صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    مقياس الالتزام

    موسى محمد هجاد الزهراني

     
    أما بعد: أيها المسلمون :_
    قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30) ما مقياسُ الالتزام؟ وما معنى الالتزام ؟وكيف فيكون المسلم ملتزماً؟

    هذه الكلمة لم تكنْ معروفةً في الصَّدرِ الأوّل من الإسلام ؛ فلم يكون يُوجد لديهم إلا مؤمنُُ أو كافر ؛ أو كان يطلق الاسمُ العام على الداخل في الإسلام ؛ فيقال فلانُ مسلم ؛ أما في الأزمة المتأخرة فقد قسم الناس بعضهم بعضاً إلى ملتزم بدين الله عزَّ وجل وغير ملتزم ؛ وللنّاس فيما يصَّنفون مذاهبُ فيعنونَ غالباً بالملتزم "كل ما أطلق السَّنة الظاهرة وعمل بها ؛ من إعفاء اللحية وتقصير الثياب وما يتبع من ذلك ؛ وبعضهم يقف عند هذا اللحد فلا يتجاوزه  .
    والحقيقة أن الالتزام بدين الله سبحانه وتعالى إنما يكون أولاً وأخيراً بخشية الله عز وجل ؛ يكون بمعرفة من هو الله عز وجل ؛ فنخشاهُ حق الخشية ونحبهُ حق المحبة ؛ ونطيعه حق الطاعة ؛ وننتهي عما حرم وننهى عنه .
    ولقد جاء القرآن الكريم بهذه التربية العظيمة على لسان محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ فصاغَ منها رجال الإسلام الأوائل غدوا رجالاً يحملون بين جنوبهم إيماناً خالطت بشاشته القلوب ؛ حتى أصبح معجزة من المعجزات ؛ فلانت له الصُّم الصَّلاب ؛ وأتتهم الدنيا وهي راغمة ؛ علِموا من العلم ما علموا ؛ فبارك الله في علمهم ؛ ونفع بهم الأمة ؛ وترجموه إلى واقعٍ عمليّ ؛ فأصبحوا عباد ليل ؛ صوّام نهار؛ مجاهدين في سبيل الله ؛ علما في الحلق والمساجد ؛ إذا قالوا فعلوا ؛ وإذا فعلوا أخلصوا ..
    وفجأة: وجدنا أنفسنا في أزمنةٍ إنقلبت فيها الموازين ، وأنتكستْ فيها الفطرة وتغيرت فيها الآراء .. رضينا منها أن نكون مع الخوالف ، تعلمنا العلم لغير وجه الله ، تعلمنا العلم للدنيا فمحق الله بركته وغفلنا عن الآخرة فطبع الله على القلوب ونزع منها لذة الإيمان وحلاوة العبادة ..

    أيها الأحبة: هل تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد شاب رأسه في ليله واحدة ؟ شاب رأسه ولحيته في ليله واحدة بعد إذ لم يكون كذلك ( شيبتني هود وأخوتها قبل المشيب ) حديث صحيح شيبتني هود وأخوتها ، هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت.
    لقد شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزل عليه قول الله عز وجل في سورة هود)فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:1121) شاب الرسول صلى الله عليه وسلم من كلمة واحدة ، من كلمة إستقم ، شاب رأسه ولحيته ، ظهر على أصحابه في صباح اليوم التالي، وقد ظهر فيه الشيب ( يا رسول الله قد شاب رأسك في ليله ، قال: شيبتني هود وأخواتها ). ظن أنه لن يستطيع القيام بكل ما أمره به ربه عز وجل ، فشيبته هود وأخوتها .

    أين هذا من الذي قضى في الإلتزام على حد زعمه عشرات السنين ، إذا نظرت إلى أحواله رأيت العجب العجاب، إن جئت لحفظ القرآن تجده لم يحفظ منه إلا النز اليسير ، وقد يكون أبنه الصغير يحفظ القرآن كاملاً، وهو مشغول بالدنيا لكنه ملتزم .وإذا جئت إلى طلب العلم لم تجد له فيه ناقةً ولا جملاً ، إلا ثقافة كثقافة مدمني القنوات الفضائية _ يجمعون الغث والسمين ويظنون أنهم بذلك مثقفون علماء ، فلا يعرف من طلب العلم إلا اسمهْ .
    وإن جئت إلى الدعوة إلى الله تعالى والحرقة على أوضاع المسلمين وجدته من أكسل الناس فيها ولا فخر ، فإذا غلب على أمره يوماً ، وتفوه بكلمة واحدة استطار لبه وشمخ بأنفه ، وظن أنه قد جاء بشيء لم تستطعهُ الأوائل .
    فإذا نظرت إلى عبادته _ قلت رحم الله تلك العجوز ، كانت تقوم الليل وتصوم النهار على ضعفها ، وهذا جيفةٌ بالليل حمار بالنهار. فما هو مقياس الالتزام إذاً ؟

    إن العاقل الحصيف والمؤمن الذي يخاف على إيمانه لينظر في أقواله وأفعاله ، فيهما سب نفسه، ويرتقي بها في مدارج الإيمان ، حتى يحط رحاله إن شاء الله تعالى في جنات الله عز وجل .
    ويعلم _ أن احمل هذا الدين مسؤولية عظيمة ، الله عز وجل يعطي الدنيا _يعطيها الكافر والمؤمن ، والبر والفاجر والمنافق ، لكن الدين لا يعطيه إلا من يحبه قال صلى الله عليه وسلم :(إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يكره ولا يعطي الدين إلا من يحبه) .
    سأل عن هذا الدين بين يدي الله تعالى يوم القيامة ، هل من المعقول أن يعطيك الله نعمةً قد حرمها كثير من الناس ثم لا تقوم بشكرها ، ولا تأبه بها ، وترضى بالدون .
    ما بالنا أيها الأخوة غفلنا عن جوهر الأمر _ ورضينا بزيف بريقه ،أين الإقتداء الصحيح بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وسمته وحسن خلقه ، ألم يكن لنا في رسول الله أسوة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) أين حسن الخلق الذي كان عليه الصلاة والسلام ، لماذا نجد اليوم من بيننا أناساً بغضوا إلى عباد الله دين الله ؟ حببوا إليهم الكفر والفسق والعصيان ، قنطوهم من رحمة الله ، ثم أغلقوا في وجوههم أبواب جنةٍ عرضها السموات والأرض ، فتحوا في وجوههم أبواب النيران ، ألم يقل الله عز وحل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)
    أفيكون الرسول عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين ، رؤوفاً رحيماً بالناس ، ويكون بعضنا عذاباً على العالمين ، يجصي عليهم أنفاسهم ، ويحاسبهم قبل يوم الحساب ، ويسومهم سوء العذاب ، بزعم أنه هو الوحيد الذي يغار على دين الله ، فيتصور أنه موكل على أبناء أدم من بعده ، ويظن بأفعال الناس السوء ، كيف سيهتدي العباد إذا رأوا من هذا حاله .
    وقد كان السلف _ رحمهم الله يدعو أحدهم بسلوكه وفعله قبل قوله ، فإذا تكلم ود السامع أنه لا يسكت ، من طيب خلقه وكلامه وسمحته ، أين الذي ما وضعه الله عز وجل في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه .
    يأتي معاوية بن الحكيم السلمي _ رضي الله عنه _ رجلٌ يأتي إلى النبي _ صلى الله عله وسلم _ والصحابة يصلون وقد حرم الكلام في الصلاة وهو لا يعلم فتكلم في صلاته فرمقه الصحابة بأعينهم فلما أكثر سكتوه قال: لا كنني سكتُ قال : واثكل أمياه ماذا فعلت وبعد الصلاة يقول أتى النبي _صلى الله عليه وسلم _ فبأبي هو وأمي والله كهرني ولا نهرني ، ولا سبني ولا شتمني ، ولكنه قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس .. إنما هي لذكر الله تعالى قال فما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن منه عليه الصلاة والسلام .. وكلنا نعرف قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ في يوم بارد شاتٍ فجبذ النبي _ صلى الله عليه وسلم _ جبذةً قويةً بحاشية برده عليه الصلاة والسلام .. وكان عليه بردٌ نجراني غليظ الحاشية فقال: يا محمد _ بكا غلظة _ مُر لي من مال الله الذي عندك "ليسمن مال أبيك ومال جدك فلتفت النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وأبتسم وأمر له بعطاء . وكلنا نعرف قصة الأعرابي الآخر الذي جاء فبال في المسجد ، فقام الصحابة فنهروه فقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ دعوه لا تزرموه .. ثم لما قضى بوله قال: يا أخا العرب :إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من أفعال الناس إنما هي للصلاة والذكر وقراءة القرآن .. فماذا قال الأعرابي..قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.. وكلنا نعرف قصة الأعرابي الثالث الذي يشكوا معاذاً _رضي الله عنه _ من كثرة ما يطيل بهم الصلاة .. فقال :والله أنب لا كره الصلاة من كثر ما يطيل بنا معاذ .. آفتان أنت يا معاذ آفتان أنت يا معاذ .. إذا صليت بالناس فأقصر .. ثم التفت إلى الأعرابي فقال : ماذا تقول في صلاتك إذا صليت .. قال الأعرابي : لا أحسن دندنتك ولا دندنت معاذ .. أسال الله الجنة وأستعيذه من النار .. فتبسم النبي _صلى الله عليه وسلم _ وقال: حولها ندندن.

    وكلنا أيضاً نعرف قصة الأعرابي الذي جاء فوقف على رؤوس الناس فقال : أعطني يا محمد فأعطاه فقال النبي _صلى الله عليه وسلم _ وهل وفيتك ، قال : لا ولا جزاك الله خيراً ، قلة حياء وقلة أدب .. ثم أعطاه الرسول_صلى الله عليه وسلم _ قال : هل أجزلت لك .. قال: لا ولا جزاك الله خيراً .. فغضب الصحابة وأرادوا أن يفتكوا به .. ثم أعطاه وأعطاه ثم أخذه فأدخله بيتاً فقال : هل أجزلت لك قال: نعم .. جزاك الله من أخ عشيرةٍ خيراً فقال النبي:_ صلى الله عليه وسلم _فإن أصحابي قد غضبوا عليك فهلا خرجت إليهم وقلت لهم ما قلت لي :قال نعم ..فخرج الأعرابي فقال :جزاه الله من أخ عشيرةٍ خيراً قد والله أجزل لي العطية فضحك النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قال: أن مثلي ومثلكم ومثل هذا كمثل رجلٍ معه جمل فندمه فجاء الناس ليمسكوه فهيجوه ، ولو تركتكم وهذا الأعرابي فضربتموه فمات ، دخل النار ..

    أين العباد يا أيها الأحبة .. أين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ملتزمون .. أمعقول أن يكون الضلال الصوفية والرافضة المنحرفون أحرص منا على عبادة الله وأجلد على تحمل مشاق العبادة على ضلال عبادتهم وبدعتهم ..ونحن على الحق المبين ، أين صيام الاثنين والخميس أين صيام ثلاثة أيام من كل شهر .. أين صيام يوم وإفطار يوم .. أم أن الصيام لا يعرفه بعضنا إلا في رمضان قال _ صلى الله عليه وسلم _ "من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماوات والأرض " .. "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجه النار سبعين خريفاً" .."من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجه النار مائة عام" .. "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجه النار سبعين عاماً" .. كيف نرجو الدخول من باب الريان ، وهو باب يدخله المكثرين من صيام النفل بعد الفرض .. وأنت لا تعرف إلا صيام رمضان كعامة المسلمين .. ألا تعلم أن الصوم هي العبادة الوحيدة التي لله عز وجل وهو يجزي بها .. فما بالك بعطايا الرحمن عز وجل وكيف سيكون إثباته عليها ؟ نحن في زمن قد غلبت عليه الفتن والشهوات وقد أرشدنا الرسول _صلى الله عليه وسلم _ إلى الصوم في حال عدم وجود الزواج .. وأما اليوم حتى المتزوج يحتاج إلى الصوم ، القنوات تتفنن في الفاحشة ،مواقع الإنترنت تتفنن في الفاحشة ، نساء المسلمين يتففن إظهار أجسادهن في الأسواق ، فتن في كل مكان ، لابد أن يغض بصره الإنسان المؤمن الخائف على إيمانه عن هذا الحرام ، فإذا لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ، يكسر الشهوة ويقللها ، أين كثرة قراءة القران الذي هو شفاء لما في الصدور ،كل شيء له في حياتنا وقت ، العمل والجلوس مع الأهل ، والسمر مع الأصدقاء ، والسفر ، والنوم ، والأكل ، والترف ،إلا القرآن نستكثر عليه دقائق كل يوم ، تحيا بها قلوبنا ، ويورثنا الله عز وجل بركتها ، لو قرأن كل يوم قبل كل صلاة ورقتين ، لختمت القرآن كله في شهر ، في السنة اثنتي عشرة مرة ، هل هذا أمر سهل؟ كم قرأت من شهر محرم إلى الآن ؟ ورمضان قادم ، ألا تستحي من الله عز وجل ، أن يقدم رمضان وأنت لم تقرأ من القرآن إلا ما تقرأه في صلاتك على عجل ، أو تقرأ سورة الكهف يوم الجمعة ، هذا كهذا الشهر ، هذا إذا جاء إلى الجمعة مبكراً ، ولم يأت في دبرها كعادة المتأخرين عن الخير دائماً البطيئين عنه ، والرسول _صلى الله عليه وسلم _ أخبرنا أنه لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل في الجنة وإن دخلوها .

    أين الشغف بالصلاة ، وأين التبكير إلى الصلاة ، وأين الازدياد من النوافل .. لماذا يا معشر الشباب لا يبكر إلى الصلاة دائماً إلا كبار السن ، لا يكاد يؤذن المؤذن إلا وهم خلف الإمام ، أما الشباب فيعرفون أن بين الأذان والإقامة خمسة وعشرين دقيقة ، فيتأخرون إلى ما بعد إقامته الصلاة ، فهم أكسل من أن يأتوا مبكرين محتسبين أجر التبكير إلى الصلوات ، لماذا لا نرى يقضي الركعات غالباً بعد أنتها الصلوات إلا الشباب ، وأستحي أن أقول : بعض الملتزمين .. أين من صلى لله اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بُني له بيتً في الجنة ..

    أين قول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ :( لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدون إلا أن يأتوا إليها حبواً لجاءوا إليها ) لكنهم لا يعلمون ما في النداء ، وما في الصف الأول فلم يأتوا إليها إلاَّ يسحبون أرجلهم .

    أين من صلى في جماعة أربعين يوماً قال _ صلى الله عليه وسلم _ ( من صلى لله في جماعة أربعين يوماً يدرك التكبيرة الأولى كتب الله له براءتين _ براءة من النفاق وبراءة من النار) يدرك التكبيرة الأولى ، يعني يكبر الأمام وهو واقف في الصف .. ثم في المقابل تجد منا من يتقن فن النقد ، في كل شيء ، كل شيء في نظره أسود أسود ، نقدُُ هادم ، وأنظر إلى أفعاله ، تجده ضعيف الإيمان ، ابتلاه الله بكثرة الكلام وقلة العمل ،كيف يزداد الإيمان في قلوبنا ونحن على هذا الحال .. ملتزم ! ملتزم بماذا ؟ ملتزم الصمت ،أساله عن زيارة المقابر التي هي كان منهيُُ عن زيارتها فيما مضى _ فرخص لهم الرسول_ صلى الله عليه وسلم _ في ذلك لماذا ؟ لأنها تذكرهم الآخرة ..

    وأساله عن الصدقات ، التي يأتي المرء في ظلها يوم القيامة في حر ذلك اليوم العظيم الذي تدنوا في الشمس من رؤوس العباد حتى تبلغ قيد ميل حتى يغلي منها الدماغ ، كل في ظل صدقته يوم القيامة .. وأساله عن الدعاء والإكثار من الدعاء .. وأساله عن كثرة ذكر الله والمحافظة على الأذكار .. وأساله عن الاستغفار الذي يحرق الذنوب حرقاً .. وأساله عن الباقيات الصالحات ، سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . وأساله عن إحياء سنة الرسول_ صلى الله عليه وسلم _ في كل شيء ..، وأساله عن حسن العِشرة ، وتربية من حوله على أخلاق المؤمنين الصادقين .. وأساله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حجمنا دوره وجعلناه في فئة قليلة من الناس يسومهم الناس سوء العذاب ..وأساله عن الغيرة على محارم الله أن تنتهك وهو يرى ، تنتهك المحارم أحياناً وهو يرى ولا يتمعر وجهه ، ولذلك أرسل الله عز وجل جبريل إلى قرية من القرى ،قال: أهلكها بمن فيها ، قال : يا ربّ فيهم عبدك فلان ، لا يعصاك طرفة عين .. فماذا قال الله عز وجل ؟ قال به فابدأ _ عذَّبه أولاً لم يتمعر وجهه فيَّ قَطّ ..وأساله عن الدعوة إلى الله عز وجل بالحسنى .. وأساله عن حلق الذكر والدروس والمحاضرات قد لا تجدوا من ذلك إلا شيئاً قليلاً .. ولا تسأله عن غض البصر عن الحرام ، ومجالس الغيبة الفاحشة التي أبتلينا بها ، ونسأل الله تعالى الإعانة على التوبة منها ..

    وتضيع الأوقات في الضحك والسخافات فإذا ما جاء الجد رأيته أبعد الناس عنه ..فبماذا نحن ملتزمون أيها الأحبة ؟

    * * *

    روى الحاكم رحمه الله عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : ( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب ، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) وفي رواية (فجددوا إيمانكم بلا إله إلا الله ) ..

    فالإيمان أيها الأحبة : يبلى ويهتري في القلب كما يتسخ الثوب ويبلى ، فيعتلي المؤمن أحياناً سحابة من سحب المعصية كما قال النبي _ صلى الله عليه وسلم _ : ( ما من إلا له سحابة كسحابة القمر بين القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت عنه فأضاء )

    تجد العبد بين هذين الأمرين ، مرة قوي الإيمان ، نشيطاً في عبادة الله عز وجل ، تسهل عليه الطاعات ، لين القلب ، سريع الدمعة .. ومرات تجده متكاسلاً ، قاسي القلب ، جاف العين ، يقع في المعصية بكل سهولة ، ويستغرب إذا وقع فيها فيما مضى فيما بعد ، ويقول أنا فلان الملتزم ، كيف أقع في مثل هذه المعصية ، ويلوم نفسه ، ولهذا أسباب عظيمة عديدة ، إذا علمنا قول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أيضاً: ( ما من عبد إلا وله ذنبُُ يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنبُُ هو مقيم عليه حتى يفارق الدنيا ) أعظم هذه الأسباب : الغفلة وعدم السعي في زيادة الإيمان في قلبه ، وبعضهم يظن أن زيادة الإيمان تأتي بعلاج سحري ، يضعه في الجوف ثم يزداد إيمانه فجأة ، ولا يريد أن يتعب ، ولا يريد أن يعفر وجهه لله ، ويسأل الله تعالى أن يثبت قلبه على دينه ، هذا شيخ الإسلام أبن تيميه _ رحمه الله _ يقول: كنت أقرأ للآية الواحدة مائة تفسير ، ثم لا أفهم ، فأمرغ خدي في التراب ، وأقول: يا معلم إبراهيم علمني ، ويا مفهم سليمان فهمني ، فيفتح الله عز وجل علي من بركات علمه ما لم يكن في الحسبان ، إلا بماذا أصبح شيخ الإسلام ؟ بتعفير خده ووجهه لرب العباد عز وجل ، قاعدة : كلما أذللت نفسك لله كلما أعزك الله _ وكلما تجافيت عن الله وأذللت نفسك للبشر ، كلما زادك الله ذلاً ..

    ومن الأسباب : طول الأمل ، والتعلق بهذه الدنيا ، طول الأمل من الشقاء كما جاء في الأثر .. ومن الأسباب : الإفراط في الأكل والنوم والسهر ولا تسأل عن السهر في هذه الأزمنة ، والكلام والمخالطة _ وكثرة الضحك التي تقسي القلب ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ..ومنها كثرة الاشتغال بالدنيا ، والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً ..

    ومن الأسباب : التعود دائماً على أجواء المنكرات والمخالطات ، المخالطات المحرمة ، أو وجودة مع شباب شغوفين بالقنوات الفضائية ، ومواقع الجنس الصريح في الإنترنت ، والمجلدات الخليعة ، والنكت السخيفة الجنسية ، هذا وسط يعج بالمنكرات ، فكيف تريد من إنسان يخالطهم أن يزداد إيمانهُ _ لا يمكن أبداً ..

    ومنها هجر العلم الشرعي ، والإعراض عن الكتب النافعة ، والأشرطة الفاضلة _ ولو كان لنا يا أحبة : لو كان لنا قراءة يومية في كتب أبن القيم وحده _ رحمه الله _ لوجدنا لذلك على قلوبنا أثراً عظيماً إقرأوا على سبيل المثال : الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ، هذا هدية أقدمه لنا جميعاً ، لنا نحن الذين ضعف إيمانهم .. من أراد أن يزداد إيمانه فليقرأ في هذا الكتاب العظيم الذي هو جواب على سؤال طرح على الشيخ رحمه الله ، وللأسف أصبح كثير منا اهتماماته حتى في هذا الجانب ، أصبحت دنيئة ، فيفتخر أنه لا يحب القراءة أبداً _ أو تجد أن سيارته مليئة بالأشرطة السخيفة ، كالأناشيد التي يدعونها زوراً وبهتاناً الأناشيد الإسلامية ، وقل أن تجد عنده أشرطة الدروس العلمية الأصلية ، أو المحاضرات الفاضلة ، فكيف يزداد الأيمان في القلب ؟ ..

    ومن الأسباب: الابتعاد عن القدوة الصالحة ، لا بد من وجود قدوة تقتدي به في دين الله ، لا بد من وجود قدوة ترى عبادته فتقلده ، وترى علمه فتأخذ منه ، وكان ابن القيم _ رحمه الله _عندما سجن شيخ الإسلام ابن تيميه في قلعه دمشق بالشام يقول ابن القيم : كانت تظلم الدنيا في وجوهنا وتقسوا قلوبنا ، فما هو إلا أن نذهب إلى الشيخ في السجن فنرى وجهه فتنفرج أساريرنا ، وتصفوا نفوسنا وننسى هموم الأرض .
    الصحابة رضي الله عنهم ، كيف كان حالهم عندما مات الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ ؟
    وصفهم الواصف فقال : كانوا كالغنم الشاتية في ليلةٍ مطيرة تفرقوا . كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ قدوتهم ، يوجههم ، ويضحك إليهم ، ويعطف عليهم ، ويعلمهم ، ويحبهم ، ويجلهم ، ثم فقدوه في ليلةٍ واحدة فتفرقوا ، كانوا كالغنم الشاتية في ليلةٍ مطيرة ، فلا بد من القدوة ..

    وأعظم الأسباب في قسوة القلب : الابتعاد عن الأجواء الإيمانية فترة طويلة لا يذكر نفيه بطاعة ، ولا يتكلف الذهاب إلى زيارة في الله عز وجل إلى أناس يزداد معهم إيمانه ، ألم نعلم قصة الرجل في الحديث الصحيح الذي زار رجلاً آخر في قرية أخرى ، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً _ إلى أين تريد ؟ قال إلى تلك القرية ، ما الذي تريده فيها ؟ قال أخاً لي في الله أحببته ، قال هل لك عليه نعمة ترباها . قال: لا ، إلا أني أحببته في الله ، قال له الملك :فإني رسول الله إليك أن الله يحبك كما أحببته ، والله عز وجل يقول : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16) واعلموا إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية..
    والسؤال كيف نعالج هذه الظاهرة المخيفة التي لو تمادت بنا .. لانتكس العبد والعياذ بالله ، وتجرأ على المنكرات والمعاصي من حيث لا يشعر ، وأدى به ذلك إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله ؟
    هذا يكون بأمور :
    يكون بالإخلاص لله تعالى ، والجد في علاج النفس ومعرفة مرض النفس .. ويكون بكثرة تدبر كتاب الله تعالى ، يا أخوة : نحن في زمن قد هجر فيه كثير من المسلمين كتاب ربهم ، واتخذوه وراء ظهورهم ظهرياً ، وهجروا تدبره ، والعمل به ، والاستشفاء به ، والتحكم إليه ، وما إلى ذلك ، فكيف نرجوا زيادة الإيمان هذا وضع من هو فيه ، ضعف إيمان يقطع القلب حسرة ، النبي _ صلى الله عليه وسلم _ مع ما هو عليه من رقة في القلب ، قام ليلة واحدة بآيه واحدة يتدبرها حتى الصباح ويبكي (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118) يرددها الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ حتى الفجر ويبكي .
    وكذلك استشعار عظمة الله عز وجل من أعظم الوسائل لعلاج هذه الظاهرة المخيفة أن تستشعر من هو الله ؟
    الله عز وجل الذي شأنه أعظم شأن ، تعرف أسمائه وصفاته وتتدبر فيها وتعقل معانيها فإذا قلت : يا غفور _ تطلب المغفرة ، يا رحيم :تطلب الرحمة ، يا رزاق : تطلب الرزق ، يا عفو : تطلب أن يعفوا عنك ، وهكذا :

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل * * * خلوت ولكن قل على رقيب
    ولا تحسبن الله يغفل ما مضى * * * ولا أن ما تخفي عليه يغيب
    لهونا لعمر الله حتى تتابعت * * * ذنوباً على أثارهن ذنوباً
    فيا ليت أن الله يغفر ما مضى * * * ويأذن في توباتنا فنتوب

    ومن العلاجات: طلب العلم الشرعي (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(فاطر: من الآية28)العالم أكثر الناس يخشى الله ، هل يستوي العالم والجاهل ؟ هل يستويان مثلاً ؟ كلاّ
    ومن العلاجات : لزوم حلق الذكر التي رغب عنها كثيراً منا ، حلق الذكر تحفها الملائكة ، وتصعد بذكرهم إلى الله عز وجل تشريفاً (ما أجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ) وفي حديث آخر ( يقال لهم قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات ، قال ملك من الملائكة : يا رب فيهم عبدك فلان ليس منهم ، وإنما جاء لحاجة ، فقال الله عز وجل : وهو قد غفرت له معهم ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم )
    ومنها الاستكثار من الأعمال الصالحة ، وملأ الوقت بها ، نفسك إن لم تشغلها بالطاعة أشغلتك بالمعصية ولا بد ، ولذلك كان الرسول _صلى الله عليه وسلم _ يسأل أصحابه يوماً :من أصبح منكم اليوم صائماً ؟قال أبو بكر :أنا ، من أطعم منكم اليوم مسكيناً ؟ قال أبو بكر:أنا ، من تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر: أنا ، من عاد اليوم منكم مريضاً ؟ قال أبو بكر :أنا ، كل وقته مشغولاً بعبادة الله ..هذا أبو بكر ..
    أبو بكر هيأه الله تعالى للآخرة ، فما المناع أن نقتدي به ، وأن نملأ أوقاتنا كلها بطاعة الله عز وجل ، ونسارع في الخيرات ، تريدون أن يحبكم الله عز وجل ، تريد أقصر الطرق إلى أن يحيك الله عز وجل سبحانه وتعالى ، أنت تحب الله لا محالة ، لكن هل تعلم هل الله عز وجل يحبك أم لا يحبك ؟ ..
    تريد أن يحبك الله فاسمع : قال الله عز وجل في الحديث القدسي :( ما تقرب الله عبدي بشي أحب إلى مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولأن استعاذتي لأعيذ نه ،ولأن سألني لأعطينه ) ..
    ومها كذلك : من العلاجات :أن تخاف من سوء الخاتمة ..
    كم من رجل نقرأ عنه في السير ، ونسمع من أخباره ، كان على طاعة الله زمن كثيراً ، ثم قبل موته بأيام ، أو حتى بساعات ودقائق : زاغ قلبه ، فمات على الكفر والعياذ بالله ، ولذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله : كنت أرى عالماً من العلماء عند موته يقول : هاهو الله ذا يظلمني ، ظلمني الله ، فمات على سوء خاتمة والعياذ بالله ..
    ومنها أن تكثر من ذكر الموت ، الموت نسيناه ، ولا بد لنا منه ، والموت ميزته أنه يأتي بغتة ، ولا يستأذن أحداً ، ولا يقول عندها الإنسان ربي ارجعون ، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت .. هذا الكلام يقوله المهمل ، ويقوله المسوف المسرف على نفسه في الذنوب ، ولذلك النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان يكثر من تدبر هذه القضية حتى أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، ولم يأذن الله عز وجل له بالاستغفار لها ..
    ومنها كذلك : كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى .. أعرف رجلاً : لا يعرفه الناس إلا بكثرة ذكر الله ، وهو أستاذ دكتور في جامعة من الجامعات ، ومع ذلك يدخل القاعة ويخرج منها ويمشي في الأسواق ، ويخالط الناس ، والناس كلهم يعرفون كثرة ذكر هذا الرجل لله سبحانه وتعالى ، لا تجده إلا شغال ، لسانه دائم بذكر الله ، سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا أعرف رجلاً أكثر منه انشراح صدر .. تريد قيام الليل أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى ، وأكثر من الاستغفار ، يهيئك الله عز وجل لهذه الطاعات ..
    فكر في حقارة هذه الدنيا ، كم أخذت منك من حبيب وقريب وحاسب نفسك قبل أن تحاسب ..
    وأخيراً : مد يدك إلى الله سبحانه وتعالى ، واسأله أن يوفقك إلى زيادة الإيمان في القلب ، وأن يثبتك على دينك حتى تلقاه ، نحن في هذا الزمن الذي يخاف فبه المؤمن على نفسه _ لا بد من الضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، لا بد من مد هاتين اليدين إلى الله ومن ذرف الدموع ، ومن استجداء الله عز وجل والتذلل بين يديه .
    هل تعلم أن الله يغضب على العبد إذا لم يدعوه ، إذا لم يدعه العبد يغضب عليه ..

    غضب الإله إذا تركت سؤاله * * * وبني آدم حين يسأل يغضب

    فأسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه حتى نلقاه _ اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين _
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية