة القرض الربوي من البنك التجاري، مع اختلاف يسير في المدة الزمنية وكمية الأوراق التي يوقعها..
    هذه الطريقة هي إحدى أشهر طرق القروض "الشرعية" التي تقدمها البنوك الإسلامية.
    وحينما جرى النقاش مع بعض المسؤولين في تلك البنوك عن شرعية هذه المعاملة، أجاب بقوله: وما الخطأ في تلك المعاملة! البيع من البنك للعميل بالآجل صحيح، وتوكيل العميل للبنك بقبض البضائع صحيح، وبعض أهل العلم لم يشترط قبض البضائع من غير الأطعمة، ثم توكيله أيضا للبنك حتى يقوم ببيعها بالنيابة عنه صحيح فأين الخطأ في ذلك !
    وهكذا فُتّت أكثر المعاملات الربوية المعاصرة، وغيرت تغييرات طفيفة في الشكليات وما يسمى بالعمل الورقي والمكتبي، وأصبحت المعاملة شرعية مائة بالمائة...
    وهكذا عُطّلت مقاصد الشريعة الجزئية في باب البيوع، بل أتى الاقتصاد الإسلامي المعاصر بشكله الحالي بنقيض تلك المقاصد، الأمر الذي أدى وسيؤدي إلى انهيارات في الأسواق المالية بشتى صورها.


    -3-


    لقد كان بعض أهل العلم بعيدي النظر، يوم "تحجروا" في نظرتهم تجاه بعض تلك المعاملات المالية، وتجرأ كثير منهم الآن للبوح ببعض ما كان يكن في نفسه من رفض لشرعية تلك المعاملات، بل إن بعض أهل العلم ممن عرف عنه تساهله في تلك المعاملات، عاد ليقول الآن بأن الرأي القائل بعدم جواز التعامل في الأسهم بالطريقة الحالية قول وجيه، وقرأت مقالته تلك وأنا في حالة من الدهشة الممزوجة بالغضب، لكنه زال حينما وجدت أحد المعلقين على تلك المقالة معلقا على تلك المقالة بطريقة عامية بقوله :"ومن ورط الناس في تلك التعاملات يا شيخ فلان؟" نعم من أوقعهم في ورطة تلك التعاملات؟ ألم تساهم تلك الفتاوى في تشجيع الناس – ولو بصورة غير مباشرة - للدخول في تلك التعاملات؟.
    هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تلك الفتاوى والتي أقبل عليها الناس، وأقبلت عليها القنوات الفضائية ومواقع الانترنت فنشرتها، ساهمت في إضعاف أو حتى إخماد الصوت الرافض لهذا النهج الاقتصادي، فقليل هم الذين سمعوا قول بعض أهل العلم الذي يمنع من بيع وشراء الأسهم في سوق الأسهم، وقليل هم أولئك الذين تأملوا في أسباب ذلك المنع، والتي منها المشابهة الكبيرة بين عمليات شراء الأسهم وبيعها بعمليات المقامرة المحرمة، فالمتاجر بالأسهم يشتري الأسهم التي يظن أن قيمتها سترتفع، ويراقب شاشة الأسهم، وما أن ترتفع إلا وقام ببيعها مباشرة حتى ولو كان بين عملية البيع والشراء دقائق، هذا مع العلم بأن ارتفاع وانخفاض الأسهم عدا رهين عوامل غير رئيسية التأثير فيما لو كان السهم سلعة حقيقة تمثل جزءًا شائعًا من ممتلكات الشركة – كما يقال عادة – فالتضاعف أو الانخفاض الفلكي للقيمة السوقية للسهم، لمجرد سمعة، أو شائعة، أو توقعات كبار المستثمرين، أو نحو ذلك مما يقرب السهم من سهم القمار، الذي ليس له قيمة حقيقية.
    ولا يمكن أن يقارن هذا الارتفاع والانخفاض بما يحدث لبعض السلع الحقيقية التي يزداد الطلب عليها، لأن حدوث ذلك لتلك السلع إنما هو حدوث مؤقت طارئ محدود ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بحاجة الناس إلى تلك السلعة، ثم إن العلماء قد تحدثوا عما يجب علي ولي الأمر تجاه هذا الارتفاع في قيمة بعض السلع التي يحتاجها الناس، فلا يمكن مقارنة هذا بتلك الارتفاعات الفلكية التي تحصل في سوق الأسهم، والتي أصبحت السمة الغالبة على طبيعة تلك الأسهم.
    لقد كان الشيخ الدكتور الصديق الضرير موفقًا وثاقب النظر يوم أن ذهب إلى القوم بأن بيع الأسهم وشرائها يجوز إذا كان بينة تملك ما يصدق عليه السهم وهو الحصة الشائعة من ممتلكات الشركة، ويمنع من هذا البيع والشراء إذا كان من أجل المتاجرة بالسهم بالطريقة التي نشاهدها في أسواق الأسهم.
    في النصف الثاني من العقد المنصرم استشرى بين أصحاب الدخل المحدود من الطبقة المثقفة في الخليج العربي، وبالذات في السعودية المتاجرة بالأسهم العالمية، مثل مايكروسوفت، وانتل، وجي إي، وغيرها، جرى بحث مع بعض الباحثين وطلبة العلم، في حكم هذه المتاجرة، وعرضت ورقة تشير إلى أن هذا النوع إنما هو أقرب إلى المقامرة منه إلى المتاجرة المشروعة، ناهيك أن ينبغي علينا أن نعيد النظر في تكييف الأسهم من الناحية الفقهية، فهل هي ورقة مالية جديدة قائمة بذاتها بعد أن يبدأ التعامل بها في السوق، أم أنها صك إثبات تَملّك حامله لجزء مشاع من الشركة؟ وكان الميل في البحث المعروض إلى أنها ورقة مالية قائمة بذاتها ومستقلة، فجاءت النصيحة من بعض الأخوة أن لا تنشر هذه الآراء، أو التساؤلات، لأنها ستثير السخرية من قبل الجميع...أما الآن – ولست أدري هل هو بعد فوات الأوان أم لا - فإن الكثير تجرء على التصريح بذلك ..
    لكن بالرغم من هذا كله، فأنه لا يستبعد أن تكون هذه الهزة الاقتصادية مجرد حدث عابر، ستسارع ذاكرتنا للفه في طي النسيان، كما طوى النسيان ما يسمى بالاثنين الأسود، ومناخ الكويت وغيرها، ولن يلبث المتعاملون في الأسهم، وطائفة من المشايخ، وطلبة العلم، إلا ويعيدوا الكرة من جديد، وهكذا دواليك..


    -4-


    هذا، ويبدوا للباحث أن أحد أهم أسباب مشكلات ممارسات الاقتصاد الإسلامي الآن عدم التمييز بين مجرد جواز المعاملة، وبين اتخاذ هذه المعاملة نهجًا اقتصاديًا متبعًا، وشتان بين مجرد الإباحة، والسنة، وهذا وإن كان لا يصدق في بعض الأمثلة، إلا أنه يصدق في أمثلة كثيرة جدًا، ولذا فلا يجوز أن تتخذ مجرد الإباحة دليلا على جواز شيوع معاملة من المعاملات، أو فعل من الأفعال، فلو ذهب إنسان إلى أن صلاة الجماعة في المسجد غير واجبة، وتخلف عن الحضور في المسجد ليصلي جماعة مع أهل بيته، فربما توجه الكفّ عن إنكار هذا الاجتهاد عليه، لكن لو أصبح هذا ديدن أهل قرية أو مدينة من المدن، لتعطلت المساجد، وتعطلت شعيرة من أهم شعائر الإسلام!! فوجب الإنكار حينئذ.
    وفي المعاملات الاقتصادية، فإن بيع المرابحة للآمر بالشراء جائز عند الجمهور، لكن البنوك الإسلامية اتخذته أصلا ووسيلة للتمويل، فأصبح سنة متبعة، وليس مجرد معاملة جائزة، فنتج عن ذلك صور كثيرة من التمويل، وثيقة الشبه بالربا المحرم، ففي التمويل العقاري مثلا، يقوم البنك بتفويض المشتري ليشتري المنزل الذي يريده بالنيابة عن البنك مرابحة، فيقوم المشتري بشراء المنزل من أجل البنك، ويقوم بدفع القيمة التي أخذها من البنك كوكيل في الشراء للمالك، وحالما يوقع هذا العقد، يقوم بإجراء عقد آخر يتم من خلاله شراء المنزل من البنك بالتقسيط، بصرف النظر عن تولى هذا العميل طرفي العقد أم لا، المهم أن المنزل ينتقل من المالك الأصلي إلى ملك البنك لمدة ثوان معدودات، ثم ينتقل مرة أخرى بمعاملة أخرى إلى ملك العميل من خلال شرائه له بالتقسيط، والصورة الكلية للمعاملة تظهر وكأن البنك أقرض العميل مالا ليشتري به منزلا، على أن يرد العميل هذا المال بالتقسيط مع زيادة ...
    وفي إحدى جلسات المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والتي انعقدت في مدينة الرياض قبل عدة سنوات، قال أحد المتخصصين في الاقتصاد في معرض مناقشته لبعض المسائل المطروحة للبحث: ونحن متفقون على التقليل من المرابحة ما أمكن!.
    ولعل هذا السبب هو الذي حدا بمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلام إصدار قرار يتراجع فيه عما صدر عنه سابقًا بخصوص التورق، فإساءة استخدام هذه العملية، جعلها حيلة على الربا.. وهنا قد لا نتحدث عن مجرد إساءة استخدام المباح، ولكننا نتحدث عن الدروج على المباح لجعله أصلا وسنة متبعة، حتى وإن كان في أصله مباحًا ..
    ويشرح الشيخ الدكتور تقي عثماني – وهو من أعمدة الاقتصاد الإسلامي المعاصر – هذه القاعدة الشرعية –حكم الفرد ليس حكم الكل، والإباحة ليست سنة - بمثال رائع، يقول لو أن رجلا يسير بسيارته في طريق طويل ثم اعترضته إشارة مرورية، وبجانبها محطة وقود، فاتخذ من محطة الوقود وسيلة لتجاوز الإشارة الضوئية، فإن فعله هذا جائز ولا يتضمن أي مخالفة قانونية، لكن لو أصبح كل من أراد التوقف عند تلك الإشارة الضوئية يتخذ هذا الطريق بديلا عن الطريق الأصلي أو لو أصبح هو الطريق الأصلي للمرور وتجاوز إشارة المرور، لأدى ذلك إلى فوضى في السير، واضطراب في عمل محطة الوقود، ونحو ذلك من المفاسد المترتبة على الأخذ بمباح من الفعل.
    ذكرني مثال الشيخ تقي هذا بمثال القشة، فقد مر أحد السلف مع ابن له صغير بحائط، فأخذ منه الطفل عودًا من قش، فنهاه أبوه عن ذلك، فقال الابن مستغربًا إنها مجرد قشة لا تؤثر في الحائط شيئًا، فأجاب الأب قائلا: فكيف لو أن كل واحد أخذ قشة من الحائط !


    -5-


    وقد يثور سؤال تلقائي هنا، وهل المطلوب أن نحرم تلك المعاملات، أو نمنع منها؟ والجواب أن على أهل العلم أن يبينوا للناس حقيقة تلك المعاملة وأنها لو جازت مرة أو مرتين فلا يجوز بحال أن تتخذ وسيلة اقتصادية، فلا بد أن يشفعوا القول بالجواز، بيان الفرق بين هذا الجواز وبين النهج الاقتصادي الأمثل، وأن القول بجواز حالة أو حالتين، لا يعني أبدا سنية العمل بهذه المعاملة، واتخاذها نهجا وطريقا.
    بل لم لا نقول بأن اللجان الشرعية عليها أن لا تصدر فتوى مكتوبة بجواز معاملة من المعاملات إلا إذا كانت تلك المعاملة مما يسوغ استخدامه نهجًا اقتصاديًا لذلك المجتمع، وعليهم الكف عن إصدار الفتاوى التي تبين مجرد جواز تلك المعاملة، إلا يفعلوا ذلك فإنهم يساهمون في تدمير اقتصاد المجتمعات الإسلامية باسم الإسلام والشريعة الإسلامية، فضلا عن أنهم يساهمون في إدخال ما ليس من الدين فيه.


    -6-


    وبعد ذلك، فإننا نخلص إلى أن ثمت معالم منهج آخذ في التشكل من خلال ممارسات المشتغلين بالاقتصاد الإسلامي خلال العقد أو العقدين الماضيين، إنه نهج غريب شاذ على طبيعة الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، إنه نهج الحرفية المقيتة في النظرة إلى المعاملات المالية، فإنه ينظر إلى المعاملة في أصغر صورها وأدقه، بصرف النظر عن مآل تلك المعاملة، أو مآل هذه المعاملة إذا ما اتخذت منهجا اقتصاديًا، وهذا النهج أهمل بالكلية الآثار السلبية القاتلة للمتاجرة بالأسهم بهذه الطريقة على أي اقتصاد وطني ، و قصر نظره على مجرد جواز بيع السهم أو شرائه، واجتهد في وضع قائمة بالأسهم النقية، وأخرى بالأسهم المحرمة، وثالثة بالأسهم المختلطة، وما وجدناه انبس ببنت شفة ولا التفت هو، ولا لفت نظرنا – حتى مع القول بجواز الاتجار بالأسهم النقية أن كان يوجد منها شيء – إلى حقائق غائبة عن المتجرين في هذا السوق، والتي منها:
    - توقف الناس عن الاستثمار الحقيقي، والذي يتمثل في الإنتاج الصناعي وما يتبعه من خدمات، فخسرت بعض دول الخليج المصدرة للنفط وهي في أعلى مستويات دخلها فرصة ذهبية، ما أثمنها لو استغلت – لكنها ما زال المجال مفتوحا بحمد الله تعالى – في المضي قدما نحو الولوج إلى العالم الصناعي،،لتكون من الدول المتقدمة..
    - إسراف الناس في القروض بجميع أنواعها، البنكية المحرمة، و"الإسلامية"، وعمليات التورق، والقروض العائلية، وتحمل الناس نتيجة لهذا الإسراف في الاقتراض ديونًا باهظة لا ينوؤون بحملها، الأمر الذي عرض عشرات الآلاف منهم للسجن والملاحقة، ومن قبل ومن بعد للسجن النفسي الذي يكون غالبًا أسوء من السجن الحقيقي، فشلت حركة المجتمع بسبب هذه الأغلال والآصار.
    - تحول المجتمع إلى مجتمع مسعور بسعار المال، الذي هو أس الشهوات ومبدؤها، والدنيا فتنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبح حديث الناس، مثقفيهم، وعامتهم، ونسائهم، ورجالهم، صغارهم، وكبارهم، عن الأسهم، وارتفاعها وانخفاضها، حتى ولجت فيه عجائز البدو، فضلا عن أشياخهم، ولست أعجب يوم أن حدثتني إحدى القريبات وهي أمّ لثمان، وجدة لأكثر، عن أنها تبدأ يومها بفتح شاشة الكمبيوتر، لمتابعة الأسهم، ارتفاعها وانخفاضها وحركتها ومؤشراتها، وكأنها أرقام سحب تنتظر أن تظفر برقم فائز، وأن شئت فقل إنما هي شاشة مقامرة ..ولسنا نعجب بعد هذا كله يوم أن أعلنت إحدى حملات الحج أنها ستوفر خدمة فريدة من نوعها، حيث توفر للحجاج "وفد الله" شاشات متابعة الأسهم خلال أيام منى، حتى ترتفع أسهم إيمانهم، وأسهم طمأنينتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    - هذا، وكأني بالأسهم وقد أصبحت "أفيونا" جديدًا للشعوب، حتى يخدرها عن الفضائل، والبحث عن المعالي، ولقد قال لي يوما قائل ألا يمكن أن تكون سوق الأسهم هذه، مجرد سياسة تمارس ضد الشعوب لتخديرها عن المطالبة بحقوق لها أخرى..
    حقا، إنه محزن أن يكون بعض أهل العلم جسرًا يعبر الفساد من خلاله، الأمر الذي يوجب وقفة صادقة وحازمة من الجميع تجاه هذا الخطر، والأخطار الشبيهة به ..

    ... تمت المقالة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    الأسهم المالية

  • قائمة الشركات
  • دراسات في الأسهم
  • فتاوى الأسهم
  • معاملات معاصرة
  • فتاوى شرعية
  • صفحة المعاملات
  • مواقع اسلامية