صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    قضية انتقاص النبي ... وخطورة الاضطراب في منهجية البحث

    سلطان بن عبدالرحمن العميري


    بسم الله الرحمن الرحيم


    المتابع للحراك السعودي على الخصوص يجد أنه كثيراً ما يتوجه بعض الباحثين من بعض الاتجاهات إلى التراث بحثاً عما يمكن أن يكون مستنداً لقوله أو مقارباً له على الأقل.

    وهذا الحال يتبدى بصورة غريبة في قضية انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم, فقد أخذت بعض المجموعات تنقب في التراث وتبحث فيه ويظهر من حالها أن الهم المسيطر عليها هو محاولة العثور على ما يمكن أن ينقض الإجماع الذي قرره عشرات العلماء أو الوقوف على شواهد تاريخية تمثل إشكالاً على الأحكام المقررة لساب الله ورسوله.

    وهذا التوصيف ليس قدحاً في النية ولا في مقصد أولئك الباحثين بقدر ما هو محاولة للتوصيف الدقيق للعقلية التي يسير عليها بعضهم وغدت تمثل نمطاً من البحث مطرداً في أكثر القضايا المطروحة.

    وكنت أحسب أن الإشكالية المطروحة والمعارضة المطروقة هي في حكم الساب للرسول بعد التوبة. ومن المعلوم أن هذه القضية مسألة خلافية اجتهادية, اختلف فيها علماء الإسلام قديماً وحديثاً .. ولكن البحث توجه في عدة مشاهد منه إلى محاولة إثارة الشكوك والتردد على حكم السب نفسه وعلى حقيقة ما يدخل في باب السب والانتقاص.

    وحتى لا نكون ممن يستعجل في الحكم على أقوال الآخرين أو يصدر الأحكام عليها من غير بينة, وحتى ينكشف لك -أخي القارئ الكريم -مقدار الخلل العلمي في بحث تلك القضايا ومقدار الانحراف عن الانضباط في منهجية البحوث الشرعية عند البعض دعني أتعرض لبحث ثلاث قضايا رئيسية, وهي:


    الأولى :
    حكم سب الله ورسوله من حيث الأصل.
    الثانية : تحرير حقيقة السب المكفر والموجب للقتل.
    الثالثة : قبول توبة الساب وسقوط القتل عنه.

    ولا بد من التنبيه ابتداء على أن الغرض من بحث هذه القضايا ليس استيعاب الكلام فيها وإنما محاولة الكشف عن الأسس المنطقية والشرعية التي يقوم عليها الموقف الذي أيد الإجماع في قضية سب الله ورسوله, وإظهار كمية الجهد الذي بذله الفقهاء في تأصيل هذه القضايا وتأسيسها, ومحاول الكشف أيضاً عن مواطن الخلل المنهجي والبحثي والاستدلالي في المحاولات التي سعت إلى القدح أو التشكيك في ذلك الموقف.

     



    القضية الأولى : حكم سب الله ورسوله من حيث الأصل:


    الذي يرجع إلى كتب الفقه والعقائد يجد أن العلماء ناقشوا هذه القضية من جهات عديدة واستوعبوها بحثاً وتنظيراً, بحيث أن بحثوهم فيها تحتمل أن يكتب فيها رسائل جامعية, فقد ناقشوا حكم السب نفسه وأصناف الواقعين في السب - سواء كان من المسلمين أو من الكفار - , وحكم كل صنف, ورصدوا الأدلة الدالة على حكم ساب الله ورسوله, ورصدوا الأدلة التي تفيد في ظاهرها ما يخالف ما توصلوا إليه وأجابوا عنها, وتتبعوا كلام العلماء فتوصلوا إلى أن القضية مجمع عليها من لدن الصحابة إلى من جاء بعدهم, وأشاروا إلى أن بعض العلماء خالف هذا الإجماع وردوا عليه مخالفته .. وهناك جهات أخرى كثيرة تناولوها حول هذا الموضوع .

    والمحصل في كلامهم أن الإجماع مستقرٌ على أن من سب الله ورسوله كافر مستحق للقتل إن لم يتب.

    وقد توارد العلماء على اختلاف مذاهبهم الفقهية على نقل الإجماع على هذه القضية, فقد نقله ابن المنذر، والقاضي عياض، ومحمد بن سحنون، والخطابي، وابن راهويه، وتقي الدين السبكي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم كثير، وأتصور أن نقل كلامهم ليس له حاجة هنا لأنه معلوم ومنتشر لدى الباحثين.

    وحين نتأمل في موقف العلماء (الإجماعي) نجده موقفاً مؤسساً على أصول وأدلة شرعية عديدة تؤكد صحة الإجماع الذي تواردوا عليه.

    وخلاصة الأدلة التي اعتمد عليها العلماء في إجماعهم على كفر ساب الله ورسوله ووجوب قتله تنقسم إلى ثلاثة أنواع, وهي:


    النوع الأول :
    النصوص الشرعية, وهي نصوص كثيرة في عددها, وقد جمعها عدد من المحققين كتقي الدين السبكي وابن تيمية, ورصد ابن تيمية -وحده -في كتابه الصارم المسلول أكثر من عشرين نصاً شرعياً يدل على كفر ساب الله ورسوله ووجوب قتله.

    ومن الصعب جداً ذكر كل النصوص الشرعية التي استند إليها العلماء في حكمهم على ساب الرسول عليه الصلاة والسلام هنا, وحتماً لا أستطيع تصوير بحوثهم بالصورة العميقة التي هي عليها في تلك المؤلفات, ولكن حسبنا أن نشير إلى بعضها:

    الدليل الأول :
    قوله تعالى : {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ** يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِين ** أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيم}[التوبة:63].

    وقد أطال العلماء في بيان وجه الاستدلال من هذه الآية، وخلاصته هو: أن الله جعل إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم داخلاً في محادة الله ورسوله, والله تعالى حكم على المحاد بالإذلال والخزي كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِين}[المجادلة:5] , وحكم على مؤذي الرسول باللعن في الدنيا والآخرة وبالعذاب الأليم, كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}[الأحزاب:57] , وقال تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}[التوبة:61]

    وهذا يدل على أن ساب الرسول ومنتقصه كافر مستحق للقتل, وهو دليل مركب في غاية القوة.

    الدليل الثاني :
    الشواهد التي قُتل فيها عدد من اليهود الذين تعرضوا لسب النبي صلى الله عليه وسلم , وهي شواهد متكاثرة .

    ووجه الاستدلال بهذه الشواهد: أن أولئك اليهود كانوا معصومي الدم لأنهم من يهود المدينة، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وأمان, ومع هذا حكم بقتلهم, فدل ذلك على أن موجب القتل هو كونهم سبوا النبي عليه الصلاة والسلام, ولو كان قتلهم لأجل كفرهم لقتل كل اليهود الذين كانوا معهم.

    النوع الثاني :
    إجماع الصحابة , فقد نقلت عنهم قضايا متعددة حكموا فيها بكفر وقتل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم, ولم ينقل مخالف لهم, وفي تصوير إجماعهم يقول ابن تيمية: "وأما إجماع الصحابة فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض ولم ينكرها أحد منهم فصارت إجماعاً, واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذا الطريق", ثم أخذ في نقل تلك الشواهد.

    النوع الثالث:
    الضرورة العقلية, أكد المحققون من أهل السنة على أن هناك قضايا لا تدخل في قاعدة الإعذار بالجهل والتأويل، ولا يشملها أصل التفريق بين الفعل والفاعل, ومن تلك القضايا: قضية سب الله ورسوله, ومستندهم في ذلك قائم على معادلة علمية عميقة, ترجع إلى أن العلماء إنما احتاجوا إلى التحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه لأجل أن بعض المخالفات الكفرية لا تكون بنفسها مناقضة لأصل الإقرار بالعبودية لله ولا لأصل التعظيم والرضا بالله ورسوله, وبالتالي كان لا بد من التحقق من حال ذلك الرجل, ولكن هناك أفعال مناقضة بنفسها لأصل التعظيم والرضا بالله ورسوله وتدل دلالة ضرورية على انتفاء ذلك من القلب, فلا داعي إذن للتحقق من الشروط والموانع, وإنما يحكم على فاعلها بمجرد فعله بالكفر والخروج من الإسلام, ومن أشهر تلك المكفرات: سب الله ورسوله.

    والعلماء في هذا الموطن يفرقون بوضوح بين البحث في حكم السب نفسه, وبين البحث في حقيقة ما صدر من العبد هل يدخل في السب أم لا .. وسيأتي لها تفصيل في القضية الثانية.

    معارضات ثانوية :


    مع استقرار الإجماع على كفر ساب الرسول وعلى وجوب قلته إلا أنه قد وجدت هناك معارضات عبر التاريخ الفقهي لذلك الإجماع, وحين وقف بعض الباحثين على شيء من تلك المعارضات أخذ يلوح بها, وسعى إلى القدح في الإجماع المستقر من لدن الصحابة في قضية سب الله ورسوله.

    دعونا نقوم باستعراض تلك المعارضات, ونحقق من حالها, هل فعلا يمكن أن ينتقض بها الإجماع أم لا؟!! وهل كان العلماء الذين نقلوا الإجماع في غفلة عنها, أم أنهم كانوا على بينة منها؟!!

    حين نرجع إلى المؤلفات المختصة في حكم ساب الرسول نجد أنهم لم يغفلوا تلك المعارضات, وإنما ذكروها ونبهوا على ضعفها وقصورها عن نقض الإجماع, ومن أجمع من ذكر ذلك القاضي عياض، وتقي الدين السبكي نقلاص عنه .

    وحاصل ما ذكروه ثلاث صور ظهرت فيها معارضة الإجماع , وهي:


    1-
    ما ذكره أبو يعلى عن بعض الفقهاء أنه قال عن ساب الرسول: إن كان مستحلاً كفر, وإن لم يكن مستحلاً فسق ولم يكفر كساب الصحابة.
    وقد حاول بعض الباحثين أن ينسب هذا القول إلى أبو يعلى نفسه, ولكن الأمر ليس كذلك فقد صرح أبو يعلى الحنبلي بكفر ساب الرسول مطلقاً في أول كلامه حيث يقول: "من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أم لم يستحله".

    2-
    ما حُكي عن بعض فقهاء أهل العراق أنه أفتى هارون الرشيد فيمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجلد, حتى أنكر عليه مالك ورد هذه الفتيا.

    3- ما ذكره ابن حزم من أن المستهزئ بالنبي عليه الصلاة والسلام جاهلاً يعذر بالجهل ولا يكفر.

    ولو قمنا بتحليل هذه الأخبار والفتاوى وأدخلناها في معامل الفحص المنهجي لاكتشفنا أنها لا تصلح للاعتماد عليها في القدح في الإجماع, ويتبين ذلك من وجوه:


    الوجه الأول : أن هذه الفتاوى مسبوقة بإجماع سابق وهو إجماع الصحابة والتابعين, فلا عبرة بها؛ لمخالفتها للإجماع السابق.

    ومن أراد أن ينقض الإجماع الذي استقر لدى الصحابة أو التابعين فعليه أن يثبت أن المخالفة له حصلت في ذلك العصر, ولا يصح له أن يستدل بمخالفة من جاء بعدهم؛ لأن من جاء بعدهم محجوج بالإجماع المستقر قبله.

    الوجه الثاني :
    أنها مواقف وفتاوى مجملة ومبهمة, فنحن لا نعرف عن أولئك الفقهاء الذين نقل عنهم أبو يعلى شيئاً, ولا نعرف منزلتهم العلمية ولا قدراتهم الفقهية, ولا نعرف أصولهم العقدية التي انطلقوا منها هل هم من المرجئة الخالصة أم من غيرهم, ثم إن مواقفهم مجملة غير مفسرة, فإن هناك احتمال كبير أن كلامهم كان منصباً على صورة مخصوصة وليس على نفس قضية سب الرسول, بمعنى أن كلاهم كان حول حكم صورة محددة كانوا ينازعون في كونها سباً, وما أكثر الخطأ في نقل المذاهب, فكيف يعتمد عليها في مخالفة إجماع مستقر مفصل ومبين لدى العلماء .

    وهناك أوجه أخرى ذكرها القاضي عياض وغيره من الفقهاء حول تلك الاعتراضات.

    فمع هذه الأوجه هل من المقبول منهجيا ومعرفيا أن يقدح الإجماع بتلك الأخبار ؟!!

     



    القضية الثانية : تحرير حقيقة السب المكفر والموجب للقتل:


    يفرق العلماء بوضوح بين البحث في حكم السب نفسه , وبين البحث في حقيقة ما صدر من العبد هل يدخل في السب أم لا .. فالقضية الأولى لم يكن محل خلاف بينهم .. وأما القضية الثانية فهي متنوعة فبعض صورها صريح لا يقع التردد في كونه سباً, وفي بعض صورها تكون داخلة في مجال الاجتهاد, بمعنى أنهم قد يختلفون في بعض الصور هل هي داخلة في سب الله ورسوله أو لا.

    وقد نص على ذلك عدد من العلماء كتقي الدين السبكي، وابن تيمية وغيرهم, وأكدوا على أن المسلم إذا تلفظ بكلمة لا يعلم أنها سب لا يكفر, لا لأن الجهل عذر في قضية سب الرسول، وإنما عُذر من جهة عدم قصده لإيقاع السب، وتحديد ما يدخل في مفهوم السب ولا ما يدخل فيه، وفي هذا يقول ابن تيمية: "الفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه ولم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه و يكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما إذا قصد أذاه وكان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه وأقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر و حبوط العمل" (الصارم المسلول 1/59) .

    فقد يمنع بعض العلماء الكفر عن بعض الأشخاص الذين صدر منهم ما يدخل في السب لا لأن سب الرسول ليس كفراً عنده, وإنما لأنه يرى أن ما صدر منه ليس سباً.

    والغريب أن بعض الباحثين لم يميز بين هذين الموقفين, فلما رأى بعض العلماء المتقدمين والمعاصرين لم يكفر بعض ما صدر منه ما هو سب في ظاهره ظن أنه يخالف الإجماع في كفر الساب للرسول, والحقيقة أن الأمر ليس كذلك, وإنما كان كلامه منصباً على حقيقة ما صدر من ذلك المعين.

    وحين نرجع إلى بحوث العلماء في قضية سب الله ورسوله نجدهم لم يهملوا البحث في حقيقة السب للموجب للكفر والقتل, وإنما على العكس من ذلك فقد اهتموا بها كثيراً , وعقدوا لها أبوابا مستقلة, فقد عقد تقي الدين السبكي باباً قال فيه (الباب الثالث: في بيان ما هو سب من المسلمين والكفار) , وكذلك فعل ابن تيمية حيث يقول: (المسألة الرابعة: في بيان السب المذكور والفرق بينه وبين الكفر), وذكروا صوراً وأشكالاً عديدة لما يدخل في باب السب.

    وخلاصة ما نخرج به من كلامهم حول هذه القضية: هو أن الحكم بالكفر والقتل ليس خاصاً بالسب الصريح أو بالقذف كما صور بعض الباحثين, وإنما يشمل دائرة واسعة تستوعب كل من انتقص النبي صلى الله عليه وسلم أو استخف به أو سبه أو دعا عليه أو قدح في عرضه أو غير ذلك مما يدخل في الانتقاص والاستخفاف بشخص النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته.

    فعن ابن أبي أويس قال : "سمعنا مالكا يقول: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابة أو تنقصه قتل مسلماً كان أو كافراً ولا يستتاب", فتلاحظ أن مالكاً هنا لم يقصر الحكم على السب الصريح فقط .

    وقال أحمد - كما روى حنبل عنه -: "كل من شتم النبي أو تنقصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل" .

    وقال القاضي عياض في نص مفصل: "جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهة بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له , فهو ساب له , والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه , ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد , ولا يمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً , وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه , وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا"

    وقد لا يوافق القاضي على الإجماع في كل التفاصيل التي ذكرها, ولكن كلامه يدل في مجمله على حكم التكفير والقتل لمن تعرض لجناب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس منحصراً في السب الصريح, وإنما هو شامل لكل ما يظهر فيه الانتقاض والازدراء والاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم, سواء كان بالسب الصريح أو بغيره.

    والشيء الجديد الذي حدث مع حادثة انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الباحثين حاول أن يصور بأن العقوبة لا تنزل إلا على السب الصريح فقط, وفي تصوري أن هذا الرأي ليس صحيحاً ولا يستقيم مع ما يذكره العلماء في تقريراتهم .

    وقد بين السبكي الضابط المعتبر في تحديد السب من غيره فأرجعه إلى العرف حيث يقول: "والمرجع فيما يسمى سبا وما لا يسمى سباً إلى العرف " , وهذه النتيجة هي التي توصل إليها ابن تيمية أيضاً.

    والنتيجة المهمة في حقيقة السب أنه ليس له ألفاظ مخصوصة وإنما يرجع في غالب صوره إلى ما يعده عقلاء الناس في أعرافهم سباً, وهذا الحال يختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص, فقد يصدر من شخصين مقولة واحدة تكون من أحدهما انتقاصاً موجباً للكفر والقتل ولا تكون من الآخر كذلك.

    وقد أخذ بعض المعاصرين في محاولة إثارة الشكوك حول حقيقة ما يدخل في السب, فبدأ يسلط الأضواء على بعض العبارات التي صدرت من بعض العلماء, كالزمخشري وغيره, ليتوصل بها إلى إشكالية الموضوع واضطرابه لدى العلماء.

    وقبل أن نناقش هذه القضية لا بد من الإشارة إلى أنه غفل عن حادثة شهيرة في التاريخ وهي حادثة الإفك, فإن مسطح وحسان بن ثابت وحمنة قذفوا عائشة في عرضها -زوج النبي- ولم يكفرهم النبي عليه الصلاة والسلام ولم يأمر بقتلهم, مع أنه صلى الله عليه وسلم قال عن أبي بن كعب: "من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي" .

    والقصد إلى الإشارة إلى هذا المثال هو التأكيد على أن العلماء الذي حكوا الإجماع على كفر ساب الرسول وجوب قتلهم وتحدثوا عن حقيقة سبه وانتقاصه لم يكونوا في غفلة عن الاعتراضات والصور التي يمكن أن ترد على تقريرهم, فأشاروا إليها وقاموا بالجواب عنها, ولو رجعنا إليها لأمكننا أن نجيب على ما يمكن أن يرد على قضيتنا.

    وبخصوص حادثة الإفك فقد أجاب ابن تيمية عن حال أولئك الصحابة فقال: "وجوابه:


    1- أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي صلى الله عليه وسلم, ولم يظهر منهم دليل على أذاه , بخلاف ابن أبي الذي إنما كان قصده أذاه,

    2- ولم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواج له في الآخرة وكان وقوع ذلك من أزواجه ممكنا في العقل؛ ولذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم في القصة حتى استشار علياً و زيداً, وحتى سأل بريرة فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم لإمكان أن يطلق المرأة المقذوفة , فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال و لا يجوز ـ مع ذلك ـ أن تقع منهن فاحشة ؛ لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة بغي و أن تكون أم المؤمنين موسومة بذلك و هذا باطل و لهذا قال سبحانه : {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين}" ( الصارم 102) .

    وهذا يدل على أن الطريقة التي تحدث بها المعين والألفاظ التي استعملها وحاله في حياته وسلوكه وسياق كلامه وسباقه كل ذلك له أثر في اعتبار حقيقة ما يصدر منه, وهل يصل إلى درجة الكفر أم لا؟! , وهذه المنهجية تنفع كثيرا في طريقة التعامل مع ما صدر من بعض العلماء , ونستطيع من خلالها تحديد مقدار الخطأ الذي وقعوا فيه.

    وهنا أدعوك أخي القارئ إلى أن تقارن بين الطريقة التي اعتمدها العلماء في التعامل مع جميع تلك الشواهد, وتتأمل في منهجية التوفيق التي استعملوها والطريقة البنائية التي اعتمدوها, وبين الطريقة التي يستعملها بعض المعاصرين ممن لم يحرص على بيان الموقف الرشيد ولم يحرص على إظهار التوفيق بقدر ما يقتصر فقط على إثارة ما يظنه إشكالا, وكأن العلماء في غفلة عنه!!

     



    القضية الثالثة : حكم قبول توبة الساب:


    تعد هذه القضية من المسائل الاجتهادية التي لا ينكر على المخالف فيها, وقد أكد العلماء قديما على كونها اجتهادية, وكذلك أكد عدد من طلبة العلم والدعاة من أول ما أعلن منتقص الرسول توبته بأنها مسألة اجتهادية معتبرة, وكتبوا فيها تغريدات عديدة وضمنها بعضهم بحوثه ومقالاته قبل أن تظهر فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله.

    وليس من غرضنا الآن بحث هذه القضية وإنما المقصود التنبيه على عدة أمور منهجية حولها:


    التنبيه الأول :
    أن بعض الباحثين صور الخلاف في هذه القضية تصويراً سطحياً جداً , مع أنا لو تأملنا في طريقة العلماء المحققين في دراسة هذه القضية والحوار الذي دار حولها لوجدنا بحوثهم عميقة جداً, وقد أشاروا إلى المآخذ والمنطلقات التي تؤثر في هذه المسألة, وهل القتل فيها لأجل كونه حداً فلا يسقط بالتوبة كباقي الحدود الأخرى أم أنه ردة فيسقط بالرجوع إلى الإسلام, ولو تتبعنا استدلالاتهم حول القضية لوجدناها في غاية الدقة والعمق, انظر إلى تقي الدين السبكي ماذا يقول عن بحث ابن تيمية لهذه المسألة: "وقد وقفت على تصنيف لأبي العباس أحمد بن عبدالحليم ابن عبدالسلام ابن تيمية سماه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" , استدل فيه على تعيين قتله بسبع وعشرين طريقة أطال فيها وأجاد ووسع القول في الاستدلال والآثار وطرق النظر والاستنباط" ( السيف المسلول 309) .

    ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم قبول التوبة ووجوب القتل, لم يرسلوا الكلام إرسالاً, وإنما تحدثوا عن شروط تنفيذ الحكم وعن قيوده وعن ضوابطه, ومن الخطأ الكبير أن يصور هذا القول على أنه محاصرة للناس بالقتل أو أن أصحابه مصاصون للدماء وأنهم يريد تقطيع رقاب الناس أو أنهم متشددون لا يعرفون السماحة ولا الحوار .. كل هذه الأوصاف تعد من التعدي والظلم في بحث مسألة اجتهادية اختلف العلماء فيها من قديم الزمان, وفي المقابل ليس عدلاً أن يوصف القول بقبول التوبة وعدم قتل الساب بعد توبته بأنه تساهل في الدين وعدم احترام لجانب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا القول اختاره علماء أجلاء في القديم والحديث هم من أشد الناس تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وإذا انتقلنا بعد هذا التوصيف إلى طريقة بعض الباحثين ممن أراد الاعتراض على القول بوجوب القتل لوجدنا أنه لم يعط القضية حقها من البحث ولم يقف على أصول العلماء ومنطلقاتهم ومآخذهم , ولم يستوعب الوقوف على أدلتهم التي اعتمدوا عليها, وهذا في تصوري قصور ظاهر في منهجية البحث ونقص بين في شروطه.

    فضلا عنه أن بعض الباحثين حاول أن يستشكل على الحكم الشرعي بالتطبيقات التاريخية , وهذا إشكال منهجي كثيرا ما نشهده في سجالاتنا الحوارية, وهو ((الاستدلال بالتاريخ)) فإذا وجد أحداً انتقص الرسول في التاريخ فلم يكفر ولم يقتل أخذ يعتمد على هذه الصورة وكأنها دليل معتبر في بناء الأحكام الشرعية.

    ولا بد من التنبه على أن بعض المؤيدين أيضاً لم يكن انتصاره لقوله قوياً بالصورة التي تحدث بها الفقهاء السابقين وإنما أبرز شيئاً من الأدلة, فصور للناس أنه ليس إلا هذا الدليل فقط.

    الأمر الثاني :
    في منهجية التعامل مع المخالف في هذه القضية , فقد حرص البعض على أن يصور الخطاب الشرعي بأنه يرى أن القضية مجمع عليها محسومة ولا تقبل الخلاف, وأنه لما ظهرت فتوى ابن باز أخذ يتراجع عن هذا الموقف, يقول أحد الباحثين ((كل ما انتشر من مقالات قبل ذلك- فتوى ابن باز- ، يوحي بأن مسألة التوبة لم يقل بها أحد من العالمين)), وفي تصوري أن هذا التوصيف بهذا التعميم غير دقيق, بل هو خطأ ظاهر, فإن كثيراً من طلاب العلم أشاروا إلى الخلاف فيها قبل ظهور فتوى ابن باز, وأكدوا على كونها مسألة اجتهادية محضة, وكون بعض الباحثين استعمل أسلوباً أشعر بكونها إجماعية فهذا خطأ منه بلا شك ولكن لا يصح تعميمه أبداً على الخطاب الشرعي.

    وفي المقابل ربما تجد بعض طلاب العلم يتشدد في هذه القضية وربما يصدر أحكاماً قاسية على من خالف فيها, وهذا خطأ ومنكر يجب إنكاره وتوضيح الخلل فيها.

    والمتابع للسجال الذي وقع حول قضية ساب الرسول سيجد أخطاء منهجية كثيرة غير ما ذكر في هذا المقال. والله أعلم



    المصدر : رؤى فكرية


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    أعظم إنسان

  • اعرف نبيك
  • إلا رسول الله
  • الدفاع عن السنة
  • اقتدي تهتدي
  • حقوق النبي
  • أقوال المنصفين
  • الكتب السماوية
  • نجاوى محمدية
  • دروس من السيرة
  • مقالات منوعة
  • شبهات وردود
  • أصحابه رضي الله عنهم
  • أعظم إنسان
  • مواقع اسلامية