اطبع هذه الصفحة


هل ما زال شاليط حيا لدى القسام؟

زياد بن عابد المشوخي


استمرت المفاوضات بين الكيان الصهيوني وحزب الله، دون أن يعلم الصهاينة حتى اللحظات الأخيرة شيئاً مؤكداً عن مصير الجنديين المأسورين لدى الحزب، ليظهر للجميع وعلى شاشات التلفزة وعلى الهواء مباشرة نعوش الجنود.

إذاً لقد تمت الصفقة بين الحزب والكيان على قاعدة أحياء مقابل أشلاء، وأي أحياء! أحياء "ملطخة أيديهم بدماء اليهود" كما يدعي الصهاينة، ويبدو أن الحكومة الصهيونية اقتنعت أخيراً بما قاله حاييم بن عامي، مدير قسم التحقيقات في الشاباك، الذي سخر ذات مرة من قول شارون: "أنه لن يسمح بإطلاق أسرى فلسطينيين ملطخة أياديهم بدماء اليهود"، فقال في برنامج " بوبوليتيكا" الذي بثته القناة الأولى في التلفزيون الصهيوني: "
أيادي ملطخة بالدماء، ما هذا الأمر! كلنا أيادينا ملطخة بدماء الفلسطينيين، يدي ويد شارون".

الخطوط الحمراء التي كان الصهاينة متمسكين بها في التفاوض مع المقاومة الفلسطينية بدأت تتكسر، كما تكسر من قبل اشتراطهم عدم التفاوض مع جهة خاطفة في الداخل.

صحيح أن الحكومة الصهيونية شكلت لجنة 'مهنية' لدراسة المعايير الجديدة لصفة التبادل بخصوص الجندي جلعاد شاليط وفحص أسماء الأسرى،
إلا أن الاحتلال ما زال يهدر الوقت بتفحص قائمة الأسرى والمماطلة، وتأخير إنجاز الصفقة، تارة يستعين بالوسيط للضغط على المقاومة، وهذا دور لم يكن يمارسه الوسيط الألماني في صفقة حزب الله، وتارة بالاعتماد على وعود بتسليم معلومات عن مكان وجود جلعاد، لكن هذا الوعد سرعان ما تلاشى بسيطرة حماس على القطاع، كما تلاشى صاحب الوعد الكاذب.

صحيفة معاريف العبرية أعربت عن مخاوفها من قتل الجندي المأسور في قطاع غزة، بعد أن أدرك آسروه أنهم لو قتلوه فسيحصلون أيضا على مقابل جيد كما جرى في صفقة حزب الله.


ينبغي على الحكومة الصهيونية أن تدرك أن هذه المخاوف حقيقية وعلى الوسيط الحريص على حياة شاليط أكثر من حرصه على حياة جرحى ومرضى غزة المحاصرين، أن يتساءل ما الذي يضمن بقاء شاليط حيا لدى القسام، طالما يماطل الاحتلال أمام استحقاقات التهدئة، لا شيء يدعو القسام للاحتفاظ بشاليط حياً، وإن كانت حركة حماس
تتعامل مع قضية التبادل كقضية إنسانية، وما زال القسام يحافظ على حياة شاليط ويعامله معاملة كريمة، لكن نقص الأدوية والمواد عن القطاع يجعل من مهمة علاجه والاحتفاظ به حياً مهمة صعبة خاصة مع طول المدة، ربما سيكون على الصهاينة قريبا التفاوض على جثمان شاليط، ومن يدري ربما على مجرد معلومات عنه كما جرى مع الطيار "أراد"، الذي وقع في أسر حركة أمل حياً، بعد إسقاط طائرته في لبنان في العام 1986، وبسبب تعنت الاحتلال ورفضه التفاوض لإطلاق سراحه في ذلك الحين، فُقد الطيار ولم يعرف مصيره ليصلهم في نهاية المطاف معلومات وصور يسيرة عنه فقط.

كما أن على الصهاينة أن يدركوا أن عامل الوقت ليس في صالحهم، لا سيما أن شاليط أعلن في رسالته الصوتية التي بثتها كتائب القسام بتاريخ 25/6/2007، أنه بحاجة للعلاج وللعناية الصحية الخاصة لكونه أُصيب خلال عملية الأسر، ولنذكر الصهاينة والوسطاء بما قال: "أنا بحاجة لعلاج دائم في المستشفى وما زال وضعي الصحي متدهوراً، ويؤسفني عدم اهتمام الحكومة والجيش بقضيتي، وعدم استجابتهم لمطالب كتائب القسام". كما أنه أكد على هذه النقطة في رسائله الخطية التي استلمها والده نوعام شاليط.


أما انعكاسات تأخير الصفقة على المجتمع الصهيوني القائم من أجل خدمة الجيش فهي كبيرة
، وإن كان وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك حاول أن يشجع جنوده خلال استلامه جثمان الجنديين من حزب الله بقوله: "على الجنود أن يعلموا بأننا لن ننساهم إن وقعوا في الأسر"، لكن هؤلاء الجنود يرون النسيان والتسويف ونتائجه وهو ما سيلقاه جلعاد شاليط إن ماطل الاحتلال بالصفقة، ليرى المجتمع الصهيوني بأكمله أن الصهاينة ينسون جنودهم حتى الموت.

إن مطالب المقاومة الفلسطينية غدت مطلباً للصهاينة أنفسهم فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن
غالبية الصهاينة يؤيدون الإفراج عن مئات المعتقلين الفلسطينيين بما يشمل منفذي عمليات أدت إلى مقتل "إسرائيليين" في مقابل إطلاق شاليط.

ولن نكون قد ذهبنا بعيداً إذا قلنا إن على الكيان الصهيوني أن يغلق تماماً السجون، وأن عليه أن يتوقف عن الاعتقالات،
وعلى الجميع أن يدرك أن نهاية الكيان العنصري البغيض قد اقتربت وإن كانت المقاومة تفاوض اليوم على تحرير عدد من الأسرى، فإنها تدرك تماماً طريقاً آخر للتفاوض لتحرير القدس وفلسطين كلها، إنه التفاوض من خلال فوهات البنادق، وهي اللغة التي يسمعها العالم جيداً بل ويقف احتراماً لها.

وأخيراً فإن الرفات الذي أُعيد إلى لبنان يخص شهداء – نحسبهم والله حسيبهم – من لبنان ومن فلسطين ومن العراق والأردن وتركيا وتونس وغيرها، ولعلهم وبرفاتهم على الأقل ذكرونا بأن معركتنا مع اليهود معركة الأمة، لا معركة الشعب الفلسطيني وحده، أو معركة غزة وحدها، أو معركة حماس وحدها، قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون:52).


 

فلسطين والحل
  • مقالات ورسائل
  • حوارات ولقاءات
  • رثاء الشيخ
  • الصفحة الرئيسية
  • فلسطين والحل