صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



المعاول التيميّة على القواعد الداعشيّة (1)
21/ 9/ 1437 هــ

بدر العامر
@bader_alamer


مقدمة :

إليكم يا حملة القصاصات التويترية :

هناك عمل ممنهج وكبيريقوم على الاستماتة لربط مشروع ابن تيمية العلمي والمعرفي بحالة العنف والإرهاب المعاصرة، وهي حاولة " توظيفية " من المدارس المناوئة لمشروع ابن تيمية منذ 700 سنة ،وصولاً إلى إدانة المدرسة السلفية والدولة الراعية لها ( المملكة العربية السعودية ) ، والمدرسة السنية بعامة ، ولذلك يحاول هؤلاء جاهدين استلال مقولات لابن تيمية بالبحث في تراثه الموسوعي الكبير لجذر ( ق ت ل ) أو ( ك ف ر) ، ثم نزع مقولاته من سياقاتها حتى يتم إقناع الناس بأن ما يفعله ابن تيمية هو تأسيس لجماعات العنف وخاصة " داعش "الحالة المتطرفة جداً في عالم الجماعات الإرهابية ، مع ما يصاحب ذلك من عدم فهم للمقولات المجتزأة والتدليس على الناس في فهمها ومعانيها .

إن هؤلاء يعتمدون على أمرين : التجهيل والتضليل ، ويعرفون أن الذهنية العامة للناس ليست ذهنية تحقيق علمي ، بل هي تقبل الطرح الدوغمائي الإثاري الذي يتقبل المطلقات بلا تفصيل ، ولا يحاول أن يكد ذهنه في التنقيب والفهم ، فيجدون سوقاً رائجة كبيرة ، وخاصة في وقت الضخ الإعلامي الكبير المستهدف تشويه الإسلام بتعاليمه من خلال تشويه حملته ودعاته وعلمائه .. ويسطحون الطرح بالنظر إلى المشتركات اللفظية أو الاعتماد الفكري لبعض هذه الحركات على نصوص لابن تيمية وغيره ، ويجعلون مجرد هذا إدانة لابن تيمية وينسون ان هذه الجماعات تعتمد كذلك على نصوص الكتاب والسنة كذلك وليس على أقوال العلماء فحسب .

ولأن تراث ابن تيمية تراث عظيم وكبير ، وعيي عن الإحاطة إلا لمن تفرغ له سنوات ليقرأ كتبه المتنوعة الفنون في العقائد والأفكار والفقه والسياسة والتاريخ ، ويحتاج الإنسان لقراءة ابن تيمية أن يكون محيطاً بأصول علمية وشرعية حتى يستطيع أن يستوعب أفكاره الشرعية والتأصيلية ، إذ ان ابن تيمية يخاطب حين يسأل أو يكتب ويؤلف المنتهين من طلبة العلم ، وهذا يجعل الاعتماد على النقولات المجتزئة ، أو المقولات منزوعة السياق غير مبينة لمنهج ابن تيمية ولافكره ولا آراءه إلا بقراءة شمولية لتراثه الكبير،وفيها بغي وظلم وعدوان على المنهج العلمي والأخلاقي

والباحث في جماعات العنف المعاصرة و وأصولها الفقهية والفكرية وتأسيسها النظري يجد أنها تعتمد على " كليات " كبرى تؤسس لحالة العنف في حركة الجماعة وفكرها ووعيها ، وما التنظيم ، والاستقطاب ، والتخطيط والقتال والقتل و العنف إلا "ثمرة " لايدلوجيا عريضة تأسست عبر منظرين ومفكرين لهم مشروعهم السياسي .

وفي هذا المبحث السريع والمختصر سأحاول إن شاء الله المقارنة بين الأصول الكلية - بشكل عام - لجماعات العنف المعاصرة ، والمقارنة بينها وبين الأصول الفكرية العامة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حتى نكتشف من خلال هذه المقارنة كيف أن " تأصيلات " ابن تيمية في مجملها " تهدم " أصول هذه الجماعات التي قامت عليها ، وأن هذه الجماعات لو تأسست على تقريرات ابن تيمية لما دخلت في باب العنف والإرهاب أصلاً ، بل لكانت في مواجهة هذه الأفكار المتطرفة ، وسأحاول أن أركز في هذا البحث على الأصول الكلية العامة التي تنتظم فيها كل جزئيات وأفكار وحركة هذه الجماعات التكفيرية المعاصرة .

أولاً : ابن تيمية .. عالم الملة لا عالم الدولة :


عاش ابن تيمية في عصر شبيه بعصرنا ، لم يكن عصراً مستقراً ، كانت الأحداث فيه أحداثاُ نوعية كبيرة ، الصليبون من الشرق ، والتتر من الغرب ، وكان عصره عصر ملكي ، إذ كان الحكام فيه هم المماليك الذين أتوا بعد الدولة الأيوبية ، وقد حكم المماليك قبل ولادة الإمام ابن تيمية بثلاثة عشر عاماً ، فعاش ابن تيمية في ذلك العصر الملكي الذي يواجه تحديات كبرى من الخارج والداخل ، وكانت الحالة الاقتصادية سيئة للغاية بسبب هذه التحديات من الصليبيين والتتر الغازين القادمين من الشرق ، مع نشاط في الحالة العلمية ومعاصرة ابن تيمية لمجموعة كبيرة من الأئمة والعلماء البارزين ، وكان لبروزه وعلو كعبه في العلم والمعرفة والإحاطة ما أبهر علماء عصره ، وسبب له في نفس الوقت المشكلات الكبرى من الحاسدين الذين أشقاهم ما رأوا منه من تقدم في العلوم العقلية والنقلية ووشوا به إلى السلاطين وآذوه وأفتوا بقتله وسجنه ، فدخل السجن مرات كثيرة في قصص يرجع إليها في مظانها .

لكن البارز في حياة ابن تيمية أنتزاع نفسه من أي طموح أو مطامع سياسية ، بل كان تابعاً للدولة الزمنية ، معترفاً بولايتهم وبيعتهم ، مساهماً في نفس الوقت بطريقة إيجابية في رد العاديات عن الدولة سواء في مواجهة الصليبيين او التتر ، وكان يجهز الناس لقتال التتار ، وأسهم بقيادة كبيرة في معركة مرج الصفر وشقحب ، وذهب بنفسه لملاقاة غازان ملك التتار والإنكار عليه ما ينوي فعله بالمسلمين في موقف يدل على الشجاعة العظيمة التي تبني عن رباطة جأش وقوة وإقدام ، كما ذهب إلى مهنا بن عيسى أمير العرب وحثه على قتال التتار الغزاة فلبى لشيخ الإسلام .

لقد حاول خصوم ابن تيمية الوشاية إلى السلطان بأن ابن تيمية له طموح في الملك ، فدعاه السلطان فقال له الملك الناصر: سمعت أن الناس أطاعوك وأنت تفكر في الحصول على الملك، فرد عليه الشيخ قائلاً بصوت عالٍ سمعه الناس الحاضرون كلهم: " أنا أفعل ذلك ؟ والله إن ملكك و ملك المغل لا يساوي عندي فلساً " ، وحين توجس السلطان قلوون من ابن تيمية حين قدم ليبشره بنصر المسلمين في الشام على التتار وخشي من أن يستميل الناس إليه قال " أنا رجل ملة لا رجل دولة " .
إنه فرق مؤثر بين ابن تيمية - العالم العامل الذي لم يكن يفكر في ملك ولا حكم ولا سلطان ، وكان منتظماً في جماعة المسلمين ، لم يحرض على الحكام ، ولم يدع للثورة عليهم ، بل كان يحاول دائماً التأليف والجمع بين الحاكم والمحكوم - ، وبين هذه الجماعات العصرية الأيدلوجية التي تسعى في الصباح والمساء للحكم والسلطة ، وتجيش الأتباع للقتال والتكفير حتى تصل لمبتغاها في عمل دؤوب فكري ودعوي ومالي وتنظيمي وتعاون مع كل من يرونه قادراً على إعانتهم لتحقيق مبتغاهم حتى لو كان من الدول الأجنبية .
ومع أن الظروف والإمكانية كانت متوفرة عند ابن تيمية ، وله من الأتباع ، والقبول ، والأثر على الناس ما يستطيع أن يستغله في تحقيق المكاسب الدنيوية والحكم ، وبالفعل كان " عالم ملة " يهتم بنشر الإسلام والدفاع عنه ، ولا يبالي إلا بما ترجح له شرعاً ، دون أن ينظر هل يوافق هوى الناس يخالفهم .

ثانياً : موقع الخلافة في مشروع ابن تيمية :


تتمحور الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة والتي فرّخت كثيراً من حركات العنف في التاريخ المعاصر حول فكرة ومركزية " الخلافة " أو ما يسمونها بــ( الحكومة الإسلامية ) ، وتنتظم هذه الحركات الإيدلوجية في كل نشاطاتها على مركزية هذه الفكرة السياسية ، بل نقلوا مفهوم " الحكم في الإسلام " من كونه وسيلة لتحقيق غاية ، إلى كونه " أصلاً " أولياً في وعي المسلم ، وأن هذا ركن من أركان الدين الذي لا يقدم عليه غيره ، ولذلك جعل المودودي الحكومة هي " معنى الدين " في العصر فقال :: " معنى الدين في هذا العصر " الحكومة " State تقريباً ، أن يستسلم الناس أمام قوة جبارة قاهرة ويذعنوا لها ، هذه هي الحكومة وهذا هو معنى الدين أيضاً ، والدين الحق أن يستسلم المرء أمام قوة الله تعالى ، وأن يعبده ويطيعه ، معرضاً عن طاعة الآخرين بما في ذلك نفسه .
في الحقيقة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنظام دولة من عند الله ، لا مجال لخيار الإنسان فيه ، ولا مجال لشخص أن يحكم على عباد الله تعالى ، الحكم والأمر لله الواحد القهار فقط " ( دستور الحركة الإسلامية ) .
ومثل ما يقرره المودودي قرره حسن البنا حيث جعل " الحكم في الإسلام " ركنا من أركانه ، وأصلاً من أصوله فقال : (وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد... والحُكْم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حُكْم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر) ( رسالة المؤتمر الخامس ) .
هذه الفكرة المركزية التي كانت في وعي الجماعات العصرية نتج عنها منابذة الحكومات القائمة الإسلامية كلها بحجة الخلافة وترك الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم القوانين الوضعية ووصفها بالردة والعمالة ووجوب قتالها وإقامة الحكومة المتخيلة في ذهن الجماعات المعاصرة ، على تفاوت فيما بينها في ركوب العنف والمواجهة والبرجماتية السياسية فــ( إن هدف الجماعة الإسلامية وغاية ما تسعى إليه هو إقامة الحكومة الإلهية في الدنيا ، وابتغاء مرضاة الله في الآخرة) كما بين المودودي في ( دستور الحركة الإسلامية ) ، ولذا جاءت القاعدة وأخواتها بالبت في هذا الأمر وإعلان القتال والتكفير كما قرر أبو محمد المقدسي وغيره من منظريهم بقوله : (ومعلوم أن هؤلاء الحكام لا يكفرون بطواغيت الشرق والغرب ولا يتبرؤون منهم بل هم بهم مؤمنون تولّوهم وتحاكموا إليهم في فضِّ الخصومة والنزاع وارتضوا أحكامهم الكفرية وقوانينهم الدولية في ظل هيئة اللمم (الأمم) ومحكمتها الكفرية,كذلك الطواغيت العربية وميثاقهم الشبيه بميثاق الأمم الملحدة الكافرة الدولي فهم لجميع أولئك الطواغيت أحباب وأولياء وعبيد لم يجتنبوهم ولم يجتنبوا نصرتهم ومظاهرتهم على شركهم، حتى يخرجوا من الشرك الذي قد ولجوا فيه ومن ثم يحكم لهم بالإسلام بل تجمع بينهم روابط الأخوة والصداقة والمودة ويجمع بينهم ميثاق الأمم المتحدة!! الكفري ويحتكمون عند الخصومة إلى محكمتها الكفرية التي مقرها في لاهاي ) .
إن هذه الفكرة تشكل عليها كل مقررات الحركات الإسلامية المعاصرة ، فكان التبشير بــ( الخلافة ) قضية كلية جامعة بين كل هذه الفصائل حتى سعت القاعدة في تحقيقة على الأرض في إعلان " الدولة الإسلامية في العراق " سنة 2006 ، ثم إعلان دولة " الخلافة " على يد أبي بكر البغدادي في الموصل سنة 2011 م ، وكل قضايا التكفير والقتال والقتل ومواجهة الناس مردها إلى هذه الفكرة التي تقوم على غياب الإسلام عن الإرض بغياب الحكم الإسلامي عنه وغياب الحكومة الجامعة للمسلمين ،فهم يحاولون تطبيق صور التاريخ المتخيل لدولة الخلافة على الأرض من خلال ممارسات عبثية مثل فكرة الدواوين والخراج والسبي وسوق الرقيق وتطبيق الحدود بطريقة بشعة ومن دون تحقيق ادنى معايير الفقه الإسلامي في ذلك ، ولذا برز مفهوم " الحاكمية " عند أبي الأعلى المودودي ، ومن ثم تنباه سيد قطب بطريقة غالية أسهم في وجود الحالة التكفيرية الكبيرة داخل إطار الحركة الإسلامية فهو يقول : (والناس – في أي زمان وفي أي مكان- إما أنهم يحكمون بشريعة الله -دون فتنة عن بعض منها- ويقبلونها ويسلمون بها تسليماً فهم إذن في دين الله، وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر – في أي صورة من الصور- ويقبلونها فهم إذن في جاهلية، وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله ) ( الظلال ) .

إذن : إذا أردنا أن نفهم متتالية التكفير عند داعش وغيرها فلابد من أن نرتبها في الذهن هكذا :

- وجوب أقامة الخلافة
- الحكومة أصل من أصول الدين وأركانه
- الحكومات القائمة مرتدة لأنها لا تحكم بالشريعة وغير شرعية
- وجوب تكفيرها وقتالها والبراءة منها
- البراءة من كل من والاها أو عاش راضياً بحكمها
- تكفير وزراءها وقضاتها وعساكرها وجنودها ووجوب البراءة منهم وقتالهم .
- وجوب الهجرة إلى دار الخلافة إذا قامت .
- تكفير من عاداها ولم يدخل في طاعتها .
- قتال الكافر المرتد اولى من قتال الكافر الأصلي .
ولذلك كل قراءة لا تؤسس على هذه المقدمات في فهم الحالة الراهنة هي قراءات عرجاء ، لا يمكن أن نفهم من خلالها ما يحدث ، ولا كيف يفكر الشباب ولا كيف يؤثر عليهم ولا كيف يؤدلجوا في إطار هذه الجماعات .

والآن : دعونا ننظر إلى موقف ابن تيمية من هذه القضية :

قراءة سريعة في تراث ابن تيمية وتأصيلاته السياسية بل و ( واقعيته السياسية ) يجد أن بينه وبين هذه التأصيلات ما بين المشرق والمغرب ، بل إن ابن تيمية يهدم هذه الأفكار بمعول علمه ولا يبقى لها أثراً ، وذلك يتضح من خلال الآتي :
1- الخلافة ليست من الأصول ، والإمامة لم تذكر بالقرآن فقال " ( وقول القائل إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين سنيهم وشيعيهم .... ومن المتواتر أن الكفار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة ) ( المنهاج ) . بل جعل ابن تيمية طاعة الله ورسوله غير مرتبطة بوجود إمام لا حاضر ولا غائب .

2- الملك جائز والخلافة الراشدة فترة زمنية انتهت ، وأن المقصود من الإمامة تحقيق المصلحة الشرعية بأي طريق ، وأنه يجوز ان تشاب الخلافة بالملك ، وقد بين ان مفهوم " الإمامة " عند أهل أئمة السنة ( إنما يحصل بالقدرة والسلطان فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما ولهذا قال أئمة السلف من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولى الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مالم يأمروا بمعصية الله فالإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه ولهذا لما بويع علي رضي الله عنه وصار معه شوكة صار إماما ) . وقال (ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجراً) . وهنا نلحظ ان ابن تيمية يطلق على الملوك خلفاء ، لأنه يرى أن الخلافة الراشدة هي فترة الصحابة الأربعة التي هي خلافة " نبوة " ، ثم صارت خلافة مشوبة بملك ، فقد قال عن خلافة معاوية: (معاوية ـ رضي الله عنه ـ كان أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك، كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث: يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض ـ وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرا من ملك غيره، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة فإنه قد ثبت عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا ـ وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.) ، فأين هذا الرأي لابن تيمية من الجماعات الإيدلوجية التي تسقط شرعية كل حكم لا ينتظم المسلمون كلهم تحت خليفة واحد ، وتقرر الثورة والخروج عليهم وإقامة الدولة المتخيلة في أذهانهم .

3-
ابن تيمية يرى جواز ( تعدد الأئمة في الزمن الواحد ) قال رحمه الله : (السنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه, فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها أو عجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة, لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود, ويستوفي الحقوق. ( وقال : (ولهذا قال العلماء : إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم ) .

4-
ابن تيمية يحرم الخروج على الحكام والثورات عليهم ويوجب طاعتهم بالمعروف : قال رحمه الله (أمر النبى عليه السلام بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة .. ولهذا كان من أصول السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة ) .

5-
ابن تيمية لا يكفر الحكام بمجرد تركهم الحكم بغير ما أنزل الله مالم يستحلوا ذلك : قال رحمه الله (والإنسان متى حَلَّل الحَرامَ المُجْمَعَ عليه، أو حرَّم الحلال المجمع عليه، أو بَدَّلَ الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نَزَلَ قوله على أحد القولين: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة:44]، أي: المُسْتَحِلُّ للحكم بغير ما أنزل الله (. وقال عن قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) " وهذه الآية مما احتج به الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ثم يزعمون ان اعتقادهم هو حكم الله ) . وقال :( وإذا كان من قول السلف إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق ، فكذلك في قولهم يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قالوا : كفروا كفراً لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة السنة ) .

بل ربط ابن تيمية رحمه الله هذه المأمورات مثل الحكم بغير ما انزل الله بالاستطاعة ، وان الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وأن الإنسان إذا قصر أو ترك بعض الواجب عجزاً لا يعاقب على ذلك ، قال رحمه الله : (كذلك الكفار من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله؛ فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع -كما فعل النجاشي وغيره- ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعاً من الهجرة، وممنوعاً من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام= فهذا مؤمن من أهل الجنة) .

إن المقارن بين هذه التأصيلات لشيخ الإسلام ابن تيمية وبين تأصيلات جماعات العنف والتكفير المعاصرة ليجد البون الشاسع بينهما ، فهم يكفرون بمنهج غال لا ينظر إلى قواعد أهل السنة في الأسماء والأحكام ، ويكفرون بأفعال ليست داخلة في باب الكفر أصلاً بل قد يكفرون بإمور نص العلماء على جوازها ومن أمثلة ذلك ما تقدم من تكفير أبي محمد المقدسي الحاكم لدخولهم هيئة الأمم المتحدة ، مع نص العلماء على جواز التحالف مع الكفار إذا كان ذلك لتحقيق مصلحة من إقامة عدل أو رد مظلمة أو مفسدة أو مصلحة راجحة ، بل يطلقون التكفير على الحكام ثم يتسلسلون ويطردونه على غيرهم حتى يصلون إلى العلماء وإلى عموم الناس ، ويكفرون كذلك بالمسائل المختلف فيها بين أهل العلم ، مع أن الاتفاق منعقد بين أهل العلم على أن التكفير لابد أن يكون في قضية متفق عليها وأدلتها قطعية لا تقبل الخلاف والنزاع ، فأين تأصيلات ابن تيمية وأين تأصيلات هؤلاء ؟

وللحديث بقية في الحلقات القادمة إن شاء الله .

المعاول التيميّة على القواعد الداعشيّة (2)
 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك

دعاوى المناوئين

  • ترجمة ابن تيمية
  • دعوى المناوئين
  • مواضيع متفرقة
  • كتب ابن تيمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية