اطبع هذه الصفحة


قصتي مع سراج الدين !
القاهرة في 27-11-1431هـ

موسى بن محمد بن هجاد الزهراني

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 

قال لي :
لي زميلٌ في نفس رتبتي اليوم (عميد) صدر قرارٌ من عمله بنقله إلى منطقة أخرى ، قال (زميلي هذا ) :
فلما استقر بي المقام ، واستأجرت سكناً لي ولأهلي ، فكرت في عقد الصلات الاجتماعية ، لكن بانتقاء شديد ، ليس كأيام الشباب .. كنا نتهافت على الصداقات بغباء شديد ، فلم نزل نفقدهم واحداً واحداً ، حتى إذا تقدمت بنا الأيام تلفتنا حولنا فلم نجد منهم واحداً !.
فكرت في صحبة أتخذها في هذه المنطقة التي لا أعرف فيها أحداً ، وليس من العقل أن أرمي بنفسي على باب أحدٍ طالباً صحبته .. فكرت وفكرت .. فوجدتها كما وجدها نيوتن ! .
خطر لي حارس العمارة .. رجلٌ طيبٌ جداً (هندي الجنسية ) اسمه ( سراج الدين) ، وكنت أراه يذهب كل يوم إلى المسجد ، ويطيل الصلاة ، راقبته أياماً كثيرة ، وكنت إذا حمل لي أغراض البيت أعطيه بعض النقود فيرفضها ، ويقول : أنا آخذ منكم راتب كل شهر ..
علمت أنه لن يكذبني إذا استنصحته ، فليس له مصلحة في الكذب عليّ.
ذهبت إليه وكنت أرتدي بذلتي العسكرية المليئة بالنجوم ، فلم يحفل بها كثيراً ، فقلت له : يا سراج ! هل تقدم لي خدمة ؟!
قال : نعم ! ..
قلت : أنت رجل طيب .. وأنا رجل جديد على هذا الحي .. وأريد أن أتعرف على أصدقاء مخلصين .. فهل تساعدني ؟!
فضحك ، وهزّ رأسه ، ثم أمسك بيدي ، وقال :
شوف ! أنا هنا في المملكة منذ 18 سنة ، وأنت رجلٌ صادق ، وأنا جربت الناس هنا كثيراً ، ونحن الهنود أو (رفيق ) كما تقولون لا قيمة لنا عندكم ! بل نحن مضرب المثل في الغباء عندكم ! .. لكن أنت رجلٌ صادق ! لأنك اخترتني أنا ولم تختر فلاناً (ضابط كبير يسكن في نفس الحي علمتُ فيما بعد أنه مُليءَ كبراً وعجباً !) .. يا أخي إذا أردت الصحبة الطيبة فعليك بهؤلاء ! أكتب ..
فأخرجت ورقة وكتبت فيها كما أمرني ! قال :
1. أبو تركي ..
قلت : أليس له اسم ؟! قال : أنا لا أعرف أسماءكم إلاَّ هكذا .. قلت: أكمل! قال:
1. أبو تركي ..
2. أبو سعد ..
3. أبو هشام ..
4. أبو عبد العزيز ..
5. أبو طارق ..
6. أبو ياسر ..
قلت : وهل أبحث عنهم هكذا ..أبو تركي .. أبو سعد ... ؟! فضحك وقال : انظر ! هل ترى تلك الخيمة ؟!(خيمة على أحدث طراز بنيت) قلت : نعم ! قال : لهم فيها جلسة كل يوم بعد المغرب ، ولا يردّون زائراً !
فشددت على يد سراج وشكرته ، وانصرفت !..
فلما كان من الغد ، صليت المغرب جماعة معهم ، ثم ذهبت إليهم في خيمتهم فاستقبلوني بحفاوة غير مصطنعة ، وعرّفتهم بنفسي .. وجدت مجلسهم طيباً جداً ، يخلو من الكآبة والغيبة ، والتصنع والتكلف ..
مكثنا على هذا الحال سنوات .. وفي يوم جاء إليّ سراج الدين ، قال :
- أنا أودعك !
- إلى العمرة ؟!
- لا .. إلى الهند .. !
- إجازة ؟!
- نعم ..لكنها مفتوحة .. إلى أن يأتي الموت !
فحزنت والله عليه .. قلت :
- متى السفر ؟
- بعد أسبوع ..
- طيب .. أنا أعزمك بعد غدٍ للعشاء عندي في بيتي ، وأرجو أن توافق ..
فابتسم ووافق !.
قلت لأصحابي في اليوم التالي :
- عندي (عزيمة) غداً .. ولا أعذر أحداً منكم إن لم يحضر .
- خيراً إن شاء الله .. قال قائل منهم :
- لمن العزيمة ؟
- لصديق لي قديم ستعرفونه غداً إن شاء الله .
في ليلة العزيمة تكامل حضور الأصحاب ، ودخل سراج فجأة ، يلبس ثوباً كثيابنا، فرحبتُ به ، ورحب به أصحابي ، وبعضهم كان يمازحه لما رآه يلبس الثوب !
أجلسته في صدر المجلس ، فرمقتني الأبصار ! وكنت أنا الذي أقوم بصب الشاي والقهوة لهم ، على غير المعتاد ، وسط اندهاشهم ، وكأني أرى على رؤوسهم علامات الاستفهام !.
تجرأ أحدهم وقال :
- أين ضيفك يا أبا أسامة ؟!
- سيأتي بعد قليل ! . فازداد تعجبهم !.
حضر العشاء ، وجهزناه في (المقلط) الغرفة المجاورة ، ودخلت على أصحابي وقلت:
- تفضلوا حياكم الله ! .. قالوا جميعاً :
- الله يحييك ! لكن أين الضيف ؟!
- الضيف سراج الدين ! سيسافر إلى بلاده (خروجاً نهائياً) ، وهذا الرجل له فضل علينا جميعاً ، ولولاه – بعد الله – لما عرفتكم ولا عرفتموني ! هو الذي دلني عليكم واحداً واحداً ، وهذه الورقة فيها أسماؤكم ، وكتبتها بتاريخ 13/4/1428هـ ، قبل أربع سنوات ! ، وسراج الدين رجلٌ صادقٌ لا ينافق ولا يداهن .
قاموا للعشاء وهم في حالة حرج يبدو على وجوههم ! .
بعد العشاء أخرجت هدية ومبلغاً من المال في ظرف ، وقدمتها لسراج الدين، قبلها مني بعد إلحاح !.
أما أصحابي فقالوا : جزاك الله خيراً ، فقد أعطيتنا درساً أخلاقياً لن ننساه في حياتنا أبداً ..
ثم اتفقوا جميعاً على تقديم هدايا ومبالغ مالية لسراج الدين قبل سفره ..
قال : غيّر هذا الموقف من أخلاق أصحابي – بعدُ-فكنت أرى فيهم رقةً في تعاملهم وتواضعاً ، حتى إن زوجتي تخبرني عن تأثير هذا الموقف في أخلاق أهليهم في بيوتهم كما نقلت عن زوجاتهم ، وأنهن يحدثنها عن تغير طباع أزواجهن وتحسن أخلاقهم وظهور مبادرات منهم لم تكن قبل عزيمة سراج الدين !.
فهذه هي قصتي مع سراج الدين !.


 

موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية