صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ليلة في الطوارئ !
    الدمام 4 ذو الحجة 1433هـ

    د .موسى بن محمد بن هجاد الزهراني

     

    بسم الله الرحمن الرحيم


    .. اهتز قلبي اهتزازاً عنيفاً ؛ لمّا جاءني اتصالٌ من أحد الزملاء يخبرني فيه بوقوع حادث مروريٌّ شنيع لأحب الناس إلى قلبي (سلمان !) ؛ في طريقه لقضاء إجازة عيد الأضحى عند والديه في الجنوب..
    علمتُ أن الحادث وقع في منطقة (الأفلاج) -( تبعد عن المنطقة الشرقية قرابة 700كم)- وتوفي معه أخته رحمها الله ، وابنتها (9 شهور) ، وأصيب هو وزوجته وابنه وبنته.
    بلغني خبر الخدمات البدائية المتخلفة جداً ؛ التي تلقوها في مستشفى الأفلاج العام التابع لوزارة الصحة ، حتى إنهم مكثوا به ليلة كاملة ؛ كان أكبر همهم – بعد معاناتهم الجسدية والنفسية – هو أن يكُفُّوا عن وجوههم وأجسامهم أسراب ( البعوض ) التي غزتهم ؛ لتشفط ما بقي من دمائهم في أجسادهم بعد هذا الحادث !.
    .. نُقلوا في سيارات متفرقة إلى المنطقة الشرقية ؛ ليس بينها سيارة إسعاف واحدة !.
    في تمام الساعة العاشرة ليلاً كنتُ على أبواب قسم الطوارئ (بمجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران) أنتظر قدوم (سلمان) .. دقائق قصيرة وإذ بسيارة تقف على باب الطوارئ ؛ نظرت فإذا (سلمان) داخلها ، مستلقياً في المقعد الخلفي ، وقد علاه الشحوب ، وبدا عاجراً عن القيام إلاّ بمساعدة ؛ فلم أملك عينيَّ ، ولم تحملني قدماي .. آه يا (سلمان) .. تذكرت صحبة عشر سنين قضيتها معه ، ولم أزل ، كنت أراه كل يوم ، في العمل ، وفي المسجد.. فهو مؤذنه ، وأنا إمامه ، إنه بمثابة ابني ، بل هذا هو شعوري ، وإني لأشهد له بنقاء السريرة ، والصدق ، والأمانة ، وحب الخير ، ونكران الذات ، والهمة العالية ، ويكفي أنه لم يذكر أحدٌ عنه أنه نام عن صلاة الفجر طيلة ثمانية أعوام قضاها مؤذناً للجامع ..
    كم وقف إلى جواري ، وشد من أزري ،ولم يزل؛ في تلك العواصف التي كادت تجتاحني!، حين شمت بي الأبعدون البعداء ، وتخلى عنيّ الأقربون ، لاسيما أصحاب ..« إني أحبُك في الله !» .. الذين تنكشف سوءاتهم في المحن ، فأعلمُ أنهم لم يكونوا يحبوني في الله ، ولا في غير الله ، بل كانوا لا يحبون إلا أنفسهم ويعشقونها – ولم أرد تغيير الشين والقاف وأضع مكانهما الباء والدال !- طيلة سنوات يُخدِّرونك فيها بمعسول الكلام، وطويل اللحى ، وقصير الثياب !.
    .. جاء الممرضون، والطبيب ، والممرضات ، فأدخلوا (سلمان) لقسم الطوارئ ، ودخلتُ معه ، وبدأت الأحداث !.
    .. جيء بابنه الصغير (فارس 6 سنوات) ؛ وبه من جراء الحادث سحجات وجروحٌ في رأسه، نظرتُ إليها من قرب؛ فوجدتهم أجروا لها خياطاً ذكرني بخياط أكياس الشعير عند المزارعين فيما مضى ! بين كل خيط وخيط بُعد المشرقين !؛ ببركة مستشفى الأفلاج ، وبه أيضاً كسرٌ في ذراعه النحيلة ، أدرجوا عليها قطناً لا يقي من حرٍّ ولا قرٍّ ، يسترون بها فضيحتهم !..
    ثم رأيتُ (الأشعة) لهذا الكسر ؛ فكدتُ أدعو على من أجرى له تلك الإسعافات الأولية!.
    رحمك الله يا غازي القصيبي ورحم الله زمانك !، وأسكنك فسيح الجنات .
    الناسُ في الطوارئ في هرجٍ ومرجٍ ..
    استطعتُ أن أعلم بعضاً من تفاصيل الحادث من (سلمان) ، بعد أن هدأت نفسه .. وقد وجدته – كما عهدته – صابراً محتسباً ، مترحماً على أخته ، رحمة الله عليها .
    قلت : أحسن الله عزاءك ، وعوضها الله الجنة وغفر لها .
    قال : .. قبل أن يقع الحادث بدقائق .. اتصلتْ هي بإحدى أخواتها ، وقالت لها : إذا وقع لي أي أمر فأولادي أمانة في عنقك !، فغضبتُ أنا وعاتبتها ، فابتسمت ، وقالت : هذه مجرد وصية ..ثم وقع قضاء الله وقدره ، فنطقت الشهادة ، وفاضت روحها إلى بارئها .
    .. بينما كنتُ أتحدث مع (سلمان) .. اضطرب الأطباء فجأة ، وأسرعت الممرضات نحو باب الطوارئ ، وسمعتُ صوت رجلٍ يـتألم بشدة ، ويصرخ بأعلى صوته .. في وضعٍ يُقطع القلب ..
    أدخلوه موضوعاً على سرير المستشفى ، فإذا هو شابٌ تعرض لحادث انقلاب ، ملطخٌ وجهه بالدماء، لا يُعرف اسمُه ، ولم يكن معه أي بطاقات إثباتٍ لشخصيته .
    وقد علمتُ أيضاً أنهم تنقلوا به بين عدة مستشفيات فلم يقبلوه (.. في بلاد الإنسانية!) .. حتى أتوا به أخيراً لمجمع الملك فهد الطبي ..
    حاول الأطباء تهدئته كي يتمكنوا من علاجه ؛ فلم يستطيعوا ..
    توقف أشرافهم على بقية المرضى والمصابين ؛ ليعالجوا حالة الهياج التي اعترت هذا الشاب.
    حاول زميلٌ لي مع هذا الشاب أن يعرف اسمه .. دون جدوى ، فقد كان يصرخ بأعلى صوته ، ويردد أسماء وكلمات غير مفهومة .
    كنتُ أنظر من بعيد ؛ فليس لي صلاحية الآن ( بعد أن خرجت من العمل في هذا المستشفى منذ خمسة أشهر ، أو أخرجوني منه !! في زمن الإنسانية !)..
    .. دقائق دقت فيها قلوبنا بشدة ، عندما رأينا الأطباء والممرضات يوثقون أيدي هذا الشاب وأرجله بالسرير .
    اضطربوا مرة أخرى .. لتدهور حالته فجأة .. فلجأوا إلى عمل إنعاش قلبيٍ له .. وتناوبوا عليه ! كلما عجز منهم أخصائي .. جاء الذي بعده ..
    نظرتُ حولي .. فإذا كلُّ مَن في الطوارئ واقفين ينظرون، حابسين أنفاسهم .
    دقائق .. وكأنها ساعات .. وقد شارفنا على منتصف الليل ، وفجأة !..
    سكنت الحركة ، وخيّم السكون على الأطباء ، والممرضات ، وعلينا .. اقتربت قليلاً، ونظرت في وجه أحد زملائي الذين كانوا بجواره ؛ مستفهماً ؟!
    فقال لي : لقد مات الشاب ..
    هدوء قاتلٌ خيّم على المكان .. يقطعه صوت الممرضات ، يطلبن سترة (البلاستيك) لتغطية جسده .. ونفرّق الناس من حوله .. ولم يبق إلاَّ قطراتٌ من الدم على الأرض ؛ بدأت إحدى الممرضات في تنظيفها ..
    قلتُ لصاحبي : ألم يتنبه أحدٌ منا إلى تذكيره بالنطق بالشهادة ؟ ، فتعجب صاحبي ، وقال : لم تكن نلك الصرخات إلاّ سكرات الموت ..
    قلت : .. يعني هذا أن ملك الموت كان هنا قبل قليل ، مع الملائكة .. كان هنا في الطوارئ ..فازداد عجبُ صاحبي ..
    أحسستُ بحقارة الحياة ..
    فيما بعد .. علمتُ أنهم اتصلوا بالمرور ، وأخبروهم أن اسم هذا الشاب هو(بندر ) رحمك الله يا بندر ..
    عدتُ إلى (سلمان) الذي كان يشعر بما حدث ، ولا يستطيع أن يلتفت .. سألني فأخبرته .. فحمد الله واسترجع !.
    .. لحظات .. وإذ بنا نسمع صرخات امرأة تشقُّ الآفاق .. تدخل محمولة على السرير ، بعد أن أنزلتها سيارة عادية على باب الطوارئ .. يرافقها شاب في الثلاثينيات من عمره ، وامرأة ..
    أسرع طاقم الطوارئ مرة أخرى إلى هذه المرأة ، وتوالت الإجراءات لإسعافها إلى قُبيل الفجر ..
    فلما هدأت الأمور قليلاً .. اتجهتُ إلى هذا الشاب الذي كان يبدو عليها القلق ، وسألته: طمنا على الأهل ؟
    قال : أي أهل ؟!
    فخجلتُ ، وقلت : هذه المرأة التي معكم ؟!
    ابتسم ابتسامة الألم ، وقال :يا أخي .. والله لا نعرفها ! ..
    فتعجبت أشد من عجب صاحبي أول الليل ! ..
    وأكمل كلامه :.. هذه المرأة وقع لزوجها حادثٌ وهي معه ، وكان الاصطدام أمام أعيننا، فنزلنا ، ووجدنا زوجها قد فارق الحياة ، رحمه الله .
    فلم يبق إلا هي في الطريق الطويل ، فاتصلنا بالمرور ، وأخبرناهم ، وحملنا المرأة أنا وزوجتي؛ لنكسب الأجر ، وننقذها ، فليست من المروءة أن نتركها لوحدها مهما كانت المسؤولية علينا!.
    ثم قال :.. وبعد أن أوصلناها إلى هنا ، وتحسنت حالتها ، سألتها زوجتي عن اسمها واسم زوجها ، وأبيها ، فأخبرتنا ، واتصلنا بأبيها في ( الجنوب) ، وأخبرناه ، وهو الآن قريبٌ من (الرياض ) قادمٌ للمستشفى..
    وقال أيضاً : .. ولم نخبرها بموت زوجها ، كلما سألتنا أخبرناها بأن المرور نقله إلى مستشفى في (الخُبَر ) ..
    عندئذٍ نظرتُ إلى هذا الشاب بإكبار وإعجاب ، ونزلتْ دموعي بغزارة ، وشددت على يديه ، وسألته عن اسمه ورقمه ، فقال : ( أحمد الجهني ) وهذا رقم هاتفي ! فهممت أن أُقبِّل يده .. ولم أنسَ أنه لم يكن ملتحياً !ولا معسول الكلام ! لكنه كان شهماً كريماً !.
    لم أّكُفَّ عن البكاء إلاّ بعد أن سمعتُ عبر (سماعات المستشفى) :( الله أكبر .. الله أكبر .. الصلاة خيرٌ من النوم ..) .. أذان الفجر .

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية