صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    مع الأخيار في مدينة سيد الأبرار
    المدينة المنورة 9/7/1428هـ

    موسى بن محمد بن هجاد الزهراني


    لم أزر طيبة الطيبة مرة ؛ وأرى جبل أُحُدٍ العظيم شامخاً إلاَّ أحسست بدموعي تريد أن تقفز من عينيّ بالقوة ؛كيف لا وهو جبل كما قال عنه صلى الله عليه وسلم "أحدٌ جبلٌ يحبُنا ونحبُه"، في كل شبرٍ في المدينة ذكريات للنبي صلى الله عليه وسلم  وصحبه.
    دعيت لزيارتها من أخي الحبيب الغالي الدكتور : مصلح بن مهل الردادي ، فكانت زيارة جاءت على فاقة! ، كنت محتاجاً إلى تفريغ همومي وغمومي ، بعيداً عن المنطقة الشرقية ، والغوص في كتب النصارى وكتب الرد عليهم ، التي أصبحت شغلي الشاغل [1].
    سكنت في عمارة قريبة من مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، متعددة الأدوار، وصباح هذا اليوم.. نظرت من نوافذها من أعلى طابق بعد الفجر ، فوالله إني أرى (أُحُداً) ومنازل أهل المدينة وأنا أقول في نفسي : كيف لو رآها النبي صلى الله عليه وسلم  بهذا الطراز! وبهذه البرودة في الصيف ، والمكيفات تملأ البيوت ؟ يا حبيب قلبي يارسول الله ! كم صبرتَ على شدة حرِّ الصيف في المدينة ؟ تمشي على رمضائها حافي القدمين ؟.  بل كيف لو رأى صلى الله عليه وسلم  مسجده بهذه العناية الفائقة جداً ،جزى الله خيراً من قام على العناية به ،  وهذه الوفود الكثيرة.

    *      *      *

    اتصل بي صاحبي .. الدكتور : مصلح ، وقال : كن مستعداً ! سآتي آخذك في رحلة خارج المدينة ..
    لا أستطيع رفض طلبه ، فأخلاقه العظيمه وبساطة تعامله تأسرك من أول نظرة .. مرَّ بي واصطحبني في سيارته .. وذهبنا إلى حيث لا أعلم ! وبصحبتي ابناي : محمد ، وخالد.
     سلكنا طريقاً لا ترى فيه أمامك إلاَّ الجبال الشاهقة ، والبرَّ الذي يجعلك منشرح الصدر مهما أشغلتك الهموم! .
    علمت في أثناء الطريق أننا سنذهب لافتتاح مسجدٍ أنشأه فاعل خير أقسم بالله تعالى ألاَّ يعلم أحدٌ عن اسمه ! فذهلت .. وصرخت : هذه والله التجارةُ الرابحة ..
    غذذنا السير حتى وصلنا قريةً هناك فيها بيوت متناثرة وجدنا بعض أهلها قد وقف لاستقبالنا بجوار بئرٍ حُفر بطريقة (الارتواز) تبرعاً من أحد الأخيار أيضاً! .
    ثم اتجهنا إلى المسجد.. وصلينا المغرب، ثم.. نفاجأ بالشيخ الدكتور/ يحيى بن إبراهيم اليحيى حفظه الله ورعاه يتقدمنا إماماً وبعد الصلاة اعتلى طاولته في المسجد.. فنثر على رؤوسنا الدرر والجواهر والذهب والزبرجد! نعم لا تقل هذا يبالغ.. أتريد أن تعرف كيف تم ذلك؟! إذن هات أذنك!!
    كان من الطبيعي أن يتحدث عن فضل المسجد في الإسلام، وبناء المساجد، وأنها الجامعة التي حُجِّم دورها اليوم.. إلخ كلامه الجميل، وأعظم عبرة، أنه أخبرنا أن الذي بنى هذا المسجد اشترط عليهم عدم ذكر اسمه أبداً، فلما سمعته بكيت بحرقة وقلت في نفسي.. لا يزال المسلمون بخير.
    ثم تحدث عن أهمية الصلاة وساق قصصاً جدُّ جميلة.. فيها العبرة لمن أراد أن يعتبر..

    القصة الأولى:
    سألنا الشيخ : من يعرف اسم والد عمر بن عبد العزيز؟!  القليل منا الذي أجاب إجابة صحيحة!
    لكنه.. أو خذ القصة بفهمي:
    كان عمر بن عبد العزيز بن مروان [2] ،- ابن أمير مصر : عبد العزيز بن مروان - من أشرف الشباب وأجملهم على الإطلاق، وكان أبوه حريصاً على تربيته ، ولذا لم يأخذه إلى ديار مصر ، بل وكَّل به في المدينة من يقوم على تأديبه على عادة الصالحين الأوائل، فاختار أبوه عالماً من علماء الإسلام العظام؛ ليقوم بتهيئة هذا الغلام لمستقبل الإسلام، لقد ركز الإمام (صالح بن كيسان ) في تربيته لعمر على المبدأ الصحيح الذي ضاع في وقتنا فضاعت أمة الإسلام بضياعه: الصلاة! . نعم.. كان يراقب هذا الغلام ليعلم حرصه عليها.. وفي يومٍ دخل عمر t  المسجد بعد انقضاء الصلاة فصلى! فلما قضى صلاته جاء إلى مؤدبه فسلّم وجلس، فقال له الشيخ: ما خلّفك عن صلاتك؟! قال عمر: إن مرجلتي (أي: الماشطة) هي التي ألهتني عن الصلاة، كانت ترجِّل شعري فلم تفرغ منه إلاَّ بعد انقضاء الصلاة، وكان له شعر طويل جميل.
    فأسرَّها شيخُه في نفسه ولم يُبدها له، ولم يعنفه، بل استأجر رجلاً، وكتب له كتاباً وأعطاه إياه ليسلِّمه لأمير مصر: عبد العزيز بن مروان، والد عمر!، قال فيه:
    (بسم الله الرحمن الرحيم .. من صالح بن كيسان إلى أمير المؤمنين: عبد العزيز بن مروان.. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد.. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو! ثم إني أخبركم بأن ابنكم عمر ألهاه طول شعره ومرجلته عن صلاته! والسلام!..)
    ودفع الكتاب إلى الرجل، فسافر به إلى مصر في شهرين، فلما قرأ عبد العزيز بن مروان الرسالة، قال للرسول: اقرأ مني السلام على صالح بن كيسان وقل له: قد وصلت رسالتك.. ثم عاد الرجل في شهرين كاملين، هي مسافة الطريق من مصر إلى المدينة.
    أما عبد العزيز بن مروان فقد أمر رجلاً من حرسه أن يذهب إلى المدينة، ويسأل عن ابنه: عمر، فإذا لقيه فليحلق رأسه قبل أن يكلمه ثم يعود إلى مصر!، وذهابه وإيابه أربعة أشهر! فذهب الرجل وفعل ما أمره به أمير المؤمنين! ثم عاد!.
    أرأيتم ؟!.. ثمانية أشهر كاملة من أجل فوت صلاة واحدةٍ! لكنهم علموا أن الإسلام لا يمكن أن يقوم إلاَّ بالصلاة! وانظروا مصداقها اليوم في واقعنا.. ضيع كثير من حكام المسلمين هذه الصلاة وحاربوا المسلمين في صلاتهم! فتسلط أعداؤنا على رقابنا.
    أتدرون ماذا كانت نتيجة هذا التأديب لعمر.. جعله أميراً لأكثر من 63 دولة من دول اليوم.. من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً.. حكم فيها سنتين.. حتى فاض المال في عصره.. حتى كانت أكبر مصيبة تحل بهم إذا الحول حال، وجاء وقت إخراج زكاة المال!.. وكان الرجل يخرج بزكاته فيطوف بها بين البيوت وفي الأسواق والمساجد فلا يجد أحداً يقبلها منه، وكان شغل الناس الشاغل إذا لقي بعضهم بعضاً أن يسأله: كم حفظت من القرآن؟! وما هو وردك كلَّ يوم؟! وماذا تقول في هذه المسألة؟! لأن أميرهم كان من علماء الإسلام العظام، وقد قال عنه علماء عصره.. (كنا عنده كالعيال...).
    نعم لقد صنعت منه الصلاة أعظم رجلٍ في العالم! ألم يكن هو سيد العالم في وقته.. حاكم الإسلام.. نفضت عنه الترف وآثاره، وأنسته ترجيل مرجلته لشعره، صدق اللهَ فصدقه اللهُ، واليوم أقسم بالله لم يبق للصلاة في كثير من مساجد الله أيُّ اهتمام عند المسلمين، بل بعضهم كأنه يساق إليها قسراً، يدخل المسجد فيظل واقفاً لا يركع تحية المسجد حتى يدخل الإمام وتقام الصلاة. وكثير منهم ليس له شغل إلاَّ تأديب الأئمة وانتقاد طول صلواتهم أو قصرها، أو التبكير بها أو التأخير في أدائها.. أو.. وهكذا.. نتلقى دروساً في الأخلاق من المصلين.. وهذا لا تعجبه برودة (المكيف) وآخر يشعر أنه في (فرن).. فهذا يخفض البرودة، وهذا يزيدها.. والبلاء ينـزل على رأس المؤذن والإمام.
    وهذا يذكرك بأن السنة قصر الخطبة حتى تكون مدتها 7 دقائق.. وينسى (وطول صلاته مئنة من فقهه) لكي يذهب فيمسك (بالريموت كنترول) يقلب القنوات حتى يحين موعد غدائه، ثم ينام إلى قريب المغرب أو بعده.. فيرى الشعرة في عين خطيب الجمعة ولا يرى الشجرة في عينه..
    وفي المقابل.. عشرات الألوف من شباب الإسلام لا يعرفون ألوان سجادة المساجد.. ومع ذلك هم مسلمون!! ترك الصلاة في هذا الزمان أصبح أمراً فوق المشهور، ولا أبالغ عندما أقول إن مسؤولين كباراً (أعني في وظائفهم وإلاَّ فهم صغار!) يديرون أعمالهم سنوات طويلة لكنَّهم لا يُرون في مساجد الوزارة أو الإدارة أو الشركة حتى يأتي التقاعد (الموت الأصغر) أو الموت الأكبر! فيُرمى في قبرٍ ميتٍ  ، مات كما مات صاحبه! وآخر ما يذكره به الناس أنهم قالوا لأهله (أحسن الله عزاءكم).. ثم يمحى من ذاكرة الناس لأن " من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس".
       .. أين هؤلاء من تربية عبد العزيز بن مروان لخليفة الإسلام عمر بن عبد العزيز؟!.

    القصة الثانية:
    يقال: إن رجلاً اسمه (ناصر) لديه ثلاثة أصدقاء. فالصديق الأوَّل يحبُّه حباً خالط لحمه ودمه، فهو يذكره الليل والنهار، ولا يستطيع الاستغناء عنه طرفة عين.
    أما الصديق الثاني فمحبته في قلب ناصر ليست كمحبة الأول، فهو يحبُّه لكنه ليس بكثير السؤال عنه، ولا الاحتفاء به إذا حضر، وإذا غاب يسأل عنه أحياناً وفي أحيانٍ أخر ينساه..
    أما الثالث، فهو صديق مُبغَضٌ لدى ناصر، ثقيل دمٍ، وليست صحبته له إلا كالدواء المرِّ، يجامله مجاملة، وفجأة!..
    عرض لناصر هذا سفرٌ بعيدٌ جداً، وهو بحاجة إلى من يصحبه في سفره هذا..
    فمن تتوقعون يأخذ معه رفيقاً ومؤنساً؟!
    الأول؟! نعم؟! هكذا تتصورون.. لقد ذهب إليه وعرض عليه الأمر، فرد عليه صديقه قائلاً: يا ناصر! إني أعلم أنك تحبني حباً جماً! ولا تستطيع الاستغناء عني لحظة! وتكثر من التفكير فيَّ في كل ساعة من ليل أو نهار!..وقد عرض لي سفر ، أريدك رفيقي فيه ..
    قال : لكني! لن أذهب معك في سفرك هذا أبداً مهما كانت محبتك لي! اذهب فابحث عمّن يسافر معك! .
    فصعق ناصر وذهل وكادت روحه تزهق! من هذا الجواب!.
    فذهب إلى الثاني.. فكان ردُّه قريباً من ردِّ صاحبه.. فلم يصدق ناصر نفسه.. أهؤلاء الذين كنت أعوِّل عليهم! وأحبهم؟! أهكذا يتخلون عني في أحرج الأوقات؟!
    لم يبق له إلاَّ أن يتحامل على نفسه ويعرض أمره على صديقه الثالث!
    ذهب إليه على مضض وقال له: تعلم أني أحبك! وأنا على جناح سفر وليس لي إلاَّك!
    قال: كذبت! إني أعلم أنك تبغضني ولا تحبني..لكني مع هذا سأسافر معك!!
    هل عرفتم الآن مغزى هذه القصة؟!
    إن صديق ناصر الأول.. هو المال.. الذي يحبه الإنسان حباً جماً.. لكنه إذا مات تركه خلفه!
    والثاني: هم الأهل والأولاد.. قصارى جهدهم أن يضعوه في قبره ثم يبكوا قليلاً، وبعد أيام ينسونه بل لا يريدون تذكره بحجة عدم تنغيص عيشهم.
    أما الثالث: فهو العمل! عمل الإنسان.. إن خيراً وإن شراً فسيذهب معه.. ويرافقه في قبره إما بصورة:- رجل صالح يؤنسه في ظلمة القبر.. إن كان ناصر صالحاً! وإما رجل كريه الوجه كريه الرائحة.. إن كان ناصر طالحاً.

    القصة الثالثة:
    روى المؤرخون قصةً جميلة:
    كان رجلٌ كريم ٌ[3]، من الأفاضل الأخيار، يملك فرساً لا يرى في الدنيا شيئاً هو أحب إليه منه ولا أغلى، فسمع به أميرهم، فعرض عليه أن يشتريه منه بضعف ثمنه أي بعشرة آلاف.. فأبى الرجل، فقال الأمير: أعطيك ضعفي ثمنه، عشرين ألفاً، فاعتذر..
    فلم يزل به إلى أن أوصل المبلغ خمسين ألفاً.. فلم يجبه الرجل إلى ما أراد..
    فلم يجبره الأمير.. وأذن له بالانصراف.. وقد علم الناس أن هذا الرجل يحب فرسه حباً يفوق حبَّه لأولاده..
    فعمد جماعة من اللصوص إلى تدبير حيلة ليسرقوا هذا الفرس.. ويبيعوه على الأمير، فلما أظلم الليل، وأرخى سدوله، تسلل أحدهم، وفك رباط الفرس.. فما فجأه إلاّ صوت الرجل ينهره.. فإذا به قد ربط الفرس في رجله! فإذا ما أراد أحدٌ سرقته انتبه الرجل.
    فهرب اللصوص، وعاد إلى ربط فرسه بإحكام.
    ثم سمع لصٌ محترفٌ بهذا فأقسم ليدبرنَّ حيلةً لا مثيل لها، فلبس ثياباً ممزقة وغير من هيئته وحمل في يديه (عكازين) ليوهم الناس أنه مريض مسكين لا يقوى على المشي إلا بهما.. فذهب وتعرض لصاحب الفرس..
    أما صاحب الفرس.. فكان يأخذها يركِّضُها مسافة طويلة بين غرضين.. وبينما هو كذلك إذ رأى هذا المسكين يقف بعكازين على جانب الطريق، فوقفَ فرسه وأخذ بلجامها (من شدة حرصه) بيده، وسأل المسكين: ما شأنك؟ قال: إني أريد تلك القرية ولا طاقة لي بالمشي، فقال الرجل: اركب! قال: ساعدني.. فاتكأ عليه وصعد على الفرس.. فلما مشى قليلاً.. تظاهر بالسقوط.. فعاد الرجل وأقامه وأصعده على ظهر الفرس.. فعاد إلى حيلته.. ثم قال: أيها الرجل المبارك! أرى أن تركبني على الفرس وتعطيني اللجام بيدي وتمسك بي من خلفي حتى لا أسقط! فَصدَّق الرجل كلام اللص.. وفعل ما طلب..
    فلما استوى الرجل على ظهر الفرس.. ضربها برجليه فطار بها.. والرجل واقفٌ ينظر إلى فرسه التي ضاعت منه بحيلة خبيثة.. لكنه.. صرخ بأعلى صوته، وصاح باللص أن قف، حتى أكلمك! وخذ الفرس هدية لك مني !.
    فوقف اللص، فقال له صاحب الفرس: إن هذه الفرس كما علمت أحبُّ مالي إليّ لكني سأعطيكها هدية.. بشرطٍ!  قال اللص: ما هو؟!
    قال صاحب الفرس: لا تخبر الناس أنك إنما أخذتها منّي بحيلة..
    قال اللص: ولمَ؟ قال الرجل: أخشى أن يتحدث الناس بذلك فيذهب المعروف بين الناس فلا أحدٌ ينصر أحداً أو يعينه أو يغيثه!!
    انظروا إلى المروءات! رحم الله المروءة وأسكنها فسيح جناته.. أما في زماننا هذا فلا يكاد أحدٌ يسمع بالمروءة إلاَّ على استحياء في أشخاص وجودهم أندر من الكبريت الأحمر!
    ولو شئت أن أسرد عليكم قصصاً في ضياعها في واقعنا لملأت لكم كتباً.. وآسف أن أقول: إن ضياعها في بعض من يدّعي الالتزام أصبح أظهر وأشهر! آسفٌ أن أقول هذا!
    هناك من يتقن فنَّ الطعن في الظهر؛ يعطيك الأمان حتى تظن بكل أحدٍ إلاَّ هو، ولا يخطر على قلبك يوماً أن هذا الصديق سيأتيك منه أعظم الضيق، ويناصبك العداء حتى يشغله الله بك، ويشغل لسانك به، بالدعاء، والاستعداء، يستعدي عليه من تعرف أنه سيكف أذاه عنك فلا يزيده إلاَّ طغياناً كبيراً، إنه ليمرُّ بالمرء أحياناً أوقات يفقد فيها الثقة بكل أحدٍ، حتى بنفسه التي بين جنبيه، وما ذاك إلاَّ لضياع المعروف بين الناس.. فماذا يفعل؟!
    أيعتزل الناس في زمن الهواتف الجوالة هذا؟! وزمن الانترنت؟ وإن اعتزلهم وما يدبِّرون.. هل سينجح؟ أيترك الدعوة إلى الله من أجل طعنة من خلفه من رويبضة اختزل فيه كل الشرور والآثام؟!
    حدثني أخي وصديقي الغالي د/ مصلح الردادي عن أحد الإخوة الدعاة وكان برتبة كبيرة جداً في عمله.. ومعروف عنه حدة في طبعه وصراحة تامة.. جعلت كثيراً ممن حوله يضرب للتعامل معه ألف حساب!.. لكنَّ فيه أمراً فقده أكثر الناس.. ما هو؟ قال الدكتور: إن فلاناً هذا لا يمكن أبداً أن يطعنك من خلفك؟! وإذا أحبك أو أبغضك؛ أخبرك بذلك علناً في وجهك! لكنه في غيابك يذكرك بخير.. و لا يسمح لنفسه ولا لغيره أن يذكرك بسوءٍ وأنت غائبٌ عنه!.

    القصة الرابعة:
    سافر ثلاثة من الشباب إلى دولة بعيدة لأمرٍ ما، وهناك رتعوا ولعبوا.. وكان سكنهم في عمارة تتكون من 75 طابقاً.. ولم يجدوا سكناً إلاَّ في الدور الخامس والسبعين!!
    قال لهم موظف الاستقبال: نحن في هذه البلاد لسنا كنظامكم في الدول العربية.. إن المصاعد مبرمجة على أن تغلق أبوابها تلقائياً عند الساعة (10) ليلاً، فلا بد أن يكون حضوركم قبل هذا الموعد.. لأنها لو أغلقت لا تستطيع قوة أن تفتحها، فالكمبيوتر الذي يتحكم فيها في مبنىً بعيدٍ عنا! مفهوم؟! قالوا: مفهوم!
    وفي اليوم الأول.. خرجوا للنزهة.. وقبل العاشرة كانوا في سكنهم!!
    لكن ما حدث بعد ذلك أنهم في اليوم التالي تأخروا إلى العاشرة وخمس دقائق وجاءوا بأقصى سرعتهم كي يدركوا المصاعد لكن هيهات!! أغلقت المصاعد أبوابها! توسلوا وكادوا يبكون! دون جدوى..
    فأجمعوا أمرهم على أن يصعدوا إلى غرفتهم عبر (السلالم- الدرج) مشياً على الأقدام!.. قال قائل منهم: أقترح عليكم أمراً؟!
    قالوا: قل!
    قال: أقترح أن كل واحدٍ منا يقص علينا قصة مدتها مدة الصعود في (25) طابقاً.. ثم الذي يليه، ثم الذي يليه حتى نصل إلى الغرفة!
    قالوا: نعم الرأي.. توكل على الله أنت وابدأ!
    قال: أما أنا فسأعطيكم من الطرائف والنكت ما يجعل بطونكم تتقطع من كثرة الضحك! قالوا هذا ما نريد.. وفعلاً حدَّثهم بهذه الطرائف حتى أصبحوا كالمجانين.. ترتج العمارة لضحكهم، ثم.. بدأ دور الثاني فقال: أما أنا فعندي لكم قصصٌ لكنها جادة قليلاً.. فوافقوا.. فاستلمهم  مسيرة خمسة وعشرين طابقاً أخرى..
    ثم الثالث.. قال لهم: لكني أنا ليس لكم عندي إلاَّ قصصٌ مليئة بالنكد والهمِّ والنعمِّ.. فقد سمعتم النكت.. والجد.. قالوا: قل.. أصلح الله الأمير!! حتى نصل ونحن في أشد الشوق للنوم!.
    فبدأ يعطيهم من قصص النكد ما ينغص عيش الملوك! فلما وصلوا إلى باب الغرفة كان التعب قد بلغ بهم كل مبلغ.. قال: وأعظم قصة نكد سمعتها في حياتي.. أن مفتاح الغرفة نسيناه لدى موظف الاستقبال في الدور الأرضي! فأغمي عليهم!.
    نعم فيها عبر!.
    الشاب - منا- يلهو ويلعب ، وينكت ويرتكب الحماقات ، في السنوات الخمس والعشرين من حياته.. سنواتٍ هي أجمل سنين العمر.. فلا يشغلها بطاعة ولا بعقل!
    ثم.. يبدأ الجد في الخمس والعشرين الثانية.. تزوج.. ورزق بأولاد.. واشتغل بطلب الرزق وانهمك في الحياة.. حتى بلغ الخمسين!.
    ثم في الخمس والعشرين الأخيرة من حياته – وأعمار أمتي بين الستين والسبعين وأقلهم من يجوز ذلك كما في الحديث- بدأ النكد.. تعتريه الأمراض.. والتنقل بين المستشفيات وإنفاق الأموال على العلاج.. وهمِّ الأولاد.. فهذه طلقها زوجها.. وذلك بينه وبين إخوته مشاكل كبيرة وخصومات بين الزوجات ،تحتاج تدخل هذا الأب ، وتراكمت عليه الديون التي تخبط فيها من أجل إسعاد أسرته ،فلا هم الذين سعدوا ولا هو الذي ارتاح من هم الدَّين!.
    حتى إذا جاء الموت.. تذكر أن المفتاح.. مفتاح الجنة.. كان قد نسيه في الخمس والعشرين الأولى من حياته.. فجاء إلى الله مفلساً.. "ربِ ارجعون.." ويتحسر ويعض على يديه "لو أن الله هداني لكنت من المتقين" ويصرخ "لو أن لي كرة.." فيجاب "بلى قد جاءتك ..."
     
    القصة الأخيرة:

    يقال أن هناك سفينةَ ركابٍ كبيرة جداً، فيها مقاعدُ مخصصةٌ لكل شخص حسب صفته وما يليق به..
    فهناك: مقعد للصالح التقي، ومقعد للفاجر الشقي، مقعد للواصل رحمه، ومقعد بجواره للقاطع رحمه، والبار بوالديه، والعاق، والخائن والأمين، والعفّ والزاني، وقارئ القرآن، والمغني، والعفيفة والفاجرة، والمحتشمة والمتبرجة، والأمير، والفقير، والملك، والمواطن، والعالم، والجاهل، وصاحب الربا، والذي يسعى في حاجات الناس لوجه الله تعالى، والشهم الهمام، والدنيء الخسيس، والنذل الجبان، والشجاع المقدام، والواضح الصريح، والغامض القبيح، والمجرم السفاح، والنقي البريء، والمظلوم والظالم، والمؤمن الخاشع، والمنافق المخادع، والكافر المشرك، والمسلم المؤمن، واليهودي النتن والنصراني الأحمق عابد الصليب، والمجوسي، وعابد الأبقار، والشاب المتهور عابد شهوته، والشاب العابد الناشئ في عبادة الله.. ثم سارت هذه السفينة.. وسارت حتى أنزلت هؤلاء الركاب جميعاً.. في المقبرة!!
    ثم عادت ليركب فيها آخرون!..
    هل حجزت مقعدك فيها.. ترى أي مقعد ستختار؟! مقعد الشاب العفيف المؤمن التقي، أم مقعد عابد شهوته، مقعد البار أم العاق؟!..
    وأنتِ.. مقعد المحتشمة العفيفة، الصالحة، المصلية القانتة، غاضة الطرف! أم مقعد الأنثى المترجلة مزاحمة الرجال في كل مجال! بائعة الأنوثة، وناسية الدار الآخرة، التي تضل الرجال وتغويهم وتتفنن في إظهار ما ستره الله من جسمها..
    أي مقعد ستختار في هذه السفينة، ومتى ستقف بنا هذه السفينة، وأين ستلقينا.. وعلى أي حال؟!.


    -----------------------------
    [1] هذا كان أيام عملي في رسالة الماجستير (منهج الطوفي في مقارنة الأديان مع تحقيق كتابه : التعليق على الأناجيل الأربعة والتوراة وكتب الأنبياء الاثني عشر).
    [2] قال الشيخ الحبيب ، صديقنا الفاضل : محمد حسان في محاضرته ( مصابيح الهدى ) :( لقد روت لنا كتب التاريخ والسير أن فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد حرم في خلافته خلط اللبن بالماء، وفي ليلة من الليالي المظلمة الشاتية الممطرة والناس نيام، ولكن أنى للنوم أن يعشى عمر! فخرج عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الرعية، وأمام بيت من بيوت الناس سمع عمر بن الخطاب حواراً جميلاً جذاباً بين أم وفتاتها التقية النقية الزاهدة الورعة: الأم تقول لفتاتها: هيا يا بنيتي أسرعي وامزجي اللبن بالماء قبل أن يطلع علينا الصباح! والبنت التقية تجيب أمها وتقول: يا أماه! ألم ينه أمير المؤمنين عمر عن مزج اللبن بالماء؟! فتقول الأم لفتاتها: يا بنيتي! إن الناس يمزجون، وما يدري أمير المؤمنين بنا الآن؟ فترد الفتاة الورعة التقية وتقول لأمها: يا أماه! إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا! واغرورقت عينا عمر بدموع الغبطة والسرور والفرح، وأطلق ساقيه للريح يجري إلى داره، يا عاصم ! من عاصم ؟ عاصم بن عمر ، يا ولدي! اذهب إلى هذا البيت الفلاني وتزوج بهذه الفتاة الورعة التقية، فإني والله أرجو الله أن يخرج منها فارساً يقود العرب والمسلمين! إنها عبقرية فاروق الأمة رضي الله عنه وأرضاه. ويستجيب الولد لرغبة أبيه، ويتزوج عاصم بن عمر رضي الله عنهما بهذه الفتاة المراقبة لله جل وعلا، وتنجب له هذه الفتاة فتاة أسموها ليلى وكنوها بـأم عاصم ، فتزوجت أم عاصم هذه رجلاً من خيار بني أمية يقال له: عبد العزيز بن مروان ، فولدت لـعبد العزيز هذا الشاب التقي النقي الزاهد العابد الورع عمر بن عبد العزيز ، ولدته بالمدينة المنورة سنة ستين للهجرة، وقيل: ولد عمر بن عبد العزيز بمصر بمدينة حلوان سنة إحدى وستين للهجرة. إنها ذرية كريمة بعضها من بعض، فهذا الشبل من ذاك الأسد)
    [3]  كان هنا هي التامة وليست الناقصة ، وهي هنا بمعنى وُجد .

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية