صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    رمضانيات 1430 للدكتور عثمان قدري مكانسي

    د: عثمان قدري مكانسي


    رمضانيات (1)
    لمن كان له قلب
    د: عثمان قدري مكانسي


    ديننا الإسلامي دين عقل وفكر ، يخاطب الإنسان بمنطقية ، فيضع النقاط على الحروف ، ويطرح الفكرة عليه ( الإنسان )بما لا يدع مجالاً للإنكار – هذا عند أولي الفهم وأصحاب العقول – فالأفكار المعروضة متصل بعضها ببعض ، ويؤدي أولها إلى ثانيها بإحكام ، وثانيها إلى ثالثها بطواعية وسلاسة ، وهكذا ، فيعرضها الباحث عن الحقيقة على قلبه وعقله ، فيراها منطقية محكمة العرض ، متناسقة بينما نجد الأديان الأخرى تعيش في مسرح الغيبيات وزوارب التناقضات .
    مثال هذه المنطقية هذه الآية الكريمة في سورة البقرة :
    " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " (28) فذكر القرآن الكريم أحوالاً خمسة مر الإنسان ببعضها أو مر غيره بإحداها إذ سبقه إليها ، وستمر البشرية بالأحوال كلها : 1- وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
    2- فَأَحْيَاكُمْ
    3- ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
    4- ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
    5- ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
    1- فقبل مجيئنا إلى هذه الدنيا أين كان اليشر ؟ أكانوا في مكان غير هذا المكان وحياة غير هذه الحياة ؟ أم كانوا في طور العدم ؟ ولن يدّعي أحد أنه كان حياً قبل أن يولد إلا إذا كان مختل العقل أو معانداً للحق ، وهذا العدمُ فناءٌ وموتٌ ، ولن ينكر هذا العدمَ والفناءَ احدٌ أكان مشركاً أم ملحداً .
    2- ونحن في هذه الدنيا نتحرك ونأكل ونشرب ونلبس ونسافر ويحارب بعضُنا بعضاً ، ويفرض القوي على الضعيف ما يريد ، أكان حقاً أم باطلاً . ونصح ونمرض وترى البناء والهدم ، وتسمع الخبر وتراه عياناً .. أفنحن في هذه الدنيا أحياءٌ أم أمواتٌ ؟ ولن يشك أحد ، مشركاً كان أم ملحداً طوباوياً أم عاقلاً أننا في طور الحياة ، وأنه في كلتا الحالتين لا يملك لنفسه شيئاً .
    وفي الحالتين الأولى والثانية خوطبنا بالفعل الماضي " كنتم ، فأحياكم " فالحالتان حصلتا ، مرّت الأولى ، ونحن في الثانية .
    3- وفي الحالة الثالثة نجد الموت الثاني ، أليس العدمُ الأول موتاً ، فالفناء الثاني الذي سبقنا إليه الأولون من آباء وأجداد وإخوان نراهم يسارعون إليه وندفنهم بأيدينا فناءٌ ثانٍ لا بد منه ، وهذه أيضاً لا ينكرها أحد اكان مشركاً أم ملحداً فهو يرى الناس تموت أفراداً وجماعات في الأرض والبحر والسماء ، وسنلحق بهم عاجلاً أم آجلاً . وذكر القرآن هذه الحالة بالفعل المضارع " يميتكم " لأن هذه الحالة الثالثة ستكون في المستقبل المنظور للمخاطب الذي يرى الناس ينتقلون إلى دار الفناء – البرزخ – وهو ما يزال حياً ، فهي لمن ذاق طعم الموت صارت ماضياً ، وله – من ظل حياً – أن ينتظر ، فاستعمل الفعل المضارع .
    4- أما الحالة الرابعة " يحييكم " فهي بيت القصيد الأول التي لا يصدقها إلا ذو القلب الحي والفهم الصحيح الذي عاين الحالات الثلاث الأولى وآمن بأن الله تعالى الذي صدق في الحالات الثلاث السابقات هو الذي يخبرنا عن الحالتين الرابعة والخامسة ، والله سبحانه وتعالى – ابتداءً – صادق الوعد ، ومن رأى بعيني قلبه ووجهه صدق الله تعالى ليؤمنَنّ بحتمية الأخيرتين ، وهو سبحانه قادر على إعادة الخلق والحياة ، وهي أهون عليه سبحانه – وكل شيء هيّن عليه – فسيحيينا ، ولكن لماذا يحيينا ؟
    5- الجواب على هذا السؤال واضح في الحالة الخامسة – بيت القصيد الثاني والأهم - الصادقة كأخواتها ، " إليه ترجعون " نسأل الله تعالى أن يجعل خير أيامنا يوم العرض عليه ، فتعرض الأعمال على المسلمين عرضاً ، ثم يغفر الله تعالى لعباده تقصيرهم – إن شاء - ، فقد كانوا يستغفرونه ، ويسألونه في كل حالاتهم العفو والغفران ، إنه غفار الذنوب ، ستّار العيوب ، الرحيم بعباده . أما من نوقش الحساب فقد هلك – نعوذ بالله من سوء العاقبة .

    ومن الملاحظ أن كلمة " أحياكم " سُبقت بفاء الترتيب والتعقيب لأن الله تعالى خلقنا ، ويخاطبنا ، فناسبت الفاء هذه الحالة ، وأن الكلمات " يميتكم ، يحييكم ، إليه تُرجعون " بينها زمان قد يطول ، فاستـُعمل حرف العطف " ثمّ " للترتيب والتراخي .
    فالعاقل من يتفكر ويتدبّر ... اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيفهمونه بقلوبهم كأنهم يرونه رأي العين ، ويتّبعونه .
     



     في الغيبة والعيوب (2)
    د: عثمان قدري مكانسي


    قال ابن قتيبة في " عيون الأخبار " بتصرّف :
    - إن أسماء بنت يزيد أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبرُكم بشراركم؟ " قالوا : بلى . قال : " مِن شراركم المشّاءون ، بالنميمة المفسدون بين الأحبة ، الباغونَ البُرآءَ العنَتَ " فمن نمّ وأفسدَ وأرجف بين الناس من أشر ما خلق اللهُ تعالى .
    - وقال النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر : يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن قوماً ركبوا البحر في سفينة ، واقتسموها ، فأصاب كلَّ واحد منهم مكانٌ (1) ، فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه ، فقالوا : ما تصنع؟! فقال : مكاني أصنع به ما شئت ، فإن أخذوا على يديه نجا ونجَوا ، وإن تركوه غرقوا وغرق.

    (1) هكذا ضُبِطَتْ والأولى : ( فأصاب كلُّ واحد منهم مكاناً ).
    - وقال أبو الدرداء رضي الله عنه (يستبعد أن ينجو يوماً من ألسنة الناس ) : ليس من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا كان نعمةً من الله عليّ . وقال حسان رضي الله عنه بهذا المعنى :
    وإنّ امرأً أمسى وأصبح سالماً من الناس إلا ما جنى لسعيدٌ
    - قال مسعِرٌ : ما نصحتُ أحداً قطّ إلا وجدْتُه يفتش عن عيوبي ( وكأن الناس لا يحبون الناصحين ) .
    - قال بعضُهم : من عاب سَفِلةً فقد رفعه ، ومن عاب شريفاً فقد وضع نفسَه .
    - وقال الفاروق عمر رضي الله عنه : ( أحبُّ الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي ) أقول : ومن يرقى مرقاك يا أمير المؤمنين ؟! .
    - وقال الفضيل بن عياض : حسناتُك من عدوّك أكثر منها من صديقك ، لأن عدوّك إذا ذُكرْتَ عنده يغتابك ، وإنما يدفع المسكينُ إليك حسناتِه . أقول : ومن ينجو من ذلك إلا من رحم ربك؟!
    - ومرّ ابن سيرين بقوم ، فقام إليه رجل فقال : يا أبا بكر إنا قد نِلنا منك فحَللنا . فقال : إني لا أُحِل لك ما حرّم الله عليك ، فأمّا ما كان لي فهو لك . أقول : جواب لطيف وفهم للحلال والحرام دقيق .
    - وجاء رجل إلى ابن سيرين ، فقال : بلغَني أنك نلتَ منّي .فقال ابن سيرين : نفسي أعزّ عليّ من ذلك . رحم الله ابن سيرين ما أكرمه!
    - وقال بلال بن سعد : أخٌ لك كلما لقِيَك أخبرك بعيب فيك خيرٌ لك من أخ لك كلما لقيك وضع في كفك ديناراً . أقول : هذه هي الأخوّة الحقة .
    - قال سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله تعالى " لا غِيبة إلا لثلاثة ؛ فاسقٍ مجاهر بالفِسق ، وذي بدعة ، وإمام جائر ..... وكان يُقال : من اغتاب خَرَقَ ، ومن استغفر رتَقَ .
    - وفي بعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا عاب أحدُكم أخاه فلْيستغفرالله " نقول : نستغفر الله دائماً وأبداً .
    - قال محمد بن كعب : إذا أراد الله خيراً بعبد زهّدَه في الدنيا ، وفقّهه في الدين ، وبصّرَه بعيوبه . فقال الفضيل بع عياض حين وصلته هذه الحكمة : وربما قال الرجل : لا إله إلا الله أو سبحان الله ، فأخشى عليه النارَ ، قيل : وكيف ذاك ؟! قال : يُغتابُ بين يديه ، ويُعجبه ذلك ، فيقول : لا إله إلا الله . وليس هذا موضعَه ، إنما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له : اتّقِ الله . أقول : هذا هو الفقه في الدين .
    - وفي الحديث المرفوع أن امرأتين صامتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعلتا تغتابان الناس ، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : " صامتا عمّا أُحل لهما ، وأفطَرَتا على ما حُرِّم عليهما " وقال حمّادُ بن سلمة : ما كنتَ تقوله للرجل وهو حاضر فقلتـَه من خلفه فليس بغِيبة
    - عاب رجل رجُلاً عند بعض الأشراف ، فقال له : قد استَدْللْتُ على كثرة عيوبك بما تُكثر من عيب الناس لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدْ ر ما فيه منها . وقال بعض الشعراء في هذا المعنى :

    وأجْرَأ مَن رأيتُ بظهر غَيبٍ --- على عيب الرجال ذوو العيوب

    وأنشد ابن الأعرابي يؤكد هذا المعنى :

    اسكتْ ، ولا تنطقْ فأنتَ خيّاب --- كلُّك ذو عيب وأنت عيّابْ

    - وكان أحدهم يغتاب الناس ولا يصبر ، ثم ترك الغيبة ، فقيل له : أتركتَها ؟ قال : نعم ، على أني أحب أن أسمعها . فهو حقيقة لم يترك الغيبة لأنه يود أن يسمعها ، وإنما الأعمال بالنيات .
    - وذكر الغزّالي في إحيائه حديثاً " إن الغِيبة أشدّ من الزنا " قيل : كيف ذلك ؟! قال : " لأن الرجل يزني فيتوب ، فيتوب الله عليه ، وصاحب الغيبة لا يُغفَر له حتى يَغفِر له صاحبها " .
    - مرّ رجل بجارين له ومعه رِيبة ، فقال أحدُهما : أفَهمْتَ ما معه من الريبة ؟ فقال الآخَر : غلامي حرّ لوجه الله شكراً له إذ لم يُعَرّفني من الشرّ ما عَرّفَكَ . وهذا من روائع التقوى .
    - دار بين سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما كلام ، فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد ، فقال له سعد : مَهْ ؛ إنّ ما بيننا لم يبلُغْ دينَنا ، ولهذه التقوى استحق أن يكون من العشرة المبشرين بالجنّة .
    قيل لِبُزُرجَمِهْرَه : هل مِن أحد ليس فيه عيبٌ؟ قال : لا ؛ إن الذي لا عيب فيه ينبغي أن لا يموت . أقول صدق الحكيم والله فالله سبحانه الكامل وحده كمالاً مطلقاً . وفي هذا قال الشاعر :

    لـيس فيمـا بدا لنـا منـك عيبٌ --- عابه الناس غيرَ أنّك فانٍ
    أنت خير المتاع لو كنت تبقى --- غيرَ أنْ لا بقاء للإنسـانِ

    - وأوصى رجل على فراش الموت زوجته أن تنكح بعده رجلاً شريفاً لا صاحب غيبة وفساد ، فقال :

    وإمـا هلكـْتُ فـلا تنكـِحـي --- ظَلومَ العشيرة حَسّادَها
    يرى مجدَه ثلبَ أعراضها --- لديه ويُبغض مَن سادَها
     


    رمضانيات (3)
    اتخاذ الإخوان واختيارهم
    اختارها من عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري بتصرف
    د: عثمان قدري مكانسي


    - كان يُقال : أعجزُ الناس من فرّط في طلب الإخوان ، وأعجز منه مَن ضيّع مَن ظفِر به منهم ؛ فالوصول إلى صديق صدوق كاستخراج الذهب من مكامنه ، وما أسهل إضاعة الأصدقاء بإهمالهم أو الإساءة إليهم .
    - - ويُحكى أن داوود عليه السلام قال لابنه سليمان عليه السلام : " يا بنيّ ؛ لا تستبدلَنّ بأخ لك قديمٍ أخاً مستَفاداً ما استقام لك ، ولا تستقلّن أن يكون لك عدوّ واحد ، ولا تستكثرَنّ أن يكون لك ألف صديق " فالعدو مصدر القلق والترح ، والصديق يُدخل عليك السرور والمرح .
    - والغالب من الناس يظن أن الغنى بالمال ، وهو براحة البال ، وكثرة الأحباب . قال الشاعر ابن الأعرابي :
    لعمرُك ما مال الفتى بذخيرة ولكنّ إخوان الثقاتِ الذخائرُ
    وقال حكيم : رأيت الدنيا وذخائرها تالفة إلا ذخيرة الأدب وعقيلة الخُلّة ، فاستكثرْ من الإخوان واعتصمْ بعرا الأدب . وكان يُقال : الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال ، وقال الشاعر :

    إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكن --- لهم رجل عند الزمان مكين
    فكانوا كأيد أوهن الله بطشَها --- تُرى أشمُلاً ليست لهنّ يمين

    - وقال أحدهم – أيوب السختياني – " إذا بلغني موتُ أخ لي فكأنما سقط عضو مني " وقد قال الشاعر :

    أخاك أخاكَ ؛ إنّ من لا أخاً له --- كساعٍ إلى الهيجـا بغير سـلاح
    وإن ابنَ عم المرء فاعلم جناحُه --- وهل ينهض البازي بغير جناح

    أقول : وليس شرطاً أن يكون ابن عمك خيراً من صديقك ، إلا أنها دعوة عشائرية وفكرة قبلية ، وكثيراً ما يكون الأقارب عقارب .
    - وكثرة الأصدقاء قوة على الضيم ونصرة للحق ، وطرد للذل وشعور بالعز . يقول الشاعر الثقفيّ :

    من كان ذا عدد يُدركْ ظُلامتَه --- إن الذليل الذي ليست له عَضُدُ
    تنبـو يـداه إذا مـا قـَلّ نـاصـرُه --- ويأنف الضيمَ إن أثرى له عدَدُ

    أقول : على أن لا يرى نفسه قوياً فيبطر ويظلم ، إن كثيراً ممن شعر بقوته مع ضعف في دينه ومروءته انقلب ظالماً لا يرعوي إلى الحق .
    - كما أن التقي إذا لم يصادقْك لم يبغضك ولم يعادِك ، أما صحبة الفاسق فثقيلة على النفس ، وتودي إلى المهالك ، إن الصاحب ساحب . قال الشاعر :

    وبغضاء التقيّ أقـل ضيـراً --- وأسـلم من مـَودّة ذي الفـُسـوق
    ولن تنفكّ تُحسَدُ أو تُعادى --- فأكثرْ ما استطعتَ من الصديق

    - وقال المأمون : الإخوان ثلاث طبقات ؛
    1- طبقة كالغذاء ، لا يُستغنى عنه .
    2- وطبقة كالدواء لا يُحتاج إليه إلا أحياناً .
    3- وطبقة كالداء ، لا يُحتاج إليها أبداً .
    - وقال الحسن بن عليّ رضي الله عنهما : " من أدام الاختلاف إلى المساجد أصاب ثمانيَ
    1-آية مُحكمة؛ 2- وأخاً مُستَفاداً ؛ 3- وعلماً مُستَطرَفاً ؛ 4- ورحمة مُنتظَرة ؛ 5-6- وكلمة تدله على هدىً أو تردعه عن ردىً ؛ 7-8- وترك الذنوب حياءً أو خشية . رضي الله عن الإمام الراشديّ الخامس الحسن بن علي ، فقد نسي الناس أنه حكم عشرة أشهر تمّ بها ثلاثون سنة راشدة من حكم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ .

    - ويقول أحد العارفين : الصاحب رُقعة في قميص الرجل ، فلْينظُر أحدكم بِمَ يَرْقع قميصَه . وقال : ما وجدنا شيئاً أبلَغَ في خير أو شر من صاحب .
    - وقال يونس : اثنانِ ما في الأرض أقلُّ منهما ؛ درهمٌ يوضَع في حقّ ، وأخٌ يُسكن إليه في الله .
    - وقال علقمة بن لبيد العُطارديّ لابنه ينصحه نصيحة بليغة : يا بنيّ إذا نزَغَتـْك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب منهم :
    1- مَن إن صحبتـَه زانك ، وإن خدمتَه صانك ، وإن أصابَتْك خصاصة مانك ( بذل لك المؤونة )
    2- وإن قلتَ صدّق قولَك ، وإن صُلْتَ شدّ صولتَك ، وإن مدَدْت يدك بفضل مدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها .
    3- وإن سألْتَه أعطاك ، وإن سكَتّ عنه ابتداك ، وإن نزلتْ بك إحدى المُلِمّات آساك ،
    4- من لا يأتيك منه البوائق ، ولا تختلف عليك منه الطرائق ، ولا يخذُلك عند الحقائق .
    5- وإن حاول حويلاً آمَرَك ( شاورك فيما يريده) وإن تنازعتُما مُنْفِساً آثرك ( يفضّلك على نفسه بالخير ) .
    أقول : إنها نصائح رائعة تُكتب بماء الذهب ، ويُحافظ عليها في شَغاف القلوب ، يقتنصها الأديب الأريب ، والذكي اللبيب ، ويعمل بها العاقل النديّ ذو الفؤاد البهي .
    وقال الشاعر في هذا :

    إن أخاك الصدقَ من كان معك --- ومن يضرّ نفسَه لينفعك
    ومن إذا ريبُ الزمان صدَعَك --- شتت فيك شمله ليجمعك

    - وكتب رجل إلى صديقه يمدحه لما رأى فيه من خير ومروءة : أنت يا صديق كما قال الأعشى :

    منْ ليس في خيره منٌّ فيفسده --- على الصديق ولا في صفوه كدَر
    وليس فيه إن استنظرته عَجَلٌ --- وليـس فيـه إذا يـاسـَرتـَه عُـسُـرٌ

    وقال شاعر آخر في أخيه :

    إذا كان إخوان الرجال حرارةً --- فأنت الحلالُ الحلو والباردُ العذبُ
    لنـا جانـبٌ منه دميثٌ وجانـبٌ --- إذا رامـَه الأعـداءُ مركبُـه صعب
    وتـأخـُذُه عنـد المكـارم هِـزّةٌ --- كما اهتزّ تحت البارح الغُصُن الرطب

    - وبكى الشعراء إخوانهم بقلوب دامية إذ فقدوهم ، فقال أحدهم :

    أبكي أخـاً يتـَلقـّاني بنـائـله --- قبل السؤال ويلقى السيف من دوني
    إن المنايا أصابتني مصائبها --- فاسـْتعجَلَت بـأخ قد كـان يكفيـني

    وقال غيره :

    أخٌ طـالـمـا سـرّني ذِكـْرُه --- فأصبحتُ أشجى لدى ذكره
    وقد كنت أغدو إلى قصره --- فـأصبحت أغدو إلى قبـره
    وكـُنـْت أراني غنـِيـّـاً بـه --- عن الناس لو مُد في عمره
    إذا جئـتـُه طـالبـاً حاجـة --- فأمـري يجـوز على أمـره

    - والحقيقة أن الصديق الصدوق كالجوهرة النادرة ، ولا ترى الأصدقاء إلا أيام الرخاء ،أما في أيام الشدة فلا وجود لهم – كما يقول أمير --- المؤمنين علي رضي الله عنه –

    ولا خيـْر في ودّ امرئ متـَلـَوّن --- إذا الريح مالت مال حيث تميل
    جوادٌ إذا استغنيت عن أخذ مالِه --- وعند احتمال الفقر عنك بخيل
    فما أكثـَر الإخـوانَ حين تعُدّهم --- ولكـنّهـُم في النـائـبــات قـليـل
     


    رمضانيات (4)
    ( للصائم فرختان)
    د: عثمان قدري مكانسي


    كان يقرأ الحديث القدسي في الصيام " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به .." إلى أن وصل إلى قوله تعالى في الحديث القدسي " للصائم فرحتان يفرحهما ..." ولعله كان جائعاً حين وضع – دون أن يدري – نقطة على الحاء ، فصارت الكلمة " فرختان " فبدأ يعلل ذلك :
    1- لكي ليتحمل الصائم الجوع فينبغي أن يأكل طعاماً دسماً عند السحور والفرخة لحم لذيذ يسد جوعة الصائم ساعات طويلة ، كما أن الصائم – على حد تعبيره - يحتاج فرخة بعد هذا الصبر الطويل ليعوّض ما نقص من بروتينات من جسمه .
    2- ونسي صاحبنا أن عدد الصائمين عشرات الملايين - وربما مئاتها- فمن أين يؤمّنون هذا الكمّ الهائل من الفراخ يوميا وعلى مدى شهر كامل ؟!
    3- وهل الصائمون كلهم يستطيعون أن يحصلوا على الفراخ ؟ إن منهم الفقير والمعدم ، وذا العيال الذي قد يبلغ عدد أبنائه وأفراد أسرته العشرة أو أكثر ولن يستطيع – حتماً - أن يؤمن ست مئة فرخة في شهر الصيام ، ناهيك عن المصاريف الأخرى في هذا الشهر الذي يأكل فيه الصائمون أكثر مما يأكلون في الأشهر الباقية !!
    4- وأين هذه المداجن القادرة على تأمين متطلبات صاحبنا ومن يتبعه في فهمه السديد !؟

    - وتذكرت بعض المواقف المضحكة التي وقع فيها بعضنا جرّاء الخطإ في القراءة والفهم . فهذا يمسك بالآية الكريمة " أليس الله بكاف عبده " المكتوبة بالخط الكوفي المعروف بتداخل حروف كلماته وتشابكها بطريقة يتعذر على غير الممارس لقراءة هذا الخط أن يصل إلى معرفتها إلا بشق الأنفس ، فيتملاّها ثم يكتشف قراءتها بشكل صحيح ! يدل على مهارة ورسوخ قدم في فكّ الخط " إلياس بن عبد الله اسكاف " .
    - وهذا يحاول أن يقرأ الآية الكريمة " وما توفيقي إلا بالله " فيقف أمام خطوطها المتشابكة ، ليصل إلى قراءتها " وماتوا الآباء ، لله فيقي " ويعلل ذلك بأن على الإنسان أن يكون يقظاً ومنتبهاً للموت وأن يعتبر بمصير من سبقه .
    - ولكي أكون منصفاً فعليّ أن أعترف أنني وقعت في المحظور الذي عبته على غيري ، فالإنسان ضعيف مهما أوتي من فهم ، ويقع في الخطأ مهما أوتي من علم . فقد زارني أحد أقاربي في عمّان صيف واحد وتسعين وتسع مئة وألف حين دخلت جيوش العراق الكويت . ونزلتُ معه إلى وسط المدينة قرب الجامع الحسيني الكبير ، فمررنا على دكان يبيع صاحبها البقوليات المجففة ، فقرأ على أحد الاكياس كلمة " زعتروق " فتوقف يسألني وما " الزعتروق " يا أبا حسان؟ فنظرت إلى ما اشار إليه فإذا الكلمة " زعتر وََرَق " فدمج صاحبنا الكلمتين في كلمة واحدة غيّبت المعنى المراد . وضحكنا كثيراً وغدا نادرتنا يومين أو ثلاثة إلى أن وقعتُ في المحظور جزاءً وفاقاً . فقد قرأت عنواناً جذب انتباهي إذ ذاك ، إنّ وزير خارجية الولا يات المتحدة الأمريكية " جيمس بيكر " زار مدينة الإسكندرية منسّقاً الحصار على العراق مستعيناً بمبارك رئيس مصر ، ثم زار مدينة جُدّة ليرتب الأمور مع السعوديين : فكان العنوان هكذا " بيكر يزور جده بعد الإسكندرية " ولم يكن على تاء جدة نقطتان فصارت هاء ، وكان بيكر هذا في الخامسة والستين من عمره فعجبت أن يبقى جدّه حياً – معمّراً - مقيماً في الإسكندرية ، فيزوره حفيدُه بعد أداء مهمته ، وقلت في نفسي : كم بلغ هذا الجد من العمر يا ترى . وظننت أن " بيكر " مصري الأصل ، والدليل على ذلك جدّه المقيم في الإسكندرية !. ثم تنبهت إلى الخطإ فضحكنا جميعاً ، وقال لي صاحبي : واحدة بواحدة .
    أما صاحبنا " سمير " فقد طلب إليه أستاذ النحو حين كنا طلاباً في كلية اللغات في جامعة حلب عام سبعة وستين وتسع مئة وألف أن يقرأ عبارةً في كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام المصري ، فتلاها ، فلما وصل إلى نهايتها " اه مُحَشّى " و " اه " مختصر انتهى ، ومُحَشّى تعني أن ما كتبه ليس له بل هو منقول عن غيره . فقرأها متحسّراً :" آه مَحشيّ " وأنواع المحاشي الحلبية متعدّة فيها الأرز واللحم .. فضحك الجميع حين سمعوا تنهّده الدال على جوعه وتعجبه - بآن واحد - من حب ابن هشام للمحشيّ .

     


    رمضانيات (5)
    في بيت الله
    الكتور عثمان قدري مكانسي


    -: انتقلت إلى سكن جديد في حيّ آخر غربي المدينة ، بعد أن شعرت أنني في الحي السابق تجذّرت علاقاتي بالناس في اجتماعياً وأنساً ، فما كنت أشعر بالغربة – وأنا الغريب بينهم المهاجر إليهم ، فقد كنت أتخولهم بما فضَل الله علي من حديث في أمور الدين في المساجد بعد الصلوات وفي المناسبات الدينية والاجتماعية وفي شهر الصوم الفضيل .....وأستمع إلى دروس بعضهم ومحاضراتهم فأُفيد علماً وأدباً . والإنسان بين متعلم ومعلم ومستمع ، وهكذا يزداد المسلم خيراً في هذه الدنيا إلى أن يلقى ربه .
    - انتقلت إلى الحي الجديد ، فكان أول ما بحثت عنه المساجد القريبة والبعيدة في هذا الحي ، فهي الرئة التي أتنفس فيها ، والرياض التي آنس إليها ، ، وفيها أتعرف إلى إخوة جدد أرتبط بهم برباط الإيمان وعرى الدين القويم . فلم ألبث أسابيع قليلة حتى تعرفت إلى إخوة ذوي فضل وأدب وعلم . والإنسان اجتماعي بطبعه يميل إلى لقاء من يشعر أنهم أهل خير وتقوى ، ولا نزكي على الله أحداً . إلا أن ذوي الكرامات على وجهها علامات ، هكذا تعلمنا من أساتذتنا ومربينا ...
    - في فجر هذا اليوم أسرعت إلى المسجد القريب ، فصليت السنة ، وتحية المسجد ، ولم أبدأ بقراءة المأثورات حتى سمعت دعاء خافتاً من رجل على يميني ، فنظرت إليه من طرف خفيّ ، فإذا هو رجل في الأربعين من عمره أو يزيد قليلاً يسأل الله تعالى بلهجته العامية المحببة أن يغفر له ويرزقه ، ويحفظه في دينه وصحته وأسرته والممسلمين . وسررت أن دعاءه لم يكن كله خاصاً به ، إنما كان عاماً في أكثره . فأصخت السمع إليه وهو يردد كل دعاء مرتين أو ثلاث مرات ، فيدعو لجاره ولأخيه ولأخته ، وللمسلمين في أصقاع الأرض .
    - نظرت إليه مبتسماً ، فرد بابتسامة أكثر لطفاً وأوسع بشاشة ، ومد يده مصافحاً فسلم عليّ ودعا لي فأثلج صدري وجذبني إليه بأناة سلامه وحلو نبرته . ثم عاد إلى ما كان عليه من التبتل والدعاء ....
    - قلت في نفسي : يا ألله ؛ ما الذي دعا هذا الرجل إلى أن يدعو للمسلمين في بقاع الأرض ويسترسل في الرجاء أن يحفظ المسلمين من كل سوء ، وأن يزيدهم من خيره وبركاته ؟! إنه الشعور بالأخوّة الإيمانية والصلة الوشيجة التي تربطه بمن يراهم إخوته في العقيدة ورابطة الروح والمصير .. إنه منهم وهم منه ، بل هو غصن رطيب في شجرة الإسلام الباسقة ، وارفة الظلال ، التي تظلل الجميع بفيئها ، وتحنو عليهم بدَوحها ، وتغذوهم بثمارها .
    ما أجمل الصلة الإيمانية التي تأرز إليها قلوب المؤمنين ، فتقوى لحمتها ، وتتشابك جذورها وأغصانها ، فإذا هي هدف واحد واتجاه واحد يصعد بقلوب المؤمنين إلى بارئها ، فتلتقي في رحابه سبحانه . ورأيت نفسي أردد قصيدة قلتها قبل سنوات في أخي وحبيبي المسلم في الهند والسند وأندونيسيا واليابان وأوربا وأمريكا وأفريقا .. إن أخي المسلم جزء من نفسي وشريك في هدفي ، وعضدي في أملي وغايتي .


    أحـن إلـيـك أخي المسـلمـا *** وأســأل ربيَ أن تسـلـمـا
    وأرجـو مـن الله فـي كل آنٍ *** ومـن كـل قـلبيَ أن تنعمـا
    فأنت حبيبي وأنت صديقي *** وأنـت نـصـيريَ أن ُأظلمـا
    وفـيـك الأُخـُوّةُ تثمر نـوراً *** وفـيـك الـودادُ كغـيثٍ همى
    مـصيري مصيُرك حلواً ومرّاً *** كـلانـا إلـى المَكرُمات انتمى
    قـضـى الله أنّ الرباطَ العظيمَ *** ربـاطَ الـعـقيدة ، ما أكـرما
    يـشـد الأواصـر بين العبـادِ *** ويحيي القلوب بشرع السما
    ويـنـشـئ جـيلاً قوياً عزيزاً *** يـطـاول فـي العـزة الأنجما
    ويـقـتلع الكفـر من جُحـره *** وفـي الله يـبـذل غالي الدِّما
    أراك عـلـى البعد مهما نأيتَ *** بـهـذي الـحـيـاة ليَ التوأما
    وأشـقـى إذا شمتُ فيك هواناً *** حـمـاك الإلـه ومـا أرغمـا
    وتـرتاح نفسيْ إذا عشتَ حراً *** وتـسعـدُ روحيَ أن تغـنمـا
    وأنـت الـشفاء لجرحي السقيم *** وكـنتَ لـه دائمـا بلسـمــا

    أخوك عثمان
     


    رمضانيات (6)
    أنت والصديق
    اختارها د: عثمان قدري مكانسي


    - في الجامع الصغير عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " للمسلم على المسلم ستّ بالمعروف : يُسلّم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويُشمّتُه إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويَحضُر جنازتَه إذا مات ، ويحب له ما يُحب لنفْسه ." خصال رائعة جمعت مقوّمات الحب والود في المجتمع الإسلامي بكلمات نبويّة بليغة .
    - ومن الكتاب الأدبيّ القيّم " عيون الأخبار " – ولك أيها القارئ أن تراجع مصدر الأحاديث وتطّلع على صحتها سنداً ومتناً ، فنحن نقتبس من كتاب أدبي ليس غير ، وسوف أنأى عن الموضوعات منها بإذن الله تعالى - أن عائشة رضي الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أَعِن أخاك ظالماً أو مظلوماً ، إن كان مظلوماً فخذ له بحقّه ، وإن كان ظالماً فخذ له من نفْسه " .
    - وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه " إذا آخَيتَ أخاً فلا تُمارِه ( لا تجادله ) ولا تُشارِه ( لا تغاضبه ) ، ولا تسأل عنه ( لا تسأل عن أخلاقه أحداً ممن لا تثق به ) فعسى أن توافق عدواً فيخبرك بما ليس فيه ، فيفرّق بينكما ".أقول : إن كثرة الجدال والمغاضبة تفسد الودّ وتفرّق الأحباب ، وإدخال الغريب ذي الأغراض بين الخلان يشتت شملهم .
    وقد قال النَمر بن تولب في هذا المعنى :
    جزى الله عنا حمزة بن نَوفل --- جزاء مُغـِلّ بالأمانـة كـاذبٍ
    بما سألَتْ عني الوشاةَ ليكذبوا --- عليّ وقد واليتُها في النوائبِ
    والإغلال : الخيانة . ولا ينبغي خيانة من استشارك .
    - وقال ابن المقفّع : ابذل لصديقك دمك ومالك ، ولمعرفتك رِفدَك ومحضَرَك ، وللعامّة بِشرَك وتحيّتَك ، ولعدوّك عدلَك ، ، وضُنّ بدينك وعِرضك عن كل ّ أحد . .. إنها والله حكمة بالغة ، ونصيحة غالية من عميد الأدب ابن المقفّع .
    وكان يُقال : يُستحسن الصبر عن كل أحد إلا الصديق . .. وقال بعض الشعراء :
    إذا ضـيّقـْتَ أمـراً ضـاق جـِداً --- وإن هوّنْتَ ما قد عزَ هانا
    سأصبر عن صديقي إن جفاني --- على كل الأذى إلا الهوانا
    وأنشد أعرابي :
    أغمّض للصديق عن المساوي --- مخافة أن أعيش بلا صديقٍ
    فلا بد للحفاظ على الصديق من التغاضي عن بعض أخطائه ، ألم يقل الشاعر ابن بُرد :
    فعـِشِ واحـداً أو صِـلْ أخـاك فـإنـه --- مقـارف ذنـْب تـارة ومجـانـِبـُه
    إذا أنت لم تشرب مِراراً على القذى --- ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟!
    وأنشد شاعر في المعنى نفسه :
    إذا ما صديقي رابني سوءُ فعله --- ولم يكُ عمـّا سـاءني بمُفيـقِ
    صبرتُ على أشياءَ منه تُريبُني --- مخافة أن أبقى بغير صديقِ
    وكان يُقال : مَنْ لك بأخيك كلّه ؟ والمعنى أن الصديق بشر يصيب ويخطئ ولن تجد
    صديقاً مبرّاً من العيوب .
    وأنشد الرياشي في المعنى نفسه :
    اقبَل أخاك ببعضه --- قـَد يُقـْبـَل المعـروف نـَزراً
    واقبل أخاك فـإنـه --- إن ساء عصراً سرّ عصراً
    - قيل لخالد بن صفوان : أيّ إخوانك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يغفر زلَلي ، ويَقبـَلُ عِلَلي ،
    ويسدّ خَلَلي .
    - وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجوز ، فقال : " إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حُسنَ العهد من الإيمان " فعلّمَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفظ عهد من نحبهم ولو طال العهد عليهم ، فهذا من المروءة والإيمان . وقال إبراهيم النَخَعيّ : إن المعرفة لتنفع عند الأسد الهصور والكلب العقور ، فكيف عند الحسيب الكريم .
    - لكنَ بعض الناس يُخطئون التصرف حين يسعَون للاحتفاظ بصديق لا يستحق الصداقة ،
    فيسعى بهم – شأن الشيطان الرجيم- إلى الخطإ نفسه ، فيزلون ، ولا خير في صديق
    يقود إلى النار ، والعار والشنار .
    هذا الشاعر عمر بن أبي ربيعة ينشد في مساعدة صديقه فيقول :
    وخِلٍّ كنتُ عينَ النصح منه --- إذا نَظَرَتْ ومستمعاً سميعاً
    أطـافَ بِغَـَيّـةٍ فنهيتُ عنهـا --- وقلتُ لـه أرى أمراً شـنيعاً
    أرَدْتُ رشـادَه جَهدي فلمّـا --- أبى وعصى أتيناها جميعاً
    ففعل ما فعل اليهود حين نهوا المخطئين العاصين ثم آكلوهم وشاربوهم ، فباءوا بالعقوبة
    جميعاً .
    وهذا شاعر غاوٍ يصرح بما صرّح به ابن أبي ربيعة دون خوف من الحق ولا وجل :
    فإن يشربْ أبو فرّوخَ أشربْ --- وإن كانت مُعـًتـّقـَةً عـُقــاراً
    وإن يـأكـُل أبـو فـرّوخَ آكـُل --- وإن كانَتْ خنانيصاً صغاراً
    والخنانيص صغار الخنازير ، يُغضب ربه ليُرضي صديقه ، ولعله نسي أو تناسى قوله تعالى " ويوم يعَض الظالم على يديه ، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتى ، ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ، لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني ،وكان الشيطان للإنسان خذولاً ؟؟ " ... والشعراء يتّبعهم الغاوون فأكثرهم يهيم في متاهات الضلال كما ذكرت آية الشعراء ، إلا مَن رحم الله تعالى. عصمنا الله من الزلل ،
    ووقانا من الخطَل ، ورزقنا خير العمل ، وحسن خاتمة الأجل .
     


    رمضانيات (7)
    حُسن الخلُق ومداراة الناس
    د: عثمان قدري مكانسي


    - رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : أربعُ خلال إنْ أُعطيتَهنّ فلا يضرك ما عُدِل به عنك من الدنيا : 1- حُسْن خليقة ، 2- وعفافُ طُعمةٍ ،3- وصدقُ حديث،4- وحفظ أمانة .
    ولعمري مَن حاز هذا فقد حاز الدنيا والآخرة كلْتيهما .
    - وجاء رجل إلى وهْب بن منبّه ، فقال : إن الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه ( كثرت أخطاؤهم وحادوا عن الحق ) وقد حدّثتُ نفسي أن لا أخالطهم . فقال له وهب : لا تفعل ؛ فإنه لا بدّ للناس منك ، ولا بدّ لك منهم ، لهم إليك حوائجُ ، ولك إليهم حوائجُ ، ولكنْ كن فيهم أصمَ سميعاً ( تسمع وتتناسى ما سمعتَ) وأعمى بصيراً ( ترى أخطاءهم وتتغافل عنها ) وسَكوتاً نَطوقاً ( تتكلم في الوقت المناسب ما ينفع ) .
    - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خالطوا الناس وزايِلوهم .. ( وهذا دأب الدعاة المصلحين ، فلا بدّ من مخالطة الناس لتدعوَهم إلى سبيل الحق وتدلهم على طريق السلامة ، وتذكّرهم بالله ، مع الترفع عن الخوض فيما يسيء ويؤذي )
    - وهذا يؤيده قول أبي الدرداء رضي الله عنه : إنا لنَكشِر في وجوه أقوام ( نضحك ) وقلوبنا تَقليهم ( تـُبغضهم ) . وقال رجل لأبيه وقد رآه يتلطّف لرجل غليظ : لِمَ تجلس إلى فلان وقد عرَفتَ عداوتَه؟ قال : : أُخبي ناراً ، وأقدَحُ عن ودّ .
    وقال الشاعر المهاجر بن عبد الله الكِلابي في هذا المعنى :
    وإنّي لأُقصي المرءَ من غير بِغضة --- وأُدني أخا البغضاء مني على عمْدٍ
    ليُـحدِث وُدّاً بعد بغضـاءَ ، أو أرى --- له مصرَعاً يُردي به اللهُ من يُردي
    وقال عِقال بن شَبّة : كنت رديف أبي فلقيه جرير ، فحياه أبي وألطَفه ، فلما مضى قلتُ
    لأبي : أبَعد ما قال لنا ما قال ؟! . قال : يا بنيّ : أَفأُوَسـّع جُرحي ؟ ( يتحاشى سلاطة
    لسانه )
    وقال ابن الحنفيّة : قد يُدفعُ باحتمال المكروه ما هو أعظم منه .
    وقال الحسن البصري : مُداراة الناس نصفُ العقل .
    - وفي المأثور " أوّل ما يوضع في الميزان الخُلُق الحَسَن . " وقال " حُسنُ الخلُق وحُسنُ الجوار يَعمُران الديار ، ويزيدان في الأعمار " وقال " منْ حَسّن اللهُ خَلْقَهُ وخُلُقَه كان من أهل الجنّة " .
    - وقال ابن قتيبة الدينَوري : قرأتُ في كتب العجم : حُسن الخُلُق خيرُ قرين ، والأدب خيرُ ميراث ، والتوفيق خيرُ قائد .
    وقال : قرأت في كتاب للهند : مَنْ تزَوّد خمساً بَلـّغـَتـْه وآنَسَتـْه : 1- كفّ الأذى ، 2-
    وحُسْنُ الخُلُق ،3- ومجانبَةُ الرِّيَبِ ،4- والنبل في العمل ،5- وحُسْنُ الأدب .
    - وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه : ثلاثة من قريش أحسنها أخلاقاً وأصْبحُها وجوهاً وأشدّها حياءً ، إنْ حدّثوك لم يَكْذِبوك ، وإن حدّثْتَهم بحق أو باطل لم يُكَذّبوك : أبو بكرٍ الصدّيقُ ، وأبو عبيدة بنُ الجرّاح ، وعثمانُ بن عفـّانَ رضي الله عنهم وأرضاهم .
    قال الشاعر :
    فتىً إذا نبّهْتـَه لم يغضبِ --- أبيضُ بسّامٌ وإن لم يعجَبِ
    موكّلُ النفس بحفظ الغُيّبِ --- أقصى رفيقيه له كالأقربِ
    وقال يزيد بن الطّثَرية :
    وأبيضَ مثلِ السيف خادمِ رِفقةٍ --- أشمّ ترى سِرباً له قد تقدّدا
    كريمٍ على عِلاّتِـه ، لو تسـُبـُّه --- لفدّك رِسلاً ،لا تراه مُرَبّدا
    يجيـب بـِلَبّـيـه إذا ما دعَـوْتـَه --- ويحسب ما يُدعى له الدهرَ أرشدا
    فمن سماتُه التلبيةُ ونسيانُ أذى الآخرين مع كرم النفس وسماحة القلب جدير أن
    يكون الصديق الذي نعضّ عليه بالنواجذ
    - ومدحَ ابنَ شهابٍ شاعرٌ ، فأعطاه ، وقال : من ابتغى الخيرَ اتّقى الشرّ .
    فمن أكرمتـَه اتقاء شرّه وتخلّصاً من أذاه شيطان رجيمٌ ، ومارد خبيثٌ .
     


    رمضانيات (8)
    الزيارة والتلاقي
    د: عثمان قدري مكانسي


    روى عثمان بن سودة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً ناداه مناد من السماء : أن طبتَ وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً " فهي دعوة من نبي الحب والود إلى المسلمين والبشرية جمعاء أن يتقاربوا ويتزاوروا ، فَرَبّ السماء سبحانه يجزيهم الحياة السعيدة في الدنيا والمنزلة الرفيعة في الدار الباقية .
    وكان يُقال : "امش ميلاً وعُد مريضاً ، وامش ميلين وأصلح بين اثنين ، وامش ثلاثة أميال وزُرْ أخاً في الله " . وهذه حكمة تدعو للقاء المثمر للأخوة ، الداعم للصداقة . والمسلم عنوان البر والإيجابية في الحياة ، فما أجمل أن تزور مريضاً وأن تصلح بين المتخاصمين وأن تنشئ علاقة طيبة مع أخ لك في الله؟! .
    وما أجمل قول علي بن الجهم في الصحبة والزيارة :
    أبلغْ أخاً ما تولّى اللهُ صحبَتَنا --- أنّي وإن كنتُ لا ألقـاه ألقـاهُ
    وأن طرفيَ موصول برؤيته --- وإنْ تباعد عن مثوايَ مثواهُ
    الله يعـلـم أنـي لســت أذكـُره --- وكيف أذكرُه إذ لستُ أنسـاهُ
    فصحبته في الله باقية سواء لقيه أم غاب عن ناظره ، إنّ قلبه موصول به متعلق برؤيته ، وإنه دائماً معه في كل آن .
    وفي هذا المعنى يقول أحدهم : قد جمعتنا وإياك أحوالٌ لا يُزري بها بعدُ اللقاء ، ولا يُخِلّ بها تنازحُ الديار .
    ويعتبر سهل بن هارون أن من روعة الحياة أن تلتقي من يمتاز بشمائل عالية وأخلاق سامية :
    وما العيشُ إلا أنْ تطول بنائل وإلا لقاء المرء ذي الخلق العالي
    ويروي ابن قتيبة أنه قرأ في كتب حكماء الهند أن ثلاثة أشياء تزيد في الأنس والثقة : 1- الزيارة في الرحل ( مكان الإقامة ) 2- والمؤاكلة ، 3- ومعرفة الأهل والحشم ( أن يتعرف أهلك على أهل المزور فتزداد الألفة وتتوثق الصداقة ) .
    وكتب رجل إلى صديقه يستحثه على الوصال : مثـَلـُنا – أعزّك الله – في قرب تجاورنا وبُعد تزاوُرنا ما قال الأوّل :
    ما أقرب الدار والجوار وما --- أبعد مع قـُربـِنا تلاقينـا
    وكل غفلة منك محتملة ، وكل جفوة مغفورة ،للشغف بك والثقة بحُسْن نيّتك ، وسآخذ بقول أبي قيس :
    ويُكرمها جاراتُها ، فيزُرْنها --- وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعتذر
    وفي هذا المعنى كتب أحدهم إلى أخيه يستزيره : طال العهد بالاجتماع حتى كِدنا نتناكر عند اللقاء ، وقد جعلك الله للسرور نظاماً ، وللأنس تماماً ، وجعل المَشاهدَ موحشة إذْ خلَتْ منك .
    ولعل الرجل يهوى لقاء من يحب ومن يستفيد منه ، ألم يقل بشار بن بُرد في هذا :
    يسقط الطير حيث تلتقطُ الحـَـــــــــبَّ وتُغشى منازل الكرماء
    فالإنسان يأوي إلى من يرتاح له فائدةً مادية أو معنوية ، يقول الشاعر في هذا :
    تثاقلْتُ إلا عن يد أستفيدُها --- وزَورةِ ذي وُدّ أشدّ به أزري
    وقال رجل لصديقه : قد تصدّيت لقائك غيرَ مرّة ، فلم يُقضَ ذلك . فقال له الآخر : كل بر تأتيه فأنت تأتي عليه ( تصله وتنال خيره ) .
    ولعل والودّ والتفاهم يزيد في الآصرة ويُقوّي العلاقة خاصة إذا كان الرجلان متماثلين ، وقد أنشد الشاعر في هذا المعنى بيتين لطيفين فقال :
    أزور محمّداً ، وإذا التقينا --- تكلـّمَتِ الضمـائـر في الصـدور
    فأرجع لم أَلُمْه ولم يَلُمني --- وقد رضي الضمير عن الضمير
    لكنّ كثرة الزيارات وطول الزيارة يبعث الملل والقـِلى في النفوس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " زُرْ غِبـّاً تزدَدْ حبـّاً " . وقد وصف الأصمعي صاحباً له فقال : كان يكره الزيارةَ المُمِلّة ، والقعدة المُنسِيَة . وقد أنشد شاعر :
    إذا شئتَ أن تـُقلى فَزُر متتابعاً --- وإن شئتَ أن تزداد حباَ فزُرْغِبـاً
    وأنشد آخر بيتين ممتلئين حكمة وأدباً ، فقال :
    أَقلِلْ زيارتـَك الصديــ --- ــــقَ يراك كالثوب استَجَدّه
    إنّ الصـديـق يُمِلـّــه --- ألاّ يـزال يــراك عنــده
    وقد أخطأ الشاعر فلم يجزم جواب الشرط ، ولو وضع ( يجدْك ) بدل يراك لاستقام الوزن والمعنى .
    إلا أن زيارة الكريم ولقاءه شفاء وراحة ، ولقاء اللئيم مرض وسقام ، وهذا ما أحسَن وصفَه شاعر متمكن ذو علم بهذين النوعين المتناقضين من الناس :
    وماليَ وجهٌ في اللئام ولا يدٌ --- ولكنّ وجهي في الكرام عريضٌ
    أصِحّ إذا لاقـَيتـُهُـم ، وكأنني --- إذا أنـا لاقـَيـْتُ الـّلئـامَ مريـضٌ
     


    رمضانيات (9)
    المعاتبة الإخوانية
    دكتور عثمان قدري مكانسي


    - قد يخطئ الصديق مع صديقه ، فهل يصرمه وينساه أو يعفو عنه ويصفح ويوجد له الاعذار أو يستعتبه فيعذر إليه تصرفه معه بعد ذلك ؟
    - يقول أبو الدرداء رضي الله عنه : " معاتبة الأخ خير من فقده ، ومَنْ لك بأخيك كله؟ " ولن تجد أخاً كامل السمات وافي الأوصاف ، والصبر على الصديق مدعاة للاحتفاظ به .
    - وقال أوس بن حارثة لولده ينصحه : العتاب قبل العقاب ( لا بد من التثبت من حقيقة الصديق وتصرّفاته قبل اتخاذ الموقف المناسب )
    - وكتب رجل إلى صديقه : الحال بيننا تحتمل الدالّة ، وتوجب الأنس والثقة ، وتبسط اللسان بالاستزادة . (ولم يكن هذا القول من فراغ إنما من شعور بالودّ يكتنف الرجلين) .
    - وقال إياس بن معاوية : خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب ، فلما كان ببعض المناهل لقيه ابن عم له ، فتعانقا وتعاتبا ، وإلى جانبهما شيخ كبير من الحي . فقال لهما الشيخ : - يحذّرهما من العتاب ويأمرهما بنسيانه – أنعِما عيشاً ، إن المعاتبة تبعث التجنّي ، والتجنّي يبعث المخاصمة ، والمخاصمة تبعث العداوة ، ولا خير في شيئ ثمرتُه العداوة .
    فقلت للشيخ : من أنت؟ قال : أنا بن تجربة الدهر ومَن بَلا تـَلـَوُّنـَه .
    قلت للشيخ : ما أفادك الدهر ؟ قال : العلمُ به .
    قلتُ له : فماذا رأيتَ أحمدَ ؟ قال : أن يُبقيَ المرءُ أُحدوثـَةً بعده .
    قلت: فلم أبرح ذلك الماء ( المكانَ) حتى هلك الشيخ وصلّيتُ عليه .
    - وكتب رجل إلى صديقه يعاتبه : ما أشكوك إلا إليك ، ولا أستبطئك إلا لك ، ولا أستزيدك إلا بك ، فأنا منتظر واحدة من اثنتين : عُتبى تكون منك ، أو عُقبى الغِنى عنك . . (وبهذا لم يظلمه إنما وضع نقاط صحبتهما على المحك ، فإما دوامها وإما الاستغناء عنها ).
    - وفي هذا المعنى قال ابن أبي فنن :
    إذا كنتَ تغضب من غير ذنْبٍ --- وتعتِب من غير جُرم عليــّا
    طلبت رضاك ، فإن عزّني --- عَدَدْتُك ميْتـاً وإن كنتَ حيـّاً
    قنِعـْتُ وإن كنـْتُ ذا حـاجـة --- فأصبحتُ من أكثر الناس شيـّاً
    فـلا تَعْجَـبَـنّ بمـا في يديـْك --- فـأكثـر منـه الـذي في يديـّا
    ( إن استعلى عليك من ظننتَه صاحباً ، فأهمله وكأنه لم يكن موجوداً أصلاً) .
    وهذا آخر يبسط المعنى نفسه بأسلوب أشدّ مضاء من السابق :
    " قد حميتُ جانب الأمل فيك ، وقطعتُ الرجاء لك ، وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك ن فإن نَزَعْتَ من الآن ، فصفحٌ لا تثريب فيه ، وإن تماديتَ فهجرٌ لا وصل بعده .
    (ولعلّي لست من هذين الرجلين فلقد رأيتُني أنسى أعزّ من ظننتُه صديقاً حين تناساني ، ولم أعاتبه ، فلا يستحق ذلك العتاب ).
    - وعاتب رجل صديقاً له عامله بغير ما يجب من الحب والودّ فقال:
    عَدَلْتَ من الرحاب إلى المضيقِ --- وزرتَ البيتَ من غير الطريقِ
    تجـود بفضـل عدلـِك للأقـاصي --- وتمنعُـه من الخِـلّ الشـــفـيــقِ
    لقـد أطـْلَقـْتَ لـي تُهَمـاً أراهـا --- ستحملني على مضض العقوقِ
    - ويؤكد هذا قول الشاعر في المعنى ذاته :
    ولا خير في قُربى لغيرك نفعُها --- ولا في صديق لا تزال تعاتبه
    (ولماذا يُسمّى صديقاً من يبيعك ويتناساك وربما يفضل غيرك عليك أو يتعمد بعد الصداقة
    تفاديك ؟.)
    - وتقول العرب لمن عوتب فلم يُعتِب ْ ( استُرضي فلم يرضَ ) .. تقول : " لك العُتبى بأن لا رضيتَ ( وهذا على وجه الدعاء بان لا رضيت أبداً ) .
    - وعاتب رجلٌ أخاً له تبيّن له بعد التجربة أنه لا يستحق الصداقة وأنه أخطأ في اختياره صديقاً له :
    تأنـّينا إفاقتَك من سُكر غفلتِك ، وترقّبنا انتباهك من وَسَن رقدتك ، وصبرنا على تجَرّع الغلظ
    فيك حتى بان لنا اليأس من خيرك ، وكشف لنا الصبر عن وجه الغَلَط فيك ، فها نحن قد
    عرفناك حقّ معرفتك ، في تعدّيك لطويل حقّ مَن غَلِط في اختيارك .
     


    إيت القوم الظالمين
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    عدت قبل قليل من صلاة العشاء والتراويح ليوم الجمعة الرابع عشر من رمضان 1430 وقد قرأ الإمام من أول سورة الشعراء ، فكان من أهم ما طرق سمعي وملأ قلبي وعقلي – والقرآن كله نور وضياء - قوله تعالى في الآيتين العاشرة وأختها من سورة الشعراء :
    " وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ ألا يَتَّقُونَ " إن في هاتين الآيتين الكريمتين بعض الأمور التربوية والدعوية ، أذكر من أهمها :
    1- أن القرآن من عند الله تعالى ، وهو – سبحانه - يخبر نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بما جرى مع النبيين قبله ومنهم موسى عليه السلام ، وما الظرف الدال على الزمن الماضي " إذ " إلا تنبيهاً ودعوة للإنصات والتفكر والتدبر ، والله تعالى يهوّن على نبيه الكريم ما يلقى من العنت والصد من قومه حين ينبئه أنه ليس بدعاً من الأنبياء والرسل الذين كذبتهم أقوامهم ، وصبروا ، فليصبر كما صبر أولو العزم منهم .
    2- ونسمع بأذن القلب والضمير نداء الله تعالى لنبيه الكريم موسى يكلفه بالتصدي للظلمة القساة الذين استعبدوا العباد ، وأكثروا في الأرض الفساد ، ولا شك أن الدعاة هم الصفوة المختارة التي أكرمها الله تعالى إذ اختارها لنشر النور والهدى في البشرية وقيادتها إلى السبيل القويم والصراط المستقيم . ومن كانت الهداية مهمته فهو أول الهداة وأسوة الإنسانية وما أعظمها من مكانة ، وما أكرمها من حظوة عند خالقها .
    3- إن كلمة " ربك " تدل على أن الذي أرسل موسى إلى فرعون ونصره هو من كلف الحبيب المصطفى بهداية الناس ، وسييسر له الدعوة وينصره على من خالفه ، ولسوف تعلو كلمة الله على يديه كما علت على يدي سلفه موسى عليه الصلاة والسلام . فالرب واحد والدعوة واحدة : لاإله إلا الله ولا معبود سواه ، رضيَ من رضيَ وكرهَ من كرهَ .
    4- من سمات الداعية المؤمن الجرأة والشجاعة ، فهو جريء بما يحمل من اعتقاد قوي وإيمان ثابت ، وشجاع لأنه على الحق ومن كان على الحق فلا يخاف أهل الباطل مهما كثُروا وكانت إمكاناتهم المادية فالله تعالى معه ، ومن كان الله معه رجحت كفته وانتصر إما بإحقاق الحق وإما بنيل الشهادة ، فالنصر الحقيقي أن يرضى الله تعالى عنا ويكرمنا بالنجاة من النار والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين .
    5- يقول الله تعال : " أن ائت القوم الظالمين " وفعلُ " ايت " يعني الاختلاط والدعوة ، ولا تنجح الدعوة مهما كانت صافية قوية وصاحبها يطل على الناس من برجه العاجي ، ويتحاشى الاختلاط بهم على زعم " التمايز" عن القوم ، إن التمايز بالاعتقاد والالتزام بما تؤمن به فتعيش بين الناس جسماً وعقلاً وتتمايز عنهم روحاً وعملاً ، إنك حين تدعو القوم لا بد أن تعايشهم وتتحسس آلامهم ، وتتعرف رغباتهم ، وتتلمس معاناتهم ، لتكون أقدر على معالجتهم من أوصابهم ، وأعلم بحالهم ، فتعرف من أين تأتيهم وتدخل قلوبهم ، أما أن تنفصل عنهم وتنقطع ، فقد جهلتَهم وأخطأت السبيل القويم لدعوتهم فكان هذا مقدمة الفشل في الوصول إلى الغاية .
    6- ولم يقل الله تعالى إئت فرعون وملأه الظلمة ، إنما قدم صفتهم التي كرهها الله منهم واكتوى الناس بنارها، إنها صفة الظلم ، فقدمها الله عز وجل ليُعرفوا بها ، وليُعرف السبب الذي بعث لأجله ذلك النبي الكريم موسى إليهم " إئت القوم الظالمين " إن الله تعالى لا يحب الظلم وأهله ، ونفى عن ذاته الجليلة هذه الصفة الكريهة المذمومة وأمر الناس أن يجتنبوها " فعن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال " يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما . فلا تظالموا ." وأشار تعالى إلى الظالمين حين قال بعد ذكر صفة الظلم " قوم فرعون " ، وما أصدق قول الشاعر إذ يقول :
    لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً --- فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
    تنام عينك والمظلوم منتبـه --- يدعو عليك وعين الله لم تنم
    وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " .
    7- ولا يكون الابتعاد عن الظلم إلا بالعدل ولا يكون العدل إلا بالتقوى ولهذا كانت دعوة موسى عليه السلام لفرعون وملئه أن اتقوا الله " ألا يَتَّقُونَ " إن السلام والأمان في الدنيا يتحققان بالتقوى ، كما أن رضاء الله والفوز بالجنة طريقهما التقوى ، والقرآن يفيض بالآيات الداعية إلى التقوى ، الباسطة ثمارها ومغانمها .. جعلنا الله من أهلها ....
     


    رمضانيات (15)
    نزهة في بديع الجِناس
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    قرأت اليوم ما تيسر من القرآن الكريم ، ثم عطفت على رياض الصالحين فعشت بين مغانيه ساعة من الزمن في باب الملاحم والفتن ، ثم رأيتني أعود في ذكرياتي إلى السبعينات من القرن الماضي وإلى مجالس الشيخ عبد الحميد كشك وخطبه التي طبّقت الآفاق أتذكر صوته القويّ الجليّ وحديثه بعد كل خطبة ، ثم رأيتني أردد جمله المشهورة ، التي يكثر فيها الجناس " إن الدنيا إذا حلت أوحلت ، وإذا كست أوكست ، وإذا جلتْ أوجلت ، وكم ملك رُفعت له علامات ، فلما علا مات " . فرأيتني أعوج إلى رياض البديع المحبب إلى النفوس " الجناس "
    فجمعت طاقة منه أقدمها هدية إلى الأحباب من أهل الأدب والفكر والثقافة والعلم .
    يقول أهل البلاغة في تعريف الجناس :
    الجناس (بكسر الجيم) : تشابه لفظين، مع اختلافهما في المعنى. وهو أضرُبٌ كثيرة ,, ولنبدأ بالجناس التام فهو سيّد الموقف .

    الجناس التام: ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة: 1- نوع الحروف، 2- وعددها، 3- وهيئتها، 4- وترتيبها مع اختلاف المعنى،
    كقوله تعالى: " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة "
    فالساعة الاولى: يوم القيامة،
    والساعة الثانية: ما نعرفه من الزمان.
    وقال تعالى : قال تعالى :
    " يكادُ سنا برقه يذهبُ بالأبصار ، يقلبُ الله الليلَ والنهار إنَّ في ذلكَ لعبرةً لأولي الأبصار"
    - ومن الأمثلة الشعرية قول الشاعر :
    فدارِهم مادمت في دارهم .
    وأرضِهم) مادمت في أرضهم .
    و(حيّهم) مادمت في (حيّهم .
    - وقول الشاعر :
    لو زارنا طيف بنت العمّ أحيانا --- ونحن في حفر الأجداث أحيانا
    - وقول الشاعر:
    عضّنا الدهر بنابه ليت ما حلّ بنا به
    - وقول الشاعر :
    إذا ملكٌ لم يكن ذاهبه فدعه ، فدولته ذاهبة
    - وقول الشاعر في رثاء بغداد حين هدمها التتار القدماء :
    إن لم تقرح أدمعي أجفاني --- من بعدِ بعدكُمُ فما أجفاني؟! .
    وقول الشاعر :
    طرقت الباب حتى كلّ متني --- فـلـمـا كـلّ متـْنـي كلّمتـْنـي
    فقالت لي أيا اسماعيلُ صبراً --- فقلت لها أيا اسما عيلَ صبري
    وقول أحدهم يتغزل بحبيبته :
    مثل الغزال نظرةً ولفتة ً --- من ذا رآه مقبلاً وما افتتنْ
    وذلك بقراءة اللفتة بالتنوين .
    وقول أحدهم :
    قبورنا تـُبنى ونحن ما تـُبنا
    ياليتنا تـُبنا من قبل أن تـُبنى
    وقول أحدهم :
    فهِمت كتابك ياسيدي --- ‏فهمت ولا عجبٌ أن أهيما
    وقول الشاعر :
    فلم تضعِ الأعادي قدر شاني --- ولا قالوا فلانٌ قد رشاني
    - وقول الشاعر :
    أحسن خلق الله خلقاً وفماً --- إن لم تكن أحقّ بالحسن فمنْ؟
    على وجوب لفظ تنوين الفم .
    - وقول الشاعر :
    إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي
    - وقول ابو الفتح البستي :
    يا من يُضيعُ عمرَه ......متمادياً في اللهو أمْسِكْ
    واعلمْ بأنك لامحالةَ.........ذاهبٌ كذهاب أمسِكْ
    و- قول مجنون ليلى :
    أقولُ لظبي مرَّ بي وهو هائمُ : ...... أأنتَ أخو ليلي ؟ فقال : يُقَالُ
    فقلت : أفي ظل الأراكةِ والغضا.......يُقالُ ويُستظلل ؟ فقال يُقَالُ
    - وقول المتنبي :
    بسيفِ الدولةِ اتسقت أمورٌ --- رأيناها مبددة النظامِ
    سما وحمى بني سامٍ وحامٍ --- فليس كمثله سامٍ وحامٍ
    - وقول ابو الفضل الميكالي :
    قد راعني بدرُ الدجى بصدوده ووكّلَّ أجفاني بـِرعيِ كواكِـبـه
    فيا جزعي مهلاً عساهُ يعود لي ويا كبدي صبراً على ما كواكِ به
    - وقول الآخر :
    سل سبيلا إلى النجاة ودع دمــــع عيوني يجري لهم سلسبيلا
    - وقول الشاعر:
    ناظِـراه فيما جنى ناظراه ....... أو دعاني أمت بما أودعاني
    - وقول غيره
    سميته يحيى ليحيا ، ولم يكن --- إلى رد أمر الله فيه سبيل
    - وقول شاعر
    قوم لوانهم ارتاضوا لما قرضوا --- أو أنهم شعروا بالنقص ما شعروا
    - وقول الشاعر
    لا تعرضن على الرواة قصيدة --- ما لم تكن بالغت في تهذيبها
    وإذا عرَضت الشعرَ غيرَ مهذّب --- ظنوه منك وساوساً تهذي بها
    - وكذلك الأبيات المشهورة بين الناس :
    رأيت الناس قد مالوا --- إلى من عنـده مالُ
    ومَن لا عنـده مال --- فعنه الناسُ قد مالوا
    رأيت الناس قد ذهبوا --- إلى من عنده ذهبٌ
    ومَن لا عنـده ذهب --- فعنه الناس قد ذهبوا
    رأيت الناس منفضـّة --- إلى من عنده فضـة
    ومَن لاعنده فضـّـة --- فعنه الناس منفضـّة
    - وقول الشاعر :
    و كنّا عِظاماً فصِرنا عِظاماً وكنّا نَقوتُ فها نحنُ قوتُ
    - وقول الشاعر:
    إذا ملك لم يكن ذا هبه .......... فدعه فدولته ذاهبـة
    - وقول الشاعر :
    وكم لجباهِ الراغبين إليه .......... من مجالِ سجودٍ في مجالس جودِ
    - وقول الشاعر :
    رأيته يضرب الناقوس قلت لــه --- من علـّمَ البدرَ ضربـــاً بالنواقيس
    وقلت للنفس أي الضرب يؤلمكِ --- ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي
    - وقول الامام الشافعي
    رأيتـُكَ تكويني بِميسـم مِنـة --- كأنك كنت الأصل في يوم تكويني
    فدعني من المَنّ الوخيم فبلغة ٌ --- من العيش تكفيني الى يوم تكفيني
    - وقول الشاعر :
    أوصى لي البين أن اشقى بحبكم فقطّع البيّن أوصالي وأوصى لي
    - وقول أحدهم : يجلس في الصدر واسعُ الصدر.

    أما الجناس الناقص فأنواع متعددة :
    واقرأ معي قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .
    فاختلفت الكلمتان ناضرة وناضرة بحرف واحد .

    وإليك مثالاً آخر على الجناس الناقص :
    قال البهاءُ بن زهير :
    أشـكو وأشــكرُ فعـْلـه --- فاعجـْب لشـاكٍ منه شاكرْ
    طرفي وطرفُ النجم فيــ ---ـــــــه كلاهما سـاهٍ وساهرْ
    ففي هذا المثال ثلاثة أمثلة للجناس الناقص لاختلاف الكلمتين بحرف واحد:
    فالأول ( أشكو وأشكر ).
    الثاني ( شاك وشاكر ).
    الثالث ( ساه وساهر ).
    -وقال غيره :
    ( رحمَ الله امرأ أمسكَ ما بين فكيه ، وأطلق ما بين كفيه ) .
    فالجناس هنا ناقص للاختلاف في ترتيب الحروف لا اختلافها في النوع.
    - ثم يأتي الجناس الناقص باختلاف ضبط الحروف
    قال عبدالله بن أحمد الميكالي :
    أنكرتُ من أدمعي تترى ( سَواكبُها) --- سلي دموعي هلْ أبكي (سِواكِ بها) ؟!
    - وكقول الشاعر :
    قد مدَّ مجدُ الدين في أيامه ......من بعض أبحر علمه (القاموسا )
    ذهبتْ صحاحُ الجوهري كأنها ... سحرُ المدائن حين (ألقى موسى )
    وليس المقصود بالمدائن هنا مدائن صالح إنما المدن التي جُمِع منها السحرةُ كلهم : " قالوا : أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين " .
    أمثلة للجناس الناقص :
    - قال تعالى :
    ( فأَمَّا اليتيمَ فلا تَقهَرْ . وأَمَّا السائلَ فلا تَنهَرْ )
    - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( غَفار غفرَ الله لها ،، وأسلم سالمها الله ، وعصية عَصت الله ) رواه مسلم .
    - وقال عليه الصلاة والسلام :
    ( الخيل معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة )
    - قيل في موت أحد الكرام حين سقط من فرسه :
    " إنا لله وانا إليه راجعون ، قتل الجوادُ الجوادَ ".
    - قال ابن النبيه :
    وتحت خيلِ القنا فرسانُ معركة ...... لها ثباتٌ وفي الهيجاء وَثـْباتُ
    - قال النابغة في الرثاء :
    فيالك من حزمٍ وعزمٍ طواهما ...... جديد الثرى تحت الصفا والصفائحِ
    وقال الشاعر :
    عباس عباسٌ إذا احتدم الوغى … والفضل فضلٌ ، والربيع ربيعٌ
    - وقال أبو نواس
    مِن بحر جودك أغترف ..... وبفضل علمك أعترف
    - وقال أحد الشعراء:
    لَيْلَى ولَيْلِي نفى نومي اختلافُهما --- في الطـُّول والطـَّول طوبى لي لو اعتدلا
    يجود بالطـُّول لَيْلِي كلما بخلت --- بالطـَّول لَيلـى وإن جادت به بخلا
    وقال أحدهم :
    ضنيت هوىً ولكنّي علوت فخرا ...... فحبكم هو إعلالي وأعلى لي
    ومن المأثور في الجناس النثري :

    إن الدنيا إذا أقبلت بلت ، وإذا أدبرت برت ، وإذا أطنبت نبت ، وإذا أركبت كبت ، وإذا حلَتْ أو حلتْ ، وإذا أبهجت هجَتْ ، وإذا أسعفت عفَتْ ، وإذا أينعتْ نعَتْ ، وإذا أكرمت رمتْ ، وإذا عاونت ونَتْ ، وإذا ماجنَتْ جنَتْ ، وإذا صالحتْ لحَتْ وإذا بالغتْ لغَتْ وإذا ولّهتْ لهَتْ ، وإذا سامحتْ محَتْ ، وإذا واصلَتْ صَلَتْ ، وإذا وفّرتْ فَرَتْ ، وإذا توّهَتْ وهَتْ ، بسطَتْ سطَتْ .:
     


    المرأة مربية وداعية
      الدكتور عثمان قدري مكانسي
     

    لكل إنسان في هذه الحياة دورٌ مهم لا يقوم به غيره ، يقول النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم - :  (( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته )) (1) .
         والنساء في الإسلام شقائق الرجال ، لهنَّ ما للرجال وعليهنَّ ما على الرجال في مجمل الأحوال إلا أموراً منوطة بالرجال وحدهم أو بالنساء وحدَهُنَّ ، ورسخ القرآن المساوة بين الطرفين في قوله تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَاكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيما ) (2) ، ونرى المساواة بين الرجال والنساء في آيات عديدة أخرى وأحاديث شريفة .
          فالمرأة في الإسلام معززة مكرمة ولن تجد مثل هذا في الشرائع المحرّفة والديانات المصطنعة ، فشريعة الله تعالى لا يرقى إلى مثلها أهواء البشر ولا شرائعهم الأرضية .
          ولها فضل في الرواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأخذ عنه مما جعل الصحابة والتابعين يروون عن كثير منهنّ الدين والأحكام ، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها روت عن زوجها الحبيب ألفين ومئتين وعشرة أحاديث ، وأم سلمة رضي الله عنها تروي عن زوجها سيد الخلق ثلاثة مئة وسبعة وثمانين حديثاً ، وكانت ذا رأي صائب ، وهي التي أشارت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية أن يحلق وينحر فيتّبعه الناس .
          ولقد كان المرأة حريصة على التزوُّد بالعلم والعمل به ، فهذه أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها أتت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في أصحابه فقالت :
          بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أنا وافدة النساء إليك ، إنَّ الله عزَّ وجل َّ بعثك إلى الرجال والنساء كافةً ، فآمنّا بك وبإلهك ، وإنّا – معشر النساء – محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ، ومقضى شهواتكم ، وحاملاتُ أولادكم ، وإنكم ـ معشر الرجال ـ فُضِّلْتم علينا في الجُمَعِ والجماعات ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، والحج ، وأفضلَ من ذلك ، الجهادُ في سبيل الله عزَّ وجلَّ ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا أثوابكم ، وربينا لكم أولادكم ، أفلا نشارككم في هذا الأجر ؟
         فالتفت النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أصحابه بوجهه كله ، ثم قال :
         هل سمعتم بمقالة امرأة قط أحسن من مسائلها في أمر دينها من هذه ؟ فقالوا : يا رسول الله ؛ ما ظننا أنَّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا . فالتفت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم ـ إليها فقال : (( افهمي أيتها المرأة وأعلمي مَنْ خلفك من النساء أنّ حسن تبعُّلِ المرأة لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعَها موافقتـَه يعدل ذلك كله )) . فانصرفت وهي تهلل (3) وروت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم ـ واحداً وثمانين حديثاً ، وروى عنها جِلّةٌ من التابعين ، وشهدت أسماء بنت يزيد هذه معركة اليرموك وقتلت يومئذ تسعةً من الروم بعمود خبائها ، رضي الله عنها .
          والصحابيات اللواتي طلبن الحديث الشريف وروينه كثيرات اهتممن كذلك بتعليمه أبناءَهن وأبناء المسلمين . وكانت الصحابيات يسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ أمورهُنَّ ليكنَّ على صواب في تصرُّفاتهن ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه ما في قصة بريرة وزوجها قال : قال لها         النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : (( لو راجعتِه ؟ )) قالت : يا رسول الله ، تأمرني ؟ قال : (( إنما أشفع )) قالت : لا حاجة لي فيه (1) . فحين علمت أن تدخُّلَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للشفعة وليس أمراً منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعودة إلى زوجها أنِفَت الرجوع إليه .
           وهذه أسماء رضي الله عنها بنت الصديق رضي الله عنه  تقول للنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ     ـ وهي تنشد التصرّف السليم ـ حين قدمت أمها عليها ، وهي كافرة ! قدمت عليَّ أمي وهي راغبة ، أفأصلُ أمي ؟ قال : (( نعم صلي أمك )) (2) .
          وينطلق المسلمون من أطراف الجزيرة قاصدين مكّة حاجّين مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويلتقي ركب منهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( بالرَّوحاء )) وهو مكان قرب المدينة المنورة ، آمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون أن يروه ، فيقول النبي ـ صلى الله عليه   وسلم ـ : (( مَن القوم )) ؟ قالوا : المسلمون ، فقالوا : مَنْ أنتَ ؟ قال : (( رسول الله )) ، فرفعت إليه امرأةٌ صبيّا فقالت : ألهذا حج ؟ قال ((نعم ولك أجر)) (3) فكان سؤالها وجوابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دافعاً للمسلمين أن يعوِّدوا أبناءهم منذ الصغر مناسك الإسلام وشعائره حتى يتمثلوها في حياتهم ثوابتَ يعملون بها ، لا يحيدون عنها .
          ويخطب فاطمةََ بنتَ قيسٍ رجلان هما أبو الجهم ، ومعاويةُ ، فتحتار أيُّهما تختار ؟ ولتقف على خبريهما تنطلق إلى الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ تستفتيه فيهما ، وتعرف أمرهما ، فهو       ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولُ الله ، ولن يخذلها . . . قالت : إن أبا الجهم ومعاوية خطباني ؟ ولا تقول أكثر من هذه الجملة ، ويعرف الأريبُ ، النبيهُ ، المعلّم ، الناصح ، ماتريد . فيقول : (( أما معاويةُ فصعلوك (4) لا مال له ، وأما أبو الجهْم فلا يضع العصا عن عاتقه )) (5) (( ضرّابٌ للنساء)) . . . هاتان إذاً أبرز صفتين في الرجلين ، إن شاءت اختارت أحدهما وإن شاءت رغبت عنهما ، ثم ينصحها أن تتزوج أسامة بن زيد رضي الله عنهما .
          وتروي أم المؤمنين زينب رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل عليها فزعاً يقول:  (( لا إله إلا الله . . . ويل للعرب من شرِّ قد اقترب ، فتح اليوم ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه )) وحلّقَ بإصبعيه الإبهام والتي تليها ، فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟! قال : (( نعم إذا كثر الخَبَثُ )) (6) .
         فينبغي أن يكون الصالحون مصلحين ، أما إذا كان موقفهم سلباً ، ونشط المفسدون يهدمون الأمّة، وحقّ عليها العذاب فأوّل ما يُبدأ بهؤلاء الذين انزوَوا ، ولم يَدْعوا إلى الله تعالى وتركوا المجال للمفسدين ينخرون في المجتمع وينشرون فيه الفساد ، ونسُوا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) وقوله تعالى :  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (7) . . .  نعم . .  نهلك وفينا الصالحون إذا كثر فينا الخَبَثُ .
         وكثيراً بل اكثر من الكثير أن ترى المرأة لا تفهم للحجاب معنى ، وإن كانت محجّبةً بل قلْ : تخمّر رأسها وتلبس قميصاً وبنطالاً ، وكأن إخفاء الشعر هو الحجاب !! أما الكحل ، وطلي الوجه بالألوان والأصباغ وتحميرُ الشفاه فلا علاقة له بالحجاب !! أما القميص والسراويل فهي ضيّقة جداً لا تظهر من جسد المراة سوى هضابها ووهادها ومرتفعاتها ومنخفضاتها ، وترسم للعين المتفجِّعة ما خَفِي رسماً واضحاً ! فأي حجاب هذا وأي ستر هذا الستر ؟
    وغالب النساء ومعهم كثير من الرجال لا يرون مانعاً أن تنظر المرأة إلى الرجل في الأحوال العادية دون حرج ،لأنه الطالب وهي المطلوبة ، وكأن الرجل وحده مأمور بغض البصر! ونسوا أنَّ الله تعالى يأمر الجنسين أن يغضوا من أبصارهم قال تعالى : ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . . ) (1) إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ــ كان مع زوجتيه أم سلمة وميمونة رضي الله تعالى عنهما فأقبل ابن أم مكتوم بعد أن أمرت النساء بالحجاب ، فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( احتجبا منه )) فقالتا : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ، ولا يعرفنا ؟ فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه !؟ )) (2) .
         فالحجاب إذاً غضُّ البصر إضافة إلى الستر وإخفاء محاسن المرأة . وهذا أدعى إلى الحشمة والعفاف ، وهذا لا يناقض ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها : (( رأيتُ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ــ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد .  . )) (3) . فقد كانت صغيرة تحب اللعب والنظر إليه ، كما أنه يجوز للمراة أن تخرج للسوق والمسجد متنقّبة لئلا يراها الرجال .
         كما أن كثيراً من النساء يجهلن أنّ عورة المرأة إلى المرأة كعورة الرجل إلى الرجل ، فلا ينبغي أن تنظر المرأة إلى جسد امرأة أخرى فترى منها إلا ما تحت ركبتها وفوق سرتها . . . ولأن درهم وقاية خير من قنطار علاج وجّه النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ــ عناية الرجل والمرأة إلى ذلك فقال : (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المراة في الثوب الواحد )) (4)(5) فالمرأة المسلمة المربّية تعي خطورة الانزلاق ، وتبتعد عن خطوات الشيطان .
          والمرأة المسلمة ترى حياتها في الإسلام وسعادتها في العمل بما يرضي ربها ، وتدعو إلى الله على بصيرة ، وتجد راحتها في بناء بيت إسلامي دعائمه التقوى وأساساته الإخلاص ، هذه أم سُليم بنت ملحان بن خالد مجاهدة جليلة ذات عقل ورأي ، أسلمت مع السابقين إلى الإسلام ، وبايعت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فغضب زوجها مالك بن النضر غضباً شديداً من إسلامها ، وقال لها : أصبَوْتِ ؟ قالت : ما صبوتُ ولكنّي آمنت بهذا الرجل .  .  ثم جعلت تلقّن ابنها أنساً وتشير اليه بقولها : قل : لا إله إلا الله ، قل أشهد أنَّ محمداً رسول الله ، فكان مالك يقول لها : لا تفسدي عليَّ ابني، فتقول : لا أفسده .
          ثم خرج زوجها إلى الشام فلقيه عدو فقتله ، فلما بلغها قتله قالت : لا أفطم أنساً حتى يدع الثديَ وكان ابنها أنَسٌ غلاماً حدثاً .  . هذه المرأة يخطبها أبو طلحة وهو مشرك ، فتقول له : يا أبا طلحة ، ما أعيب فيك شيئاً فنعم الرجل أنت ، ولكنّك مشرك تعبد الأصنام فيعود إليها عارضاً عليها مهراً مغرياً فتقول : يا أبا طلحة ألست تعلم أنَّ إلهك الذي تعبده حجر لا يضرك ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجار فينجرها لك ، هل يضرّك ؟! هل ينفعك ؟! أفلا تستحي من عبادتك هذه ؟ فإن أسلمت فإني لا أريد منك صداقاً غير إسلامك! . . . لا تريد أن يكون زوجها من ذوي الأموال والأطيان فكل ذلك زائل ، إنها تريده من أصحاب الإيمان والتقوى وأهل الهدى والرشاد . .  ويقع الإسلام في قلبه فينطق بالشهادتين ، فتتزوجه ويكون إسلامُه صداقـَها (6) .
           امرأة داعية مربية كهذه حريصة كل الحرص على مرضاة زوجها ، روى ابنها أنس قال : كان لأبي طلحة طفل يشتكي ( مريض ) فخرج أبو طلحة لبعض أعماله ، فقـُبض الصبيُّ ، فلما رجع قال : ما فعل ابني؟ قالت أم سُليم ـ وهي أم الصبي ـ هو أسكن ما كان ، فظنّ أن ابنه شُفي فاطمأن ، فقرّبت إليه عشاء فتعشّى ، ثم تصنّعت له وتزيّنت أحسن ما كانت تتصنّع وتتزيّن ، فوقع بها ، فلما رأت أنه قد شبع ، وأصاب منها قالت : يا أبا طلحة أرأيتَ لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ، فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا . قالت : فاحتسب ابنك ، فغضب أبو طلحة ثم قال : تركتني حتى تلطخت (1) ثم أخبرتني بابني ، كيف فعلت ذلك ؟ فلما هدأ أو كاد قالت : واروا الصبيَّ .
        فلما أصبح أبو طلحة أتى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فشكا له ما فعلت أم سُليم ، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أعرّستمُ الليلة؟ )) قال : نعم ، قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ داعياً : (( اللهم بارك لهما )) فحملت من تلك الليلة وولدت غلاماً .
       قال أبو طلحة لأنس : احمله حتى تأتي به النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ وبعث معه بتمرات ـ ولا يرضعه أحد حتى تغدوَ على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فحمله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيديه الشريفتين ومضغ التمرات ، ثم أخذها من فيه ، فجعلها في فم الصبي ، ثم حنَّكه وسمّاه عبدالله  .
       قال أحد التابعين ـ ابن عيينة ـ : رأيتُ من أولاد عبدالله المولود تسعةََ أولاد ، كلهم قد قرأوا القرآن(2) .
         فأم سُليم امرأة تعرف أنَّ ما قدّر الله كائن ، فلم تلطُم ، ولم تُوَلْوِلْ ، واحتسبت ولدها ، وقلبها في غاية الحزن ، وحاولت التخفيف عن زوجها في مصابهما بولديهما ، فعوّضهما الله ولداً صالحاً وذريّة صالحة ، ولم ينكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صنيعها ، إنما خفـّف عن زوجها ودعا لهما أن تكون ليلةً مباركة ، وكان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بلسماً ، وكانت أم سليم مثالاً يُقتدى في الصبر وحُسن التصرّف .
         والمرأة الداعية المربية لا تكون كذلك إلا إذا تسلَّحَت بالإيمان والتقوى .
        1ـ فعزفَتْ عن الحياة الدنيا وبهرجها ، وعلمت أن الدنيا فانية ، فلم تعمل لها إلا بما يبلغها منازل الآخرة تلك الدار الباقية . .  قال الشاعر :
    قارف الدنيا بثوب  ---   ومن العيـش بقوت
    واتخذ بيتـاً خفيفــاً ---  مثل بيت العنكبوت
        قالت عائشة رضي الله عنها :قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من سفر،وقد سترت سهوة (3) لي بقرام (4) فيه تماثيل ، فلما رآه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هتكه ، وتلوّن وجهه وقال :     (( يا عائشة : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله )) (5) .
        فماذا نقول نحن الآن وقد امتلأت بيوتنا بالتماثيل والرسوم على الجدران والطنافس ، وأصبح اقتناء مثل هذه الأمور أمراً دالاً على الحضارة والتقدم !!؟
         2ـ وقامت الليل فصلَّت وسألت الله عزَّ وجلَّ الهداية والعفو والغفران ، وسألته من خيره وفضله وكانت خير شريك وصاحب لزوجها تامره بالمعروف وتنهاه عن المنكر .
          قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( رحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء . رحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء )) (6) .
          فكم من أمثال هؤلاء يفعل ذلك اليومَ ، وكم نسبتُهم إلى من يقوم الليل على القنوات الفضائية يتابعون الأفلام الخليعة ، والتمثيليات الهابطة ، والرقصات الماجنة ، والأغاني الصفيقة ، والسهرات التافهة ، فإذا ما أذن الصبح بانبلاج غطُّوا في سبات عميق لا يعرفون صلاة فرض ولا قيام نفل ... وكان صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا أيقظ الرجل اهله من الليل ، فصليا . . أو صلى ركعتين جميعاً كتبا من الذاكرين والذاكرات )) (1) .
         3ـ وآتـَتْ زكاة مالها وتصدَّقت على الفقراء والمساكين ، وساعدت زوجها بمالها إن كان فقيراً ، فهو أبو أولادها ، والمعروفُ مع الأقربين أولى . . هذا ما فعلته زينب زوجة عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما حين سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( تصدَّقن يا معشر النساء ، ولو من حُليِّكُن )) فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقالت : إنك رجل خفيف ذات اليد (2) وإنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمرنا بالصدقة ، فأتِه ، فاسألْهُ إن كانت صدقتي إليك وإلى أولادك تجزئ عني (3) وإلا صرفتها إلى غيركم . قال عبدالله : بل ائتيه أنت ، فانطلقَتْ ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاجتُها كحاجة زينب ، وكانت مهابةُ رسول الله     ـ صلى الله عليه وسلم ـ تملأ القلوب ، فخرج عليهما بلال فقالتا له : ايتِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاخبره أن امرأتين بالباب تسألانك : أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما ، وعلى أيتام في حجورهما(4) ؟ ولا تخبره من نحن . فدخل بلال على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( من هما ؟ )) قال بلال : امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أي الزيانب هي ؟ )) قال : امرأة عبدالله ، فقال رسول الله      ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لهما أجران : أجر القرابة ، وأجر الصدقة )) (5) .
         فماذا تقول باللواتي يسرفن ، ويكثرن الطلب ، ويحملن أزواجهن ما لهم به طاقة ، وما ليس لهم به طاقة .
         ماذا تقول باللواتي يشتكين من قلة أثوابهن وخزائنُهن ملأى بالجديد الغالي ، ولا يعبأن أيأتيهن ما يطلبن من حلال أو حرام ، ويكثرن التزاور مفتخرات بما يلبسن ويتحلّين ، فإذا نبّهتهُنَّ إلى ذلك قلن : هكذا تفعل النساء ولا قدرة لنا على مخالفة ما يفعلن . . نسأل الله العافية .
        4ـ وصامَت تبتغي الأجر من الله وتعوّد نفسها تحمُّلَ المشاق ، والصبر على الجوع والعطش ، فتتذكر الفقراء المحرومين ، والأسر البائسة ، وتشعر بشعورهم ، فتعمل ما وسعها العمل على التخفيف عنهم ، ومساعدتهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً .
         زار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم عُمارة الأنصارية رضي الله نها ، فقدّمت إليه طعاماً ، فقال : (( كُلي )) فقالت : إني صائمة ، فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إنَّ الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرُغوا )) ، وربما قال : (( حتى يشبعوا )) (6) وما أجمل دعاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين زار سعد بن عبادة ، فجاء بخبز وزيت ، ولم يكن لديه اللحم مرصوصاً فوق الأرز ، ولا أنواع الحلوى التي يشبع لرؤيتها الناظرون قبل أن يأكلوا ، أكل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبه ولم يأنفوا من خبز وزيت . ودعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهل البيت قائلاً : (( أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلَّت عليكم  الملائكة )) (7) .
        5ـ وَوَصَلََتْ رحمها ، وتقرَّبت إليهم ، وأكرمتهم إن استطاعت ، فمَن أكرم أقاربه كان أقدر على إكرام الآخرين ، ومن أحسن إلى أرحامه سهَّل الله له إكرام مَن دونهم ، والنبع يروي ما حوله ثم يصل إلى ما بَعُد .
         فعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة (1) ولم تستأذن النبيَّ        ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلما كان يومُها الذي يدور عليها فيه ، قالت : أشعَرْت يا رسول الله أني أعتقدتُ وليدتي؟ قال : (( أوَ فَعَلْتِ ؟)) قالت : نعم . قال : (( أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك )) (2) .
         فعلى الرغم أن العتق من أفضل القربات كانت صلة الرحم ، والإحسانُ إليهم أعلى فضلاً وأجزل مثوبة .
         وقد مرَّ بنا قبل صفحات برُّ أسماء ذات النطاقين بأمها المشركة .
        6ـ وصَدَقَتْ في قولها وفي فعلها ، فلم تدَّعِ ما لم يكن ، ولم تفخر بما لا ينبغي ، ولم تسئ إلى مشاعر الآخرين وإن سابقتهم ورغبت أن تكون خيراً منهم ، إن المنافسة سمة من سمات الإنسان ، ولكن يجب أن تكون في الحق وبالحق ، وإلا كانت خداعاً ومكراً لا يليق بالمسلم أن يتصف بهما ، ألم يقل الله سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (3) و (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (4) .
         كذلك روت أسماء رضي الله عنها أنّ امرأة قالت : يا رسول الله إنَّ لي ضَرّة (5) فهل عليَّ إن تشَبَّعْتُ (6) من زوجي غير الذي يعطيني ؟ فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( المتشبّع بما لم يُعط كلابس ثوبَيْ زور )) (7) .
        فهي تريد أن تظهر أمام ضرَّتها أن زوجها يفضلها عليها ، ويميل إليها ، فيعطيها ما لا يعطي الأخرى، لتكيدها وتؤذي مشاعرها ، فبماذا شبهها النبي ُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن فعلت ذلك ؟ إنه  ـ صلى الله عليه وسلم ـ صوَّر هذه الفعلة الشائنة بمن يتزيَّا بزيّ أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليغتر به الناس ، وهو غير ذلك .
        7ـ وتوكَّلََتْ على الله ولجأت إليه في العسر واليسر ووصلت حبلها بحبله فكانت أهلاً للأسوة الحسنة والقدوة الطيبة ، فاستنَّ الناس بسنَّتها ، واقتدوا بسيرتها .
         وقد حدثنا النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قصة هاجر أم إسماعيل عليه السلام ، فقد جاء إبراهيم    ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت الحرام ، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعها هناك ، ووضع عندها جِراباً فيه تمر ، وسقاءٌ فيه ماء ، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً ، فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيئ ؟ فقالت ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آللهُ أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذاً لا يضيّعنا ، ثم رجعت .
         جواب رائع ، رائع ، يدلُّ على عظيم الإيمان بالله سبحانه ، وجميل التوكل عليه ، والرضا بقضائه ، فهو سبحانه خيرٌ حافظاً ، وهو أرحم الراحمين .
        
    وقال الملك الذي حفر بجناحه زمزم : (( لا تخافوا الضيعة فإن ههنا بيتاً يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإنّ الله لا يضيّع أهله )) (1) . نعم إن الله لا يضيّع أهله .
         فإن فعلت تلك التي تندرج تحت سمة التقوى كانت امرأة صالحة مصلحة ، ودرجت في مرابع الإيمان ، وكانت حَرِيّة أن تبني جيلاً عظيماً وأمّةً ثابتة الأركان ورجالاً يبنون بسواعدهم المؤمنة وعقولهم الراجحة مجد أمتهم . نسأل الله ذلك .
     
    -------
    (1)  رواه البخاري برقم ( 893 ، 2409 ، 2554 ، 5200 ) ، ومسلم برقم ( 1829 ) وغيرهما .
    (2)  الأحزاب : 35 .
    (3) نساء فاضلات ص 62 لعبد البديع صقر
    (1)  رواه البخاري برقم ( 5283 ) ، وابن ماجه برقم ( 2075 ) ، والدرامي برقم ( 2292 )  .
    (2)  أخرجه البخاري برقم ( 2620 ، 3183 ) ، ومسلم برقم ( 1003 ) ، وأحمد برقم ( 26399 ) ، وأبو داود برقم ( 1668 ) وغيرهم .
    (3)  رواه مسلم برقم ( 1336 ) ، وأحمد برقم ( 1901 ) ، وأبو داود برقم ( 1736 ) وغيرهم .
    (4)  الصعلوك : الفقير .
    (5)  رواه مسلم برقم ( 1480 ) ، وأحمد برقم ( 26782 ) ، وأبو داود برقم ( 2284 ) وغيرهم .
    (6)  رواه البخاري برقم ( 3346 ، 3598 ، 7059 ، 7135 ) ، ومسلم برقم ( 2880 ) ، وأحمد برقم ( 26867 ) وغيرهم .
    (7)  التحريم : 6  .
    (1)  النور :  31  .
    (2)  رواه أحمد برقم ( 25997 ) ، وأبو داود برقم ( 4112 ) ، والترمذي برقم ( 2778 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وانظر       المشكاة  برقم ( 3116 ) .                                                                                                                                    
    (3)  رواه البخاري برقم ( 455 ، 5236 ) ، ومسلم برقم ( 892) ، وأحمد برقم ( 24805 ) وغيرهم .
    (4)  أي خشية الوقوع في فاحشة اللواط للرجل مع الرجل ، وخشية الوقوع في فاحشة السحاق للمرأة مع المرأة .
    (5)  رواه مسلم برقم ( 338 ) ، وأحمد برقم ( 11207 ) .
    (6)  من كتاب نساء فاضلات ص 65 ـ 66 بتصرف .
    (1)  تلطخت : تقذّرت بالجماع .
    (2)  رواه البخاري برقم ( 5470 ) ، ومسلم برقم ( 2144 ) ، وأحمد برقم ( 12454 ) .
    (3)  السهوة : الصفّة تكون بين يدي البيت ، مقدمة البيت ، ولم يكن للبيوت أبوابٌ توصَدُ ، وإنما هي عتبات يستأذن الإنسان أهل البيت قبل أن       تطأ قدماه عتبة الدار.                                                                                                                                                  
    (4)  القِرام : ستر رقيق يوضع في عتبة الدار يمنع العين من استراق النظر .
    (5)  رواه البخاري برقم ( 5954 ) ، ومسلم برقم ( 2107 ) ، وأحمد برقم ( 23561 ) وغيرهم .
    (6)  أخرجه أحمد برقم ( 7362 ، 9344 ) ، وأبو داود برقم ( 1308 ) ، والنسائي برقم ( 1610 ) ، وانظر : المشكاة برقم ( 1230 ) .
    (1)  أخرجه أبو داور برقم ( 1309 ) ، وابن ماجه برقم ( 1335 ) ، وانظر : المشكاة برقم ( 1238 ) .
    (2)  قليل المال . . .
    (3)  تجزئ عني : تقوم مقام الصدقة على الآخرين .
    (4)  هنَّ اللواتي يربينهم وهنّ أمهاتهم .
    (5)  أخرجه البخاري برقم ( 1466 ) ، ومسلم برقم ( 1000 ) ، وأحمد برقم ( 15652 ، 26508 ) ، والنسائي برقم ( 2583 ) وغيرهم .
    (6)  رواه احمد برقم ( 26926 ) ، والترمذي برقم ( 785 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
    (7)  رواه أبو داود برقم ( 3854 ) بإسناد صحيح .
    (1)  الوليدة : الأَمَةُ ، ملك اليمين .
    (2)  رواه البخاري برقم ( 2592 ) ، ومسلم برقم ( 999 ) ، وأحمد برقم ( 26277 ) ، وأبو داود برقم ( 1690 ) .
    (3)  الإسراء : 36 .
    (4)  ق : 18 .
    (5)   امراة الزوج الأخرى بفتح الضاد .
    (6)  الذي يُظهر الشبع وليس بشبعان ( الإدعاء بما ليس كائناً لتكيد ضَرَّتها ) .
    (7)  رواه البخاري برقم ( 5219 ) ، ومسلم برقم ( 2130 ) ، وأحمد برقم ( 26381 ) ، وأبو داود برقم ( 4997 ) .
    (1)  أخرجه البخاري برقم ( 3364 ) .
     



    رمضانيات (17)
    لا تقصص رؤياك على إخوتك
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    بدأ الإمام صلاة التراويح بسورة يوسف عليه السلام ، وكان صوته مريحاً ، فلم يكن صوته جميلاً ولا قبيحاً لكنّ تلاوته كانت جيدة وقراءته هادئة ، لهذا قلت إن صوته كان مريحاً ومما يزيد في راحة النفس أن مكبر الصوت يملأ المسجد دون جلبة أوضوضاء .
    قلت في نفسي وأنا أدخل المسجد : لعل الله يرزقني فكرة أدندن حولها في خواطري الرمضانية إذ لم أكن قررت الفكرة التي أدور حولها ليوم الغد . فلما قرأ الإمام قوله تعالى " يا بنيّ ؛ لا تقصص رؤياك على إخوتك " قلت في نفسي – فقد كنا في الصلاة ولا يجوز الكلام فيها بغير الصلاة – جاءت الخاطرة فلا بدّ من إنضاجها . ولعل القارئ يشاركني اليوم الحديث عنها ، ويقدح زناد فكره فيها ، فهلمّ إلى ما يفتح الله بها علينا من خير نحن نحتاجه جميعاً :
    1- لا بد من صدر حنون ذي خبرة في الحياة يسدد خطوي ويشاركني همومي – إن صح أنها هموم – أو يشاركني خواطري وتفكيري حين ألجأ إليه أستعين بمشورته وخبرته . وسيدنا يعقوب عليه السلام أيده الله بالحكمة وسداد الرأي وفهم الحياة ، فقد عركها وذاق حلوها ومرّها ، وهو نبي ابن نبي وحفيد أبي الأنبياء ، والله سبحانه وتعالى يلهمه الصواب ، ويسدده بالوحي ، ثم إنه الأب الحاني والصدر المشفق ، والوالد المحب ، فنِعم المستشار هو لولده يوسف عليهما السلام .
    2- لا بد من الحذر والحيطة في كل الأمور ، ولا ينبغي للسر أن يتجاوز صدر صاحبه إلا إلى الأمين ، وإلا شاع وعرفه القاصي والداني ، كما أن لكل منا خصوصية يحتفظ بها ، ويخفيها عن الآخرين ولو كانوا من المقرّبين . والأب يهمس في أذن ولده " يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ."
    3- ولكنّ الأخ – عادة - محب ويود لأخيه الخير والسعادة والهناء ، فلماذا يحذر الأب ابنه من إخوته ؟! لا شك أن الأمر خطير إن عرفه إخوته فسوف يحسدونه ، ويكيدون له . إن هذه الرؤيا بشارة بالنبوّة التي تهفو لها نفوس الإخوة جميعاً فأبوهم نبيّ ، ولا بد أن يرثه في النبوّة واحد أو اثنان أو أكثر ، والجميع يحرصون على ذلك ، وليس الكل أهلاً لهذه المكانة العظيمة . وسيزداد الكره ليوسف حين تتجاوزهم هذه المكانة – وهم الكبار – إلى يوسف الفتى الصغير ، لا شك أن الله يختار من يشاء ويصطفي من يريد لدعوته ، ولكن هل يعي الجميع هذا الأمر ويرضونه ؟ أم تراهم يكيدون ليوسف ويأتمرون به إيذاء وإقصاء؟ هكذا فكر بعضهم ثم نفّذه جميعهم ، والله – سبحانه - يفعل ما يشاء .
    4- " لا تقصص رؤياك على إخوتك ، فيكيدوا لك كيداً " ونلاحظ فعل الكيد يتبعه المفعول المطلق ليصف نفسية إخوة يوسف وما فيها من الحسد والبغضاء لمن يعتبرونه سلبهم أمراً يظنونه من حقهم " الله أعلم حيث يجعل رسالته " والإيمان الناقص إذا خالطه حقد وحسد دفع بصاحبه إلى التصرف المشين والحمق البيّن . ، والأب يعرف أبناءه وشدة مكرهم ، ويعلم أيضاً أن الله يحفظ عباده الصالحين ، إلا أنه لا بد من الحذر وأخذ الحيطة على مبدأ " اعقلها وتوكل " فالتوكل وحده نقص واضح ، والعقلُ دون توكل أكثر نقصاناً .
    5- ومن الذي يدفعهم إلى الكيد الشديد لأخيهم ؟ إنه الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين إلا من عصمه الله وحفظه ، إنه الشيطان الذي أقسم بالله ليحتنكَنّ ذرية آدم وليضلنّهم وليزرعَنّ البغضاء في قلوبهم فهو عدوّهم الأول في هذه الحياة " إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين " إنه مَن أخرج أباهم من الجنّة وحمل على عاتقه أن يأخذ من استطاع منهم إلى النار .
    6- وهل يقدر الشيطان أن يفعل ذلك مع أبناء الأنبياء ؟! وقد ربّى يعقوب أبناءه على الإسلام والإيمان ؟ ألم يوصِ هذا الأب أبناءه أن يكونوا مسلمين ويحيَوا مؤمنين ويموتوا على ذلك " ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ : يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين ، فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون " ألم يعاهدوه وهو على فراش الموت أن يعبدوا الله وحده " أم كنتم شهداء إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون " بلى لقد عاهدوه بعد أن تعلموا الدرس واعترفوا بخطئهم أمام يوسف في مصر واعتذروا له وأنهم كانوا خاطئين وسألوا أباهم أن يستغفر لهم ذنوبهم .
    7- وليس شرطاً أن يكون أبناء الأنبياء والصالحين مثلهم فالهداية من الله ، فهذا قابيل قتل أخاه هابيل حسداً ، وهذا ابن نوح يدعوه أبوه عليه السلام أن يؤمن ويركب معه سفينة النجاة ، فأبى واستكبر وقال بلهجة الجاحد المعاند : " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " وتنكب طريق الهداية فكان من المغرقين أهل النار .
    8- والحياة علمتنا أن الإخوة قد يكون بعضهم أشد عداوة لبعض من الآخرين ، فكم من بيوت هّمت وكم من دماء للإخوة أريقت بأيدي إخوانهم لمال أو أرض أو امرأة أو منصب أو جاه .
    فلا بد أيها الأحباب من الحذر والحيطة ، ولا بد أن يحفظ الإنسان سرّه ، ولا بد أولاً وأخيراً أن يسأل الله تعالى العون والهداية " فالله خيرٌ حافظاً ، وهو أرحم الراحمين "

     


    رمضانيات (18)
    من شمائل سيد الخلق
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    كلامه صلى الله عليه وسلم
    كان صلى الله عليه وسلم :
    1- (أفصح خلق الله ) فهو صلى الله عليه وسلم من قريش وربّي في بني سعد وقال : " أنا أعرب العرب ولا فخر " يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه – جوانب فمه .
    2- (وأعذبهم كلاما ، وأحلاهم منطقاً ) وتأتي العذوبة والحلاوة من جمال الصوت وحسن الأداء وعدم التكلف وكون الكلام خارجاً من القلب ، وقد قالوا " ما خرج من القلب دخل القلب وما خرج من اللسان لم يتعدّ الآذان " حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ، ويشهد له بذلم المحب والشانئ.
    3- (وأسرعهم أداء ) فما كان صلى الله عليه وسلم يتلكأ في حديثه أو يتأتئ بل كان الحديث ينساب من فمه كأنما يقرأ من كتاب .
    4- ( يتكلم بكلام فصل يحفظه من جلس إليه ) فقد كان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلام ثلاثاً ليُعقل عنه وما كان يسرد الحديث كسردنا له ، لو أرادّ العادّ أن يعدّه لعدّه .
    5- ( يتكلم بجوامع الكلم ) فكلامه صلى الله عليه وسلم فصل لافصول في المعنى البسيط ، ولا تقصير في المعنى الجليل – وهذا يسمى مراعاة مقتضى الحال ، وكان يكلم المرء بما يفهم منه .
    6- (وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ) فالسكوت تفكر وتدبر ، والكلام فيما ينبغي حِكم وعظات وعبر .
    7- ( ولم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً ولا صخّباً ) وهذا دليل عظمة المرء وشدة تقواه ، ولا ريب أن رسول الله سيد المتقين . وكان إذا كره الشيء عًرف في وجهه صلى الله عليه وسلم .

    ضحكه صلى الله عليه وسلم
    وكان جل ضحكه التبسم بل كله التبسم ، وهذا دليل الاتزان وقد يضحك فتبدو نواجذه ( أضراس العقل ) ولم يكن ضحكه بقهقهة ولا رفع صوت .

    بكاؤه صلى الله عليه وسلم
    كان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت ،ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويسمع لصدره أزيز . وكان بكاؤه :
    1- رحمة للميت وخوفا على أمته وشفقة عليها وهو الرحيم بأمته الشفوق عليها ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما : " للأنبياء منابر من ذهب ، فيجلسون عليها – قال : ويبقى منبري ، لا أجلس عليه ولا أقعد عليه ، قائم بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقول الله عز وجل : يا محمد ما تريد أن نصنع بأمتك ؟ فأقول : يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم ، فيحاسبون ، فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، فما أزال أشفع حتى أعطي صكاكا برجال ، قد بعث بهم إلى النار ، وحتى إن مالكا – خازن النار – يقول : ما تركتَ للنار لغضب ربك في أمتك من نقمة " رواه ابن خزيمة في التوحيد الصفحة أو الرقم: 598/2 من موقع الدرر السنية .. فانظر إلى هذه النعمة المهداة والرحمة المسداة صلوات الله وسلامه عليه .اللهم اجزه عنا خير الجزاء يا رب العالمين .
    2- ومن خشية الله و عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحبٌ للخوف والخشية . ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود قوله تعالى :" فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وبكى لما مات عثمان بن مظعون وبكى لما كسفت الشمس وبكى في صلاة الكسوف الكسوف وجعل ينفخ ويقول " رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك " وكان يبكي في صلاة الليل .
    اللهم إننا نحبك ونحب نبيك الرؤوف الرحيم فاحشرنا في زمرته في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله ، وأدخلنا بشفاعته جنتك وأكرمنا – على ضعفنا وتقصيرنا- فإنك أكرم الأكرمين ؛ يا رب العالمين .
     


    رمضانيات (19)
    المرأة التقيّة
      الدكتور عثمان قدري مكانسي
     

     أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حافلة بذكر المرأة التقيّة التي تنأى بنفسها عن التبذُُّل ، وتلتزم بأمر الله ورسوله وتنتهي عما يُغضب الله تعالى ، وتحاول أن تتمثَّل السمات الخيّرة ، وتقواها ينعكس على البيت رحمة وسعادة ، وعلى المجتمع صفاءً ونقاءً ، وعلى الحياة صلاحاً وإصلاحاً . . ألمْ يقل الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ؟))(1)
    ألمْ يوصِ الزوج المؤمن بامرأته المؤمنة خيراً (( لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر )) (2) .
         وفي حجة الوداع قال : (( ألا واستوصوا بالنساء خيراً . . )) (3) .
         وها أنا أقدّم صوراً من النساء التقيات في أحاديثه صلى الله عليه وسلم .
          ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في النفر الثلاثة الذين باتوا في الغار ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فتوسّلوا إلى الله تعالى أن ينجّيهم فذكروا صالح أعمالهم ، يقول الثاني منهم : (( اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحبَّ الناس إليَّ ـ وفي رواية ـ كنت أحبُّها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فأردتُها على نفسها ، فامتنعت مني حتي ألَمَّت بها سَنةُ من السنين ، فجاءتني فأعطيتُها عشرين ومئة دينار على أن تُخلّيَ بيني وبين نفسها ، ففعلت ، حتى إذا قدرتُ عليها ـ وفي رواية ـ فلما قعدت بين رجليها قالت  : اتّق الله ، ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه . . . )) (4) ، فقد كانت تقيّة لم تمكنه من نفسها ابتداءً فلما ضعفت لفقرها ـ وكاد الفقر أن يكون كفراً ـ اضطرت إلى ما طلب ، وذكّرَته بالله وتقواه ، وهزت فيه المشاعر الإيمانية وأن عليه ـ إن أرادها ـ أن يتزوجها حلالاً ولا يقع عليها زنا ، فارعوى وتاب إلى الله تعالى فكان لها الفضل الأكبر عليه ـ حقيقة ـ في انفراج شيء من الصخرة يوم سدَّت باب الغار .
         وهذه المرأة الجُهَنيّةُ زلَّتْ فوقعت في الزنا وهي مُحصنةٌ ثم ذكرت الله فتابت وأنابت وجاءت إلى رسول الله     ـ صلى الله عليه وسلم ـ تريد أن يرجمها فيطهّرها .  . جاءته حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله إني أصبتُ حدّاً ، فأَقِمْه عليَّ ، فدعا النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليَّها فقال : (( أحسِنْ إليها ، فإذا وضعَتْ فأتني )) ، ففعل فأمر بها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فَشُدَّتْ عليها ثيابُها ، ثم أُمِرَ بها فَرُجِمت ، ثم صلّى عليها ، فقال له عمر : تصلّي عليها يا رسول الله وقد زنتْ؟! قال : (( لقد تابت توبةً ، لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجَدْتَ أفضلَ من أن جادت بنفسها لله عزّ وجلَّ ؟)) (5) .
              دفعةٌ إيمانيّةُ قويّةُ دفعتها إلى التطهُّر ، واختيار الآجلة على العاجلة ، ولو لم تكن ذات إيمان قويّ ما آثرت الموت رجماً ، ولعلَّ قائلاً يقول : فلماذا زنت وهل يفعل ذلك إلا ضعيفُ الإيمان مهزوزُه ؟! ، فأقول : قد يضعف الإنسان فيقعُ في المحظور ، لأنه خُلِقَ من ضعف ، ويَزِلُّ ، لأنه خُلق من عَجَل ، ويضل لحظةً لأنه ناقص ، لكنَّ بِذرة الإيمان حين تنمو في قلبه شجرةً باسقةً وارفةََ الظلال تُظهر معدِنه الأصيلَ ، ويقينَه المتينَ ، وهذا ما جعلها تسرع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسأله أن يطهِّرها ، وجادت بروحها ابتغاء مرضاة الله ورحمته وغفرانه .
         وما أروع ما قالته السيدة هاجر رضي الله عنها زوج إبراهيم وأم إسماعيل عليهما السلام حين تبعت زوجها ـ بعد أن وضعها وابنها في وادٍ غير ذي زرع ومضى ـ تكرر على مسامعه (( يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيئ ؟)) وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت : له : (( آلله أمرك بهذا ؟ )) قال : (( نعم )) . . قالت [ والإيمان رفيقها ، والتسليم لقضاء الله غايتُها ، والاعتماد عليه سبحانه وتعالى رائدها ] : (( إذاً لا يضيِّعنا )) (6) نعم ، إنِّ الله لا يضيِّع عباده الصالحين . ألم يعوّض الله سبحانه وتعالى الرجل وزوجته في سورة الكهف بخير ممن قُتِل ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) ) ؟ !! (7) .
         ألم يحفظ الله تعالى صاحب الكنز ـ الرجل الصالح ـ في ولديه حين أمر صاحبَ موسى أن يبني الجدار من جديد ، فيثبته حتى يكبر ولداه فيأخذا كنز والدهما ؟
    ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) (8) .
         ومن بعض سمات المرأة التقيّة التي ذكرت في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنها :
        1ـ تصبر على لأواء الدنيا وما ابتلاها به الله فيها لتدخل جنة عرضها السموات والأرض .
         فقد روى عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس رضي الله عنهما : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ فقلتُ بلى ، قال : هذه المرأة السوداء أتت النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : إني أُصرَع(9) ، وإني أتكشَّفُ ، فادع اللهَ تعالى لي (10) ، قال : (( إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة ، وإن شئتِ دعوتُ الله تعالى أن يعافيكِ )) فقالت : أصبرُ . . . فقالت : إني أتكشّفُ ، فادع الله أن لا أتكشَّف ، فدعا لها(11) .
         رضيتْ هذه المرأة المؤمنة التقيّة ببلاءٍ يصاحبها حياتَها الفانية على أنّ لها الجنة . . وقد ربح البيع ، فكانت من أهل الجنة ، ولكنّها أَنِفَتْ ـ وهكذا التقوى ـ أن تتكشّف فيرى الناس من عورتها ما لا يليق بالمرأة المسلمة المحتشمة التقيّة ، فماذا نقول لهؤلاء الكاسيات العاريات اللواتي يتفنَّنَّ في إبداء محاسنهنّ ويجهدن في خلع برقع الحياء ، وفي التعرّي ، إلا من ورقة التوت ، إن كان هناك ورق التوت . .  
         2ـ وهذه أم سلمة رضي الله عنها زوج النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسمعه يقول : (( مَن جرََّ ثوبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) (12) فقالت أم سلمة : فكيف تصنع النساء بذيولهنَّ ؟ قال : (( يرخين شبراً )) ، فقالت : إذاً تنكشف أقدامُهُنّ . قال : (( فيرخينه ذراعاً ولا يزدن )) (13) ... لله درّك يا أمَّ المؤمنين !! لله درّك يا أم سلمة ، لستِ من أهل الخيلاء ولا التكبُّر ، فلا يجوز إسبال الثوب إلى الأرض . . ولكنَّ نساء المسلمين حَيِِيات عفيفات ، طاهرات شريفات ، لا ينبغي أن تُرى أقدامُهُن ، وثيابهن لها ذيول يجررنها على الأرض وراءهن ، فلا يرى الرجال منها شيئاً . . ماذا يصنعن بعد أن سمعن حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ !! تسألين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عسى أن يجد حلاًّ لذلك ، فيسمح لَكُنَّ أن ترخين الذيل شبراً ، فترين هذا قصيراً ، وتخشين ظهور باطن القدمين ، فيقول لكي أَرْخي ذيلك ذراعاً ولا تزيدي . . . لكنَّ النساء في عصرنا ، عصرِ المدنيّة والحضارة !! يرخين الذيل إلى (( أعلى )) أقصى ما يستطعن ، خوفاً عليه من البلل وأنْ يغبَرَّ ، لو استطعن لخلعنه ، أسوة بالكوافر العواهر ، وتتعجبين !! . . فيَجِدْنَ ألفَ مبرِّر للتعرِّي والتفسُّخ ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ورجالهُنَّ ليس فيهم من الرجولة إلا الاسم ، يمشون إلى جانبهن ، يحملون قرون الاستشعار ، ولا يبالون . فقد ذهب الحياء .
    يعيش المرء ما استحيا بخير  ---     ويبقى العودُ ما بقيَ اللـحاءُ
    فلا والله مـا في العيش خيـر   ---     ولا الدنيا ، إذا ذهب الحياءُ
         3ـ وتلتزم المرأة بخلق الإسلام ، والمجالس بالأمانات ، وأعراض النساء أعراض الرجال .
          هذا ابن مسعود رضي الله عنه يروي عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( لا تباشر المرأةُ المرأةَ ، فتصفَها لزوجها ، كأنه ينظر إليها )) (14) فإنْ فعلت فإنه هَتْكٌ لأعراض الناس ، وتحريكٌ لكوامن الشهوة عند الرجال ، وفضحٌ لأسرار البيوت إلا إن كانت تريد أن تخطب فتاةً له ، وهي لن تفعل فالضَّرَّة مُرّة . ولن تفعل الأختُ إن كانت مؤمنة تقيّة لأنها تعلم الحياة ديناً ووفاءً ، فقد توصَفُ هي الأخرى من حيث لا تدري .
         4ـ وقد حدّد النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغبة الرجال في زواجهم من النساء في أربعة أنواع فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ، عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( تُنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين ، تربت يداك )) (15) .
         ولا أعلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا على أحد إلا في مواطن معدودة ، منها ما ورد في هذا الحديث ، وكأنه عليه الصلاة والسلام يدعو على مَنْ يختار أحد الأنواع الثلاثة الأولى دون المرأة ذات الدين أن لا يوفِّقه الله في حياته ، فينقلب كل ما يفعله هباءً لا قيمة له ، فصار كل ما يلمسه تراباً ، ولعله يدعو عليه بالفقر ـ والله أعلم ـ .
          فالمرأة ذات الدين تعرف حقَّ زوجها عليها فبِيَدِه جنتُها لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أيُّما امرأة ماتت ، وزوجها عنها راض دخلت الجنّة )) (16) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : (( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) (17) .
         ولأنَّ المرأة الصالحة تعرف حقَّ زوجها عليها فهي تعرف أن مخالفتها إياه ينتج عنه إثم كبير ، فقد قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه (18) فلم تأته ، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح )) (19) .
         ومن حقه عليها أن لا تؤدي النافلة إلا بإذنه لقول النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((لا يحلُّ لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه (20) ولا تأذن في بيته إلا بإذنه )) (21) .
         5ـ وترغب أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما أن تبرَّ والدتَها الكافرة ، ولكن لا بدَّ من استئذان النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، خوفَ أن يكون استقبالها لأمها وهي كافرة غير مقبول ، فيجيبها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن تقول له : قدِمَت عليَّ أمي وهي راغبةٌ ، أفأصِلُ أمي ؟ قائلاً : (( نعم صِلي أمك )) (22) فَصِلةُ الأرحام أصْلٌ في المجتمع الإسلامي ، يدعو إليه الإسلام ، ويحضُّ عليه ، ويرفع الله صاحبه في عليين ، وهذا ما يصبو إليه كل مسلم تقي .
         6ـ وقد عرفت المسلمات الأوائل أنَّ الصلاة صلة بين العبد وربه ، أفلح فيها الخاشعون ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) (23) .
         فكنَّ يقمن الليالي متبتلات خاشعات ، وعرفن أنّ من أفضل الزاد إلى الآخرة ، والزاد الذي يعين على إيصال الدعوة إلى الناس هو الصلاة التي تهب صاحبها قوة وعزيمة على مقابلة الصعاب وتخطّي الشدائد ، وأن قيام الليل من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى حيث يقول جلَّ وعلا مخاطباً الداعية الأول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) (24) ويمدح من قام الليل : ( كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) (25) .
         وقد روى أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل المسجد ، فإذا حبل مشدود بين ساريتين من سواري المسجد فقال : (( ما هذا الحبلُ )) قالوا : هذا حبلٌ لزينب (26) إذا فترت تعلقَتْ به ، قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(( حُلّوه ، ليُصَلِّ أحدُكم نشاطَهُ ، فإذا فتر فليقعد ))(27) إذاً فقد كانت النساء المؤمنات يشددن على أنفسهن ابتغاء مرضاة الله تعالى ، وقد أمرهنّ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكلفن أنفسهن طاقتهن ، فخير العبادة ما دام وإن قلَّ ، ونحن نعلم أن نساء العصر ملأن أوقاتهن ليلاً ونهاراً بأمور الدنيا ، فلا أقلَّ أن يركعن ركعتين في جوف الليل يغالبن فيها الشيطان ، فخير الأمور أوسطها . و (( هلك المتنطعون )) (28) قالها الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثاً .
         7ـ ومن الالتزام الرائع بهدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما فعلته كلٌّ من أم حبيبةََ وزينبَ زوجتي النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ امتثالاً لأمر النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين مات أبو سفيان ابن حرب أبو أم حبيبة ، وعبدالله أخو زينب رضي الله عنهم جميعاً ، فماذا فعلت المرأتان العظيمتان بعد موت قريب كلَّ منهما بثلاثة أيام ؟! تقول كلٌّ منهما بعد أن دعت بالطيب ، ومَسَّتْ منه : أما واللهِ ، وما لي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول من على المنبر : (( لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً )) (29) .
         هكذا يكون الالتزام ، وهكذا تكون التقوى .
     
    -----------------
    (1)   رواه مسلم برقم ( 1467 ) ، وأحمد برقم ( 6531 ) ، والنسائي برقم ( 3232 ) وغيرهم .
    (2)   رواه مسلم برقم ( 1469 ) ، وأحمد برقم ( 8163 ) .
    (3)   رواه الترمذي برقم ( 1163 ) وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه ابن ماجه برقم ( 1851 ) ، وانظر : آداب الزفاف ص 270 .
    (4)   أخرجه البخاري برقم ( 2215 ، 2272 ، 2333 ) ومسلم برقم ( 2743 ) ، وأحمد برقم ( 5937 ) .
    (5)   رواه مسلم برقم ( 1696 ) ، واحمد برقم ( 19360 ، 19402 ) ، وأبو داود برقم ( 4440 ) وغيرهم .
    (6)   رواه البخاري برقم ( 3364 ) .
    (7)   الكهف : 80 ، 81 .
    (8)   الكهف : 82 .
    (9)   أُصرع : يصيبها الصَّرَعُ فتقع على الأرض غائبة عن الوجود ، ويخرج من فمها الزبد ، وقد تتصلّبُ أطرافها ، وقد تتحرك متقلبة على الأرض .
    (10) ادع الله لي أن يشفيني من الصرع .
    (11) رواه البخاري برقم ( 5652 ) ، ومسلم برقم ( 2576 ) ، وأحمد برقم ( 3230 ) .
    (12) لا ينظر إليه نظرة رحمة لأنّه متكبر .
    (13) أخرجه الترمذي برقم ( 1731 ) ، والنسائي برقم ( 5336 ) ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
    (14) رواه البخاري برقم (5240) ، وأحمد برقم (3659 ،4179 ، 4393) ، وأبو داود برقم (2150) ، والترمذي برقم (2792) وغيرهم .
    (15) أخرجه البخاري برقم ( 5090 ) ، ومسلم برقم ( 1466 ) ، وأحمد برقم ( 9237 ) ، وأبو داود برقم ( 2047 ) وغيرهم .
    (16) أخرجه الترمذي برقم ( 1161 ) ، وابن ماجه برقم ( 1854 ) ، والحاكم برقم ( 7328 ) ، وانظر: المشكاة برقم ( 3256 ) .
    (17) أخرجه الترمذي برقم ( 1159 ) ، وانظر : المشكاة برقم ( 3255 ) .
    (18) كناية عن الجماع ، وهو أدب من آداب الإسلام الرائعة .
    (19) أخرجه البخاري برقم ( 3237) ، ومسلم برقم ( 1436 ) ، وأحمد برقم ( 9379 ، 9865 ) ، وأبو داود برقم ( 2141 ) وغيرهم .
    (20) صيام النافلة ، أما صيام الفرض فلا يستأذن الزوج فيه .
    (21) رواه البخاري برقم ( 5192 ، 5195 ) ، ومسلم برقم ( 1026 ) ، وأحمد برقم ( 27405 ) .
    (22) أخرجه البخاري برقم ( 2620 ، 3183 ) ، ومسلم برقم ( 1003 ) ، وأحمد برقم ( 26399 ) وأبو داود برقم ( 1668 ) وغيرهم .
    (23) المؤمنون : 1 ، 2 .
    (24) الإسراء : 79 .
    (25) الذاريات : 17 .
    (26) هي أم المؤمنين زينب بنت جحش تكنى أمَّ المساكين لكرمها وجودها رضي الله عنها .
    (27) رواه البخاري برقم ( 1150 ) ، ومسلم برقم ( 784 ) ، وأحمد برقم ( 11575 ، 12504 ) ، وأبو داود برقم ( 1312 ) وغيرهم .
    (28) رواه مسلم برقم ( 2670 ) ، وأحمد برقم ( 3647 ) ، وأبو داود برقم ( 4608 ) .
    (29) رواه البخاري برقم ( 1282 ، 5334 ) ، ومسلم برقم ( 1486 ) ، وأحمد برقم ( 26225 ، 26226 ) ، وأبو داود برقم ( 2299 ) وغيرهم .
     


    رمضانيات (20)
    " إيتوني به أستخلصه لنفسي"
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - رأى الملك رؤيا عجيبة ، سبع بقرات عجاف يأكلن سبع بقرات سمان ، وسبع سنبلات يابسات يأكلن سبع سنبلات خضر، فسال أولى العلم عن تأويل ما رأى فاعتذروا قائلين " أضغاث أحلام ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " وما ينبغي لمن لا يدري أمراً أن يدلي بدلوه فيه . فكانوا صادقين فيما أجابوا ، وهذا دأب المستشار الأمين ، يقول ما يعرف ويسكت عما يجهل ، وكثيراً ما كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى عالم المدينة يجيب عن سؤال أحدهم : لا أدري ، ويعقب قائلاً : نصف العلم لا أدري .
    - وهنا يتذكر ساقي الملك الذي كان أحد اللذَين استفتيا يوسف عليه السلام في السجن لحلم رآه أنّ يوسف قال له " اذكرني عند ربك " – الملك – فنسي الأمر سبع سنوات ، ثم تذكر الصديقَ يوسفَ ، فأخبر الملك بقصته وأنه يستطيع أن يفسر الرؤيا فأرسله الملك إلى يوسف عليه السلام يستفتيه في ذلك ، فيجيبه يوسف عليه السلام : إن سبع السنوات القادمة فيهنّ خير كثير ينبغي أن يُحتفظ بجُلّ خيرهنّ لسبع سنوات تليهنّ شديدات يأكلن الأخضر واليابس ، ثم يعود الخير في السنة الخامسة عشرة . وهنا يودّ الملك أن يتعرّف على المفسّر القابع في السجن ليجعله من بعض خدمه كما فعل بالساقي نفسه ،فقال " إيتوني به "
    - فهل اغتنم الصدّيق يوسف عليه السلام هذه الدعوة ليخرج من السجن بعفو ناقص لا يعطيه حقه ولا يبرئه من الظلم الذي وقع عليه ؟ وليظلَّ في أعين الناس رجلاً حاول ان يعتدي على شرف من آواه في بيته وعامله معاملة الابن ؟! إنه إنْ فعل ذلك فقد أثبت التهمة عليه مدى الحياة ، ولن يستطيع بعد ذلك أن يقوم بواجب الدعوة بين أناس ينظرون إليه بريبة وشك ، وكيف يصدّقونه فيما يدعوهم إليه وهو متّهم بأخلاقه مشكوك بصدقه ؟! فلن يخرج من السجن إلا بريئاً يمشي بين الناس مرفوع الرأس طاهر الثوب يعلم الجميعُ أنه ظُلم تلك السنوات الطويلة وأنه كان مثال الأخلاق الكريمة والسيرة العطرة ، فقال للساقي " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ، إن ربي بكيدهنّ عليم " وحين تعترف النساء بنصاعة أخلاقه وكريم شمائله ستضطر امرأة العزيز – وقد رأت نفسها وحيدة – أن تقر بذنبها وتعترف بجريرتها ، فدعا الملك النسوة مشدداً عليهنّ أن يقلن الحقيقة " ما خطبُكنّ إذ راودتُنّ يوسف عن نفسه " ولعل سائلاً يسأل : لماذا صدّق الملك دعوى يوسف بالبراءة - وهو لم يره بعدُ – فتبنّى موقفه واتـّهم النساء بمراودة يوسف ؟ والجواب : ما من رجل يرفض عفو الملك ويأبى الخروج من السجن دون تحقيق إلا إذا كان بريئاً من التهمة التي رُميَ بها ، وكان صادقاً فيما يدّعيه ومطمئناً إلى قوّة موقفه .
    - حين رأت النساء أن الملك يخاطبهنّ كمن يعرف الحقيقة أقررن بها ونفين التهمة عن يوسف عليه السلام " حاشا لله ، ما علمنا عليه من سوء " ، وهنا لم يكن لامرأة العزيز بد من أن تعترف بالحقيقة ، وتبرئ المتّهم المظلوم ، وتقر أنها المذنبة التي راودتْه عن نفسه " الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين " فلما تناهى اعترافها إلى الصدّيق يوسف وهو لمّا يزل في سجنه قال بلهجة الواثق من نفسه " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وان الله لا يهدي كيد الخائنين " فيوسف عليه السلام الذي رباه الله تعالى على عينه لا يخون من رعاه في بيته وأمِنه على عرضه وشرفه .
    - ويكبر يوسف عليه السلام بعين الملك ، فيقول " إيتوني به أستخلصْه لنفسي " . لقد قال في المرة الأولى : " إيتوني به " ، فلما عرف قدْر يوسف وعظم شأنـُه في نفسه زاد في قوله " أستخلصه لنفسي " لقد كان يريده واحداً من ضمن خدمه في المرة الآولى ، وأراده في المرّة الثانية مستشارً أميناً يُعتمد عليه في كبار الأمور وجليلها ، وقرّبه إليه ، وقال له حين التقاه وكلّمه فرأى فيه النباهة والصدق " إنك اليوم لدينا مكين أمين " إنه ذو مكانة لا تضاهيها مكانة ، مكين لأنه كريم الشمائل أمين .
    - إن من أراد أن يعلوَ بقدره بين الناس مسموعَ الكلمة عظيم المكانة فليكن صادقاً مع نفسه ، حافظاً للأمانة لطيف المعشر ، متحبباً إلى الناس ... صلى الله على يوسف الكريم ابن الكريم يعقوب ابن الكريم إسحاق ابن الكريم إبراهيم . وعلى الحبيب المصطفى محمد وعلى الأنبياء جميعاً .

     


    رمضانيات (21)
    ( ... فغفر له ...)
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - رأى موسى عليه السلام قبطياً وإسرائيلياً يقتتلان حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستغاثه الإسرائيلي – وكان أقباط مصر إذ ذاك يستذلـّون اليهود - فما كان من موسى عليه السلام – وهو شاب قويّ - إلا أن وكز القبطي فمات على فوره ، ولم يكن موسى عليه السلام يريد قتله ، لكنّ وكزته القوية كانت السبب في انتهاء أجله ،
    - شعر موسى بالحزن والأسى لأمر لم يكن يقصده ، إنه أراد أن يمنع أذى القبطي المعتدي عن الإسرائيلي ليس غير، فوجد نفسه يقتله ، فأقر أن هذا التسرع من عمل الشيطان عدوّ البشرية ، فهو يهيّج في الإنسان غضبه فيفقده السيطرة على نفسه فيرتكب أخطاءه " قال هذا من عمل الشيطان ، إنه عدوّ مضل مبين " فاستغفرربـّه نادماً من فعلته العفوية هذه : " قال ربي اغفر لي " قالها مخلصاً في دعائه واسفه ، وتوجه إليه سبحانه أن يقيل عثرته ويغفر ذنبه فجاءه الفضل من ربه سريعاً " فغفر له ، إنه هو الغفور الرحيم " .
    - إن صاحب القلب المتصل بالله إن يخطئ فيتـُبْ يقبلِ الله توبته ويقـِلْ عثرته ، ويستشعر موسى فضلَ الله عليه فيعاهده تعالى أن لا يكون ظهيراً للمجرمين ، وأن يكون معيناً للمظلومين ، " قال ربّ بما أنعمتَ عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين " .
    - عدت إلى التفاسير أستجلي الطريقة التي علم فيها موسى عليه السلام أن الله تعالى قد غفر له ، فلم تسعِفني هذه التفاسير، وبعضها أخطأ حين جعله نبياً وهو شاب مع أن النبوّة والرسالة جاءته وهو عائد من مدين مع أهله إلى مصر ، فكيف علم موسى قبل أن يصير نبياً يوحى إليه أن الله تعالى قد غفر له ؟ ! .
    - لقد كان موسى وهو فتى ثم شاب ثم رجل يعلم أنه سيكون نبياً رسولاً وأن الله تعالى رباه على عينه ، واصطفاه لنفسه " ولتُصنع على عيني " واصطفيتك لنفسي " . وقد يتساءل أحدهم كيف يعلم ولم يصِرْ نبياً بعدُ ؟ فالجواب أن أمه كانت تعلم منذ ولادته أنه سيكون رسولاً وقبل أن ترضعه الرضعة الأولى إذ أوحى الله إليها ذلك الأمر فيما نقرؤه في بداية سورة القصص : " وأوحينا إلى أم موسى أْنْ أرضعيه ، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ، ولا تخافي ولا تحزني ، إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين " فقد وعدها سبحانه أن يعيد رضيعها إليها وأخبرها أن ابنها سيكون ذا شأن في المستقبل ، إنه سوف يكون رسولاً .
    أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن في الأمم قبلنا رجالاً صالحين كانت الملائكة تحدثهم وتسدد خطاهم وتؤانسهم أما في أمتنا فليس فيها هذا الصنف . والسبب في ذلك أن الإسلام دين كامل أتمه الله علينا " اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي رضيت لكم الإسلام ديناً " فلا مجال مطلقاً لزيادة المتخرّصين ، وكذب المدّعين ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدثون فإن يكُ في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب " صحيح الجامع للألباني الصفحة أو الرقم: 4377 وعلى هذا فلا نقبل دجّالين يقولون : حدثني قلبي عن ربي ، ويعتبر نفسه موصولاً بالله يتلقى الوحي عنه بقلبه الطاهر !!! ويتقول على الله الأقاويل ، فيفتن الناس ويدلّس عليهم دينهم .
    - ومن الأحاديث التي رأينا الرجل ممن قبلنا يسمع الملائكة تتحدث ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينا رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتا في سحابة : اسق حديقة فلان . فتنحى ذلك السحاب . فأفرغ ماءه في حرة . فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله . فتتبع الماء . فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته . فقال له : يا عبدالله ! ما اسمك ؟ قال : فلان . للاسم الذي سمع في السحابة . فقال له : يا عبدالله ! لم تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان . لاسمك . فما تصنع فيها ؟ قال : أما إذ قلت هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثا ، وأرد فيها ثلثه " رواه مسلم .فعرف الرجل سبب إكرام الله تعالى لهذا المزارع المؤمن الذي يتصدق بثلث ماله على الفقراء ، ومن الأحاديث التي تظهر الملائكة تكلم المسلم فيما قبلنا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " زار رجل أخا له في قرية ، فأرصد الله له ملكا على مدرجته ، قال : أين تريد ؟ قال : أخا لي في هذه القرية ، فقال : هل له عليك من نعمة تربها ؟ قال : لا ، إني أحبه في الله قال : فإني رسول الله إليك ؛ إن الله أحبك كما أحببته "
    - أما موسى عليه السلام فقد يكون أفضل المحدّثين الذين كانت الملائكة تكلمهم وتسدد خطاهم ، سيّما أن الله تعالى هيّأه ليكون من الرسل أولي العزم . فعلم أن الله تعالى غفر له لحديث الملائكة إياه صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
     


    رمضانيات (22)
    في النساء عامّة
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك ، " ثم قال : " ما أفاد رجلٌبعد الإسلام خيراً من امرأة ذات دين ، تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في مفسها وماله إذا غاب عنها "
    - وقال الأصمعي : أخبرنا شيخ من بني العنبر قال : كان يُقال : النساء ثلاث : فهيّنة ليّنة عفيفة مسلمة تعين أهلها على العيش ولا تعين العيش على أهلها ، وأخرى وعاء للولد ، وأخرى غٌلّ قـَمِلٌ يضعه الله في عنق من يشاء ، ويفكه عمّن يشاء . والرجال ثلاثة : فهيّن لين عفيف مسلم يُصدر الأمور مصادرها ، وآخر ينتهي إلى رأي ذي اللب والمقدرة فيأخذ بأمره وينتهي إلى قوله ، وآخر حائر بائر لا يأتمر لرشد ولا يُطيع مُرشداُ
    - وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال : خير نسائكم العفيفة في فرجها ، الغـَلِمة لزوجها .
    - وقال عروة بن الزبير : ما رفع أحد نفسه بعد الإيمان بالله بمثل منكِح صدق ، ولا وضع نفسه بعد الكفر بمثل منكِح سوء .
    - وقال شاعر من بني أسد :
    وأوّل خبث الماء خُبثُ ترابه --- وأول خبث القوم خبثُ المناكح
    - وقال الأصمعي : قال ابن الزبير : لا يمنعكُمْ من تروج امرأة قصيرة قِصَرُها ، فإن الطويلة تلد القصير ، والقصيرةَ تلد الطويل ، وإياكم والمذَكّرة ( المتشبهة بالذكور ) فإنها لا تُنجب .
    - وقال أبو عمرو بن العلاء : لا أتزوج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها . قيل له : كيف ذاك؟ . قال : أنظر إلى أبيها وأمها ، فإنها تجُرّ بأحدهما .
    وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
    إذا كنتَ تبغي أيّماً بجهالة --- من الناس فانظرمن أبوها وخالها
    فإنهما منها كما هي منهما --- كـَقـَدّك نعـلاً إن أُريــدَ مثــالـُهــا
    - وقال عمر رضي الله عنه : يا بني السائب : إنكم قد أضويتم ( أولادكم ضعاف ) فانكحوا في النزائع ( الغريبات )
    - وقال الأصمعي : قال رجل : بنات العمّ أصبر ، والغرائب أنجب ، وما ضرب رءوسَ الأبطال كابن الأعجميّة .
    - كان أوفى بن دلْهم يقول : النساء أربع : فمنهنّ " مَعْمع" لها شيئها أجمع ( المستبدة بمالها عن زوجها لا تساعده ) ومنهنّ تَبع تضر ولا تنفع ، ومنهنّ صَدْع تفرّق ولا تجمع ، ومنهنّ غيث هَمِع إذا وقع ببلد أمرَع . وبعضه زاد : القرثـَع ( الجريئة البذيئة الفاحشة .
    - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ثلاثٌ من الفواقر ( الدواهي ) : جارُ مُقامة إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة نشرها ، وامرأة إن دخلَتْ لَسَنَتك وإن غبت عنها لم تأمنها ، وسلطان إن أحسنتَ لم يحمدْك وإن أسأتَ قتلك .
    - قال خالد بن صفوان : من تزوج امرأة فلـْيتزوّجها عزيزة في قومها ذليلة في نفسها ، أدّبها الغنى وأذلّها الفقر ، حَصاناً من جارها ماجنة على زوجها . وفي هذا المعنى يقول الفرزدق :
    يأنسْن عند بعولهنّ إذا خلَوا --- وإذا همُ خرجوا فهُنّ خِفارٌ
    - وقال رجل يصف من يريد الزواج بها : ابغِني امرأة لا تُؤَهّل داراً ( قليلة الضيفان ) ولا تؤنس جاراً ( قليلة الدخول على جاراتها ) ولا تنفُث ناراً ( لا تنِمّ ولا تغتاب ) .
    - وقال الأصمعي قال رجل لابن عمه : اطلب لي امرأة بيضاء ، مديدة فرعاء ( الطويلة ) ، جَعدة ( قوية الجسم متناسقة ) ، تقوم فلا يُصيب قميصُها منها إلا مُشاشة منكبيها ( رؤوس العظام ) وحَلَمتي ثدييها ورانفتَي ( أسفل ) أَليتيها ورُضافَ ركبتيها ( جلدة الركبة ) ، إذا استَلقَتْ فرميتَ تحتها بالأُترجّة العظيمة نفذَتْ من الجانب الآخر. ( وهذا لا يكون إلا لذات الخصر النحيف والعجُز الكبيرة ) . قال ابن عمه له : وأنّى بمثل هذا إلا في الجِنان؟! .
    - وعن خالد الحذّاء قال : خطبتُ امرأة من بني أسد فجئت لأنظر إليها وبيني وبينها رِواقٌ يَشِفّ ، فدعَتْ بجفنة مملوءة ثريداً ،مكللةٍ باللحم ، فأتَتْ عن آخرها ، وأتت بإناء مملوء لبناً فشربتْه حتى كفأتْه على وجهها ، ثم قالت : يا جارية ارفعي السَّجف ، فإذا هي جالسة على جلد أسد ، وإذا شابّة جميلة ؛ فقالت : يا عبد الله ؛ أنا لبوة من بني أسد ، وهذا مطعمي ومشربي ، فإن أحببت أن تتقدّم فافعل . فقلت: أستخير الله وأنظر ، فخرجتُ ولم أعُد .
    - تزوّج علي بن الحسين أم ولد لبعض الأنصار ، فلامه عبد الملك لذلك ، فكتب إليه : إن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة وأتمّ النقيصة ، وأكرم به من اللؤم ، فلا عار على مسلم . هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوّج أمَتَه ( مارية القبطية رضي الله عنها ) وامرأة عبده ( زينب بنت جحش رضي الله عنها ) . فقال عبد الملك : إن عليّ بن الحسين يتشرّف من حيث يتّضع الناس . وقال الأصمعي : كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر ، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً ، فرغب الناسُ في السراري . وقال رجل من أهل المدينة :
    لا تشتِمنّ امرأ في أن تكون له --- أمٌّ من الروم أو سوداءُ عجماءُ
    فـإنمـا أمهـاتُ النـاس أوعيـةٌ --- مسـتـَودَعاتٌ وللأحسـاب آبـاءٌ
    ورب واضحة ليست بمنجبة --- وربمـا أنجبت للفحـْل سـوداءٌ
    وقال عمر بن الوليد للوليد بن يزيد : إنك لمعجب بالإماء . قال : وكيف لا أعجب بهنّ
    وهنّ يأتين بمثلك ؟!.
    - وبلغنا أن حكيماً قال لرجل شاوره في التزوّج : افعل ، وإياك والجمال الفائق ، فإنه مرعىً أنيق . فقال : مانهيتَني إلا عما أطلب . قال : أما سمعت قول القائل :
    ولن تصادف مرعىً ممرعاً أبداً إلا وجَدْتَ به آثارَ منتجع
    وأقول : ليس هذا صحيحاً دائماً إلا إذا اعتبرنا نظر الناس إلى جمالهنّ مرعىً
    - ويُروى عن أبي ادرداء رضي الله عنه أنه قال : خير نسائكم التي تدخل قَيساً ( خطا متزنة متساوية فيها هدوء واتزان ) وتخرج مَيساً ( تبختراً وتثنّياً ) وتملأ بيتها أَقِطاً ( جبن من اللبن الحامض ) وحَيساً ( الطعام من التمر والسمن والأقط) . وشر نسائكم السلفـَعة ( البذيئة الفحّاشة قليلة الحياء ،الجريئة على الرجال ) التي تسمع لأضراسها قرقعة ، ولا تزال جاراتُها مفزّعة .
    - وقال معاوية لعقيل : أي النساء أشهى ؟ قال : المؤاتية لما تهوى . قال : فأي النساء أسوأ ؟ قال : المجانبة لما ترضى . قال معاوية : هذا والله النقد العاجل . قال عقيل : بالميزان العادل .
     


    كرم المرأة المسلمة


         أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كرم المرأة وفيرة إنْ بالحضِّ على الجود والإنفاق ، وإنْ بالمدح والثناء ، وإنْ بالإيثار على النفس وسعادتها بضيافها الأصدقاء والأحباب ، فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّهم ذبحوا شاةً (1) فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ما بقي منها ؟ )) قالت : ما بقي منها إلا كتفُها .
         قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( بقي كلُّها غير كتفِها )) (2) .
         فهو عليه الصلاة والسلام يوضح لآل بيته أن ما تصدَّقوا به بقي أجره إلى يوم القيامة ، وأن ما بقي في الدنيا فأكلوه لم يستفيدوا من أجره في الآخرة . وهذه لفتة كريمة إلى الحضّ على الصدقة ابتغاء رضوان الله سبحانه وتعالى .
         وهذه السيدة أسماء أخت عائشة رضي الله عنهما ينصحها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتصدُّق كي يزيدها الله من فضله فتقول : قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لا توكِي فيوكى  عليك )) (3) وفي رواية (( أنفقي أو انفحي ، أو انضحي ولا تُحصي (4) فيُحصي الله عليك ، ولا توعي (5) فيوعي الله عليك )) (6) فهي دعوة إذاً إلى الإنفاق فيُفيد منه اثنان :
    أـ   المنفِق في سبيل الله تعالى ، فإن الله يبارك في رزقه في الدنيا ، ويدّخر له أجره في الآخرة .
         يقول النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهمَّ أعط ممسكاً تلفاً )) (7) .
    ب ـ المنفَق عليه . فلا يبقى في المجتمع الإسلامي فقير ، ويشعر كل فردٍ في المجتمع الإسلامي غنيّه وفقيره أنهم إخوة متحابون متضامنون متكافلون ، يُعين بعضُهم بعضاً ، ويدفع بعضهم عن بعض غائلة الجوع والحرمان ، ويسعَون جميعاً إلى بناء صرح إسلامي قويِّ يكون مثالاً حيّاً للإنسانية جمعاء ، وقدوة صالحة للحياة البشرية الممتدة إلى ماشاء الله تعالى .
         وقد سألت أم سلمة ـ إحدى أمهات المسلمين (8) ـ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا رسول الله هل لي أجرٌ في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ؟ ولست بتاركتهم هكذا وهكذا (9) إنما هم بنيَّ . .  فقال : (( نعم لك أجر ما أنفقت عليهم )) (10) .
         فعلى الرغم أن عاطفة الأمومة تدفع الأمَّ إلى أن تؤثر أبناءها على نفسها فتعطيهم بأريحية وسخاء فهم أفلاذ أكبادها ، تنال الأجر والثواب حين تتصدَّق عليهم وتؤويهم وتحنو عليهم .
         وقد مرّ في موضوع (( المرأة المربية الداعية )) سؤال امرأة من الأنصار وزينب زوجة عبدالله بن مسعود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أتجزئ الصدقةُ عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( لهما أجران :
    أـ أجر القرابة .
    ب ـ وأجر الصدقة )) (11)
         وتعال معي نقرأ قصة الرجل وزوجته اللذين أكرما ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
         فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال :
         جاء رجل إلى النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال : (( إني مجهود )) (12) فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء .
         ثم أرسل إلى الأخرى ، فقالت مثل ذلك ، حتى قُلن كلهُنَّ مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلا ماء .
         فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( مَن يُضيفُ هذا اليلةَ )) ؟
         فقال رجل من الانصار : أنا يا رسول الله . فانطلقَ به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
         وفي رواية قال لامرأته : هل عندك شيء ؟ فقالت : لا ، إلا قوت صبياني . قال : علّليهم بشيء إذا أرادوا العشاء ، فَنَوِّميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فأطفئي السراج ، وأريه أنّا نأكل . فقعدوا ، وأكل الضيفُ ، وباتا طاويين (13) .
         فلما أصبح غدا على النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لقد عجب (14) الله من صنيعكما بضيفكما الليلة )) (15) .
         يأتي فقير إلى مجلس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سيّد المدينة وحاكمها ، موقناً أنه سيلقى طعاماً يملأ معدته ، فقد قرَّحها جوعه الشديد وأضعفه ، فما عاد يقوى على الحركة . أوَليس المالُ كلّه والطعام جلّه في بيوت المالكين وأصحاب القرار ، ومَن بيدهم مقاليد الأمور ؟!! لقد وقع إذاً على طِلبته ، ووصل إلى مكان راحته . .
         نعم ، لقد وصل إلى طلبته ، ومكان راحته ، لكنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس همُّه الطعامُ ولا الشرابُ ، ولم يكن يحفل بملذات الدنيا ، فما كان يوقد في بيته نار ولا يُطهى طعام إلا في أوقات متفرّقة ، وكان جلَّ طعامه الأسودان (( الماء والتمر )) كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها  (16) ، فليس غريباً ـ إذاً ـ أن يرسل إلى زوجاته يسألهن ما يملأ معدة هذا الرجل الفقير فيأتيه الردُّ : لا والذي بعثك بالحق ، ما عندي إلا الماء .
         وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين يعود من صلاة الفجر ويسأل زوجاته ما يأكله فلا يجد ، ينوي الصيام . . . فإذا لم يكن في بيوت أزواجه ما يقري به ضيفه ، التفت إلى أصحابه يسألهم مَن يُضيف ضيفَه ؟ فيلبي أحد أصحابه من الأنصار فرحاً مسروراً ، فمن يحوز مثل هذه الغنيمة ؟ إنه ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
         وينطلق الرجل بضيف رسول الله إلى بيته ، ويسأل زوجته : ما عندنا من طعام ؟ فتجيبه : ما عندنا من شيء سوى قوت الأطفال ، فأنا وأنت نصبر على الجوع ، أما الأطفال فلا يصبرون . فماذا يفعلان ؟ لا بدَّ من قرى الضيف ، ويتفتق ذهنه بخطة محبوكة ، ويُعلَّلُ الأولاد ويمنَّوْن بطعام طيب إن صبروا ، وتحاول الأم صرفهم لحظة وراء لحظة وبطرق مختلفة عن العشاء إلى أن يأخذهم سلطانُ النوم فيستسلموا له . . . وهذا ما كان ، ويدخل الضيف إذ ذاك إلى البيتِ الذي أعدَّ فيه الطعام  ليأكل ، ولأنَّ الأكل قليل لا يكاد يكفي واحداً فإن الضيف سيشعر بالخجل والإحراج . . . ولن يأكل إلا قليلاً إذ لا بدَّ أن يؤاكله أهل البيت ، فماذا يفعل الزوجان كي لا يشعر أن الطعام قليل . . ؟! فليطفأ ِ السراج ، ولا بأس أن يعتذر الزوجان بأي عذر لانطفائه ، ومن ثمَّ يجلس الرجل وامرأته يوهمان الضيف أنهما ياكلان ، فينشرح صدره ، ويملأ معدته . . . وهكذا كان . . . لقد بات أولادهما جائعين وباتا بعد ذلك جائعَين مثلهم ، وأكل الضيف ، وشبع ، ونام قرير العين .
         ويذهب الضائف والضيف كلاهما إلى صلاة الفجر حيث ينظر الرسول الكريم إلى الأنصاري نظرة إعجاب وتقدير . . . إعجاب بحسن تصرفه وزوجته ، وتقدير لكرمهما .
         أما الزوجة فقد ضبطت عاطفتها ولم ترفض عرض زوجها أن ينام أولادهما دون عشاء ، إنما كانت له خير عون في مهمّته لتحفظ ماء وجهه ، وتعينه على حسن ضيافة الرجل الفقير ضيفِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهكذا تكون المرأة الصالحة ، والزوجة الأصيلة ، لقد قاما بعمل جليل أرضى الله سبحانه وتعالى ، فأنزل ملكاً يخبر نبيّه صلوات الله عليه وسلامه برضا الملك الجليل ، وهو أعظم مكانة للإنسان أن يرضى الله سبحانه عنه ؟
         وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال :
         خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال : (( ما أخرجكما من بيتكما هذه الساعة ؟ ))  قالا : الجوعُ يا رسول الله ، فقال : (( وأنا ، والذي نفسي بيده ، لأخرجني الذي أخرجكما . قُُوما )) فقاما معه ، فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلاً . فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أين فلان ؟ )) قالت : ذهب يستعذب لنا الماء ، إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه ، ثم قال الحمد لله ، ما أحدٌ اليوم أكرمَ أضيافاً مني ، فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بُسر وتمر ورطب (17) ، فقال كلوا ، وأخذ المُدية ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :  (( إياك والحلوب )) (18) فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق ، وشربوا ، فلما أن شبعوا وَرَوُوا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : (( والذي نفسي بيده لتسألُنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم )) (19) .
         فامرأة هذا الرجل طيبة النفس ، كريمة ، تحب الضيفان ، لم تعتذر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن استقباله وصاحبيه ، بل استقبلتهم مرحّبة مؤهّلة ، واستبْقتـْهم إلى حين وصول زوجها ، وذكرت أنه لن يغيب طويلاً فقد ذهب إلى إحدى الآبار العذبة ليأتي بماء عذبة طيّبة ، وقد حان وقت عودته ، مما يجعل الضيفان يأنسون لهذه الحفاوة فلا يغادرون .
         (( إن حُسْنَ الاستقبال نصفُ القِرى إن لم يكن القِرى كلّه ، وهذا يذكرنا بالحديث الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله (20) وقد جاء فيه أن إسماعيل عليه السلام تزوج من قبيلة جرهم امرأة ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعدما تزوّج إسماعيل يطالع تركته (21) ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ـ وفي رواية ـ يصيد لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحنُ بشَرٍّ ، نحن في ضيق وشدّة ، وشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك ، اقرَئي عليه السلام ، وقولي له : يُغيّرْ عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنّه آنسَ شيئاً فقال : هل جاءكم من أحدٍ ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخٌ كذا وكذا ، فسأَلَنا عنك ، فأخبرته ، فسألني : كيف عيشنا ، فأخبرتُه أنّا في جَهد وشدّةٍ . قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول : غيِّر عتبةَ بابك . قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ، فطلَّقها ، وتزوَّج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ، ثم أتاهم بعدُ ، فلم يجده ، فدخل على امرأته ، فسأل عنه ، قالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعةٍ . وأثنت على الله تعالى ، فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحمُ . قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماءُ . قال : اللهمَّ بارك لهم في اللحم والماء . . . قال : فإذا جاء زوجك ، فاقرئي عليه السلام ، ومريه يُثَبِّت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل ، قال : هل أتاكم مِنْ أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حَسَنُ الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك ، فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا ، فأخبرته أنّا بخير ، قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت نعم ، يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تُثبت عتبة بابك . قال : ذاك أبي ، وأنت العتبَةُ ، أمرني أن أمسككِ . . . )) .
         فالأولى : كانت ضيّقة النفس ، قصيرة النظر ، ضعيفة حُسن الظن بالله سبحانه وتعالى ، وامرأة كهذه تصبغ البيت بما فيها من صفات ، ولا تحسن تربية أبنائها ، ولا تريح زوجها ، وتنشر في أجواء البيت والأسرة عدم الاستقرار والبعد عن الرضا ، وتزرع فيه القلق والبؤس .
         والثانية : طيبة النفس ، مطمئنة القلب ، حَسَنَةُ الظن بالله سبحانه وتعالى ، وامرأة كهذه تملأ الحياة سعادة وأملاً ورضا بقدر الله ، وتنشر في البيت الهناءَ والاستقرار ، والحبَّ والودَّ ، فينشأ أولادها نشأة طيبة ويحيَوْن حياة فيها أسس الخير ، وفضائل الشمائل .
         وهؤلاء المسلمون يخرجون من صلاة الجمعة فيجدون عجوزاً على باب المسجد قد طبخت سلقاً في قدر لها ، وخلطته بشعير مطحون ، فتقدمه للمسلمين تبتغي من الله سبحانه الأجر والمثوبة ، فيأخذونه منها ، ويأكلونه متحلقين حولها يدعون لها بطول العمر وحسن العمل . .  ما الذي دعاها إلى ذلك ؟ إنه الكرم المتأصل فيها ، والرغبة في إحراز الأجر والفضل (22) .
        أما أم عمارة الأنصاري فيدخل عليها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقدم إليه طعاماً فيقول لها :  (( كلي )) فتقول : إني صائمة ، فيقول لها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إنَّ الصائم تصلّي عليه الملائكةُ إذا أُكِلَ عنده حتى يفرُغوا )) وربما قال : (( حتى يشبعوا )) (23) .
         فعلى الرغم مِنْ أنها صائمة رأت أن قِرى الضيف واجب ، فأكرمت ضيفها ، وأحسنت وفادته ، فكان جزاؤها أن الملائكة تدعو لها وتستغفر لها ما دام الضيف يأكل زادها وهي تخدمه وترعاه .  .
         إذن هي دعوة إلى الكرم في كل الأحوال . . الكرم الذي يقارب بين الأرواح فتصفو النفوس ، وتتمازج القلوب ، وتُستل السخائم ، وتزول الشحناء من الصدور ، و . . .
         وهذا الصاحب الجليل جابر بن عبدالله يرى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة الخندق وبطنه معصوب بحجر ، فيستأذنه أن يعود للبيت يسأل زوجته إن كان عندها شيء ، فتجيبه أن عندها صاعا من شعير وأنثى ماعز ، فذبح الماعز وعجنت هي الشعير بعدما طحنته ، وبدأت تصنع الطعام ، وانطلق زوجها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوه مع رجل أو رجلين يتخيّرهما ، فما كان من النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن نادى : (( يا أهل الخندق ، إن جابراً قد صنع سؤراً (24) فحيّهلا بكم )) وجاء يقدم الناس ، وقال لجابر : انطلق ، فمُرْ زوجتك أن لا ترفع الغطاء عن اللحم ، ولا تخبز حتى آتي ، فجاء جابر إلى زوجته فأخبرها ، فخاصمته قائلة : فضحتنا ، ألم أقل لك ادع رسول الله ورجلاً أو رجلين معه ؟ قال : بلى ، وقد فعلتُ ، فقالت : إذن يتكفل بهم رسول الله .
         وكان المسلمون ألف رجل ، فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على العجين واللحم بالبركة ، وأمر المرأة أن تخبز ، ودخل الناس فوجاً بعد فوج ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغرف لهم من اللحم ويكسر لهم الخبز حتى شبعوا جميعاً .
         قالت امرأة جابر : فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن القدر مليئة باللحم كأنه لم يأكل ، وإن العجين ليُخبزُ كما هو ، فقال لها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة )) (25) .
         فقد كانت المرأة تشعر بشعور زوجها وتجتهد أن ترضيه وتكرم ضيوفه ، ولا يخفى مافي هذه القصة من معجزة ظاهرة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومن أسوة رائعة له عليه الصلاة و السلام ، فقد أطعم بيديه الشريفتين المسلمين جميعاً حتى شبعوا ، ثم أكل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ونبّه إلى ضرورة تفقُّد الجيران والإحسان إليهم ، كي يشعروا بالانتماء إلى جسمٍ واحدٍ وفكرٍ واحد ومجتمع واحد ، يظلهم دينُ الله وشرعُه فيجعل منهم أمّة متحابّة قوية . . . والقصة نفسها تتكرر مع أبي طلحة وزوجه أم سُليم ، فقد كانت مثال الزوجة الصالحة التي تكرم ضيوف زوجها وتخدمهم (26).
         ولعلَّ من المفيد أن نختم هذا بقوله سبحانه وتعالى يحضُّ المسلمين على الكرم في قصة سيدنا إبراهيم في سورة الذاريات : ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا  تَأْكُلُونَ )(27) ؟! وقول النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) (28) .
         والمسلم والمسلمة كريمان جوادان لا بخيلان شحيحان ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (29) .
     
    ------------------------
    (1)   آل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد ذبحوا الشاة ووزّعوا أكثرها على الفقراء .
    (2)   رواه أحمد برقم ( 23720 ) ، والترمذي برقم ( 2470 ) ، وقال : هذا حديث صحيح ، وانظر المشكاة برقم ( 1919 ) .
    (3)   لا تدّخري ما عندك ، وتمنعي ما في يدك ، فيقطع الله عنك رزقه ، وهذا لفظ البخاري برقم ( 1433 ) .
    (4)   لا تتمسكي بالمال وتدّخريه ، فيمسكه الله عنك .
    (5)   لا تمنعي ما زاد عنك عمّن هو يحتاج إليه ، فيحيجك الله إلى مثله فلا تجديه .
    (6)   رواه البخاري برقم ( 2591 ) ، ومسلم برقم ( 1029 ) واللفظ له ، وأحمد برقم ( 26395 ) وغيرهم .
    (7)   رواه البخاري برقم ( 1442 ) ، ومسلم برقم ( 1010 ) ، وأحمد برقم ( 7993 ) .
    (8)   زوجها أبو سلمة رضي الله عنهما من أوائل المهاجرين إلى المدينة ، وأصابه جرح في إحدى الغزوات فكان سبباً في موته ، فتزوجها
          النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم . نساء فاضلات ص 42 ـ 43 ، والأعلام ج8 / ص 97 .
    (9)   لا ترضى أن يتفرّقوا عنها في طلب الرزق يميناً وشمالاً .
    (10)  رواه البخاري برقم ( 1467 ، 5369 ) ، ومسلم برقم ( 1001 ) ، وأحمد برقم ( 25970 ، 26102 ) .
    (11)  أخرجه البخاري برقم ( 1466 ) ، ومسلم برقم ( 1000) ، وأحمد برقم ( 15652 ، 26508 ) ، والنسائي برقم ( 2583) وغيرهم .
    (12)  أصابه الجهد : وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع .
    (13)  جائعَين : معدتهما خاويتين . شبَّه المعدة الخاوية بشيء يُطوى لفراغه .
    (14)  المراد بالعجب الرضا ، فقد رضي الله سبحانه ـ وهو الكريم ـ عن فعلهما الذي يدل على الكرم .
    (15)  رواه البخاري برقم ( 3798 ، 4889 ) ، ومسلم برقم ( 2054 ) .
    (16)  كما ورد في صحيح البخاري برقم ( 2567 ، 6459 ) ، ومسلم برقم ( 2972 ) .
    (17)  العذق : الغصن ، والبُسر : ثمر النخيل قبل أن ينضج ، والرطب : نضيج البُسر ، والتمر : يابس الرُّطب .
    (18)  الحلوبة : الشاة ذات اللبن ، فذبحها خسارة ، وغيرها أولى بالذبح .
    (19)  رواه مسلم برقم ( 2038 ) ، والترمذي برقم ( 2369 ) .
    (20)  برقم ( 3364 ) .
    (21)  يتفقّدهم .
    (22)  أخرجه البخاري برقم ( 938 ، 2349 ، 5403 ) .
    (23)  رواه أحمد برقم ( 26926 ) ، والترمذي برقم ( 785 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
    (24)  طعاماً يُدعى إليه الناس . . وليمة .
    (25)  رواه البخاري برقم ( 4101 ، 4102 ) ، ومسلم برقم ( 2039 ) ، وأحمد برقم ( 14610 ) وغيرهم .
    (26)  رواه البخاري برقم ( 3578 ، 5381 ، 6688 ) ، ومسلم برقم ( 2040 ) ، وأحمد برقم ( 12082 ، 12870 ) وغيرهم .
    (27)  الذاريات : 26 ، 27 .
    (28)  متفق عليه .
    (29)  الحشر : 9 .
     


    رمضانيات 23
    في الرجال عامة
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - قال الإمام الحسن البصري : الرجال ثلاثة ، فرجلٌ رجلٌ ، ورجل نصف رجل ، ورجل لا رجل . فأما الرجل الرجل ، فلبيب عاقل وذكي أريب يستشير العقلاء في أموره ثمّ يتخذ قراره .
    وأما الرجل نصف الرجل ، فلبيب عاقل وذكي أريب إلا أنه لا يستشير ويقضي ما يراه فقط .
    ورجل لا رجل ، فالأحمق لا يدري ما يريد ولا يستشير أحداً في أموره ثم يُمضي بما يحضره .
    - إن أول من عزّى وهنّأ في مقام واحد فعطاء بن أبي صيفيّ الثقفيّ عزّى يزيد بن معاوية في أبيه ، وهنّأه بالخلافة ، ففتح للناس باب الكلام ، فقال : أصبحتَ رُزِئتَ خليفة وأُعطيتَ خلافة الله ، قضى معاوية نحبه ، فغفر الله ذنبَه ، وَوَليتَ الرياسةَ ، وكنتَ أحَقّ بالسياسة ، فاحتسب عند الله أعظم الرزيّة ، واشكر الله على أعظم العطيّة ، وعظّم الله في أمير المؤمنين أجرك ، وأحسنَ على الخلافة عونَك .
    - ودخل رجل على صديقه يهنئه بمولوده ، فقال : لـِيَهنِكَ الفارس . فقال : لعلّه يكون بغـّالاً ، ولكن قل: شكرتَ الواهبَ وبورك لك في الموهوب ، وبلغَ أشُدّه ، ورُزِقتَ بِرّه . وقال مجاهد : كان رسول الله صلى الله عليهوسلم إذا دعا لمتزوج قال: " على اليُمنِ والسعادة والطير الصالح ، والرزق الواسع ، والمودّة عند الرحمن " .
    - وقال الحجاج لأيوب بن القِريّة : اخطِب عليّ هند بنت أسماء ، ولا تزد على ثلاث كلمات ، فأتاهم فقال : أتيتكم من عند من تعلمون ، والأمير معطيكم ما تسألون ، أفتُنكِحون أم تردّون ؟ قالوا : بل أنكحنا وأنعمنا . فرجع ابن القِريّة إلى الحجاج فقال : أقرّ الله عينك ، وجمع شملك ، وأنبت رَيعك؛ على الثبات والنبات ،والغنى حتى الممات ، جعلها الله ولوداً ودوداً ، وجمع بينكما على البركة والخير .
    - وقال ابن الرقاع لمتزوج :

    قمرُ السماء وشمسُها اجتمعا --- بالسعد ما غابا وما طلعا
    ما وارت الأسـتـار مـثـلهمـا --- فيمن رأينـاه ومن ســُمعا
    دام الســرور لـه بهـا ولـَهـا --- وتهنّأا طـول الحيـاة معا

    - وتحدث بعضهم عن منافق فقال : ذاك رجل ليس له صديق في السر ولا عدوّ في العلن . وفي هذا المعنى قال الشاعر :

    وإن من الخلان من تشحَطُ النوى --- به وهو داعٍ للوصال أمينُ!
    ومنهمْ صديق العِين أمـّا لقـاؤه --- فحـُلـوٌ وأمـّا غيبُـه فظنـون

    وقال في معنى النفاق مرّة بن محكان :

    ترى بيننـا خـُُلـُقـاً ظـاهـراً --- وصدراً عدوّاً ووجهـاً طليقـاً

    - ومن صفات المنافقين أن عيينة بن حُصين أقبل إلى المدينة قبل إسلامه ، فلقيه ركبٌ خارجون منها ، فقال : أخبروني عن هذا الرجل ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : الناس فيه ثلاثة رجال ، فرجل أسلم معه فهو يقاتل قريشاً وأفناء العرب ، ورجل لم يُسلم فهو يقاتله ، ورجل يُظهر الإسلام إذا لقي أصحابَه ، ويُظهر لقريش أنه معهم إذا لقيهم . فقال : ما يُسمّى هؤلاء ؟ فقالوا : المنافقون ؛ فقال : اشهدوا أني منهم ، فما فيمن وصفتـُم أحزم ُ من هؤلاء ! .
    - والحذر لا يأمن حتّى أصدقاءه ، يقول رجل في ذلك : اللهم اكفني بوائق الثقات ، واحفظني من الصديق . وكتب رجل على باب داره : جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيراً ، وأما أصدقاؤنا فلا جُزوا على ذلك ، فإنـّا لم نـُؤت قطّ إلا منهم .
    - وهذا ابراهيم بن العباس يكتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات يشكوه إلى نفسه ويُظهر له ألمَه منه حين انقلب عليه أو هكذا ظنّ :

    وكنت أخي بإخاء الزمان --- فلمّا نبا صرتَ حرباً عَوانـاً
    وقد كنتُ أشكو إليك الزما --- نَ فأصبحتُ فيك أذمّ الزمانا
    وكـُنـتُ أُعـِدّك للنـائبـات --- فهـأنـا أطلب مـنـك الأمـانـا

    وفي المعنى نفسه يقول محمد بن المهديّ :

    كان صديقي وكان خالصتي --- أيـامَ نجـري مجـاريَ الســوَقِ
    حتى إذا راح والملـوكَ معـاً --- عدّ اطّراحيَ من صالح الخُلُق
    خلـّيـْتُ ثوب الفراق في يده --- وقـُلتُ هـذا الـوداعُ فـانطلقِ
    لبستُه لِبسة الجديد على الــــــ --- ـــــقـُرّ وفـارقتُ فـُرقـَة الخـَلَـَقِ

    - ونجد بعضهم يرى فقيراً يستفيد منه مالاً وجاهاً فيظهر له الود والصداقة ويظن أن هذا ما إنْ يصبح ذا مال وجاه حتى ينقلب عليه ويقطعه فيتمنى أن يظل فقيراً كي لا ينتقل عن هذا الود المصطنع ، وهذا الشاعر كما يبدو ضيّق النفس لا يحب الخير للناس بل يحبه لنفسه وتراه أنانياً :

    إذا رأيت امرأ في حال عسرته --- مواصلاً لك ما في وُدّه خللٌ
    فـلا تمَنّ لـه أن يسـتفيـد غنىً --- فـإنـّه بانتقـال الحـال ينتقـِل

    - وسيدنا علي رضي الله عنه يكشف نفسيات كثير من الناس الذين يظهرون لك الودّ ما دمت عنهم غنياً فإذا احتجتَهم فهم أشحَاء بخلاء فيقول :

    ولا خيـر في ودّ امـرئ متلـوّن --- إذا الريح مالت مال حيث تميل
    جواد إذا استغنيتَ عن أخذ ماله --- وعند احتمال الفقر عنك بخيل
    فما أكثـر الإخـوان حين تعدهم --- ولكـنّهـُم في النـائـبـات قـلـيـل

    وعبد الله بن معاوبة بن جعفر يكتشف خلابة صديق له فيقاطعه قائلاً :

    رأيت فُضَـيلاً كان شــيئاً ملفـّفـاً --- فكشـّفـَه التمحيـص حتى بدا لـيـا
    فـأنت أخي ما لم تكن لي حـاجةٌ --- فإن عَرَضَتْ أيقنتُ أنْ لا أخاليا
    فـلا زاد ما بيني وبيـنـك بعـدمـا --- بلوتـُك في الحـاجـات إلا تماديـاً
    فلستَ بـِراء عيبَ ذي الـودّ كلّـه --- ولا بعض ما فيه إذا كنتَ راضياً
    فعيب الرضا عن كل عيب كليلةٌ --- ولكنّ عين السخط تبدي المساويا
    كـلانـا غـنيّ عـَن أخـيـه حيـاتـَه --- ونحـن إذا مـتـنـا أشــدّ تغـانـيــاً

    - وصارح أحدهم صاحباً له شك في أمرصحبته وصدق إخلاصه فقال : أما بعد فقد عاقني الشك فيك عن عزيمة الرأي في أمرك ، ابتدأتني بلطف عن غير حرمة ، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب ، فأطمعني أوّلك في إخائك ، وآيسني آخرك من وفائك ، فلا أنا في غير الوفاء مجمّع لك اطّراحاً ، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة ، فسبحان مَن لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الرأي فيك ، فأقمنا على ائتلاف ، أو افترقنا على اختلاف .
    - وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في اطّراح ودّ من ليس له ودّ :

    ولا خير في الودّ ممن لا تزال له --- مستشعراً أبداً من خيفة وجَلاً
    إذا تغـَيّـب لـم تـبـرح تسـيء بـه --- ظنـاً وتسـأل عما قال أو فعلا

    - وبهذا يصرح المثقب العبديّ فلا حاجة للنفاق ، فإما الصدق والإخلاص وإما فالانفصال والفراق أسلم وأفضل :

    فإما أن تكون أخي بصدق --- فأعرف منك غثـّي من ثميني
    وإلا فـاطّرحـْني واتخـِذني --- عـدوّاً أتـّقـيـك وتـَتـّقيـني

    - وقالت أعرابية لولدها : يا بني إياك وصحبة مَن مودّتُه بِشرُه فإنه بمنزلة الريح .
    وكان يُقال : الإخوان ثلاثة : أخ يُخلص لك وُدّه ، ويبلغ في محبتك جهدَه . وأخٌ ذو نيّة
    يقتصر بك على حسن نيّته دون رفده ومعونته ، وأخٌ يُلَهْوِق ( يتزيّن بما ليس فيه ) لك
    لسانه ، ويتشاغل عنك بشأنه ، ويوسعك من كَذِبه وأَيمانه .
    وما أروع قول الشاعر :

    لَعَـمـرُك ما ودّ اللسـان بنافع --- إذا لم يكن أصلُ المودّة في القلب

    - ونجد العباس بن الأحنف الشاعر يبدع حين يقول :

    أشـكـو الـذيـن أذاقـوني مـودّتهـم --- حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
    واستنهضوني فلما قمت منتهضاً --- بثقل مـا حمّلـوني في الهـوى قعدوا

    وأنشد الأعرابيّ :

    لحـا الله من لا ينـفـع الـودّ عـنـده --- ومَن حبلُه إن مُدّ غيرُ متين
    ومَن هو إنْ يُحدِث له الغير نظرة --- يُقطـّع بها أسـباب كل قرين

    وقال غيره في المعنى فأبدع :

    ولا خير في ود إذا لم يكن له --- على طول مرّ الحادثات بقاءٌ

    فالود القائم على المصالح يتصل باتصالها وينقطع بانقطاعها لا فائدة تُرجى منه .
    - وقال علي رضي الله عنه كلاماً يوزن بميزان الذهب والجواهر : لا تؤاخِ الفاجر ، فإنه يزيّن لك فعله ، ويحب لو أنك مثلُه ، ويزيّن لك أسوأ خصاله ، ومدخلـُه عليك ومخرجُه من عندك شَينٌ وعارٌ ، ولا الأحمق ، فإنه يجتهد بنفسه لك ولا ينفعك ، وربما أراد أن ينفعك فيضرك ، فسكوتـُه خير من نطقه ، وبُعدُه خير من قربه ، وموتـُه خير من حياته ، ولا الكذاب ، فإنه لا ينفعك معه عيش ، ينقل حديثَك ، وينقل الحديث إليك ، حتى إنه يُحدّث بالصدق فما يُصَدّق .
    - قال أبو قبيل في هذا المعنى : أُسرتُ في بلاد الروم فوجدت على ركن من أركانها :

    ولا تصحبْ أخا الجهل *** وإياك وإيّـاهُ
    فكم من جاهل أردى *** حليماً حين آخاهُ
    يُقاسُ المرءُ بالمرء *** إذا ما هو ماشاهُ
    وللشيء على الشيء *** مقاييس وأشباهٌ
    وللقـلـب على القـلـب *** دليلٌ حين يلقاهُ

    - واخيراً أنشد عدي بن زيد حكمة رائعة توضح من ينبغي أن نصاحبه لأنه مرآتنا والدليل علينا :
    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه --- فكل قرين بالمقارن يقتدي

     


    رمضانيات (25)
    والله في عون العبد مادام.....
    من كتاب عيون الأخبار
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - يقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن أحببت أن يحبك الله فازهد في الدنيا ، وإن أحببت أن يحبك الناس فلا يقع في يدك من حُطامها شيء إلا نبذتَه إليهم " وبهذا يجمع المرء بين حبـّين يسعد فيهما في الدنيا والآخرة .
    - وقيل لابن المنكدر : أي الأعمال أفضل؟ قال : إدخال السرور على المؤمن ، فقيل : أيّ الدنيا أحب إليك ؟ قال : الإفضال على الإخوان . قلت هذا الكريم الزاهد .
    - وفي معنى ابن المنكدر يقول حميد بن الحسن : لَأن أقضي حاجة لأخ أحب إليّ من أن أعتكف سنة . وكان عمرو بن معاوية العقيلي يقول : اللهم بلّغني عثرات الكرام . قلت : وما يقيل عثرات الكرام إلا الكريم .
    - وقال المأمون لمستشاره محمد بن عبـّاد المهلّبي : أنت متلاف . فقال : يا أمير المؤمنين ؛ منْعُ الموجودِ سوءُ ظنّ بالله . يقول الله تعال : " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ، وهو خير الرازقين " قلت : سبحان الله ؛ ما أروع هذا الردّ ؟!
    - فما أثرُ المعروف ؟
    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المعروف يقي مصارع السوء " وفي هذا المعنى يقول ابن عباس رضي الله عنهما : صاحب المعروف لا يقع ، وإن وقع وجد متكأ . وهو الي يقول أيضاً : ما رأيت رجلاً إوليتُه معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه ، ولا رأيت رجلاً أوليتُ سوءاً إلا أظلَمَ ما بيني وبينه .
    - يقول جعفر بن محمد : إن الحاجة تعرض للرجل قِبَلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها ، أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع . قلت : هذا بحق الكريمُ المفضال وقال الشاعر :

    وبادر بسلطان إذا كنت قادراً --- زوال اقتدار أو غنىً عنك يُعقـُب

    ويمدح شاعرٌ رجلاً شهماً يعين إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً مغتنماً وجود المال قبل ذهابه :

    بدا حين أثـرى بـإخوانـه --- ففكك عنهم شباة العدم
    وذكّره الحزم غِبّ الأمور --- فبادر قبل انتقال النعم

    والمقصود بشباة العدم : حدّنه واذاه .وبدا بمعنى بدأ .
    - وقال ابن عباس : ثلاثة لا أكافئهم : رجلٌ بدأني بالسلام ، ورجل وسّع لي في المجلس ، ورجل اغبرّت قدماه في المشيِ إليّ إرادة التسليم عليّ ، وأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجلّ . قيل : ومن هو ؟ قال : رجل نزل به أمرٌ ، فبات ليلته بمن يُنزله ، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي .
    - وقال ابن قتيبة : رَبُّ المعروف ( تعهدُه وتنميتُه ) أشد من ابتدائه . قلت : تمام الأمر من صفات الكمال . ويقال : الابتداء بالمعروف نافلة ، وربُّه ( إكماله ) فريضة .
    - وقيل لبُزُرجَمِهره : هل يستطيع أحد أن يفعل المعروف من غير أن يُرزَأ ( يخسر ) شيئاً ؟ قال : نعم ؛ مَن أحبَبْتَ له الخير وبذلتَ له الودّ فقد أصاب نصيباً من معروفك .
    وقال جعفر بن محمد : ما توسّل أحد إليّ بوسيلة هي أقرب به غلى ما يُحب من يد
    سلفتْ منّي إليه ، أتْبعتُها أختَها لاِأحسنَ ربَّها وحفظها ، لأن منع الأوائل يقطع شكر
    الأواخر .
    - وقام رجل من مجلس الأمير خالد بن عبد الله القسريّ فقال خالد : إني لأبغض هذا الرجل ومالـَه إليّ ذنبٌ . فقال رجل من القوم : أوْلِه أيها الأمير معروفاً . ففعل ، فما لبث أن خفّ على قلبه ، وصار أحد جُلسائه . قلت: من صنع معروفاً فقد بذر بذرة الخير فأفاءت عليه ظلالَها .
    - وقال ابن عباس لا يتم المعروف إلا بثلاث : ( تعجيله ، وتصغيره ، وستره ) فإنه إذا عجّله هنّأه ، وإذا صغّره عظّمه ، وإذا ستره تمّمه .
    وقال أحد الشعراء في هذا المعنى :

    زاد معروفَك عندي عِظَماً --- أنـّه عندك محقـورٌ صغيـرٌ
    تـتـنـاسـاه ، كـأنْ لـم تأتِـه --- وهو عند الناس مشهور كبيرٌ

    وقال الطائي يمدح من أحسن إليه في السرّ وتواضعَ فلم يفخر بما فعل :

    جودٌ مشيتَ به الضراء متّضعاً --- وعظُمْتَ عن ذكراه وهو عظيمٌ
    أخفيتـَه ، فخَفـَيتـُه ، وطـويتـَه --- فنشرتـُه ، والشخص منه عميمٌ

    ومعنى خفيتُه : أظهرتُه ، لقد أحسن إليه في السر فشكره في العلن ، فهما كريمان معاً .
    وقيل في معنى البيتين : ستررجلٌ ما أَولى ، ونشر رجلٌ ما أولِيَ .
    - وقال رجل حكيم لبنيه : إذا اتخذتُم عند رجل يداً فانسَوها . وقالوا: المنّة تهدم الصنيعة . وقال شاعر :
    أفسدْتَ بالمنّ ما أسديتَ من حسَنٍ ليس الكريمُ إذا أسدى بمنـّان
    وقال رجل لحكيم : أعطيت فلاناً كذا وكذا . فقال له : لا خير في المعروف إذا أُحصِيَ
    - فما ثواب المعروف ؟
    في الحديث المرفوع " فضل جاهك تعود به على أخيك صدقة منك عليه ، ولسانك تعبّر به عن أخيك صدقة منك عليه ، وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله " وفي بعض الحديث " كل معروف صدقة ، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده صدقة ، وما وقى المرء به عرضه صدقة ، وكل نفقة أنفقها فعلى الله خَلَفُها مثلها إلا في معصية أو بنيان " قال العزيزي في شرحه لهذا الحديث : إنه البنيان الذي لم يُقصد به وجهُ الله .
    وكان يٌال : بذلُ الجاه زكاة الشرف .
    - وقال ابن عباس لا يُزهِدَنّك في المعروف كفرُ مَن كَفَره ، فإنه يشكرك عليه مَن لم تصنعه
    له .
    وأقول : وذوالنفس الكريمة يُظهر نفسه مكتفياُ وهو على أشد ما يكون حاجة
    ولله در الشاعر حمّاد عجرد إذ يقول :
    إن الكريم ليُخفي عنك عُسرتَه حتى تراه غنياً وهو مجهودٌ
    - العرب تقول : من حَقر شيئاً من المعروف حَرمَ فتصدّق ولو بالقليل يا صديقي ،
    - يقول حماد عجرد :

    بُثّ النوال ولا تمنَعْك قـِلـّتـُه --- فكل ما سدّ فقراً فهو محمودٌ

    ويقول حكيم : أحدُهم يحقر الشيء ، فيأتي ما هو شر منه ( يعني المنع) .
    وفي الحديث المرفوع : " أفضل الصدقة جهد المُقِلّ " وفي الحديث " سبق درهم ألف
    درهم " ويقول الشاعر في هذا المعنى :

    ومـا أبـالي إذا ضيف تضيّـفني --- ما كان عندي إذا أعطيتُ مجهودي
    جُهدُ المُقِلّ إذا أعطاك مصطبراً --- ومكثـرٌ في غنىً سِـيّـانِ في الجـود

    - قال بُزرجَمِهرَه : إذا أقبلتْ عليك الدنيا فأنفق ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت عنك فأنفق ،
    فإنها لا تـَبقى ، وقال شاعر ينظُم قاله الحكيم بُزر :

    فأنفق إذا أنفقتَ إن كنت موسـراً --- وأنفـِق إذا خيـّلـْتَ حين تـُعسـرُ
    فلا الجود يُفني المال والجَدّ مقبلٌ --- ولا البخل يُبقي المال والجَدّ مدبرٌ

    - ومرّ الحسن برجل يقلب في يديه درهماً ، فقال : أتحب درهمك هذا ؟ قال : نعم . قال: إمَا إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.
    - ولا حاجة أن يوصي أحدنا ورثَتَه أن يتصدّقوا بماله حين يكون عاقلاً فيتصرف فيه بما يشتهي في حياته، ويكون هو المتصدّق . يقول أبو ذر رضي الله عنه : لك في مالك شريكان ، إذا جاءا أخذاه ولم يؤامراك : الحَدَثانِ ، والقدر . وكلاهما يمرّ على الغثّ والثمين ، والورثة ينتظرون متى تموت فيأخذون ما تحت يديك ، وأنت لم تقدّم لنفسك ، فإن استطعت أن لا تكون كذلك فافعل .
    قال الشاعر :

    سأحبس مالي على حاجتي --- وأوثر نفسي على الوارث
    أعاذلُ: عاجـلُ مـا أشـتهي --- أحَبّ من المبطِئ الرائـث

    - وقال سعيد بن العاص : من رزقه الله رزقاً حسناً فليكن أسعد الناس به ، فإنه إنما يُترك لأحد رجلين : إمّا مصلح فلا يقلّ عليه شيء ، وإمّا مفسد فلا يبقى له شيء
    وقال الشاعر في هذا المعنى :

    أنت للمال إذا أمسَكتَه --- فإن أنفقتَه فالمال لك

    وقال في المعنى نفسه حائطُ بنُ يعفر يخاطب نفسه :

    ذريني أكنْ للمال ربـّاً ولا يكنْ --- ليَ المالُ ربّاً تحمدي غِبّه غداً
    أريني جواداً مات هزلاً لعلّني --- أرى ماتـرَينَ أو بخيلاً مُخَلـّداً
     


    رمضانيات (26)
    القناعة والعفة
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    ذكرت في بعض رمضانياتي أننا سنقضي بعض السويعات في رياض كتاب " عيون الأخبار " لابن قتيبة الدينوري ، فتعال اليوم معي نتمتع بالنظر إلى هذه الروضة " العفة والقناعة " ونشم بعض ورودها العبقة في هذا السفر الرائع مع شيء من التصرف ، فما أروع أن يستنشق المرء عبير الأدب والأخلاق عله يستفيد منه أدباً وجمالاً .
    - فعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من يتقبل لي بواحدة أتقبل له الجنة " قال ثوبان أنا قال " لا تسأل الناس شيئاً " قال فإن كان سوطه يقع فما يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه ، رواه ابن جرير الطبري . وقال صلى الله عليه وسلم :" إن الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه أقدام العملماء الطمعُ " فإذا كان ديدن العالم الطمع فاقرأ عليه الفاتحة.
    - قال عمر رضي الله عنه : (ليس من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب ، فإن اقتصد أتاه رزقه ، وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يُزَدْ في رزقه ) . أقول : ولقد تلمستُ هذا يقيناً فما عدوت ما قاله الفاروق عمر رضي الله عنه وحشرنا معه في زمرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .
    - قال أبو حازم المدنيّ وقد سأله بعض الملوك : ما مالُك؟ قال : الرضا عن الله ، والغنى عن الناس . وقد أخذ هذا المعنى أحد الشعراء ، فقال :
    للنـاس مـالٌ ولي مالان، ما لَـَهمـا --- إذا تحارس أهلُ المال أحراسٌ
    مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه --- وماليَ اليأسُ مما يملك الناس
    وقال غيره :
    وإنّ قِـراب البطن يكـفيـك مِلـؤه --- ويكفيكَ سوءاتِ الأمور اجتنابُها
    إذا سُدّ بابٌ عنك من دون حاجة --- فـَذرها لأخـرى لـَيّـنِ لك بـابُهـا
    - وترى أبا حازم ينأى بنفسه عن مد يده للآخرين فنفسه عزيزة لا ترضى سماع ما يشين أو أن يجد ردّاً قاسياً :
    أوجعُ من وخزة السنانِ --- لذي الحجا وخزة اللسان
    فاسترزق الله واستعنـْهُ --- فـإنـه خـيـــرُ مـسـتعـانِ
    وإنْ نـأى مـنـزلٌ بِحُـرٍّ --- فمـِن مكـان إلى مكــانٍ
    لا يثبت الحرّ في مكانٍ --- يُنسـبُ فيـه إلى الهـوان
    الحُـرّ حُـرٌّ وإن تعَـدّتْ --- عـليـه يـَومـاً يدُ الزمـان
    - بعض الرجال – ومن كان مع كتاب الله فهو الرجل – يقول : إن عامر بن عبد القيس العنبري كان يردد : أربعُ آيات من كتاب الله تعالى إذا تلوتهنّ مساء لم أبال على ما أمسي ، وإذا تلوتـُهن صباحاً لم أبال على ما أصبِح : 1- " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده " 2- " وإن يُرِدْك الله بخير فلا رادّ لفضله ، يصيب به من يشاء من عباده " 3- " وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها " 4- " سيجعل الله بعد عسر يسراً "
    - وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول الحكمة فيصيب بها كبد الحقيقة : " لا تجعل بينك وبين الله منعماً عليك ، وعُدّ النعم عليك مغرماً " وبعض الناس يعتبرون النعمة مغنما وينسون أنهم محاسبون عليها ، ونسوا قوله تعالى " ثم لتُسأَلُنّ يومئذٍ عن النعيم " وقال الأصمعي : أبرعُ بيت قالته العرب بيت أبي ذؤيب الهذلي :
    والنفس راغبة إذا رغّبْتَها --- وإذا تُرَدّ إلى قليل تقنعُ
    ولقد قيل : إن الإنسان يَسألُ فيُمنع ، ثم يـَسـأل فيُمنع ، والصبر ينتظر ناحية ويقول : لو صرتَ إليّ لكفيتـُك .
    وكان يُقال : أنت أخو العز ما التحفتَ القناعة ،
    ويُقال : اليأس حُـرٌّ ، والرجاء عبد .
    - قال بعض المفسرين في قوله تعالى : " فـَلـَنـُحيينّه حياة طيبةً " بالقناعة . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه : يا بنيّ ؛ إذا طلبتَ الغنى فاطلبه بالقناعة ، فإن لم تكن لك قناعة فليس يغنيك مالٌ . وقال عروة بن أذينة بيتين جمع فيهما الحكمة الرائعة :
    ولقد علمتُ – وما الإسراف في طمع --- أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
    أسـعى لـه ، فـيُعـَنـّيـني تَطـَلـُّبـُه...... ولـو قـَعـَدْتُ أتـاني لا يـُعـَنـّيـني
    وقال أبو العتاهية في المعنى نفسه :
    إن كان لا يُغنيك ما يكفيكا --- فكل ما في الأرض لا يُغنيكا
    - وقد ذكروا أن أعرابية حجّت على ناقة ، فقيل : أين زادك ؟ قالت : في ضرعها .
    وقد لخص الشاعر النمر بن تولب الرجاء في الله في بيتين بليغين فقال :
    ومتى تُـصبك خصاصة فارجُ الغنى --- وإلى الذي يهب الرغائب فارغبِ
    لا تـغضبـَنّ على امـرئ في مـالـه --- وعلى كرائم صلب مالك فاغضبِ
    وشكا رجل إلى قوم ضيقاً فقيل له : شكوتَ من يرحمك إلى من لا يرحمك .
    - ومن روائع التصرف أن هشام بن عبد الملك قال لسالم بن عبد الله وقد دخلا الكعبة : سلني حاجتك . قال أكره أن أسأل في بيت الله غيرَ الله .
    ورأى سالمٌ رجلاً يسأل الناس في موقف عرفة فقال له : أفي هذا الموقف تسأل غير الله ؟!.
    وقال سليمان بن عبد الملك للإمام أبي حازم : سلني حاجتك . قال : رفعتها إلى من
    لا تُخذَل عنده الحوائج .
    وبهذا يقول الشاعر :
    لا تَضرَعـَنّ لمخلوق على طمع --- فإن ذلك ضعف منك في الدين
    واسترزق الله رزقاً من خزائنه --- فـإنمـا هو بين الكـاف والنـون
    وقال ابن عباس : المساكين لا يعودون مريضاً ولا يشهدون جنازة ، وإذا سأل الناسُ
    اللهً سألوا الناسَ .
    وكان الحسن البصري يطرد من يسأل يوم الجمعة ، ولا يرى لهم جمعة.
    ويقول محمود الوراق مرشداً ومسدداً :
    فارغب إلى ملك الملوك ولا تكنْ --- ياذا الضراعة طالباً من طالب
    - وكان بعض الكرام يعطي ويكره أن يسأله أحدهم مواجهة لأنه يضن بسائله أن يقف أمامه موقف الذل ، فيقول له : اكتب حاجتك في رقعة ولا تُذل وجهك أمامي . وهذا غاية الكرم وغاية الشهامة والكرامة .
    وبذا المعنى تمثّل معاوية في هذين البتين :
    وفتىً خلا من ماله --- ومن المروءة غير خالِ
    أعطاك قبل سؤاله --- فكفـاك مكـروه الـسؤال
    - أما الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى فقصته مع الأمير سليمان بن حبيب بن المهلب تدل على إيمان راسخ وكرامة رفيعة ، فقد استدعاه الأمير إليه فأبى ، فكتب الخليل إليه :
    أبلـغ سـليمـان أني عنـه في سَـعـَة --- وفي غنىً غير أني لستُ ذا مال
    شُـحّـاً بنفسـي ، إني لا أدرى أحداً --- يموت هزلاً ولا يبقى على حال
    فالرزق عن قدَر لا الضعف يمنعه --- ولا يـَزيـدك فـيـه حَـولُ محـتـال
    فغضب سليمان وقطع سليمان عنه الراتب ، فبلغ الخليلَ ما فعله سليمانُ فقال :
    إن الذي شق فمي ضامن --- لـلـرزق حتى يتـوفــّاني
    حـَرمتـَني مالاً قليلاً فمـا --- زادك في مالك حرماني
    فبلغ هذان البيتان سليمانَ فخجل مما فعل وكتب إلى الخليل يعتذر إليه وأضعف الراتب .
    - وننهي جولتنا في هذه الروضة بما قاله أحد الشعراء في عفته ونبذ الطمع :
    حسبي بعلمي لو نفعْ --- ما الذل إلا في الطمعْ
    من راقب اللهَ نـَزعْ --- عن قبح ما كان صنعْ
    ما طار شيء فارتفعْ --- إلا كـمـا طـار وقـعْ
     


    رمضانيات(28)
    (الحرص والإلحاح)
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    - لما قتل كسرى وزيرَه( بُزُرْ جَمِهرَه ) وجد في ثوبه كتاباً " إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز ، وإذا كان اللموت لكل أحد راصداً فالطمأنينة إلى الدنيا حُمق. " وصدق الحكيم في وصفه الدقيق للحياة والناس .
    - وقيل : لا يُكثر الرجل على أخيه الحوائجَ ، فإن العِجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحتْه . هذا في القريب ، فما تقول في التعامل مع الغريب؟!
    وصدق الشاعر بقوله :
    من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه وأخو الحوائج وجهه مملول
    ويقول ابن المقفع : الحرص مَحرمة ، والجبن مقتلة ، وانظر : من يطلب إليك باللطف والأدب أحق أن تجيبه أم من يطلب ذلك بالشرَ والحِرص؟
    وقال عدي بن يزيد في هذا :
    قد يدرك المبطئ من حظه والرزق قد يسبق جهد الحريص
    وقد يكون الحرص سبب المنية أو القتل أو المنع .. واقرأ قول الشاعر المبدع :
    كم من حريص على شيء ليدركه وعلّ إدراكه يدني من العطب
    وقال آخر في المعنى نفسه :
    ورُبّ مُلِحّ على بُغية وفيها منيـّتهُ ، لو شعر
    - وتقول العرب في الرجل الذي يلح في الطلب ولا ينتهي من أمر حتى يُلِحّ في غيره :
    " لا يرسلُ الساقَ إلا ممسكاً ساقاً "
    وأصل المثل في الحرباء ، إذا اشتد عليها حر الشمس لجأت إلى شجرة ، ثم لاتترك
    غصناً إلا لتمسك غصناً آخر .
    وقالوا : ( إن الطمع ضرّ ما نفع ) ، ولكنهم يقلبونه فيقولون ( ما ضرّ ، نفع 1)
    وفي كتاب كليلة ودمنه : لا فقر ولا بلاء كالحرص والشرَه ، ولا غنى كالرضا والقناعة ، ولا عقل كالتدبير ، ولا ورَع كالكفّ ، ولا حَسَبَ كحُسن الخُلُق .
    ويقول أيضاً صاحب كليلة ودمنة : خمسة حُرصاء ، المال أحب إليهم من أنفسهم .
    1- المقاتل بالأجرة ، 2- حفّار القـُنِيّ والأسراب ( القنيّ جمع قناة ) 3- والتاجر يركب البحر ،4- والحاوي يُلسع يدَه الحيّة ، 5- والمخاطر على شرب السمّ .
    أقول : إن في حرصهم هذا مظنّة مقتلهم .
    - وقال ابن المقفع : الحرص والحسد بِكرا الذنوب ، وأصل المهالك ، أما الحسد فأهلكَ إبليس ، وأما الحرص فأخرج آدم من الجنـّة .
    - دخل مالك بن دينار رحمه الله على رجل محبوس قد أُخذ بمال ، وعليه قيد ، فقال له : يا أبا يحيى أما ترى ما نحن فيه من القيود ؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة ، فقال : لمن هذه ؟ قال : لي . قال فأمر بها مالك فأُنزلت ، فوضعت بين يديه ، فإذا دجاج وحلوى ، فقال مالك ٌ: هذه وضعت القيود في رجليك .
    - والعاقل من بيئس مما بيد الناس ويترك الدنيا الفانية لأهلها ، يقول النابغة :
    والياس مما فات يعقب راحة ولربّ مطمعة تعود ذُباحاً
    ولماذ يسعى الإنسان إلى ما ليس له ، والله تعالى قدّر له رزقه الذي سيأتيه لا محالة
    يقول الشاعر في مثل هذا :
    أيها الدائب الحريص المُعنّى --- لك رزق وسـوف تستوفيـه
    قـَبّح الله نائـلاً تـرتجـيـه .... من يدي من تريد أن تقتضيه
    إنما الجود والسماح لمن يعـــــــــــطيك عفواً وماءُ وجهك فيه
    لا ينال الحريص شيئاً فيكفيـــــــــــه ، وإن كان فوق ما يكفيـه
    فسل الله وحده ودع النــا --- سَ ، واسخِطْهم بما يرضيـه
    لا ترى معطياً لما منع اللــــــــــهُ ولا مـانعــاً لمـا يُعـْطـيـه
    - وقد أحسن أبو العتاهية حين وصف النفس الإنسانية بشحها وكرهها للخير في أكثر الأحيان ، فهذا طبع متأصل فيها إلا من راضَ نفسه خلاف ذلك ، وقليل ما هم :
    إن لـلمـعــروف أهـلاً --- وقـلـيـلٌ فـاعـلـوه
    أهنـَاُ المعـروف ما لم --- تُبتَذَلْ فيه الوجوه
    أنت ما استغنيتً عن صا --- حبك الدهرَ أخوهُ
    فإذا احـْتجـْتَ إلــيـــه --- سـاعة مَجّك فـوه
    إنـمـا يعـرف الـفـضـــــــــــــــلَ من الناس ذووه
    لو رأى الـنـاسُ نبـيـاً --- سـائلاً ما وصلوه
     


    رمضانيات (29)
    بعض ما قيل في الحاكم والسلطان
    من عيون الأخبار
    بتصرف : د: عثمان قدري مكانسي


    - نحن الآن في روضة من رياض كتاب " عيون الأخبار " عنوانها " كتاب السلطان " نرى فيها حَكَم القدماء وتجاربهم في التعامل بين السلطان والرعية ، نتأمل العلاقة بين طرفي الحياة الإنسانية – الحاكم والمحكوم -
    - قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى : قرأت في اليتيمة – يتيمة الدهر للثعالبي -
    "مَثـَلُ قليلِ مَضارِّ السلطان في جنب منافعه
    1- مثـَلُ الغيث الذي هو سقيا اللّه وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذى به السّفر ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق وتدرّ سيوله فيهلك الناس والدواب وتموج له البحار فتشتدّ البليّة منه على أهله فلا يمنع الناس، إذا نظروا إلى آثار رحمة اللّه في الأرض التي أحيا ، والنبات الذي أخرج ، والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر، أن يعظموا نعمة ربهم ويشكروها ويُلغوا ذكر خواصّ البلايا التي دخلت على خواصّ الخلق. (وأقول : قد تكون النعم التي يعيش بها الكثير ويتلذذون بها أذى عند بعضهم الآخر فليس في حياة البشر خير محض للجميع ، فما تراه إيجابياً هنا تجده غير ذلك هناك ).
    2- ومثـُل الرياح التي يرسلها اللّه نشـُرا بين يديّ رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحاً للثمرات و أرواحاً للعباد يتنسمون منها ويتقلبون فيهم، وتجري بها مياههم، وتتقد بها نيرانهم وتسير بهم أفلاكهم. وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ويخلص ذلك إلى أنفسهم وأموالهم فيشكوها منهم الشاكون ويتأذّى بها المتأذّون ولا يزيلها ذلك عن منزلتها التي جعلها اللّه بها وأمرها الذي سخرها له من قوام عباده وتمام نعمته.
    3- ومثل الشتاء والصيف اللذين جعل اللّه حرّهما وبردهما صلاحاً للحرث والنسل ونتاجاً للحب والثمر، يجمعها البرد بإذن الّله ويحملها ويخرجها الحرّ باذن اللّه وينضجها مع سائر ما يعرف من منافعها، وقد يكون الأذى والضرّ في حرّهما وبردهما وسمائمهما ( جمع سموم وهي الريح الحارّة ) وزمهريرهما وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الخير والصلاح.
    4- ومن ذلك الليل الذي جعله اللّه سكناً ولباساً وقد يستوحش له أخو القفر، وينازع فيه ذو البليّة والرّيبة وتعدو فيه السّباع وتنساب فيه الهوامّ ويغتنمه أهل الّسرق والسّلّة( المتسللون )، ولا يزري صغير ضرره بكثير نفعه، ولا يلحق به ذمّا ولا يضع عن الناس الحقّ في الشكر اللّه على ما منّ به عليهم منه.
    5- ومثل النهار الذي جعله اللّه ضياء ونشوراً وقد يكون على الناس أذى الحرّ في قيظهم ، وتصبّحهم فيه الحروب والغارات ويكون فيه النّصب والشّخوص( القلق والهمّ ) وكثير مما يشكوه الناس ويستريحون فيه إلى الليل وسكونه. ولو أن الدنيا كان شيءٌ من سرّائهم يعم عامة أهلهم بغير ضرر على بعضهم وكانت نعماؤهم بغير كدر وميسورها من غير معسور كانت الدنيا إذاً هي الجنة التي لا يشوب مسرتها مكروه ولا فرحَها ترحٌ والتي ليس فيهم نصب ولا لغوب، (كل جسيم من أمر الدنيا يكون ضرّه خاصةً فهو نعمةٌ عامة، وكل شيء منه يكون نفعه خاصاً فهو بلاءٌ عام ) "
    - وكان يقال: "السلطان والدين أخوان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر".

    - قال ابن قتيبة : وقرأت في التاج لبعض الملوك: "هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بكل شيء يجلّ ، وألباب السّوق مشغولة بأيسرالشيء، فالجاهل منهم يعذر نفسه بَدَعَة ما هو عليه من الرِّسلة ( الرخاء ) ولا يعذر سلطانه مع شدّة ما هو فيه من المؤونة، ومِن هناك يعزّر اللّهُ سلطانـَه ويرشده وينصره". أقول : رحم الله ابن قتيبة ، كان يحسن الظن بالسلاطين والملوك ، ولو علم ما نحن فيه من بلاء الحكام وجورهم على شعوبهم ، وخنوعهم للعدوّ وسفاهة الغالب منهم ، وإمّعتهم ، وبعدهم عن الحق لما قال ما قال .
    - سمع زياد ابن أبيه رجلاً يسب الزمان فقال: "لو كان يدري ما الزمان لعاقبته، إنما الزمان هو السلطان. - وكانت الحكماء تقول: "عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان"
    - وروىالهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: "أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم فقال: يا بني هاشم، ألاتحدّثوني عن ادعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم ، أبالرضا بكم أم بالاجتماع عليكم دون القرابة ؟ أم بالقرابة دون الجماعة أم بهما جميعاً? فإن كان هذا الأمر بالرضا والجماعة دون القرابة فلا أرى القرابة أثبتـَتْ حقاً ولا أسّسَتْ ملكاً، وإن كان بالقرابة دون الجماعة والرضا فما منع العباس عمّ النبي ووارثه وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن له أبو سفيان بني عبد مناف ؟ وإن كانت الخلافة بالرضا والجماعة والقرابة جميعاً فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة لا تكون الإمامة بها وحدها وأنتم تدّعونها بهم وحدها، ولكنا نقول: أحق قريش بهم من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة عليهم ونقلوا أقدامهم إليه الرغبة وطارت إليه أهواؤهم للثقة وقاتل عنها بحقها فأدركها من وجههم. إن أمركم لأمرٌ تضيق به الصدور، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم حقٌّ. فإن كانوا اجتمعوا على حقّ فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم. انظروا: فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسّلموا إليهم ، فإنه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه الناس لكم. فقال ابن عباس: ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقّه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا عليّنا حقًّا ضيّعوه وحظًّا حُرِموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطىء الورد والصّدر، ولا ينقص فضلَ ذي فضلٍ فضلُ غيره عليه. قال اللّه عز وجل: "ويؤت كلّ ذي فضلٍ فضله"، فأما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله فعهدٌ منه إلينا قبلنا فيه قوله ودِنّا بتأويله، ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الذي نهم نا عنه لأخذناه أو أعذَرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقه إنما المعيب من يطلب ما ليس له، وكل صواب نافعٌ ، وليس كل خطأ ضارّاً، انتهت القضية إلى داود وسليمان فلم يُفـَهـَّّمها داود وفـُهـِّمها سليمان ولم يضرّ داود. فأما القرابة فقد نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع، قال رسول اللّه: "أنت عمّي وصنو أبي ومن أبغض العباس فقد أبغضني، وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوّتي آخر النبوّة وقال لأبي طالب عند موته: "يا عم قل لا إله إلا اللّه أشفع لك بها غداً ، وليس ذاك لأحد من الناس.( والمقصود بذلك أنه حضره الموت وهو في الغرغرة ) قال اللّه تعالى: "وليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ولا الّذين يموتون وهم كفّارٌ أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً".
    - وقال كسرى لشيخ جالس عنده : "لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهرٌ جارٍ".أقول : كان قول كسرى حكمة ، فما من مكان وجد فيه هذه الأمور الخمسة إلا كان ممرعاً وكانت الحياة فيه هنيّة للعامة
    - وسأل أبو هريرة رضي الله عنه العجاج : ممن أنت? قال: قلت من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقعان الشأم ( خدمهم وعبيدهم ) ، فيأخذوا صدقتك فإذا أتوك فتلقّهم بها ، فإذا دخلوها فكن في أقاصيهم وخلّ عنهم وعنها. وإيّاك أن تسبّهم ، فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك ، وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة"، وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا أتاك المصدّق( من يجمع الضرائب ) فقل: خذ الحق ودع الباطل، فإنْ أبى فلا تمنعْه إذا أقبل ، ولا تلعنه إذا أدبر فتكونَ عاصياً خفـَّف عن ظالم".
    - وكان يقال: "طاعة السلطان على أربعة أوجه: على الرغبة، والرهبة، والمحبة، والديانة ".
    - وقال ابن قتيبة : وقرأت في بعض كتب العجم كتباً لأردشير بن بابك إلى الرعية،: "من أردشير الموبَذ ذي البهاء ملك الملوك ووارث العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حملة الدين، والأساورة الذين هم حفـَظة البيضة، والكتـّاب الذين هم زينة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عمرة البلاد. السلام عليكم، فإنا بحمد اللّه صالحون وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتها الموظّفة عليهم. ونحن مع ذلك كاتبون إليكم بوصية: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدوّ، ولا تحتكروا فيشملكم القحط، وتزوّجوا في القرابين فإنه أمسّ للرحم وأثبت للنسب، ولا تعدّوا هذه الدنيا شيئاً فإنها لا تبقى على أحد ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها". أقول : هذا دليل افهم والحكمة والتجربة ،إلا أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقد نصح بالزواج من أباعد النساء كي يُحافظَ على النسل ، فلا يضوى ، وقد أثبت العلم الطبي صحة ما ذكره الفاروق رضي الله عنه .
    - وكتب أرسطاطاليس إلى الاسكندر كتاباً يقول فيه : "املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإن طلبك ذلك منهم باحسانك هو أدوم بقاءً منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّهم إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل".
    - وقال بعض ملوك العجم في خطبة له: "إني إنما أملك الأجساد لا النيات ، وأحكم بالعدل لا بالرضا ، وأفحص عن الاعمال لا عن السرائر".
    ونحوه قول العجم: "أسـْوَسُ الملوك من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها".
    وقالوا: " لا ينبغي للوالي أن يرغب في الكرامة التي ينالها من العامة كرهاً ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب الرأي والتدبير".
    - وكان أنوشروان إذا ولّى رجلاً أمَرَ الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه فإذا أتي بالعهد وقّع فيه: " سـُسْ خيار الناس بالمحبة ، وامزج للعامة الرغبة بالرهبة ، وسـُسْ سفلة الناس بالإخافة".
    - قال المدائني: " قدم قادم على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: هل من مُغـَرّبة خبر? قال: نعم، نزلت بماء من مياه الأعراب فبينا أنا عليه إذ أورد أعرابي إبله ، فلما شربَت ْ ضرب على جنوبها وقال عليكِ زياداً. فقلت له: ما أردت بهذا? قال: هي سدًى، ما قام لي بها راعٍ مذ ولِيَ زياد. فسرّ ذلك معاوية وكتب به إلى زياد". أقول :ولقد قال الأقدمون : إن العدل أساس الملك ، وهذا كان شأنَ زياد فقد جمع بين اللين والشدة والعدل فارتاح الناس .
    - قال عبد الملك بن مروان: "أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل اللّه أن يعين كلاً على كل".
    - وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "إن هذا الأمر ( سياسة الأمة ) لا يصلح له إلا اللّيّن في غير ضعف والقويّ في غير عنف".
    وقال عمر بن عبد العزيز: "إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمراً من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فإن فرّت القلوب من هذا سكنت إلى هذا".
    - قال معاوية: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرةً ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك? قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها". هكذا ينبغي أن يكون الحكام ، وقد غابت عن الكثير منهم فكانوا كالذئاب فظاظة ، وكالثعالب مراوغة .
    - ونحو هذا قول الشّعبي فيه: "كان معاوية كالجمل الطّبّ، إذا سـُكت عنه تقدّم وإذا رُدّ تأخر( والجمل الطبّ الحاذق بالمشي وهو الذي لا يضع قوائمه إلا حيث يُبصر ) وقول عمر فيه: "احذروا آدم قريش وابن كريمها ، من لا ينام إلا على الرضا ويضحك في الغضب ، ويأخذ ما فوقه من تحته".
    وأغلظ له رجل فحلم عنه ، فقيل له: أتحلم عن هذا? فقال: "إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا".
    - كان يقال: "لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة".
    - قال زياد: "أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سماناً ما سمنوا".
    - وكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته ، فكتب إليه: "إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحـَرِب الحازم في أمره، وقلّدت الخراج الموفرّ لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسماً يعطيه حظّاً من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النّطِف ( المريب )المسيء ، والثواب إلى المحسن البريء فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب".
    - وكان يقول لأهل الشام: "إنما أنا لكم كالظّليم الرائح عن فراخه: ينفي عنها القذر ويباعد عنها الحجر، ويكنّها من المطر ، ويحميها من الضّباب ، ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام نحن الجُنّة والرداء ، وأنتم العدّة والحِذاء".
    - فخر سـُليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية: "اسكت ما أدرَكَ صاحبك شيئاً قطّ بسيفه إلا وقد أدركتُ أكثر منه بلساني".
    - وسأل الوليدُ أباه عبد الملك : يا أبت ما السياسة? قال: "هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها ، واقتيادُ قلوب العامة بالإنصاف لها ، واحتمالُ هفواتِ الصّنائع".
    - وفي كتب العجم: "قلوب الرعية خزائن ملوكهم فما أودعتهم من شيء فلتعلم أنه فيها".
    - ووصف بعض الملوك سياسته فقال: "لم أهزل في وعد ولا وعيد ، ولا أمر ولا نهي ، ولا عاقبت للغضب واستكفيت على الجزاء ، وأثبُتُ على العناء لا الهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت ، وودّا لم تشـُبه جرأة ، وعمّمت بالقوت ومنعت الفضول".
    - قال أبرويز لابنه شيرويه وهو في حبسه: "لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ، ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصداً ن وامنعهم منعاً جميلاً ، ووسّع عليهم في الرجاء ، ولا توسّع عليهم في العطاء".
    - ونحوه قول المنصور في مجلسه لقوّاده: صدق الأعرابي حيث يقول: أجع كلبك يتبعك. فقام أبو العباس الطّوسي فقال: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك.
    - وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعريّ: "أما بعد، فإن للناس نفرةً عن سلطانهم فأعوذ باللّه أن تدركني وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما للّه، والآخر للدينا فآثر نصيبك من اللّه ، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفسّاق وأجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً، وعُد مرضى المسلمين ، واشهد جنائزهم ، وافتح لهم بابك ، وباشر أمورهم بنفسك ، فإنما أنت رجل منهم غير أن اللّه جعلك أثقلهم حملاً، وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلهم ، فإياك يا عبد اللّه أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بوادٍ خصيب فلم يكن لها همٌّ إلا السّمن ، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيّته، وأشقى الناس من شقي الناس به، والسلام". فلو كان حكام الأمة كما قال الفاروق عمر لكنا خير الناس ، ولكن صار الحكم مغنماً وتركه مغرماً
    - كلم الناسُ عبدَ الرحمن بن عوف أن يكلم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم ، فإنه قد أخافهم حتى إنه قد أخاف الأبكار في خدورهنّ. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك، إنهم لو يعلمون ما لهم عندي ( من الحب والرحمة )لأخذوا ثوبي من عاتقي".
    - قال: وتقدمت إليه امرأة فقالت: "يا أبا عمر حفص، اللّه لك. فقال: ما لك أعقِرتِ? أي دهشت، فقالت: صلعتُ فرقتك.وهي تريد ( فرقتُ صلعتَك ) تريد أنها نظرت إليه فخافته
    قال أشجع السلميّ يذكر رأيه في صفة السلطان :
    لا يُصلح السلطانَ إلا شدّة تغشى البرء بفضل ذنب المجرم
    ومن الولاة مُقَحّم لا يُتّقى والسيف تقطر شفرتاه من الدم
    أقول : هذا الذي أوصلنا إلى الذل والخوف ، فالبريء يُؤحذ بجريرة المذنب ، وطعت القوة على الحق واختلط الجابل بالنابل .
    - كان يقال: "شر الأمراء أبعدهم من القرّاء، وشر القرّاء أقربهم من الأمراء".
    والمقصود : بئس العلماء على أبواب الأمراء ، ونعم الأمراء على أبواب العلماء .
    - كتب عامل لعمر بن عبد العزيز على حمص إلى عمر: "إن مدينة حمص قد تهدّم حصنها ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه فكتب إليه عمر: "أمّا بعد، فحصّنهم بالعدل، والسلام".
    - وأخيراً ذكر أعرابي أميراً فقال: "كان إذا ولِيَ لم يطابق بين جفونه ، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم ، شاهد معهم، فالمحسن راجٍ والمسيء خائفٌ ".

     



     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية