اطبع هذه الصفحة


ذُلٌّ !!
المندق في 24-5-1427هـ

موسى بن محمد بن هجاد الزهراني

 
كنت في مجلس – هذا الصيف – بين بعض معارفي الأقدمين ؛ فدخل علينا رجلٌ وسّع الله عليه في كل شيء إلا في معرفته والتقرب إليه ، فهو من الذين جمعوا المال من غير حله ، فينفقه في غير محله .
دخل علينا فاضطرب المجلس وقام ، وهرول إليه الناس يُقبّلون كلَّ جزء من جسمه ! فوصل إليَّ فلم آبه به ، ولم أرَ فيه أكثر من رجلٍ طاعن في السن يتشبب ، بحاجة إلى الرفق به من نفسه ومن الناس ، أن يهلكوه بنفاق مدحهم الهدام ؛ فامتعض ، وزمَّ شفتيه ، ورمى بنفسه على الأرض .. ثم ختمها بأن أمر (بشيشةٍ) له ، طولها يُذكرني بمنارة القاهرة ! .. فلم يعد لبقائي شأنٌ ، فاستأذنت وانصرفتُ .
فكّرتُ في هذا الرجل – وأنا أعرفه منذ الصغر بهذه النفسية التي دخل بها الليلة مجلسنا- لم يزل على غيّه وبهتانه ، وبُعده عن الله تعالى ، ولم يزل يستذلّ العامة .. وهم مُغفّلون .. بعضهم يخدمه منذ سنوات طويلة على أمل أن يناله منه شيء .. فلم ينله منه إلاّ جمر الشيشة الذي أحرق أصابعه وثيابه ، والخسران وذهاب ماء وجهه مجاناً ! .
هؤلاء يعلمون أن الأرزاق بيد الله .. ولكنه الخذلان .. فتراهم رُكّعاً سجداً بين يديه ، وهو قد مُكر به ؛ فلا يُعرف بصلاحٍ ولا صلاة .. وإذا تمطى فقدّم شيئاً من ماله للناس حدّث بها الجن والإنس على سبيل الافتخار والمنِّ .
ابتلاه الله بالنميمة والتفريق بين الناس ، والكذب الشنيع ، والتشبع بما لم يُعط .. فهو كلابس ثوبي زور .. ثم هو لا يدع أحداً من أهل الصلاح والاستقامة إلاّ لمزه ونال منه .. فنظرتُ فإذا هو لم يبق أحدٌ تستطيع أن تقول إنه يحبُه إلاّ رجلٌ واحدٌ فقط .. هو نفسه ! .
وفي المجلس أناسٌ .. ليسوا بأهل غنىً ولا علم ؛ بل بعضهم- إن لم يكن أكثرهم- عاميٌ لايقرأ ولا يكتب .. وهو مع ذلك لا يملك من حطام الدنيا شيئاً .. لكن القلوب إليهم تميلُ .. وتلهج الإلسنة بالثناء عليهم ، والدعاء لهم .. فقلتُ : أين هذا من هؤلاء ؟!

* * *
 

موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية