صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    مسافرون!
    في الطائرة إلى القاهرة في ‏4‏/رجب‏/1429هـ

    موسى بن محمد بن هجاد الزهراني


    كلنا مسافرون !..
    .. لكني منذ سنوات خمس ؛ أقطع الفيافي والقفار ، ذهاباً وجيئةً ، من بلادي إلى مصر .. ومنها إلى بلدي تارة أخرى ! .. ولا أعلم متى (شا القي عصاة المسافر ) ؟! كما يعبر إخواننا أهل اليمن ! .
    أكتب هذه السطور وأنا معلقٌ بين السموات والأرض ، على طائرة الخطوط السعودية، وهي تمخر عباب الفضاء ! ، ذاهبة بي إلى مصر الكنانة ، في رحلة مناقشة رسالة الماجستير ، أسأل الله تعالى أن يتمها بخير([1]) .
    حُبِّبَ إليَّ السفرُ منذ الصغر ، لكنه لم يكن يتجاوز منطقة (تهامة) ، لي فيها إخوةٌ ، أمكث عندهم طيلةَ الإجازة الصيفية ،رغم ما تضمه جبالها بين جنباتها من جحيم لا يطاق! فهي لا تعرف البردَ شتاءً ، كما أنَّ (الباحة) لا تعرف الحرَّ صيفاً – فيما مضى قبل الاحتباس الحراري !- وأنا عكستُ الآية ! ، فإذا جاء الناس إلى مرتفعات السراة لقضاء الصيف في جوٍ بارد ؛ أنزلُ أنا إلى تهامة لأشعر بالدفء!!..
    تهامة .. فيها معانٍ كثيرة ، لا أستطيع تصويرها . كنت أجد فيها سعة الأحلام ، والتجديد المستمر للحياة ، ليل تهامة ليل الشعر ، وأظن العاشقين الأوائل قد استنشقوا من عبير ليلها ما ألهمهم شعراً يقطر منه الجمال .  لم يكن يعكر صفو حياتي فيها إلاّ ساعةُ النوم ، والحنين إلى أبي .. آه يا أبي .. أين أنت يا أبي ؟! رحمة الله عليك .. كم أشتاق إلى أن أضع رأسي على صدرك ، وأشم ريحك الطيب الذي ما شممت أطيب منه .. رحلت يا أبي ولم أرتوِ من النظر إلى وجهك الحبيب ، والشوق إلى أمي الحبيبة حفظها الله ، وأخويَّ الصغيرين (آنذاك ) حسن ، وهجاد !([2]) .. أحياناً أشعر بدموعي تسقط على خديَّ قسراً تحت غطاء النوم ، ولم أكن أتنازل عن كبرياء الطفولة بسهولة ! ، فلا أبكي أمام أحدٍ إلاَّ تحت وطأة القهر ، وبصعوبة بالغة ، وفي مواقف لا تحتمل إلاَّ البكاء ! .. أما اليوم .....!!.
    كبرت .. وسافرت !.
    أول سفرة كانت إلى الرياض عام 1405هـ ، بعدما صارعت أحداثاً عائلية لم أنم من جرائها ، ومن شدة آلامها سنة كاملة . لم تكن سفرتي عن رغبة في السفر ، بل هروباً من تلك الأحداث وآلامها ، التي أغضت من إهابي الغض ، وقفزت بعقلي إلى مصاف رجال الثلاثين من العمر ، رغم أني ما تجاوزت الخامسة عشرة ! .
    لولا أن سخَّر الله لي خالي العزيز على قلبي (حسن بن يحيى الزهراني )، حفظه الله ؛ لانفطر قلبي من همِّ الفراق .. وهذه المرة سفرٌ إلى (نجد) ، نجد .. المباني الشاهقات ، والمشاعر الجامدات! ، إلى طباع لم أعهدها ، ووجوه لفحتها لفحة صحراوية فأثَّرت شمسها في تلك الوجوه ، فعبست في وجه قرويٍ كان يظن أن الابتسامة قد خُلقت في الوجوه ! قبل أن يأتي إلى الرياض فيكتشف أنه مغفَّل ! .
    كان قلب خالي كبيراً ، فقد وجدت فيه ما فقدت ، وجدت الأب ، والأُم ، والإخوة ، وقد كان فارق السن كبيراً ، إذ هو حينها متخرج من كلية التربية ، بجامعة الرياض (الملك سعود) ، لكني كنت أشعر أنه أقرب إليّ من نفسي .
    كان يمدني بالمال والمشاعر ، والنصائح الموجزة جداً ، لكنها على وجازتها كانت تُحفر في قلبي ، فلا أحتاج إلى كتابتها ، وإني لأذكرها اليوم وأدعو له من كل قلبي .. وأحياناً لم يكن يحوج نفسه إلى الكلام ، بل نظرة من عينيه تكفي لأعلم ما يريد ! رحم الله ذاك الزمان ! .
    ثم مكثت لديه عاماً ونصف العام ، وكان هو عالمَي ! .
    وفي عام 1406 هـ  قذفت بي أقداري في أحضان الحياة .. حياة لم تزدني بها علماً ، بل أضافت إلى علمي بها قتلَها لطموحٍ كان يملأُ جوانحي ، قُتل طموحي على أيدي أناسٍ لا أستطيع أن أصفهم بالبشرية فأظلمها ! .
    اعتدت السفر منذ ذلك الزمان إلى الآن ، فكنتُ – بعد أن تعيّنتُ موظفاً في المنطقة الشرقية لم أكن أحمل إلاَّ الشهادة الإعدادية! - أسافر نهاية كل شهرٍ إلى(بلاد زهران) ! ؛ شوقاً إلى أهلي ومراتع الصبا والذكريات العذبة الجميلة مع صديق الطفولة  عبدالله بن موسى  ، ابن عمي ، وكنت كتبت مغامراتنا معاً في مقال قبل سنوات .
    كنتُ أمنّي نفسي في كل سفرة أن ينتقل عملي إلى  الباحة ، عاماً بعد عام ، حتى ماتت هذه الأمنية ، وماتت معها خيالات كانت -أيضاً- آمالاً ! .
    وهائنذا  اليوم أعبر البحار .. حتى أصبتُ برهاب الطائرات – صدقاً! - ، كلما اهتزت الطائرة هزة خفيفة ظننتها تعنيني  ، فأتصلَّب على مقعدي ! ، أين هذا الخوف عندما كانت الطائرة تموج موجاً على جبال السروات ؟!  لا أعلم .
    ذهبتُ إلى زميلٍ لي ،( مقدم طبيب أمراض نفسية)! ، فشكوت له الحال ، فابتسم وقال :( حتى أنا !! كنت في رحلة قبل أيام فاستعنت بـ(حبةٍ) منومة ! فعُد إليَّ غداً لأجلس معك) ! فقلت في نفسي : (جئناك يا عبد المعين تُعين !!) إن صحَّ المثل ([3]).
    أسافر لدراستي ، ورؤية بنتي وزوجتي هناك ، وأعود لأمكث أشهراً بين زوجتي وأبنائي وبناتي هنا ، وذهني لم يزل مسافراً هنا وهناك ! كأنني : موكلٌ بفضاء الله يذرعُه !.
    عملٌ ، ودعوة ، وكتابة ، ومسجد ، وخطابة ، وديون وهمومٌ وغموم ، .. أسافر فأحملها على ظهري  ، فأسافر بها معي ، فكأني ما برحت مكاني .
    والآن – في هذه اللحظة – من الهمِّ .. أربطُ حزامَ مقعد جاري على وسطي دون تفكير بدلاً من حزام مقعدي ! ولم أنتبه إلاَّ من قصر الحزام ! ونظرة جاري الطيبة! فأرجعته بابتسامة باردة ! .
    حدثان اثنان  قصما ظهري في سنواتي الثلاث الماضيات ، إضافة إلى بلاء وقع عليَّ ممن زعم أنه ( أخٌ لي في الله!! ) عُد واقرأ مابين القوسين ! .. سببه الحسد ..
    أما الحدثان .. فأولهما موتُ عمتي .. والدة زوجتي ، وإني أشهد لله شهادة حقٍ أني لم أر مثلها في حياتي ، في اتزان عقلها ، وصلابة دينها ، وهدوئها ، رحمة الله عليه رحمة واسعة.
    والآخر .. موت عمي هذا العام ،زوجها ، فنفد ما بقي لي من ابتسامات أتجمل بها ..
    وتجلدي للشامتين أريهموا ... أني لريب الدهر لا أتضعضع !
    كان هو أبي ، عشت معه أكثر مما عشتُ مع أبي ، رحمهما الله جميعاً ، لكن موته كان خطبُه عظيماً على قلبي ، وكأنني لم أُصب بمصيبة قبله ، ولا بموت حبيبٍ من قبل . أظلمت الدنيا في وجهي ، ورأيته في منامي –قبل أيام-  في هيئة حسنة ، ووجهٍ جميل ، وكأني أشكو عليه الحال ، وأقول له :
     " تعبت بعدك يا عم !" .
    كنتُ إذا سافرتُ بدأت به فودعتُه ، وإذا قدمتُ من سفري بدأتُ به فاتصلتُ به قبل أن أزوره ، فإذا زرته .. ضحك ، وداعب ، ومزح ، وواسى ... هكذا كان .. حتى هدَّه المرضُ ، وإني أرى أنَّ مرضه كان كمداً على زوجته – رحمها الله – عمتي ، فوالله لا أعلم في هذا الزمان زوجين وفيَّين لبعضهما ، مُحبيَّنِ مُخلصينِ .. كحبهما ..لقد كرهتُ المنطقة الشرقية بقدر حبي لها ! وأشعر أنني مخنوقٌ في شوارعها بحبل الذكريات ! .
    وصلتُ إلى درجة من الحساسية في معاملة الناس لا مزيد عليها ، حتى إنني لأظن أن كلَّ من تجهّم في وجهي قد رأى مني ما يسيء إليه ! ، فأراجع نفسي .
    أصلي بالناس فأسهو في قراءة آيات لا يخطئ فيها الطفل في حلقات التحفيظ ! ، كنت أظن أني أحفظها حفظي لاسمي واسم أبي ! .
    أسافر لعل السفر يغيرني .. لكن ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
    أما الأصدقاء ووفاؤهم !..
    فإن كان يعقوب u كان ابتلاؤه  في أبنائه وفقدهم ؛ فقد ابتلاني الله تعالى في أصدقائي وتنكرهم ! ربما لسذاجتي وبساطتي ، أصادق المرء بصدق .. وأشق له فؤادي ليكتشف أسراره .. فإذا به يجفوا ويتنكر ، ويقلب له ظهر المجنّ !.أهذا جزاء المستهام المتيم؟! .
    جزاء من فتح لك قلبه وأسكنك فيه بلا تحفظٍ ولا قيود ! ، ما ابتلاني الله ببلاء مثلما ابتلاني بهم!.
    وجاء هذا (الهاتف الجوال) ليحمل إليَّ إساءاتهم مكتوبة بأحرفٍ من جهنم ! ، وهو كالصنم في جيوبنا .. لا يفارقنا في حلٍ ولا ترحالٍ .. فكيف يكون السفر مريحاً .. وهو أسوأ رفيقٍ فيه ؟! .

    ***

    لكنني وقد تجاوزت التاسعة والثلاثين من عمري أصبحت أخاف من السفر الذي لا رجعة منه .. سفرٌ طويلٌ .. طويل .. وزادٌ قليل قليل ! .
    سفرٌ إلى الله .. بذنوبٍ ناء بها كاهلي ! ، لولا حُسن ظني بالله تعالى ، الغفور الرحيم ، الذي لم ينزل سورة في القرآن تسمى .. سورة الجبار .. أو المنتقم .. لولا حسن ظني به تعالى لانصدع قلبي من الخوف والحياء منه ! .
    أيها الناس .. كلنا مسافرون !.        
     


    -------------------------------------
    ([1])   الحمد لله ، تمت وحصلت على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من جامعة القاهرة بتقدير (ممتاز ).
    ([2])   كبر (حسن) وتوظف وتزوج ، والآن لديه ( محمد ، وهيا ، ورؤى ، ولمار ) . و(هجاد) أيضاً لديه ( حسن ) حفظهم الله.
    ([3])    بحمد الله تعالى شفاني الله من هذا الرهاب بفضله ، ثم بالدعاء  ، فأصبحت أستمتع بالسفر ، فله الحمد والمنة .
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية