بسم الله الرحمن الرحيم

المسلمون المقادسة ينذرون أنفسهم لحماية المسجد الأقصى
نجاح محمد الكلاني


(1-2)
قصص من التضحية والفداء

تراكمت صور البطولة والفداء في ذهن الفلسطيني عبر سنوات طويلة من المواجهات الدامية في وجه القوة الحربية الصهيونية، وكثرت المواقف البطولية، وتوالت تباعاً لتغرس في نفوس الناس مبدأ الاستعداد لخوض الحرب وقبول نتائجها المدمرة والدموية، وتحمل تبعاتها، بل والرضا بأبشع ما يمكن أن تخلفه من المآسي والنكبات المادية والبشرية !!
لم تعد صور المجازر التي ارتكبها الصهاينة قديماً بحق أبناء فلسطين بالأمر الذي يثير الخوف والفزع لدى الأجيال الجديدة، ولم تعد وسائل الإعلام الصهيونية قادرة على التهويل من أمر المواجهة، والترويع بعرض التوقعات المؤلمة لنتائجها، كما لم يعد مشهد الدماء والأشلاء ليؤثر على نفسية الفلسطيني المسلم الذي أصبح يتمنى الشهادة ويسعى لها غير عابئ بكل ما يحيط بها من أهوال!!

ولعل الجديد في هذه الانتفاضة ما شكل شبه إجماع لدى الشعب الفلسطيني على المواجهة وتقديم التضحيات، وتمثل بدفع الأمهات والآباء أبناءهم لساحات المعارك، وتلقي أنباء استشهادهم بالفرح، والاعتزاز بنيلهم الشهادة أثناء الدفاع عن الأقصى المبارك، وإبداء الرغبة والاستعداد لتقديم المزيد من الأبناء دون تردد وأسى .
وربما يؤكد هذا ما جاء في إذاعة "عروتس شيفع" الصهيونية، حيث نقلت صباح الخميس 29-3-2001 عن شاؤول لانداو الضابط الكبير في المخابرات الإسرائيلية العامة (الشاباك)، قوله: "إن هناك ظاهرة مقلقة جدًّا، وهي تنامي ظاهرة العودة للدين في الضفة الغربية وقطاع غزة". وأشار المسؤول الأمني الإسرائيلي إلى أنه من خلال تجربة الماضي تبين للأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن هناك علاقة وطيدة بين تصاعد عمليات العنف وانتشار التدين في أوساط الشباب الفلسطيني، موضحًا أن التدين يفتح الطريق أمام انضمام الشباب الفلسطيني إلى صفوف الحركات الإسلامية المقاومة، مثل: حركة حماس، والجهاد الإسلامي . ونوّه لانداو إلى أن تشبّع الشباب الفلسطيني الذين تتراوح أعمارهم بين الثمانية عشر عامًا والثمانية والعشرين بفكرة أن من يموت شهيدًا في محاربة اليهود يدخل الجنة، إلى جانب اقتناعهم بأن الحياة بعد الموت هي أفضل وأنعم بكثير من الحياة الحالية، كل هذا يدفع الشباب الفلسطيني إلى الانضمام لساحة العمل المسلح ضد إسرائيل. وخلص إلى القول: "إن المرء عندما يتوصل إلى قناعة جازمة بأن هناك حياة أخرى أفضل من الحياة الحالية فإنه يندفع للانتقال إليها، وهذا ما يحدث مع ظاهرة (الاستشهاديين). وتساءل لانداو : "كيف بإمكاننا ردع أناس يبحثون عن الموت ويعتبرونه طريقًا لحياة أفضل، نحن نتعامل مع واقع قاسٍ وصعب، ولا أحد بإمكانه أن يستخدم عصًا سحرية لوقف العمليات الاستشهادية"(1) .
وبتتبع ما يتعلق بهذا الشأن من أحداث خلال هذه الانتفاضة نجد صوراً مشرقة تعبر عن المعنويات العالية، والصبر والثبات، والرغبة في المواصلة ..

حب الشهادة

- في يوم السبت 1-10-2000 ودّع إسماعيل شحدة شملخ أهله وزوجته متجهاً إلى الضفة الغربية لعله يجد طريقاً يوصله إلى مدينة القدس؛ ليقاتل اليهود، وينال الشهادة في بيت المقدس كما كان يحلم بها دائماً .
تقول والدته وهي تحاول إخفاء دموعها : "كان رحمه الله خلوقاً محباً لله، لا يُرى إلا باسماً، وإن كانت ابتسامته تنم عن حزن دفين في قلبه، فقد كان كثيراً ما يتألم إذا رأى منكراً ولو كان بسيطاً، ويحاول بقدر استطاعته أن يغيره، وكان شديد الحرص على صلاة قيام الليل، وراح يعوّد نفسه دائماً على القيام والسهر على قراءة القرآن والدعاء لعله يحقق أمنيته في جهاد العدو الصهيوني، وما أن اشتعلت انتفاضة الأقصى ورأى شارون السفاح يدنسه بزيارته له حتى كادت روحه تصعق لكثرة تألمه وحزنه، فقرر أن يغادر القطاع ويذهب إلى القدس ليجاهد أعداء الله، وأول ما سنحت له الفرصة غادر القطاع بسرعة .." وتضيف والدته : "إنه كان دائماً يردد شعارات الشهادة ويوصيني بألاّ أحزن إذا فاز بها، قائلاً لي : "ألا تحبين يا أمي أن يفوز ولدك في الدنيا والآخرة، وأن يقي نفسه من شر نار جهنم ؟ أيرضيك أن يعبث اليهود في القدس والمسجد الأقصى..؟ إن قتلي شهيداً مدافعاً عنه خير من حياتنا تحت ذل وقهر اليهود" .
ولم تستطع أم إسماعيل أن تحجب دموعها التي سقطت على وجنتيها وهي تكمل حديثها: "لقد فاز وحقق جزءاً من أمنيته، فقد كان يتمنى أن يستشهد في ربوع الأقصى، فنال الشهادة من أجله.. أسأل الله أن يتقبله شهيداً"
أما والده فقد أكد أن دماء إسماعيل لن تذهب هدراً، وأنه هو شخصياً مستعد للتضحية بنفسه وأبنائه الأحد عشر من أجل فلسطين والمقدسات الإسلامية. وقال : "إن إسماعيل يعمل بمدينة البيرة بمصنع لتصليح الثلاجات مضيفاً أنه غادر غزة يوم الخميس الماضي، ولكن حبه للقدس وشجاعته وغيرته دفعته إلى المشاركة في الدفاع عنه مضيفاً أنه طالما كان يحلم بالشهادة؛ حيث شارك في العديد من المواجهات خلال الانتفاضة، وتعرض للإصابة أكثر من مرة من خلال المقاومة ضد الاحتلال".
أما زوجته التي شاركت أمه دموعها فقد قالت : " .. أحمد الله أن في أحشائي ابناً لإسماعيل، فإذا قتل اليهود إسماعيل وهو يدافع عن الأقصى فسيخرج من إسماعيل من يكمل المشوار عن أبيه، سأحسن تربيته وألقنه منذ يوم ميلاده أن اليهود أعداؤه وأعداء الله، فلا يتهاون معهم ولا يترك حقه منهم، فقد قتلوا أباه ونزعوا من أيدينا مسرى رسول الله ".
ويذكر أن إسماعيل شحدة أوصى زوجته بحسن تربية مولوده، وإعداده للدفاع عن القدس، كما أوصى أهله بتوزيع الحلوى على المهنئين يوم استشهاده . وفي يوم الثلاثاء الموافق 3-10 قتل إسماعيل مقبلاً غير مدبر وهو يقاوم جند الاحتلال الصهيوني بالحجارة والزجاجات الحارقة لا يبالي برصاصهم تاركاً زوجته ووليده المنتظر وأمه، حيث أصيب برصاص دمدم في رقبته وتوفي على أثرها...(2).

عريس يضحي بنفسه!!

(صلاح أبو قينص 27 عاماً) قُتل ولم يمض على زواجه سوى (40) يوماً، لكن زفافه إلى عروسه لم يمنعه من نصرة الأقصى، ونيل الشهادة في سبيل الله..
وبسبب نشاط صلاح في الانتفاضة الأولى فقد بات مطلوباً لقوات الاحتلال الصهيوني، ومطارداً لها لمدة عام كامل، وكثيراً ما نجاه الله من طلقات جيش الاحتلال الغادر، ولم تستطع اتفاقيات السلام الموقعة مع الجانب الإسرائيلي أن تمحو كراهيته للاحتلال بل زادت حقده لهم . ويذكر أنه قبل انطلاق انتفاضة الأقصى وقف في وجه جيش الاحتلال الصهيوني ومنعهم من دخول الشارع الرئيسي - صلاح الدين - قرب مستوطنة (نتساريم) عندما حاولت قافلة من سيارات المستوطنين تحرسهم قوات من الجيش الإسرائيلي دخول الشارع متجاوزة السيارات الفلسطينية، مما أحدث عراكاً وتبادلاً للاتهامات بين قوات الأمن الوطني الفلسطيني وجيش الاحتلال، وبالتالي بقيت صورة صلاح ببشرته السمراء أمام جنود الاحتلال الذين اعتبروه انتهك كرامة الجيش الإسرائيلي، وما أن اشتعلت الانتفاضة حتى سارع صلاح إلى الالتحاق بمجموعات المقاومة ليدافع عن القدس من اعتداءات الجيش الصهيوني .
تقول عروسه بعد سماع نبأ قتله على أيدي القوات الإسرائيلية : "كنت عروساً لصلاح .. ولكني الآن زوجة الشهيد صلاح إن شاء الله ، ويكفيني فخراً أني زوجه" .
أما والدته التي أظهرت علامات الفخر والاعتزاز بولدها، فقد قالت : "صلاح كان بطلاً في الانتفاضة وطارد اليهود لسنوات طويلة، والحمد لله أنه مات واقفاً مدافعاً عن القدس ولم يمت متخاذلاً" .

طفل يحمل همّ القدس!!

خاطب الطفل محمد يوسف أبو عاصي، والدته قبل مقتله على أيدي اليهود بقوله :"لا تبكي يا أمي، وسأشفع لك عند الله، سأصبح شهيداً من أجل القدس إن شاء الله ".
بهذه الكلمات القليلة في عددها، الكبيرة في معناها، أوصى هذا الطفل البالغ من العمر تسع سنوات والدته قبل انطلاقه إلى مفرق الشهداء قرب مستوطنة (نتساريم) جنوب غزة حيث تلقى رصاصة الغدر بصدره .
يقول والده:"اعتاد محمد على الذهاب يومياً إلى مفرق الشهداء للمشاركة في المواجهات مع قوات الاحتلال" وأضاف : "عندما شاهدت عمليات القصف الصاروخي وهجمات الطائرات، حاولت منعه من الذهاب لكنه في كل مرة كان يهرب، ويذهب إلى هناك ... لقد كان مشتاقاً للشهادة" .
أما والدته فقد قالت والدموع تنهمر من عينيها : "قال لي مراراً: إنه يريد الموت من أجل المسجد الأقصى وقضية القدس، ويوم استشهاده أخبرني أنه سيذهب ويحارب اليهود".
و تضيف: "استعطفني و استحلفني بالله أن أسمح له بالذهاب .. قلت له: سأذهب معك، فطلب مني البقاء في البيت لرعاية إخوته، فدعوت له و ذهب ..".
صعد محمد أعلى المنزل قبل مشواره الأخير، وبدأ يكتب الشعارات التي اعتاد عليها:(خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود)، (الله أكبر .. لا إله إلا الله)، وانطلق إلى ميدان المعركة .
رصاص القناصة الإسرائيليين المتمركزين عند مفرق الشهداء لم يفرق بين طفل، و شيخ، و شاب، وعندما اقترب محمد من المكان اخترقت صدره رصاصة غادرة وخرجت من ظهره حيث نال ما تمنى!!

وطفل آخر كذلك

من صور البطولة ما سطره الطفل إياد شعث الذي لم يبلغ من العمر سوى (13) عاماً، حيث أصيب برصاص حي من النوع المتفجر في جبين عينه اليسرى، حيث اخترقت الرصاصة الجمجمة، وتحولت إلى أكثر من (10) شظايا داخل الدماغ الذي تهتك، وتناثرت أجزاء منه على الأرض.
تقول والدته : "إن إياداً ردد على مسامعها مراراً الأسبوع الذي سبق مقتله رغبته بالشهادة، ومشاركته الشبان في رشق الحجارة؛ حيث اعتاد على التوجه إلى حاجز التفاح القريب من مدرسته شرق خان يونس بعد انتهاء دوامه الدراسي ليعود إلى المنزل مع غروب الشمس". وأضافت : "لم يعد يوم السبت كالمعتاد، وقلقت عليه كثيراً ومع حلول الظلام انطلقت بصحبة والده نبحث في المستشفيات عنه ولم يكن اسمه مدرجاً في كشوف الجرحى، وقد تم تسجيله باسم آخر نظراً؛ لأنه يشبه أحد الفتية".
ولم يكن أمام الوالدين إلا المرور بين الجرحى، حتى تم التعرف عليه داخل غرفة العناية المركزة في مستشفى الشفاء، وقد دخل في حالة موت دماغي.
يقول أحد أفراد عائلته : "إن إياداً أعطى حقيبته المدرسية لأحد زملائه لإعادتها إلى المنزل حتى يتفرغ هو لرشق الحجارة إلا أن زميله شاركه رشق الحجارة، ويتضح ذلك من العثور على الحقيبة في منطقة المواجهات بعد إصابة إياد".

الأقصى لكل المسلمين!!

لعل أغرب قصص البطولة وحب الشهادة في هذه الانتفاضة المباركة، ما نقلته الصحف المغربية عن شاب مغربي يدعى عبد الحميد البقالي (27عاماً) كان يعيش في السويد منذ عام (1999م)، ثم استطاع السفر إلى الأراضي المحتلة للمشاركة في انتفاضة الأقصى؛ حيث قتل في القدس على أبواب المسجد الأقصى المبارك .
ولم تعرف أسرة الشهيد عبد الحميد حتى الآن ملابسات انتقال ابنهم إلى فلسطين المحتلة، غير أنها ذكرت أنه كان طوال حياته متعلقاً بالجهاد في فلسطين .
يقول والده: "كان ابني يتمنى أن يكون إلى جانب المقاومة الفلسطينية؛ لتحرير الأراضي المحتلة، ولدي اقتناع كامل أنه قتل من طرف الصهاينة، وأشعر باعتزاز شديد؛ لأنني قدمت أحد أبنائي فداء للمقدسات الإسلامية".
ويضيف: "أخبرني عدة مرات في الهاتف أن معظم أصدقائه من المواطنين السوريين المقيمين في السويد، وأخبرني أيضاً أن إيرلندياً شمالياً أسلم على يديه، وأهداه مصحفاً، وعلمه ذكر الله، وكان دائم الحديث عن فلسطين والجهاد ..." مؤكدًا: "إن استشهاده خفف عني هول ما يحدث في الأراضي المقدسة، وأدعو الله أن يجعله في مقام الشهداء، فإذا لم أستطع الذهاب للمشاركة فدمي هناك، دم ابني لن يذهب هدرًا".
وختم والده بالقول: "إن الحدث بالنسبة لي حدث سعيد، نحن بحاجة إلى تقبل التهنئة بدل العزاء".

من صور الجرأة والشجاعة

لم يأبه المصلون في المسجد الأقصى يوم الخميس 28-9-2000م بالضباط والجنود الذين رافقوا المجرم (شارون) في محاولته انتهاك المسجد تمهيداً لإقامة الهيكل، فقاموا بمهاجمتهم بشراسة، وحملوا عليهم حملة منكرة، وردوهم على أعقابهم القهقرى، وذلك في صورة مهينة مذلة، حيث تراجعوا إلى الوراء يجرون زعيمهم شارون جراً مخزياً خوفاً من إصابته، وسط انهمار الحجارة والزجاجات فوق رؤوسهم، مما أدى إلى إصابة أكثر من خمسة وعشرين ضابطاً وجندياً .
ولأول مرة ونتيجة للمجزرة التي ارتكبها اليهود يوم الجمعة 29-9-2000م في ساحة الأقصى المبارك اندفع الفلسطينيون بغضب نحو حائط البراق الذي يسميه اليهود (حائط المبكى)، وقاموا برجم الذين تجمعوا للصلاة عنده من اليهود المتطرفين، وذلك كرد فعل على الجرائم الوحشية التي ارتكبها جنودهم ضد المصلين في ذلك اليوم .. وهذه الجرأة والشجاعة ازدادت كثيراً خلال الانتفاضة الأولى، وعمت الشعب كله خلال الانتفاضة الثانية، فصارت مشاهد السباق نحو الشهادة بين الصغار والكبار أمراً مألوفاً، وأصبحت صور الجهاد المشرقة، وقصص البطولة والإقدام في ساحات المواجهة كثيرة لا تُحصى، وتحولت الأرض إلى مزرعة للبطولة والفداء، وغدت فلسطين كلها مصنعاً للرجال والمغاوير مما زاد من أسباب الرعب والهلع لدى اليهود الموصوفين بالجبن والمسكنة .
إن مشهد أولئك الملثمين المتلفعين بالأكفان وحول رأس كل منهم عصابة خضراء كتب عليها كلمتان صادعتان هما "مشروع شهيد" لكفيل بغرس قدر كبير من الهلع في نفوس الإسرائيليين الذين يشاهدون مثل هذه التجمعات كثيراً على شاشات التلفاز أو في المجلات والصحف، ويعلمون تمام العلم أن هؤلاء هم الذين أعدتهم كتائب القسام للقيام بعمليات استشهادية في عمق الكيان الإسرائيلي.
ولعل السبب في هذا الإقدام شعور المجاهد بحلاوة الجهاد والتضحية بعد إصابته، مما يدفعه إلى المواجهة أكثر ليتوج جهاده بحلة الشهادة.
ومن المظاهر التي تدل على الجرأة والشجاعة ذلك السباق نحو الشهادة، وتمنيها والإعداد لها، فمحمد الدرة كان يسأل أمه قبل أن يقتل : "هل حقاً أن الذي يقتله اليهود يدخل الجنة يا أمي..، وهل حقاً يشفع الشهيد لسبعين من أهله .. ؟!!".

إصرار على القتال حتى الموت أو التحرير

من خلال تتبع أخبار الشهداء والجرحى نرى العجب الذي يدهش العقول، فكم من شهيد كان قد أصيب مرات ومرات قبل أن يستشهد، وفي كل مرة يعالج يصر على العودة لساحات المواجهة، وربما يعود لقذف الحجارة والزجاجات الحارقة قبل أن تلتئم جراحه، وعلى يده جبيرة، أو يتكئ على عكاز ...
ومن الأمثلة على ذلك البطل بهاء الدين سعيد (24 عاماً) من مخيم المغازي بغزة؛ حيث عرف بشدة بأسه على اليهود خلال الانتفاضة الأولى، مما أدى إلى إدراجه في قوائم المطاردين، فعمد إلى الهروب خارج فلسطين، ثم العودة بعد تسلم السلطة الفلسطينية مهامها في غزة وأريحا، وقد عمل في صفوف الأمن الوقائي، إلا أنه لم يتحمل نتائج الصلح المهين مع ألد أعداء الدين، فتمرد على القوانين المجحفة، وغدا مطارداً على كل صعيد.
ومع بداية انتفاضة الأقصى نجح بهاء الدين سعيد في حفر نفق صغير تحت الأسلاك الإلكترونية في مستوطنة كفار داروم، واستطاع التسلل منه ليلاً ليفاجئ جنود الاحتلال في غرف نومهم، حيث أطلق عليهم الرصاص والقنابل اليدوية بغزارة، مما أدى إلى مصرع أربعة جنود وجرح اثنين آخرين قبل أن يجتمع عليه الجنود ويقتلوه (2) .
وكذلك البطل عبد القادر أبو لبن من مخيم الدهيشة قرب بيت لحم، حيث خاض المواجهات مع اليهود في الانتفاضة الأولى وجرح ست مرات، وفي كل مرة يعالج ويعود لساحات المواجهة التي عشقها وأحبها ولم يعد يطيق مفارقتها، ثم شارك في الانتفاضة الثانية فأصيب ثلاث مرات كانت الأولى رصاصة مطاطية، والثانية قنبلة صوت انفجرت في وجهه فأصابته بحروق، ثم الثالثة التي قضى بعدها وهي رصاصة دمدم متفجر أصابت أحشاءه وكبده رحمه الله .
يقول الجريح عبد الله خليل (15عاماً) : "إنه بالرغم من إصابته بعيارين متفجرين في قدمه إلا أنه ينوي الاستمرار في القتال بعد الشفاء بإذن الله تعالى؛ لأن القتال يجب أن يستمر حتى يتحقق التحرير والنصر على الأعداء، مضيفاً أن دماء الشهداء والجرحى لا يمكن أن تذهب هدراً.

ألماني يلبي نداء القدس!!

من صور الشجاعة والبطولة ما حصل للشاب الألماني المسلم (عبد الكريم) جوزيف سيميريك الذي اعتقل في مطار بن غوريون بعد وصوله إلى فلسطين المحتلة بهدف القيام بعملية فدائية؛ حيث أعرب عن سعادته في المشاركة في الجهاد ضد المحتلين اليهود، وقال : "حياتنا لا تعني شيئاً بالنسبة لنا إلا إذا خضنا الجهاد؛ إذ كتب الله علينا نحن المسلمين أن نضحي بأنفسنا إذا احتلت أرضنا، والواجب علينا أن نضحي بأرواحنا لتخليصها"، وأضاف: "إنني أعتمد القرآن والسنة منهجاً لي". كما جاء في مقابلة بثتها النشرة التلفزيونية التابعة لمجلة (شبيغل) البارزة، وذلك عبر قناة (آر تي إل) الألمانية.
وأفادت كارين وود والدة عبد الكريم سيميريك أنه جاءها ذات مرة وقال: "اليوم أعيش وغداً أموت، فما هي الحياة؟ فقلت له: ما بك، إنّ الحياة ما زالت أمامك! فقال لي: ما الحياة يا أمي؟".
وأكد عبد الكريم سيميريك من جانبه أنّ الأمن الإسرائيلي هدده بالقتل خلال التحقيقات التي أجراها معه بعد وصوله إلى فلسطين المحتلة. وأوضح أنّ أحد عناصر الشاباك الذين كانوا يتأهبون لاستقبالي قال لي: "إننا نستطيع أن نتخلص منك؛ إذ لا يوجد طابع التأشيرة الإسرائيلية على جواز سفرك، كما أنك اجتزت نقطة التدقيق في جوازات السفر بلا أختام، أي لا يوجد ما يثبت أنك لدينا، ويمكننا أن نقوم بقتلك إذا لم تدل بالاعترافات".
وتوصلت التحقيقات إلى أنّ عبد الكريم سيميريك كان ينوي استطلاع أهداف في تل أبيب، وأنه يريد الاستشهاد على أرض فلسطين كي يحرر المسجد الأقصى من الاحتلال. وحكمت السلطات الإسرائيلية في صيف العام الماضي على سيميريك بالسجن لمدة عشر سنوات، بعد إدانته بالعمل لصالح منظمات فلسطينية، والعزم على تنفيذ هجمات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية، قضى عاماً منها حتى الآن في معتقل عسقلان الواقع على الساحل الفلسطيني. وبدت على سيميريك مشاعر الثقة والارتياح خلال المقابلة التلفزيونية، فهو يرى أنه سعى للاستشهاد في فلسطين، ووجد أنه لا غرابة في ذلك لمن يعرف الإسلام، وفي الإسلام فإنّ المنزلة الأفضل هي للشهيد.

وللنساء دورهن أيضاً ..

لم يقتصر أمر الجهاد في انتفاضة الأقصى على الرجال والأطفال وحدهم؛ بل كان للمرأة دورها أيضاً، وسطرت بطولات خالدة ومواقف تحتذى، حيث ذكرت مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان أن عدد الفلسطينيات اللواتي قتلن على أيدي قوات الاحتلال ارتفع إلى(141) فلسطينية منذ بداية الانتفاضة الأولى عام(1987م).
وكانت (23) فلسطينية قد قتلت على يد قوات الاحتلال خلال فترة انتفاضة الأقصى الحالية، ومن بينهن يوجد (7) طفلات تتراوح أعمارهن بين (24) يوماً وعشر سنوات، وثمان أخريات تجاوزن الخمسين من العمر . وقد تنوعت أسباب وفاة الفلسطينيات بين القصف، و إطلاق النار، وإعاقة عملية تقديم العلاج في الوقت اللازم .

ونقف هنا على بعض صور التضحية النسائية في انتفاضة الأقصى المباركة :

امرأة بألف رجل!!

امرأة تجاوز عمرها الخمسين عاماً لم تتغيب عن المواجهات في كافة الأحداث التي شهدتها منطقة خط التماس وسط مدينة الخليل، حيث كانت دائماً في الصفوف الأولى للمواجهات، فهي تارة تضرب الحجارة مثل الشبان الثائرين، وتارةً تحضر لهم الحجارة، وتارةً أخرى تراقب ساحة الأحداث تحذر الشبان .. امرأة لم تذكر اسمها ولكن صورتها لم تغب عن أعين المراسلين والصحفيين.
وتظل تلك المرأة مشدودة إلى منطقة خط التماس دون خوف أو وجل .. وفي أحد مهرجانات الانتفاضة قالت : "إنها تعشق الجهاد، وترغب أن تقاتل اليهود حتى تستشهد، ولم تنقطع عن ترديد الهتافات طوال المهرجان الإسلامي..".
- أم البطل أيمن اللوح جاءت تزور ابنها المصاب، ففوجئت بابنها الثاني مقتولاً :
"كان الله في عون أمه، الله يلهمها الصبر"، لم تكن أم رائد تعلم وهي تنطق بهذه الكلمات أنها تدعو لنفسها بالصبر عندما شاهدت الشبان يحملون ابنها أيمن على أكتافهم.
كانت أم رائد تزور ابنها البكر رائد الذي يرقد في قسم العظام في مستشفى الشفاء بغزة مصاباً بعيار ناري في يده، ولدى سماعها هتافات الشبان الذين كانوا يحملون على أكتافهم أحد الشهداء، أطلت من شرفة قسم الجراحة لتدعو ربها أن يلهم أمه الصبر .. إلا أن قلبها دفعها إلى النزول مهرولة كي تراه .
حاول الشبان منعها من الوصول، فصرخت : من الشهيد ؟ أخبروني.. فلما علمت لم تصدق، وقالت : ".. لقد تركته منذ ساعات قبل أن آتي لزيارة أخيه رائد في المستشفى .." فجعلت تبكي ثم اندفعت تجاه ابنها لتسقط إلى جواره فاقدة الوعي، ولحق بها ابنها رائد المصاب غير عابئ بإصابته،رأى أمه وأخاه فهمَّ بمغادرة المستشفى والتوجه إلى مفرق الشهداء حيث أصيب أخوه هناك، إلا أن الطوق البشري الذي فرضه عليه أصدقاؤه حال دون خروجه من المستشفى.
وقالت رائدة شقيقة أيمن :"إن والدتها تمالكت نفسها، ثم قالت:"ابني شهيد إن شاء الله "، وذلك قبل أن يغمى عليها من هول الصدمة والمفاجأة. ومضت رائدة تقول والدموع تنهمر من عينيها: "قتلوه بدم بارد، كانت طائرتان تحلقان في سماء الوطن تغتال أبناءه".

------------------------

@ الهوامش:
1 القدس محمد الصالح إسلام أون لاين نت 29-3-2001م.
2 انظر: موقع البراق على شبكة الانترنت 18-11-2000م، جريدة الشرق الأوسط 16-2-2001م.


(2-2)
قصص من التضحية والفداء

عرضت الكاتبة في الحلقة الماضية صوراً عدة من بطولات التضحية التي قدمها المسلمون فداءً لبيت المقدس، وحماية له من المؤامرات اليهودية، ولم يقتصر ذلك على من كانوا في فلسطين بل وفد بعضهم من خارجها كما في قصة المجاهدين الألماني والمغربي، وفي هذه الحلقة تستكمل بقية الموضوع بذكر صور من الإباء والصمود.
الجندي المسلم

مقاتلون من نوع آخر .. !!

لم يواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي من قبل مشكلة مثل تلك التي تمثلت في ظهور جيل مقاتل شرس لا يأبه بالأهوال، ولا يهتم بما أشيع عن القوة الإسرائيلية التي لا تقهر، ولا يبالي بالجيوش المدججة التي أعدت لقهره وسحقه، ولا يلتفت إلى تلك الدعوات الجبانة للتعقل واللجوء إلى البديل الأسلم - بنظرهم - ألا وهو التفاوض تحت شعار السلام .. بل يتحدى بصدور شبابه المتعطش للشهادة، وسواعد أطفاله التي لا تكل عن رجم الحجارة والزجاجات الحارقة، وإرادة وعناد شيوخه في دعم المسيرة ودفعها بقوة نحو الأتون، ودعوات وابتهالات نسائه وصبرهن على البلايا والنكبات، وفرحهن باستشهاد الآباء والأبناء والإخوة في معركة المجد والعزة، يتحدى بكل هؤلاء قذائف المدفعية وصواريخ الراجمات والطائرات، ولهب الألغام والقذائف والمتفجرات، مؤثراً الآخرة على الدنيا، ومفضلاً الموت بكرامة ورفعة على الحياة بذل ومهانة.
لم يكن مستغرباً ظهور هذا الجيل الذي يُعد بحق فاجعةً كبرى لليهود، وصاعقة قوضت آمالهم، وحطمت شعورهم بالاستقرار والطمأنينة، وذلك بحكم اعتقادهم بل إيمانهم الجازم بأن فناءهم وزوال دولتهم سيكون في آخر الزمان على أيدي أولي البأس الذين ذكرهم الله تعالى في سورة سميت باسمهم (سورة بني إسرائيل: الإسراء)؛ حيث إنها حقيقة جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم، وربما يلاحظ القارئ ذلك جلياً واضحاً عند الوقوف على تصريحات زعمائهم وكبار مفكريهم التي امتلأت بها صحفهم في السنوات الأخيرة.
ففي هذا الإطار استضاف راديو تل أبيب يوم الأحد 21-أكتوبر 2000م عدداً من مفكري وكتاب اليهود الكبار في ندوة عن الانتفاضة، وكان من بينهم (بنتسيون نتنياهو) والد الرئيس السابق، والذي قال معلقاً على مجريات أحداث الانتفاضة : "إذا تركنا السيف فسنذبح كما حدث يوماً، انظروا إلى الفتية الفلسطينيين وهم يواجهون بصدورهم الموت، هؤلاء يريدوننا أن نغيب عن خارطة الشرق الأوسط، لماذا لا يجرؤ منافقو اليسار على الاعتراف أن كل رهاناتهم على السلام مع العرب قد ثبت أنها لاتستند إلى الواقع، ها هو السلام الذي بشرونا به ينهار في لحظة عين، والآن يأتي بعضهم ويقر بخطئه ..." .
وهذا الجيل مهد له أبطال المقاومة الذين زلزلوا الكيان الإسرائيلي بعملياتهم النوعية، وحيروا الأجهزة الأمنية بجرأتهم وشجاعتهم في المواجهة، فهذا هو الجنرال الإسرائيلي شموئيل غورين القائد العسكري السابق للضفة الغربية يتكلم عن أحد المجاهدين الأبطال وقد تملكته الحيرة والدهشة لشجاعته فيقول : "لم يكن حامد يغمور هو الوحيد الذي رفض الاستسلام بالرغم من أنه يعلم أنه لن يخرج من البيت حياً، كان جميع مقاتلي الجناح العسكري لحركة حماس يفضلون المقاومة حتى الموت على الاستسلام، إنه لأمر غريب وعجيب أن يبدي مقاتلو حماس هذه الإرادة القوية والعناد الكبير عندما يحاصرون بالدبابات والجنود، وتحلق الطائرات فوق رؤوسهم، ومع ذلك لايستسلمون، وإنه حقاً لشيءٌ يثير الإعجاب أن يقاوم مقاتل، ويصمد لأكثر من (12) ساعة في مواجهة مئات الجنود المزودين بأحدث الأسلحة والمعدات "، ويضيف : "لقد تحول هؤلاء المقاتلون إلى أسطورة في نظر قادة الجيش وجهاز الشاباك، بل لقد اهتزت المعنويات في صفوف الجنود لليأس من القضاء على هؤلاء؛ إذ إن مهمة البحث عما يقارب عشرين مطارداً من حماس تتطلب أكثر من 3000 جندي بالإضافة إلى المجهودات التي يستثمرها جهاز المخابرات وعملاؤه في جمع المعلومات الاستخبارية عنهم" (1) .
ومن الأمثلة على ذلك ما قام به المجاهد خليل أبو علبة (35 عاماً) الذي قاد باصاً في مستوطنة (حيلون) بالقرب من تل أبيب، وهاجم به تجمعاً للجنود عند إحدى المحطات، مما أدى إلى مقتل (10) من الجنود، وجرح (20) آخرين .
ولدى محاكمته يوم 16-3-2001م وقف بإباء وأعلن أنه غير نادمٍ على دهس الصهاينة المحتلين، وأضاف: "إنه أراد أن يقتص لموت أكثر من ثلاثمائة فلسطيني منذ بدء الانتفاضة ضد الإسرائيليين" .
وصرح للصحفيين في المحكمة بأنه غير آسف على فعلته، بل يفتخر بها؛ لأن الصهاينة يقتلون الفلسطينيين كل يوم . هذا وقد تم الحكم عليه بالسجن لمدة 220 سنة .
ومن الأمثلة أيضاً: عملية تل أبيب التي وقعت يوم الأحد 21-5-1422ه بالقرب من وزارة الدفاع الصهيونية في تل أبيب، حيث أثارت قلقاً كبيراً لدى الأوساط الأمنية والاستخبارية الصهيونية، وذلك حول كيفية تمكّن منفذ العملية "علي الجولاني" من الوصول إلى وسط تل أبيب وقرب مقر وزارة الدفاع, وإطلاق النار على مجموعة من العسكريين؛ حيث نجح في قتل اثنين وإصابة عشرة جنود ومستوطن واحد بجروح مختلفة بالرغم من الانتشار المكثف لقوات الأمن والشرطة والجيش الصهيوني في عموم الدولة العبرية، لا سيما في تل أبيب والقدس العربية المحتلة. وفي أعقاب هذه العملية أكد المفتش العام للشرطة الصهيونية الجنرال (شلومو اهرونشكي) على وجوب تشديد الحراسة قرب معسكرات الجيش، وفي الأماكن التي يكون فيها جنود، كون هذه الأماكن تعد هدفاً لمنفذي العمليات الفلسطينيين.

أشد صلابة من الجبال

أفرزت انتفاضة الأقصى صوراً أخرى للتضحية تدل على مدى الصلابة التي تحلى بها كثيرون ممن عاشوا أحداث الانتفاضة، وتظهر ميزة التحمل والثبات والقدرة على المواصلة بالرغم من الجراح العميقة والآلام المبرحة ..
وبمتابعة أحداث الانتفاضة نجد أمثلة رائعة في الصبر والصمود، ونمر على كثير من المصابين فنلمس الاطمئنان والرضا، ونحس بالمعنويات العالية، بالرغم من أن البعض من المصابين ستبقى جراحاتهم شاهدة وللأبد على مدى الوحشية التي تعامل بها جنود الاحتلال وآلياتهم العسكرية وطائراتهم الحربية مع المدنيين العزل.
وفي هذا الجانب سنجد الكثيرين من الجرحى قد عادوا مرة أخرى بل مرات إلى موقع المواجهة، متجاوزين الآلام التي يشعرون بها؛ وذلك للتعبير عن مشاعر الرغبة في مواصلة الجهاد والصمود أمام آلة القهر الصهيوني المدمرة . إلا أن آخرين لم يستطيعوا ذلك مع تمنيهم له؛ لأن إصاباتهم أحدثت في أجسادهم إعاقات دائمة أعجزتهم عن النهوض من جديد، فمنهم من قطعت بعض أطرافه، وآخرون فقدوا أبصارهم، وهناك من شلت حركتهم إلى الأبد .
ومن هذه الصور التي يتقطع لها القلب ما يلي :
صخر خلف (21عاماً) من مخيم البريج شابٌ عشق الانتفاضة، وكان من نشطائها البارزين ..
أراد ذات يوم أن يتزوج، فعمل بجد، وعانى شقاء العمل في مهنة (البناء)، وكغيره من الشبان المقبلين على الزواج حلم ببيت صغير وزوجة وأولاد؛ ولذلك اختار زوجة طيبة متدينة، حيث قام بخطبتها، وبدأ يعد العدة لحفل الزفاف ..
وبعد عقد قرانه، قامت خطيبته بزيارة لأهله، وتناولت معهم طعام الغداء وسط أجواء من السعادة الغامرة، وفي ساعات المساء رافق صخر خطيبته لإيصالها إلى بيت أهلها في مخيم جباليا، وصحب معه ابن عمه يوسف الذي خشي عليه من مخاطر الطريق، وقبل أن تصل بهم السيارة إلى مفترق الشهداء "نتساريم" اضطروا للنزول منها لأنها لا تستطيع العبور بسبب المواجهات العنيفة عند المفترق، وعندما تقدم صخر وابن عمه يوسف إلى الأمام قليلاً ليبحثا عن وسيلة مواصلات أخرى إذا بطائرة حربية إسرائيلية تطلق عليهما قذيفة فتصيبهما بشكل مباشر وبصورة مروعة ..
على إثر ذلك نقلا إلى مستشفى الشفاء بغزة، وكانت النتيجة أن يوسف أصيب في رأسه إصابة قاتلة توفي على إثرها بعد أسبوع، وأما صخر فقد حُول إلى مستشفى (إيخلوف) بتل أبيب، وتم هناك بتر ساقيه من فوق مفصل الركبة .
وبالرغم من مصيبته هذه فقد ظل صخر يلهج بذكر الله، ويعبر عن الرضى بما أصابه؛ حيث عرف عنه الالتزام والصلاح وحب الجهاد، كما كان من أنشط شباب الانتفاضة، وقد تعرض للاعتقال من قبل جنود الاحتلال أكثر من مرة، وكانوا يتركونه بعد ذلك لصغر سنه.
قال صخر واصفاً حالته بأنه ما زال يشعر بآلام حادة في جميع أنحاء جسده ؛ لأن العديد من الشظايا لازالت موجودة في أماكن متعددة فيه، وأشد الآلام التي كان يعاني منها في هذه اللحظات هي في المنطقة التي تم بتر الساقين من عندها .
وقال بنبرة مختنقة متحدثاً عن مستقبله: كنت أحاول أن أعيش حياة طبيعية كباقي البشر، وأن أتزوج وأدخل السرور على والدي، ولكن .. انتهى كل شيء .
ومن الصور التي تدل على الصلابة والتحمل ما حصل لزياد بركة (16عاماً) من دير البلح، والذي تم نقله إلى المملكة العربية السعودية مع أربعة جرحى آخرين لمتابعة علاجه، حيث بترت يده اليمنى، وفقد عينيه الاثنتين نتيجة انفجار جسم مشبوه في المصنع المجاور للموقع الإسرائيلي على مفرق الشهداء (نتساريم). يقول أحد أقربائه : "إن زياداً من أنشط إخوانه في خوض المواجهات، وإن الذي دفعه للذهاب إلى منطقة نتساريم من الساعة العاشرة صباحاً هو حب الشهادة بالرغم من صغر سنه".
فزياد الذي كان يلقي الحجارة من داخل المصنع مع أربعة شبان آخرين على الموقع الإسرائيلي طار في الهواء فجأة وارتطم بالأرض ثانية في مشهد مأساوي سريع .
وقد حدث الانفجار نتيجة قذيفة موقوتة من نوع (أنيرجا)..

وماذا بعد ..؟
بعد هذا العرض لأمثلة من صور البطولة والفداء التي أفرزتها انتفاضة الأقصى نصل إلى حقيقة مهمة في الصراع مع اليهود ينبغي الوقوف عندها وتأملها ..
إن الانتفاضة بوجه اليهود جاءت نتيجة تراكمات صقلت الشعب الفلسطيني، ووضحت له الوجهة التي ينبغي أن يسير عليها، وحددت له المسار الذي من خلاله يمكن تحقيق كثير من الأهداف في معادلة الصراع مع الصهاينة المحتلين.
إن عملية السلام التي توهم كثيرون تحقيقها مع العدو الألد احتضرت وماتت بعدما انكشفت على حقيقتها خلال أحداث الانتفاضة الباسلة ..
ومن هنا ندرك أهمية القوة وضرورة اللجوء إليها لإحقاق الحق وإبطال الباطل ..
وفي هذا الإطار نقف على تحليل للصحفي الإسرائيلي (جدعون ليفي) الذي أشار إلى هذه الحقيقة من خلال مقال تحليلي له نشرته صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، حيث خلص فيه إلى أن إسرائيل علمت العرب أن الطريقة الوحيدة للتفاهم معها هي (لغة القوة) .
وفي ثنايا تحليله جاء ما يلي : "..لقد قيل على الدوام في صفوفنا : "إن العرب لا يفهمون إلا القوة وحدها" .. ولكن تبين لاحقاً أن القوة هي لغتنا الوحيدة الرسمية، حتى وإن كان القادة الإسرائيليون قد حرصوا على الدوام على تأكيد أن العرب لن يجنوا أي شيء عن طريق القوة . ولنتذكر على سبيل المثال التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي وقتذاك إسحاق رابين في ذروة الانتفاضة من أن الفلسطينيين لن يحققوا شيئاً بالحجارة، والواقع أنه لم يتحقق منذ العصر الحجري كل هذا الإنجاز كالذي حققه الفلسطينيون بالحجارة.
ويتكلم عن مشاركة الفلسطينيين في المنطقة المحتلة عام (1948م)، فيقول : "..ولكن من الذي بوسعه أن يشير إلى طريق آخر مفتوح أمام خمس سكان إسرائيل - فلسطينيي هذه الدولة- بعد (25) عاماً من التمييز والإذلال؟ الآن على الأقل شكلت لجنة للنظر في الأمر، وبعد هبة عنفهم المقبلة والتي ستكون بالتأكيد أشد احتداماً وأكثر إيلاماً، فإن دولة إسرائيل ستتذكر أنه كان يتعين القيام بالمزيد، ومن المؤكد أنه لا يمكن القول إنهم لم يجربوا أولاً طرقاً بعيدة عن العنف، حيث تمتد (25) عاماً من الولاء المثالي والمبالغ فيه تقريباً من جانب عرب إسرائيل والطاعة لدولة ليست حروبها بحروبهم، ولا نشيدها الوطني بنشيدهم، ولا لغتها بلغتهم، ولا عطلاتها بعطلاتهم، وعلى الرغم من هذا كله فإنها تعاملهم على هذا النحو.
الآن هاهم شبابهم يخرجون إلى الشوارع، وينطلقون إلى رحاب العنف، ويعود عليهم ذلك بالفائدة، وهم يعرفون أنهم لن يحصلوا على شيء من دون هذا العنف. والآن هاهم أيضاً يبرهنون مثلما برهن إخوانهم في غزة والضفة أن إسرائيل القوية هي التي لاتحقق شيئاً عن طريق القوة".
والخلاصة التي نصل إليها هي أن هذه الحقيقة ستؤدي إلى استمرارية الصراع، وتطور أشكاله، وربما امتداده إلى آفاق أخرى لا يتوقعها الكيان الصهيوني، وبالتالي ستكون صور البطولة والشجاعة في هذا الصراع وقوداً دافعاً يحث على مواصلة المواجهة والعمل من أجل تحقيق هدف التحرير النهائي دون كلل .

--------------
@ مصادر للاستزادة :
1- http//www.moh.gov.ps/arabic/story/file19.html (من قصص الشهداء).
2- www.wezara.50g.com
3 http//www.sabiroon.net/Alquds/Reportalqsa.htm (من روايات أبطال معركة الأقصى ).
@ الهوامش:1 غسان دوعر، المهندس ص166-167 - منشورات فلسطين المسلمة - ط2 : 1997م.

المصدر : مجلة الجندي المسلم

الصفحة الرئيسية      |      فلسطين والحل الإسلامي