صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الوفاء بين الكلب والسموأل !

    موسى محمد هجاد الزهراني

     
    من أصعب الأمور على النفس أن تجد من ينكرها ويهمشها ولا يعتبرها بعد أن كانت في يومٍ ما هي كل شيء في رصيده ! .

    هل أمرُّ من ألم الصدود والجفاء ! وهل أمرُّ في النفس من سيوف التنكر وقتل الوفاء بسكين الجفاء ! إنها لتمر بالمرء أحياناً أوقات لا يجد فيها يداً تلمس رأسه وتتحسسه برفق ! ولا ابتسامة حانية أو كلمة حبيبة ينسى معها هموم الأرض ! تمر به أيامٌ .. يرى سوادها أسود من الليل الأسود البهيم ! ولا عجب فقد قال الشاعر :

    صُبّت عليَّ مصائبٌ لو أنها *** صُبّت على الأيام صرن لياليا !

    أو كما قال الشاكي إلى حبيبته سوء حظه:

    شكوت إلى الحبيبة سوء حظي  *** وما لاقيت من ألم البعاد
    فقالت إن حظك مثل عيني  *** فقلت نعم : ولكن في السَّواد !

    فيبدأ يبحث في قائمة الإخلاء والأصحاب من يرمي برأسه على صدره .. أو يضع همومه بين يديه فإذا به يُصعق عندما يكتشف أنه أكثرهم همجٌ رعاعٌ .. لا خير فيهم لدينا ولا آخرة ! ، بل يرى الجفاء الواضح .. لأنه الدنيا أدبرت عنه فأدبروا هم عنه بإدبارها ! .

    ولربما زادوا النار اشتعالاً .. بأن كانوا عوناً للزمان عليه ! يظهرون ما خفي من عيوبه في وقت هو أحوج ما يكون إلى سترها ! أليس هو ابن أبينا آدم عليه السلام الآكل من الشجرة ! أليس مكتوباً عليه الذنب ! فلماذا يُعاب إذاً ؟! يتطوع بعضهم بإظهار ما يعرفه عنه من أسرار كان يحتفظ بها لديه في أوقات الصفاء فإذا به يفشيها ساعة الجفاء ! ويسوّغ له الشيطان شرعية فعله ! أهذه مروءة ؟! .. ثم يبدأ :

    فلانٌ عليه ملاحظات .. فلانٌ يريد فرض نفسه علينا بالقوة ، فلانٌ يحرج مشاعري .. فلانٌ .. فيه .. وفيه..! .

    يا حسرةً على الوفاء ! ويا حسرةً على فقاعة " إني أحبك في الله "! ، تنفجر إذا خرجتْ من فمِ أحدهم ولامست الهواء ! فيذهب أثرها ! .

    حدثني صديقٌ حبيبٌ إلى قلبي ولست أريد منه دنيا[1] فقال:

    زرت الشيخ الوالد أبو بكر الجزائري – حفظه الله - في المدينة المنورة فلما رأيته قلت له : يا شيخ إني أحبك في الله .. وأحسست بأني أخرجتها من قلبي ! قال فأجابني الشيخ بإجابة لم أكن أتوقعها .. أتدري ماذا قال لي ؟! قال : هنيئاً لك ! وسكت .. فانتظرت أن يعقب .. فلم ينطق ! فقلت له :

    لماذا هنيئاً لي يا شيخ ؟ قال : لأنه لم يبق من يحب لوجه الله الكريم في هذا الزمان إلاَّ قليل ! .

    وأنا أقول : صدقت يا شيخ ! ألم يُعط النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم و اختصر له الكلام اختصاراً ؟! فلماذا إذن عندما أراد أن يقرر مسألة من إعمال القلوب احتاج إلى الاستطراد في الأسلوب قليلاً .. فقال : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوته الإيمان .. ثم قال .. وأنه يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله .. ) ألم يكن كافيا أن يقول صلى الله عليه وسلم ( وأن يحب المرء لله ) لا .. لم يكن كافياً .. لأن كثيراً ممن يظن نفسه يحب الله .. لو صدق مع نفسه وتأمل لوجد أنه إنما يحب فلاناً من أجل منصب أو ماله .. أو فصاحته .. أو قاسمٍ مشتركٍ بينه وبين .. كأن يوافقه على آرائه .. أو أنه يقول : أحبك في الله ثم إذا جاءت ساعة الوفاء أصبح يتقن الجفاء ! ويستدل لفعله بالكتاب والسنة وأقوال السلف !!

    أين هذا من وفاء الكلب ؟! أكرمكم الله . ألم يقل الشاعر أمام الخليفة العباسي مادحاً إياه :

    أنت كالكلب في حفاظك للود  *** وكالتيس في قراع الخطوب !

    ألم يقرّه الخليفة على ذلك .. لأن الكلب عند الأعراب كان مثلاً في الوفاء لصاحبه ؟! ألا يخجل بعض رجال زماننا من وفاء ذلك الكلب ؟! .. ألم يتندر شوقي بحافظ إبراهيم في قصتهما المشهورة في مقهى من مقاهي النيل بقوله :

    وأودعت إنساناً وكلباً أمانةً  *** فضيعها الإنسان والكلب حافظُ ..!!

    فاعترف له حافظ بأنه أمير الشعراء . [2]

    ألم يذكر الله تعالى وفاء كلبٍ لأصحابه .. حتى استحق أن يذكر في القرآن .." سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) .. ألم يكن ذلك الكلب وفياً لأصحابه طيلة ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ؟!

    ألم يذكر أهل السير أن السموأل بن عاديا اليهودي استجاره امرئ القيس وأودع عنده أدرعه .. فجاء خصماؤه ليستنزولها من حصن السموأل ، فأبى السموأل أن يعطيهم الأدرع وقال فيها :

    وفيت بأدرع الكندي إني *** إذا ما ذم أقوام وفيت

    .. وبينما هم كذلك إذ جاء ابن السموأل من الصيد فقبض عليه أولئك القوم وفيهم رجل يقال له الحارث بن ظالم .. ثم قالوا لأبيه إما أن تسلمنا أدرع امرئ القيس أو نقتل ابنك .. فأبى وأصر على وفائه .. فما كان منهم إلاَّ أن قتلوا ابنه أمام عينيه قام الحارث بضربه في وسطه بالسيف فقطعه نصفين.. ولم يندم السموأل على ذلك .. أفيكون اليهودي أوفى من بعض شباب وقتنا الذين تعصف بهم عواصف الفكر وتتحكم بهم شهواتهم فينسون وفاءهم ! وهم يجلجلون في المجالس والمساجد والمنتديات الخاصة والعامة .. بالدعوة إلى الأخلاق .. الأخلاق .. الأخلاق ! .. فإذا ما جاء التطبيق رأيت انفصاماً بين ما يقولون وما يفعلون .

    أليس الوفاء من أخلاق الكرماء .. التي كانت من سيما الجاهلية عند العرب الأقحاح فجاء الإسلام فأقرها فأضعناها نحن بما ظنناه مسوغات شرعية ! .

    ألم يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكافرٍ يداً .. ألم .. عفواً ! خذوا القصة حتى تفهموا ما أقول :

    عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف التي كان فيها ما كان .. من إيذاء ثقيف له وضربه بالحجارة .. وعندما أراد أن يدخل مكة لم يستطع الدخول إلاَّ في جوار المطعم بن عدي وكان كافراً كان هذا في مكة .. ثم مات المطعم بن عدي وبعد ذلك بسنواتٍ طويلة وفي غزوة بدر الكبرى وبعد أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم بجثث الكفار الذي قتلوا في المعركة في قليب [3] بدر.. وقف النبي صلى الله عليه وسلم عملاقاً عظيماً في الوفاء .. وقف عليه الصلاة والسلام على قليب بدر وتذكر المطعم بن عدي .. فقال :_ لو كان المطعم بن عدي حياً فكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له ! .. الله أكبر ! لم يقل إن هذا كافر ولا يستحق الوفاء !

    * * *

    حضرت إلى مكتبي اليوم فوجدت وردة جميلة المنظر جميلة الرائحة في قارورة بها ماءٌ .. فسألت الإخوة معي في المكتب ... فقالوا أحضرها لك شخص ذو لحية طويلة ! .

    فعلمت أنه أحد إخوتي في الله .. وكان من خبرها أنني مررت للسلام على والده ليلة البارحة .. فلما خرجنا من منزله رأيت وردة لم تتفتّح فأعجبتني ولم أتكلم .. وأنا مولعٌ بالورد منذ الصغر ! فرأى صاحبي [4] نظري إليها ! فلما كان صباح اليوم حملها من الدمام إلى مقر عملي قرابة خمسة عشر كيلومتراً ! ووضعها على مكتبي ثم انصرف هل فهمتم منها دلالة معينة؟! لقد كان وقعها على نفسي عظيماً جداً .

    إني لأعجبُ من أناسٍ يحفوّن بك عن اليمين وعن الشمال في كل مناسبة وفي غير مناسبة .. ثم إذا ألمت بك الملمات وادلهمت عليّ الخطوب .. رأيتهم أيضاً عن اليمين وعن الشمال لكنهم عزين ! ( متفرقين ) ..!

    إن رأتني تميل عنيّ كأن لم يكن بيني وبينها أشياء

    ما أجمل الوفاء في الشدائد! الشدائد التي تبيّن معادن الرجال ، وتميز الخبيث من الطيب .

    والله لقد عجبت من موقف قرأته في السيرة عجباً استدر الدمع من عيني :

    عندما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرسلت إليه عائشة أن يدفن في حجرتها مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر .. فماذا تتوقعون جواب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ؟ لاشك أنكم ستقولون أنه سيوافق بلا تردد ؟ وهل بعد هذا من شرف؟ .

    لا .. إنه اعتذر إليها بأمرين ، الأول : أنه لا يريد أن يضيّق عليها بيتها .. والآخر : أنه كان بينه وبين طلحة بن عبيد الله عهدٌ أن يُدفنا بجوار بعضهما إذا ماتا ! . فالله أكبر ما أجمل وفاءك يا بن عوف ..

    * * *

    إن الأوفياء من الرجال لقليل وإنهم في زماننا هذا أقل من القليل ! . حدثني شيخ جليل فقال :

    دخلت مع أبي الطاعن في السن الذي قارب التسعين من عمره – قبل وفاته رحمه الله بسنة - منزلاً لنا قديماً مهجوراً ، وكعادة هؤلاء الكبار الذين يكثر اهتمامهم بكل ما حولهم دقَّ أوجلَّ ، فقد أخذ يبحث في البيت عن أشياء عفى عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب .. وأنا لست أعلم ماذا يريد ولا أستطيع مخالفته ، وفجأة توقف ورفع ظهره وتنهد تنهيدة طويلة ثم نظرت إليه فإذا عيناه تذرفان ، وإذا به يمسك بيده عصا قديمة كان يتوكأ عليها جدي رحمة الله عليهما جميعاً .. فحضنته كالطفل ووضعت ذراعي من خلفه مصبّراً إياه وذهبت به إلى البيت ، تسعون عاماً لم تكن كافية لطمس معالم الوفاء في صدر هذا الشيخ لأبيه الذي سبقه إلى الله .

    ومالي أذهب بعيداً ؟ ألم يبكِ أبو بكر ٍالصديق رضي الله عنه شيخ المسلمين وصاحب نبيهم صلى الله عليه وسلم في الغار والدار ... بكى عندما صعد منبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته .. فأراد أن يتكلم فتذكر حبيبه عليه الصلاة والسلام فغصَّ وبكى ولم يستطع الكلام .. فقال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. ثم نزل .

    * * *

    تلك معانٍ جالت في خاطري ، ولست اعلم أأصبت فيها أم أخطأتُ ،ولكن الذي أعلمه أنني أخرجتها من صميم الفؤاد بزفرة طويلة أحسست بحرارتها تُلهب صدري .

    القاهرة في
    27/ محرم / 1426هـ

    ------------------------------------------
    1
    [2] - قيل أن كلاً منهما لم يكن يعترف للآخر بالفضل وينكر هذا أن هذا أمير الشعراء وذاك أن هذا شاعر النيل : فقال حافظ إبراهيم معرضاً بأحمد شوقي :يقولون إن الشوق نارٌ ولوعة ٌ فما بال شوقي أصبح اليوم بارداً .. فرد عليه شوقي بالبيت المتقدم ..
    [3] - بئر بدر .
    [4] الشيخ / خالد بن عبد الله القحطاني . من جماعة مسجدي جامع بلاط الشهداء بالدمام .
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية